2026/06/23

Sociology of smell and Odours (53) علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح

في المقابل، إستفاد آخرون من هذه الوظيفة الطبيعية (طرد الغازات أو الضراط).

 فقد اشتهر الفرنسي جوزيف بوجول، المعروف بإسم "أبو ضرطة!"، بقدرته على طرد الغازات كلما رغب بهذا الأمر. 

فمنذ إنتقاله إلى باريس عام 1892، قام بترفيه زبائن حانة المولين روج بإصداراته الغازيّة المتنوِّعة، بمن فيهم سيغموند فرويد والملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا والأمير إدوارد أمير ويلز.

 وكانت الصفوف الأولى هي الأكثر طلبا من قبل الزبائن. إلتقط توماس إديسون  الإنطباعات الصوتيّة البوجوليّة خلال المعرض العالمي العام 1900.

علم البراكين المعوية

الشيء الغريب هو أنه لم يتمكنوا من تحديد الكمية الطبيعية من الغازات المُطلَقَة، التي يمكن أن ينتجها الشخص السليم يوميا بدقة، إلا خلال العام 1991. 

إعتباراً من ذاك التاريخ، تمكن الباحثون في جامعة شيفيلد الإنكليزية من تجنيد عشرة متطوعين، خمسة رجال وخمس نساء، على استعداد للتعايش مع "أنبوب مطاطي مرن ومقاوم للماء" يتم إدخاله في فتحة الشرج وكيس تجميع لمدة أربع وعشرين ساعة في اليوم، مع نظام غذائي عادي مُتكوِّن من مئتي غرام فاصوليا مطبوخة. وبفضل هذه الدراسات الرائدة التي أجراها أخصائيُّون في طرد الغازات، الإسم الرسمي للعلماء المتخصصين بدراسة الضراط، فقد أصبح معروفاً الآن أن الشخص يطرد الغازات في المتوسط عشرين مرّة في اليوم (بين خمسمئة وألفي ميليلتر غازات)، كنتيجة لتراكم الهواء في المعدة والأمعاء.

في الواقع، المسؤولون عن إصدار تلك الغازات أكثر من الإنسان والحيوان، هم:

  ملايين البكتيريا، مثل الإشريكية القولونية الحاضرة بكثرة والمتعايشة ضمن النظام البيئي المعقد المتواجد في أمعائنا.

 تتكون الإصدارات الغازيّة من تسعة وخمسين بالمئة من الآزوت؛ وواحد وعشرين بالمئة من الهيدروجين؛ وتسعة بالمئة من ثاني أكسيد الكربون؛ وسبعة بالمئة من الميثان؛ وأربعة بالمئة من الأكسجين، وواحد بالمئة فقط من السكاتول والكبريتيدات.

  يعني هذا بأن تسعة وتسعين بالمئة من الغازات التي ننتجها ليس لها رائحة. 

تتوقف الرائحة على النظام الغذائي للشخص والبكتيريا المنتجة للكبريت في القولون. 

بحسب الكيميائي آلان كليجرمان، مخترع المُكمِّل الغذائيّ "بينو" الذي يساعد على منع ظهور غازات البطن عن طريق تجويع البكتيريا، "رائحة الضراط هي سمة مميزة للإنسان كبصمة إصبعه".

ربما الخبير الرائد عالمياً في مجال الضراط أو طرد الغازات هو الأمريكي مايكل ليفيت، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي في جامعة مينيسوتا. ومن بين المعالم البارزة الأخرى في مسيرته الغازيّة، هو أنّه كان المسؤول عن تحديد الغازات الثلاثة المسؤولة عن رائحة الغازات المطرودة، وهي:

 حمض الكبريتيد، الذي يعطي رائحة البيض الفاسد؛ والميثانثيول، الذي يعطي رائحة الخضار المتحللة؛ والديميثيل، الذي يعطي رائحة خفيفة.

وكما تقول الكاتبة ماري روش في كتابها "غلوب: مغامرات في قناة الغذاء"، فإن وكالة ناسا كانت مهتمة للغاية منذ زمن بعثات "برج الجوزاء" بالعواقب المميتة المحتملة للغازات لدى البشر، مع أخذ غازات رواد الفضاء، التي تتشكل داخل كبسولات الفضاء الصغيرة المغلقة يمكن أن تصبح قابلة للإشتعال، بعين الإعتبار. 

فقد اعترف رائد الفضاء جون يونج، الذي شارك في مهمة أبولو السادسة عشرة، وهو الشخص التاسع الذي يمشي على سطح القمر، خلال إحاطة إعلامية بالمهمة بأنه قد ضرط أثناء إقامته في القمر الإصطناعي الأرضيّ: 

"لديّ غازات مُجدداً. لا أعلم ماذا يعطوننا. أعتقد أنني أعاني من حرقة في المعدة. لم أتناول كلّ هذا العدد الكبير من الحمضيات خلال عشرن عام! في الأيام الاثني عشر القادمة، لن أتناول المزيد. إذا عرضوا عليّ تزويدي بالبوتاسيوم مع وجبة الإفطار فسوف أتقيأ!!". 

وفي محاولة لحماية صناعة الحمضيات الضخمة في ولايته، قال حاكم فلوريدا آنذاك روبين أسكيو إن رواد الفضاء لم يشربوا عصير البرتقال المصنوع في فلوريدا، بل إن مشاكل غازاتهم قد كانت بسبب مشروب صنعته وكالة ناسا فيه مستويات عالية من البوتاسيوم مخصص لرواد الفضاء.

حقَّقَ ليفيت شيئاً من راحة البال لوكالة الفضاء الأمريكية الشمالية: 

فقد أكد أن الكبسولات كانت كبيرة بما يكفي بحيث لم تشكل ضرطات رواد الفضاء خطراً حقيقياً.

إلى جانب الهواء الذي نستنشقه عن غير قصد عند تناول الطعام، يؤثر نظامنا الغذائي على هذه الإنبعاثات الغازيّة. 

على سبيل المثال، الفاصوليا والبصل والقرنبيط وملفوف بروكسل والبروكولي ومشتقات الحليب:

 هي بعض الأطعمة التي تسبب ظهور الغازات ذات الرائحة الكريهة. 

"هناك العديد من السكريات التي نستهلكها، والموجودة بشكل رئيسي في الخضروات والحبوب والفواكه، والتي لا تحتوي أجسامنا على الإنزيمات اللازمة لهضمها —تقول بورنا كاشياب، طبيبة الجهاز الهضمي في عيادات "مايو كلينك" في الولايات المتحدة. 

وتذهب هذه المواد في الأمعاء الغليظة، حيث تقوم الميكروبات بمضغها واستخدامها للحصول على الطاقة، من خلال عملية التخمير، وكمنتج ثانوي، فإنها تُنتِجُ الغاز".

يُعتقد أن رائحة غازاتنا أقل إزعاجاً من رائحة غازات الآخرين لأننا قد تعودنا على مجموعة روائحنا الجسدية الكريهة. 

خاصةً لأنها لا تُهاجمنا على حين غرة.

 وبحسب الأخصائية الأوسترالية كيرستن بيل بعلم الإنسان، فإن سبب الطبيعة المسيئة للضراط لدى مختلف الثقافات والمجتمعات:

 لا يكمن فقط في رائحتها الكريهة، بل في واقع إعتبارها هجوماً من إنسان على آخر، وغزواً للحواس وانتهاكاً للحيِّز الشخصيّ.

 لقد كتب بنيامين فرانكلين حول هذه النقطة، قائلاً:

 "لولا الرائحة الكريهة التي تصاحبها، فربما لم يكن لدى العديد من الناس أي مشكلة في إطلاق ضرطاتهم في الأماكن العامة كما يبصقون أو يمخطون تماماً".

المصدر

Federico Kukso, Odorama; Historia cultural del olor. Taurus. 2019

 للإطلاع على مواضيع أخرى ذات صلة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (1) تعريف علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (2) عدم الإهتمام بهذا العلم

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (3) أهمية الروائح

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (4) آراء أخصائيين بعلم الإنسان بهذا الموضوع

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (6) دور الروائح في النفور والإنجذاب

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (7) تفادي الروائح الكريهة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (8) رائحة الأزهار وهويّة شميّة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (9) إدارة الإنطباع الحسي

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (10) إدارة الإنطباع الحسي متابعة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (11) متابعة الحديث حول الإنطباع الحسي

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (12) نهاية الحديث حول الإنطباع الحسي

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (13) مناهضة الحواس، سيما حاسة الشمّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (14) مواقف فلاسفة وأخصائيين إجتماعيين من الموضوع

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (15) مواقف قديمة داعمة للموضوع

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (16) معاني وتصنيفات الروائح

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (17) العلاقة بين الشمّ والروائح والذاكرة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (18) كيفية بناء التقييم الشميّ 

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (19) حاسة الشمّ والأغذية والتذوُّق

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (20) الرمزية الشميّة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (21) تاريخ وسياسة حاسة الشمّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (22) الشمّ والروائح والتقسيم الطبقيّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (23) حاسة الشمّ والروائح والتقسيم الجندريّ الجنسيّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (24) الروائح والعنصرية

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (25) عوالم حسيّة مختلفة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (26) الروائح والشمّ في الطبّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (27) أهمية بحث علم الإجتماع للروائح

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (28) الروائح والهويّة وخسارة القدرة على الشمّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (29) رائحة الفم (النَفَسْ) الكريهة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (30) رائحة الأقدام الكريهة 

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (31) جورج زيميل وحاسة الشمّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (32) روائح المدن

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (33) العلاقة بين حاسة الشم والروائح واللغات 

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (34) الروائح في العمل التجاري 

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (35) الأديان الإبراهيمية والروائح والشمّ 

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (36) الروائح البيئيّة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (37) ضعف حاسة الشم لدى البشر؟!

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (38) مفهوم رائحة الأجنبيّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (39) الفنّ الشميّ أو الروائحيّ

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (40) الروائح الجسدية عموماً

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (41) رائحةُ الإبطين الكريهة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (42) عملية الشم وعلاقتها بالتواصل في حياة البشر

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (43) رائحة الحيوانات المنوية والإفرازات المهبلية 

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (44) البخُّور

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (45) دور حاسة الشمّ والروائح في الحياة الجنسيّة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (46) المزيد حول إطلاق الغازات أو الضراط

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (47) المزيد حول الضراط

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (48) المزيد حول إطلاق الغازات أو الضراط

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (49) متابعة لموضوع الضراط

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (50) ضراط

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (51) ديموقراطيّة معوية غازيّة

علم إجتماع حاسة الشمّ والروائح (52) براكين معوية غازيّة

No comments: