2026/04/23

The Atheist Encyclopedia الموسوعة الإلحادية (34)

 

16. ما يخصّ الصلوات والمعجزات

1.16. ماذا تعني الصلاة؟

 الصلاة، هي التحدُّث إلى الآلهة.

لكن، في حال عدم وجود الآلهة:

 لن تفيد الصلاة بشيء.

لكن، هذا ليس مؤكداً بالكامل.

 سأرى إن أتمكن من شرح هذا الأمر. 

عندما يصلُّون، ما يريده الأشخاص هو الاتصال مع الآلهة. أحياناً، يقومون بهذا لأجل طلب العون منهم. 

وأحياناً، لأجل توجيه آيات الشكر لهم، لتحقق رغبة ما قد طلبوها.

 ولو أنه في الواقع لم يسمعهم أحد، فيما يعتقد الشخص الذي يصلي، عن قناعة، بأن أحداً يصغي إليه. وبناءاً عليه، يشعر بالرضى.

يعتقد كثيرون بأن الآلهة تلبي الرغبات التي يطلبونها منها.

يرى آخرون بأنّ الآلهة لا تقوم بفعل أيّ شيء وأنّ مهمتها الحصرية الوحيدة كانت خلق العالم  وجعل الكون والكواكب بحالة حركة.

فيما يرى آخرون، مثلي:

 بأنه لا أحد قد خلق العالم ولا أحد يسمع المصلين.

 لكن، ورغم هذا، الصلاة عبارة عن أمر حسن لهم. 

فيما لو يعتقد شخص بأنه عندما يصلي لإلهه فإنه يستمع لمشاكله، سيصبح هذا الشخص أكثر هدوءاً. هكذا، نجد أن الصلاة تساعد بشيء ما، نعم، تنفع بشيء ما.

صلّى بشر من حضارات مختلفة بكل الأزمنة موجهين نظرهم وصوتهم إلى السماء، المكان ذو اللون الأزرق الغامض، حيث عاشت الآلهة كما هو مفترض وحيث توجد الجنّة. 

يوجد مثل شعبي مالاوي، يقول: 

"وجه الآلهة مخفيّ بين الغيوم". 

عاش أسلافنا تحت نسيج هائل الحجم متكوّن من النجوم، التي تسكنها الآلهة.

 ليس من زمن بعيد، كتب أبراهام لينكولن: 

"يمكن أن أتصور الشخص الذي ينظر دوماً إلى الأرض، على أنّه مُلحِد؛ لكن، لا يمكن أن أتفهم أنه فيما لو يرفع رأسه ذات يوم نحو السماء، سيبقى على ما هو عليه". 

تُبهرنا السماء. 

فقد أغوت أسلافنا وتغوينا.

أنا، شخصياً، لا أرى كما رأى قدماء مالايا أو كما راى الرئيس لينكولن، بل أرى كما رأى الفيلسوف آرثر شوبنهور، حين قال:

 "في فضاء لا نهائي، عدد لا حدّ له من النجوم المضيئة، التي ينجذب إلى كل واحد منها عدة كواكب، أحدها أرضنا، التي يغلي باطنها وعلى قشرتها المتبردة والمتصلبة طبقة من العفن أعطت الكائنات الحية، التي يتمتع بعضها بالإدراك. هذا هو الواقع. بل هذا هو العالم".

وعبر هذه الصيغة لتفسير الواقع، ليس مقصدي - ولا بإمكاني، حتى لو رغبت بذلك - تجريد عالمنا من سحره ومن جاذبيته ومن جماله.

 ببساطة، أفكر بأنّه سواء الكون الهائل الإتساع كما الشيء الرائع الصغير للغاية كالخلية، هما بذاتهما بالغي الجمال والجاذبية جرّاء كل ما لا نعرفه عنهما. 

لا أرى أيّة حاجة للتخيُّل بأنه كان هناك أرواحاً، كائنات ساحرة، شياطين أو آلهة تقف وراء تصميمها. 

مع ذلك، تحاول الأديان إقناعنا بأنه عندما نصلي، فيوجد من يستمع لنا - سواء كان في السماء أو بأيّ مكان آخر (أو في كل الأرجاء) -، ومن يلتزم بمباديء هذا الأحد، فسيكون النعيم المقيم بانتظاره. 

هي عبارة عن مكافأة كبرى. 

يقع مكان المكافأة بمكان ما بعيد عن موقعنا الراهن (أبعد من السماء، بالنسبة لأسلافنا). 

لدينا ميل طبيعي للإعجاب بشيء أبعد أكثر. 

يمنع هذا البعد بعض الناس، في بعض الأحيان، من تقدير الكثير من الأشياء الرائعة، التي بين أيدينا في هذا العالم.

لكن، تملك واقعة الصلاة، بحد ذاتها، الكثير من الإيجابيات. 

معابد جميع العقائد - الكنائس، المساجد، الكُنُسْ، الباغودا (معبد الديانة البوذية) والهياكل المتنوعة – هي أماكن تشجع على الصلوات والتأمل.

 تدعو جميعها إلى إقامة الصلوات. 

عادة ما تبدو كمباني رائعة، حيث يجري التأمل وتتحقق الراحة بعيداً عن صخب الحياة اليومية، وحتى لأشخاص غير متدينين.

نشرت الصحيفة الرسمية للجمعية الأميركية لعلم الأعصاب، في شهر نيسان / أبريل من العام 2011، دراسة حققها باحثون من كلية الطب بجامعة ويك فوريست في ولاية كارولينا الشمالية، قد أثبتت ما يعرفه البشر منذ آلاف السنين بصورة حدسية:

 أي تساهم الصلوات والتأمل بتخفيف الآلام. 

من خلال تنفيذ صور بالرنين المغناطيسي، تم التحقق من إسهام التأمل بتخفيف ما نسبته 40% من شدّة الألم لدى المساهمين، وتخفيف ما نسبته 60% من تصور الألم كشيء غير مستحب من قبل جانب من أدمغتهم.

 وبكلمات أخرى، تساهم الصلوات والتأملات بتعديل الإحساس بالألم.

رغم أن بعضنا قد حسم أمره معتبراً أنّ كتابنا المقدس الوحيد هو الحياة ذاتها، يؤدي الإستماع إلى بعض العبارات في معبد ما، والتي تنمّ عن حكمة أحياناً، إلى تحقيق الراحة والتزويد بالقوّة. 

وكما نقول الناشرة العلمية الدومينيكانية غلينيس آلباريث:

 "قد لا يحرك الإيمان الجبال، لكن، يجعلك تعتقد بهذا!".

كذلك، عندما يتوجه شخص إلى ربه، فهو لا يرتل أشياءاً قد تعلمها، بل يشرح له مشاكله الشخصية، وبهذا، سيحول همومه إلى أفكار منظمة من خلال رصف الكلمات. يساهم هذا غالباً بأن يفهم مشاكله بصورة أفضل، وبالتالي، يعثر بسهولة أكبر على حلول لها.

 من المؤكد أنه بالنسبة للكثير من الأشخاص، حتى البالغين منهم، يساعدهم إمتلاك أصدقاء خياليين على الصمود.

بالنسبة لمن لا يؤمنون بالألوهيات، لا تتعدى الصلاة الحديث مع النفس، حيث لا يحصلون على استجابات، بل يحصلون على إجابات يرغبون بسماعها. 

وفي حال الاستجابة، ندخل في حقول الهلوسة من أوسع أبوابها!!

حسناً، بأيّ حال، أرى بأنّ قضاء بعض الوقت في صمت المعابد، أو بسماع صوت أداة ما، أو في سماع تراتيل القدماء:

 عبارة عن خبرات يجب على أيّ طفل التعاطي معها بمناسبة أو بأخرى.

2.16. أسباب، تبرِّر غضب الملحدين من عبارة: سأصلي لأجلك 

حين يقول مؤمن دينياً لمُلحد "سأصلي لأجلك" خلال النقاش، فهو يقوم بإغضاب المُلحد. 

 يُنتج إستخدام المؤمن لتلك العبارة الغضب نظراً لاستخدامها للإشارة لإستخدامهم الله وتضمينه بسلوك وتفكير الملحدين ضدّ إرادة أولئك الملحدين.  

يرى أولئك المؤمنين، المستخدمين لتلك العبارة، بأنّ غضب الملحدين، هنا، غير مبرّر سيما حين يؤكدون أنهم غير مؤمنين بالله. بل يؤكدون بأنّ هذا الغضب شاهد على أن المُلحد، في العمق، مؤمن بالله.  

لكن، هل لهذا التأكيد أيّة قيمة؟  

ففيما لو يعتقد الملحدون بأنّ الصلوات نشاط جيّد وصحّي، سيوفّر لهم رعاية الله القادر على كل شيء، فلماذا لا يصلون هم أنفسهم مباشرة؟

هناك أسباب أقوى تبرِّر غضب الملحدين من تلك العبارة، وهي على التوالي:

أولاً: يُقلقنا مع مَنْ تتكلم

حاول أن لا تحنق كثيراً، لكن، يقول الواقع الفاقع، بأنّه عندما توجه لي عبارتك "سأصلي لأجلك"، وأنا كملحد غير مؤمن بالله، إذا أنت بالنسبة لي تتحدث فقط (تُصدر صوت فقط ). وكنتيجة لهذا، وفق وجهة نظري، "ما تقوله عبر تلك العبارة هو مونولوج داخلي ذاتي حولي كملحد". هذا مُحبِط خلال نقاش ديني، ويعني باختصار بأنك غير جاهز لسماعي أكثر، ويشكل هذا موقف مُعرقل، يجعل الفهم الذي يحاول كثير من الملحدين خلقه مستحيلاً.

ثانياً: حالة تعجرف

أشعر بفوقيّتك وتعجرفك، حين توجّه لي عبارة "سأصلي لأجلك". حسناً، نحن كملحدين لا نؤمن بالله، لكن، عندما يتصرّف أحد ما بفوقية تجاهنا، نغضب كسائر البشر!! وهنا، ستقول كمؤمن بأنّ "الملحدين متعجرفين معك". حسناً، لتضع نفسك هنا كشاهد: هل يُغضبك عندما يتعالوا عليك، وهم بشر مثلك، بوصفهم متفوقين عليك؟ سأعتبر أن جوابك هو "نعم"، وهنا، ننتقل إلى السؤال: هل اعتقدت بأنك أقلّ شأناً بوقت ما؟ وهل أزعجك هذا؟ هذا ما يحصل بالضبط مع الملحدين الغاضبين وهو ما يوازي تعجرف المؤمنين جرّاء إمتلاكهم لإتصال شخصيّ بالله، حيث لدى المُلحِد أيّ علاقة بهذا الإتصال، ولو أنه مؤمن بالله، كما تدعي، فهو نفسه يصلي لنفسه ولا ينتظرك!! ولماذا تنزعج من عدم إيمان الملحد بالله؟؟

ثالثاً: لا نقتنع بأنّ صلاتك لأجلنا تفيدنا بشيء

كما أسلفنا الذكر، تظهر عبارة "سأصلي لأجلك" بنقاشات متصلة بالأديان. ويمكن لكثير من الملحدين توجيه الشكر على تلك الجملة، عندما يجري استخدامها بطريقة ووقت مناسبين، لكن، لا تسير الأمور على هذا النحو، ولدى المُلحدين سبب هامّ:  

لا نؤمن كملحدين بأن الصلاة تفيدنا بشيء. لن تقوم بتحسين حالنا بصورة آلية.  

في الواقع، بيّنت دراسة حديثة تفصيلية حول الصلاة، جرى تنفيذها على مرضى قلب العام 2006، بأنّ ممارسة الصلاة، قد زادت من مضاعفات المرض لديهم! وفي الغالب، حدث هذا بسبب حالة "الهلع السائد" المرافقة لها. 

 نغضب، إذاً، لإنعدام فعالية ما ستقومون به لأجلنا.

رابعاً: لا يوجد مبرِّر لتوجِّه لنا العبارة، إلا إذا ...

  هناك الكثير من الإشارات في الكتاب المقدس، وعلى لسان يسوع ذاته، لأنّ الصلاة يجب أن تصبح خاصة مكتومة، وإذا كنت ترغب بالصلاة لأجلنا حقاً، فلا حاجة للإعلان عن هذا، سيما أننا غير مؤمنين بالله، فلماذا تقول تلك العبارة لنا؟ ربما لا تمتلك القناعة بأننا لا نحتاج للتدخُّل الإلهي، علماً أننا نحتاج هذا التدخُّل أكثر من حاجتنا لصلاتك وفق منطق الدين ذاته، وبهذا، تشفق علينا بدل أن تحترمنا (لأننا نرى بأنه لو تحترمنا فستحتفظ بصلواتك لنفسك غالباً).

خامساً: تساهم تلك العبارة بالفصل بينك وبين المُلحد

على سبيل المثال، لو كنت تعرف الملحد قبل نقاشه، وقد تملّك الملحد الغضب جرّاء نظرتك له، وتأتي لتقول له "سأصلي لأجلك" ما يؤدي لتفاقم الوضع وتغيير علاقتك به، وسيتحوّل الغضب لنوع من الألم عنده. لا يأتِ الألم جرّاء حديثك مع الله عن الملحدين (لإنعدام إيمان الملحد بالله)، بل لإسهام تلك العبارة بالتفريق بينكما. وسيزداد الألم، حين يرى الملحد بأنك قد استخدمت العبارة متقصداً لإظهار الفصل بينكما.

سادساً: يبدو الأمر كمحاولة تلاعب بنا، كملحدين، فتأثير الصلوات نفسيّ وإجتماعي بصورة خالصة

لا يوجد إله يعمل تحت تأثير تغيير الآراء الناتج عن إستعمال عبارات، من قبيل "سأصلي لأجلك"، آتية جرّاء التفاعل البشريّ. ففي حال غياب سبب متماسك يدعم تأكيداته بنقاش ما، تظهر عبارة "سأصلي لأجلك" كخدعة رخيصة تتوخى إخافة الملحد وتجعله يشعر بأنه أدنى أو يشعر بالخجل، أو لأجل التلاعب بمشاعر الملحد بغية تقريب موقفه من موقفك. هذا، بالنسبة لكثير من الملحدين (خصوصا ذوي الأصول المسيحية)، عبارة عن موقف مخادع يستحق الردّ مباشرة ووجهاً لوجه.

سابعاً: ها أنت تعرف الأسباب آنفة الذكر، لكن، تواظب على إستخدام العبارة!

بصراحة. يبدو لنا كملحدين بأن المؤمنين يعرفون، تماماً، بأن عبارة "سأصلي لأجلك" تزعجنا؛ ويعرفون بعض  تلك الأسباب الموجبة لهذا الغضب والمذكورة أعلاه؛ ومع هذا يستمرون بِقَوْلِهَا. بكل الأحوال، يعزينا النموّ بعدد الأشخاص غير المؤمنين وتقهقر بعدد المتعصبين، وهذا خارج سياق إستخدام عبارة "سأصلي لأجلك"، التي تلقى عدم قبول متنامي أو مُتزايد.

3.16. ما هي المعجزات؟

هي عبارة عن حوادث خارقة، لأنّ إله ما قد رغب بحدوثها هكذا.

لكن، ألم تقل بأنّ الآلهة لا وجود لها؟

لا تؤاخذونا!

 أريد القول بأنه هناك أشخاص يؤمنون بها.

 انتبهوا، عندما نحتاج إلى شيء أو نرغب بالحديث مع أحد ما، نذهب كبشر لرؤية صديق.

 يمكن أن يتحدث المتدينون، كذلك، مع إلههم أو آلهتهم وطلب تلبية رغباتهم.

 كذلك، يمكن أن يطلبوها من القديسين.

يمكن أن تبدو أشياء خطيرة للغاية، كأن يُشفى شخص قريب من مرض.

 أو أشياء تحمل أهمية أقل كالنجاح في إمتحان، أن يضع فريقنا المفضل هدف، أو العثور على شيء قد فقدناه. 

يمكن لكل واحد طلب ما يشاء من الآلهة.

في حال تلبية الطلب، يعتقد الشخص، الذي طلبه، بأنه قد تحقق بفضل إلهه، أي حدثت معجزه. 

وفي حال عدم تلبية الطلب، يتم التنازل عنه ولا تُلام الآلهة عادةً!.

 أيّة وسيلة هذه؟!

تعتبر المعجزات حوادث تُعزى إلى تدخل إله، قائد ديني - حي أو ميّت - أحد القديسين، أو رفات قديس حتى. 

قائمة الطلبات (أو الرغبات) من الآلهة طويلة جداً وتعكس توق الكائن البشريّ. 

فيما لو تتحقق الرغبة، فيعزو المؤمنون بكل العقائد هذا الأمر إلى تدخُّل إلهي ويقدمون الشكر من خلال الصلوات والقرابين وكيل آيات المديح.

 وفي حال عدم حدوث المعجزة، هناك تفسيرات جاهزة أو مُعلَّبة، وفي الواقع، لا تفسر شيئاً، من طراز:

 "إرادة الربّ لا رادَّ لها"، "لو أراد الله هذا، فلأنه الأفضل حتماً"، "يعمل الله بطرق يكتنفها الغموض".

كملحدين لا يمكننا تفادي رؤية القضية كما يراها الدكتور هاوس، بطل مسلسل يحمل إسمه، حين يقول: 

"لماذا يشكر المرضى الله على شفائهم من مرض ما؟ ففي كل الأحوال، بحسب عقائدهم، كذلك، بدا الله، وبشكل مسبق، بأنّه قد تسبب بالإصابة بالمرض!".

في ربيع العام 2011، حدث زلزال مدمر في مدينة لوركا الإسبانية، وقد أوردت الصحافة خبر موت تسعة أشخاص، وهو ما أدى إلى ظهور حملة كبيرة لشكر الله على سلامة مئات الجرحى واستعادة صحتهم تدريجياً. 

وهو ما لم يرق لي من وجهة نظر منطقية.

أسمي هذا هشاشة بالطرح.

 وقد شرح لي أخصائي نفسي مُعتبراً بأنّ ما حدث معي يُعرف باسم "التنافر المعرفيّ": 

أي إمتلاك فكرتين أو رأيين متناقضين بذات الوقت. 

من المؤكد بأنه لو حاولت البرهنة على أن المسؤول عن جرح وقتل أولئك هو الله الذي تسبب بحدوث تلك الكارثة، فإن الرجل الطيب كان قد قال لي شيئاً شبيهاً بالتالي:

 "يعرف الله سبب أخذ أولئك الموتى إلى السماء" أو "لا يجب تحميل الله مسؤولية كوارث العالم". 

فيما لو يلتحق بهذا الحوار المُتخيّل سياسي قد عاش خلال القرن الثامن عشر هو الأميركي توماس بين، فكان سيحاول مواساتي من خلال قوله:

"محاولة إقامة الحُجّة على شخص قد تخلى عن المنطق، تشكل عملية عقيمة مكافئة لتقديم الدواء لشخص ميّت!".

في مناسبة أخرى، أتذكر أنني كنت أقرأ في إحدى الصحف سلسلة مقالات حول تسونامي المحيط الهندي، الذي حدث في العام 2004.

فقد لفت انتباهي خبرين بذات الصفحة، خبر كوارث مروعة أصابت الآلاف مع صور موثقة، فيما تركز الخبر الثاني على شكر لاعب كرة قدم برازيلي الله لاستعادته صحته بعد إصابته، فقال:

"الله عادل". 

لا ينتبه المؤمنون لمثل هذه الأشياء، وقد تبدو دموية في بعض الأحيان.

 فيما لو يسمحوا لي بقول دعابة، فيمكنني القول بأنهم يستصرخون السماء.

تخرق المعجزات، بوصفها حوادث تسببها الآلهة، قوانين الطبيعة وبدت مثار جدل دوماً. 

وقد عبّر دافيد هيوم عن هذا، بالقول:

 "لم تظهر شهادة كافية لإقرار معجزة، إلا إذا اعتبرنا زيف التصريح عنها أكثر إعجازاً من الواقعة بذاتها!!". 

بقول هذا، بصيغة أخرى، يصبح دوماً من الإنصاف إفتراض أن الشهادة خاطئة وأنها نتاج نوع من الهلوسة أو السراب أو أسطورة مأخوذة على محمل الجد أو عملية خداع ببساطة. 

كما أفهمها شخصياً، المعجزات ليست أكثر من تفسيرات دينية مُبالَغْ فيها للواقع. 

بحسب الكاتب أناتول فرانس، خلال زيارته إلى هيكل لوردس المخصص لعبادة العذراء في فرنسا، حيث يُعرض فيها الكثير من العكّازات، أشار رفيق سفر إليها، قائلاً:

 "ستقول ساق خشبية واحدة ما لا يمكن لكل هذه العكازات قوله". 

وقد ردّ أناتول، قائلاً: 

"حتى لو رأيت ساقاً تنمو من ساق مبتورة، فلن تتمكن من تفسيره بوصفه معجزة".

 وأضاف:

 "ما أراه، حتى تاريخه، لا يُعرف بدقة إن تتمكن أنسجة بعض السيقان البشرية من العودة إلى النمو، كما يحدث عادة مع ذيل السحلية".

في الحديث عن النموّ، ترد إلى ذاكرتي قصة القديسة أغاثا الصقلية، التي نمى شعرها بصورة إعجازية، كي يغطي عورتها التي كشفها سجانوها خلال التعذيب.

 أتفق مع فولتير، الذي قال شيئاً شبيهاً بهذا: 

"إزاء بعض الشخصيات التي تحدثنا الأديان عنها مثل الشهداء، لا يتبقى لنا سوى الإبتسامة، كمخرجْ من هذا الإحراجْ". 

ولو أنه بالنسبة لي، إن كنت مكان هذه المرأة المسكينة، فلن أنظر بعين الرضى لموقف أبي السماوي كليّ القدرة، الذي كان يهمه عريي فقط، بدلاً من أن يهمه تحريري من محنتي وعذابي. لا أعرف، إن يحرق سجَّاني بشعاع سماوي، على سبيل المثال.

تُعرّف المعجزة على أنها حدث غير مألوف، عبارة عن خرق ملموس لقوانين الطبيعه.

 لكن، على إعتبار إحتمال وجود قوانين طبيعية مجهولة بالنسبة لنا حتى اللحظة، فنكون غير قادرين على التصور أو الفهم، فكيف يمكننا الحديث عن المعجزات؟

تشكل سرعة التصديق جزءاً من كينونتنا.

 يتميز بعض الأشخاص بسرعة التصديق بالطبيعه أو غريزياً.

يطلبون تأكيدات، لكن، لا يطلبون أدلة بالضرورة، بحيث تختلط الأدلة عليهم ويجدوها مُحرجة. 

لا يرغبون بمعرفة السبب ولا الطريقة، يكفيهم نعم أو لا. 

يشلهم التفكير الزائد، فالإيمان أسهل من التفكير، وربما يشكل هذا أحد الأسباب التي تفسر سبب عدد المؤمنين الهائل مقابل غير المؤمنين.

 كذلك، ينتهي العقل البشري إلى القبول بالمؤكد، علماً أنه أبعد ما يكون عن التأكيد، أي تأكيد يُكرّر عدد كافي من المرات تقريباً، سيكون له مفعول، سيما حين يتوجه إلى ذهن غضّ. 

بما نعرف اليوم، أنتجت الكهوف، رفات القديسين، صور القديسين، الطلبات الملحة، ...الخ، أثراً علاجياً - مستمداً من الإيحاء الذي تسببه في المؤمنين - لأمراض قابلة للشفاء أو قابلة للمغفرة الفورية.

 العام 1263، احتفل كاهن إسمه بطرس براغ بالقربان المقدس في مدينة ايطالية هي بولسينا (في مقاطعة فيتيربو)، فقسّم خبز القربان وظهرت بقعة دم داخله. 

في سنوات لاحقة، اعتبروا الكثير من الحوادث كمعجزات وارتبطت كلها بخبز القربان "المُدَمَّى". 

انتشر خبر الحدث كإنتشار النار بالهشيم في جميع الأوساط المسيحية، بل وحتى اليوم، أي بعد مرور أكثر من 800 عام، ذاع صيت تلك المدينة الصغيرة القريبة من روما.

 لكن، ومنذ عقود عديدة، اكتشفوا فطراً مجهرياً يكتسب مشهد الدم المتخثر لدى خلطه بالطحين.

 انتبه العلماء، الذين حققوا الإكتشاف خلال القرن التاسع عشر، إلى العلاقة التي أمكن حضورها بين الفطر ودم خبز القربان والمعروفة باسم معجزة بولسينا، وأطلقوا عليه اسم  المكورة الدقيقة.

يبدو لي أنّ هذا الفطر سيحضر دوماً بتفصيل ما كتفسير، علاقة سبب - أثر  لم يكتشفه العلم حتى الآن، وربما لن يصل إلى اكتشافه أبداً. 

لهذا، وكما أشار أناتول فرانس، لا يُفهَمْ مصطلح معجزة بذاته: 

"إما أنَّ الشيء صحيح أو لا؛ فيما لو يكن صحيحاً، فهو يوجد في الطبيعة، وبالتالي، هو طبيعي".

لا أعتقد بالمعجزات.

 أرى بأن كل ما يحدث في الطبيعه يستجيب لقوانين طبيعية، لكن، يوجد عدد غير محدد من تلك القوانين التي لا نعرفها ببساطة. 

لا يوجد شيء يمكن أن يبدو كما هو عليه دون حضور بضعة أسباب ليكون على هذا الحال وليس على حال آخر؛ فيما لو يكن هذا صحيحاً، في كثير من المناسبات، لا نفهم تلك الأسباب.

 في الواقع، ما يمكننا قوله إزاء الكثير من الأشياء، التي يجري اعتبارها معجزات:

 هو أننا نجهل سببها.

لنفكر بكل أولئك البشر، الذين عاشوا من آلاف السنين وتأملوا في الكسوف، او عندما لاحظوا ضوءاً خادعاً:

 ففسَّروه فوراً كروح خارجة من الجسد. 

لم يتمكنوا من معرفة أن احتراق الفوسفور ومواد أخرى تصدر عن أيّ حيوان في حالة انحلال قد تشكل لهباً صغيراً.

 لم توفر لهم معارفهم، في ذاك الزمن، أية تفسيرات لهذه الظاهرة ولا لغيرها من ظواهر.

 شكَّلَ التدخل الإلهي والتفسيرات الخرافية:

 البراهين الوحيدة الممكنة.

 لا يحدث، هذا الأمر، بيومنا هذا.

خلال قرون، اعتقد البشر بأن النبيذ المعصور من العنب المزروع على منحدرات جبل فيزوف، وهو ذو نوعية ممتازة، من إنتاج الإله باكو - إله الخمر الروماني - الذي عاش في قلب بركان. بيومنا هذا، هذه المنطقة خصبة  وفيها إنتاج نبيذ، لكن، لا أحد يؤمن بأنه من إنتاج الإله باكو!

 فمن المعروف، وبناءاً على تركيبها الكيميائي، الأراضي المتشكلة من الحمم المتبردة، بمرور الزمن، تتحول إلى أراضي زراعية خصبة جداً. 

فلقد أزاح التفسير العلمي المُقْنِع التفسيرات الأسطورية ببساطة.

 يقودني هذا إلى التفكير بأنّ ما يعتبره البعض اليوم عقائد صحيحة، ستُعتبَر أسطورية غداً، ولو بدا هذا الغد بعيد جداً.

 كما كتب الفيلسوف جيمس فيبلمان:

"الأسطورة عبارة عن دين، لا يعتقد أحد به".

بعيداً عمَّا هو ديني، يوجد الكثير من الأسرار الجليّة. حوادث تدخل ضمن ما يمكن تسميته بفوق طبيعي. لحسن الحظ، هناك الكثير من الأشخاص الذين يستخدمون شكوكهم بحثاً عن العلاقات سبب - أثر الكامنة بأيّ لغز مفترض.

 ثبت خطأ الكثير من تلك التأكيدات المعقودة حول هذا النوع من الحوادث، بعد تحقيق تحليل علمي رصين.

 يتوجب تطبيق هذا البحث عن الحقيقة:

 على أيّ حادث، جرى إعتباره معجزه.

بعد حديثنا عن المعجزات، يبدو لي مناسباً إنهاء هذا الفصل بقول مأخوذ من رواية الفقير للمؤلف الإسباني بينيتو بيريث جالدوس:

"فيما لو يهمك الوصول إلى مكان مرتفع صعب ووعر، فلا تثق بأجنحة مزيفة، ومن الأفضل أن تستخدم السلّم".

4.16. دافيد هيوم، المعجزات والأكاذيب

يُخبرنا كارل ساغان، في عمله "تنوُّع العلم" كيف تمكّن الفلاسفة والعلماء في الحقب الماضية من تمييز خديعة الحوادث، التي وُصّفَتْ كظواهر خارقة للقوانين الطبيعية، ظواهر يسميها البعض "معجزات". 

سأتعرَّض لفقرتين، قد لفتتا إنتباهي، على التوالي: 

الفقرة الاولى للفيلسوف الشهير دافيد هيوم، الذي يقول في عمله "بحث في المعرفة البشرية"، التالي:

عندما يُخبرني أحدٌ ما بأنّه رأى عودة الحياة إلى ميِّت (أو عودة ميِّت إلى الحياة)، أتساءل فوراً:  

ما هو الأكثر ترجيحاً؟ هو يخدعني أو يخدع نفسه؟ أو بأنّ ما حدّثني به قد حصل فعلاً؟ 

 أقارنُ معجزة مع معجزة أخرى، وبناءاً على المُبالغة التي أكتشفها، أتخذُّ الموقف المناسب. فأرفضُ المعجزة ذات المُبالَغة الأكبر.  

فيما لو يتجاوز تزييف الرواي إعجاز الرواية ذاتها، وقتئذ، سأعبِّرُ بكل وضوح وصراحة أمامه.

تعود الفقرة الثانية الى توماس بين أحد أبطال الثورة الاميركية، الذي قال شيئاً مشابهاً لقول هيوم، هو:

  ما هو الشيء المُرجّح أكثر، أن تخرج الطبيعه عن مجرى سيرها أو أنّ يقصّ علينا شخص أكذوبة؟  

في يومنا هذا، لم نرَ الطبيعة تخرج عن مجرى سيرها، لكن، لدينا كثير من الأسباب التي تدفعنا لمواجهة ملايين الأكاذيب، التي قيلت لنا على نحو متزامن. 

 بالنتيجة، نسبة إحتماليّة كذب محدثنا عن المعجزة:  

على الاقل 1 إلى عدّة ملايين!!

17. ما يتعلق بالأديان

تتمثَّل مشكلة الأديان الرئيسيّة:

 بعدم طرحها لتعريف كونيّ حصريّ  واحد لله / ليهوه / للإله. 

 فبالنسبة للأديان الكبرى التوحيدية الثلاثة: المسيحية، الإسلام واليهودية، يعني مفهوم "الله"، تقليدياً، كائن فوق طبيعيّ، خلق الكون، كليّ المعرفة والقُدرة والرحمة.

نسبت أشكال الاعتقاد (الإيمان) التقليدية لله بضع قٌدُراتْ فوق طبيعية. حيث تؤكّد، تلك العقائد، في كثير من المرّات، بأنّ فرضيّة الإله فوق الطبيعيّ غير قابلة للدحض (ما يعني أنها غير قابلة للإختبار).  

هذا يعني بأنّ حقيقة أيّ تصريح حول الله:  

هو غير قابل للتحديد، وبالتالي، ليس له أيّ معنى علمياً.

وستتعقّد توصيفات الأشياء المتعلقة بالله أكثر، حين يفهم البعض الكلام بصورة حرفيّة، فيما يفهم البعض الآخر تلك التوصيفات بصورة مجازية أو مُبسترة. 

 إذاً، ما يجب أخذه بالحسبان من قواعد، سيتعلّق بفهم النصوص الدينية متى تُعتبر مجازية عند البعض؛ وتُعتبر حرفيّة عند البعض الآخر. 

 لا يتسم هذا الأمر بالوضوح في كثير من المناسبات.  

يرى المُلحدون، بالعموم ودون تعميم، بأن التناول الحرفيّ لتوصيفات الله هو أمر خاطيء؛ فهي مجازيّة في الواقع أو ليس لها معنى.

ما هو الدين؟

بدايةً، هو سؤال صعب! 

الدين كالقصة التي تفسر العالم، ولكل دين عادات وعقائد مختلفة عن أديان أخرى.

ألا تتحدث الأديان عن الآلهة؟

نعم، لكن، لا تتحدث عن الآلهة فقط. 

بل يعتبر كل دين بأن إلهه، يدير الكون وهو خالقه.

 لكن، يفسر كل دين أيضاً الكثير من الأشياء للأشخاص المنضوين في صفوفه.

 على سبيل المثال، يقولون لهم أيّة كلمات وتعابير لازمة للصلوات، بأيّة أمكنة وما الذي يتوجب عليهم القيام به خلالها. 

كذلك، يحددون لهم ما يعتبرونه ممنوع (حرام) أو مسموح (حلال). 

فعلى سبيل المثال، تعلم الأديان المؤمنين بها بأن الكذب والسرقة أو قتل أشخاص آخرين هو حرام وأمر مكروه.

الدين عبارة عن منظومة إعتقادات بقوى فوق طبيعية تحكم العالم والكون.

 هذه القوى في جميع الأديان، التي ظهرت تاريخياً، عبارة عن آلهة تقريباً.

 وتحوي هذه الأديان، عادة، بالإضافة إلى عقائد محددة تطال أصل عالمنا وبضعة طقوس خاصة، مجموعة قواعد أخلاقية لضبط وتوجيه سلوك المؤمنين بها.

الأديان الراهنة حصيلة تطور عقائد فوق طبيعية موروثة من أسلافنا الأقدم بطول آلاف السنين. 

ومن الجائز، أن تتطور أديان المستقبل إعتباراً من الأديان الراهنة.

 في يومنا هذا، تملك الأديان مؤسسات قوية جداً، لكن، تعود مزاياها الرئيسية إلى الأديان التي ظهرت قبل ألف وألفين وثلاث آلاف عام. 

ربما وردت كلمة دين الإسبانيّة من كلمة لاتينية، وتعني "عقيدة". 

يرى لغويون آخرون بأن هذه الكلمة الإسبانيّة، ترد من فعل لاتيني، يعني "يُوَحِّدْ". 

يخلق الدين روابط إتحاد بين الأشخاص من خلال العقائد الخاصة التي يحتويها، كما يُنشيء روابط عمودية مع الألوهيات.

بأيّ حال، يعتبر كثيرون أنّ الأديان عبارة عن ظواهر طبيعية، تشبه أيّة ظاهرة طبيعية أخرى حاضرة في الطبيعة، طبيعية مثل أيّة منظمة انسانية صاهرة وموحدة للقبيلة والبلد والإمبراطورية والحضارة. 

طوال التاريخ، لعبت الأديان، بالتالي، وظيفة بيولوجية ساعدت في بقاء المجموعات على قيد الحياة. 

تملك الأديان خاصية واضحة، حيث يسهل تقاسم الإعتقد الديني:

 حدوث تماسك الأفراد أوالأعضاء وتمييزهم عن الغرباء. 

كذلك، تطورت كلها بمرور الزمن، فقد أعاد البشر تصميم عقائدهم الدينية، بصورة واعية أو غير واعية.

ولهذا، وكأيّ واقع طبيعي، يجب تدريس الأديان للأطفال:

 أهميتها؛ متغيراتها؛ تاريخها؛ رموزها؛ عقائدها، نصوصها ومحرماتها؛ بحيث يُقدّم كل هذا بأقصى موضوعية ممكنة.

 بهذه الطريقة، وعندما يصلون إلى عمر البلوغ، يمكن لأولئك الأطفال إختيار الإيمان أو عدم الإيمان بالعقائد الدينية، بحيث يمكنهم تقرير ما يريدونه، وبهذا، يُحترَمْ مبدأ هام للغاية وأساسيّ، هو:

 مبدأ الإختيار المبني على المعلومة لا على الفرض والإستنساب. 

بهذا، يعرف الطفل بأنّه توجد عقائد في العالم أكثر مما لدى والديه، بل يعرف بأن هناك أشخاص (ليس لديهم قرون ولا ذيل ولا ينفثون نار من الفم!!) يفكرون – سواء اتفقنا معهم أو لا – بالنسبة إليهم:

لا يوجد شيء اسمه آلهة في الواقع.

 (جلبت محاولة تشبيه الملحدين بالشياطين إلى ذهني قصة ظريفة. أتذكر أنه عندما عرفت سيدة مسنة بأنني مُلحِدْ، قالت باستغراب: "لكن، أنت شخص لطيف ومهذب!"، وبمرور بضعة ثواني من التأمُّل، أضافت: "سأصلي لأجلك، يا بنيّ"!!).

أرغب بأن يصبح أولادي قادرين على إتخاذ قراراتهم الخاصة بأنفسهم، أن يختاروا لوحدهم.

 لا أرغب بغرس الإلحاد فيهم، بل غرس الفكر الحرّ. 

فيما لو تربي العائلة والمدرسة الأبناء بشكل منعزل عن الأفكار الدينية، فهي لا تقدم لهم الفرصة للإختيار. 

ولكي يتمكنوا من القيام بهذا الأمر في مادة التربية الدينية، لا حاجة للتحول إلى خبراء في كتاب مقدس أو في آخر، فليس مهماً حفظ الأسفار والآيات غيباً (بل هذا ليس جيداً لهم، برأيي المتواضع). لكن، أعتبر بأنّ تحقيق فهم أولي لمروحة من العقائد الدينية:

 أمراً ضرورياً.

وعلى اعتبار أنّ مبدأ الإختيار المبني على المعلومة لا يُحترَمْ اليوم، نرى استسهال أتباع دين معين بالتعاطي مع عقائد وعادات ومحرمات أديان أخرى بوصفها سخيفة ولا معنى لها، دون الإنتباه لأنّ عقائدهم هي محط ذات الرأي لدى تابعي الأديان الأخرى.

بالنسبة للمسيحيين، على سبيل المثال، قد يرون قيام شخص مؤمن بقتل الآخرين، كي تذهب روحه إلى الجنة حيث تنتظره 72 حورية (سألت نفسي فيما لو يكافيء الإسلام امرأة تقوم بهذا العمل فينتظرها 72 حوريّ كذلك؟!):

 كعمل شاذّ غريب.

 أو يرون الثقة التي امتلكها المحاربون الجرمان، فيما لو ضحوا بأنفسهم خلال القتال، فسينتظرهم في جنتهم أبناء الإله أودين (كبير آلهة الميثولوجيا النوردية) كي يسقونهم الجعة ونبيذ العسل، بوصفها:

 أمراً ساذجاً. 

أو ربما يرون اقتناع شخص مشرقي بأن روحه عبارة عن روح قد سكنت ضفدعاً:

 كأمر عجيب.

 أو يستغربون اعتقاد أسلافنا قديماً بأن إلههم يفرح حين يقدمون له معزاة كأضحية. 

مع ذلك، لا يبدو لهم غريباً وعجيباً بأن يصعد أحد ما إلى السماء ويجلس على يمين إلهه؟! والسبب الوحيد لقبول هذا الأمر:

 هو أنهم تعلموه بوصفه أمراً صحيحاً وكرروه بعدد لا نهائي من المناسبات أمام الصغار!!

نُدرك جميعاً كم كلف التكفير المتبادل بين أتباع العقائد المختلفة البشر من حروب ودمار وويلات على مدار التاريخ القديم والحديث بكل أسف.

 الأديان عبارة عن ظاهرة طبيعية هامة جداً في تطور وتاريخ البشرية، ولهذا، يجب تدريسها في المدارس كأيّة ظاهرة بشرية مؤثرة أخرى.

 لكن، يجب تدريس جميع الأديان التي ظهرت بتاريخ البشرية لا بعضها فقط.

ينسجم رأيي مع ما يقترحه الفيلسوف الأميركي دانيال دانيت، إضافة إلى آخرين.

 مع ذلك، تثير الإشارة إلى هذه الفكرة - أي أن يتعلم الأطفال بالتساوي كل الأديان البشرية وليس دين أهلهم فقط - الرعب وتوقظ التوترات بين كثير من المتدينين. 

وكما يقول دانيت نفسه: 

"أنا على قناعة بأن بعض الأشخاص يعتبرونني كناطق بإسم الشيطان ذاته. هي صيغة قديمة للبقاء على قيد الحياة في الأديان: فإزاء أدلة صادرة عن العقل، يقولون: لا تستمعوا، إنه الشرّ الذي يريدون بأن تتبنوه!".

لم يكن التوافق بين أتباع الأديان المختلفة قاعدة تاريخية أبداً، بل شكَّلَ إستثناءاً إن ظهر بلحظة ما. 

 "أن يتمكن الأطفال من دراسة كل الأديان بالتساوي، أيّة يوتوبيا هذه!"، يرى الكثيرون؛ ولا ينقصهم شيئاً من الحُجّة.

حاول اللاهوتي بيكو ديلا ميراندولا القيام بهذا، ربما ليس بقصد تربوي تعليمي، بل بقصد شخصي. قصته الشخصية آسرة، فقد عاش ثلاثين عام فقط. 

رغم هذا، وصل ليصير لاهوتياً وفيلسوفاً متميزاً خلال عصر النهضة الإيطالي. حيث أبدى قناعته بأنّ أيّ طرح فيه جزءاً من الحقيقة، فقد جمع 900 أطروحة ميتافيزيقية من جميع المصادر التي كان قد درسها. 

فقد تمكَّنَ من القراءة بعدّة لغات، فبالإضافة إلى اليونانية واللاتينية، عرف العبرية والعربية والآرامية، ويؤكد هذا على تنوع مصادره الهائل:

 أفلاطون، أريسطوطاليس، فيثاغورث، الفلسفة الإسلامية خلال القرون الوسطى، القبالا اليهودية، المدرسيون المسيحيون، ..الخ. 

هو ذو روح خلاقة متميزة وغير مألوفة في تاريخ الأديان حتى اللحظة، رغب بإجراء نقاش منفتح لإطروحاته في روما.

 أصدر بابا الكنيسة الكاتوليكية الثالث عشر إينوسنت الثامن حرم كنسي بحقه بتهمة الهرطقة. 

حدث هذا الأمر، بشكل شبه دائم، مع كل شخص حاول الخروج عن الطريق المرسوم من قبل السلطات الدينية: 

إتهام بالهرطقة، الحُرم، وفي حال عدم أخذ هذا بعين الإعتبار، الحَرْقْ! 

ولا أشير للمسيحية بشكل حصري في هذا الإطار. 

بكل أسف وحتى يومنا هذا، توجد فرق دينية تستخدم عقوبة القتل لكل من يرغب ببناء جسور مع أديان اخرى في حال إعتبار هذا خرق للعقائد المعتمدة.

مثال تاريخي آخر، بحث أوائل مستوطني أميركا الشمالية عن حرية دينية، قد جرى رفضها في أوروبة. 

مع ذلك، انتهت الحرية الدينية لديهم إلى حرية دينية تفصيل على مقاس فهمهم للدين، ففي العام 1693، أصدرت المحكمة في سالم (في ماساتشوستس) حكماً قضى بإعدام أربع عشرة امرأة وخمسة رجال متهمين بممارسة السحر؛ فيما مات خمسة أشخاص آخرين في السجن. 

 هذه هي الصيغة الأشهر لفهم الحرية الدينية بطول التاريخ البشريّ، بكل أسف.

في يومنا هذا، في أماكن كثيرة من هذا العالم، للآن:

 يُجبَرْ كثيرون على الحفظ الغيبي للنصوص، كلمة كلمة، صغار وكبار، لجميع القصص، الخرافات، الصلوات، المغامرات، الأمثال والتعاليم الموجودة في كتاب حصريّ (كتاب، يتغير وفقاً للمنطقة التي أتى منها أسلافنا). 

جرت كتابة غالبية تلك الكتب منذ زمن طويل. يحكي الكثير منها عن قصص أسطورية ربما تعود لعصر البرونز، ومع هذا، يتوجب على الصغار والكبار ترديدها بصورة لا نهاية لها، كما لو أنها تحتوي على حكمة فقط وأنها المصدر الوحيد للقواعد الأخلاقية.

لا أرضى بهكذا تعليم ديني لأبنائي.

 بل على العكس من ذلك، يسرني أن أشرح لهم بأنه على الرغم من الفروقات بين أديان وأخرى، يوجد شيء مشترك لدى جميع الأديان القديمة والحاضرة:

 هو أنها تعد البشر بتلبية رغباتهم. 

"فيما يخص جميع الأمور الأخرى، يمكن أن يحدث هذا الأمر. لكن، بما يخص الموت، فنعيش جميعاً في مدينة لا أسوار لها"، كما علَّمَ أبيقور.

 وهذا بالضبط هو أحد الأدوار التي تمثلها الأديان للبشر:

 إنشاء الأسوار. 

رغم أن الأسوار الورقية لا تحمي أحداً ولا شيئاً.

1.17. ما الذي تقوله الأديان لنا؟

حسناً، يشرح كل دين الكثير من الأمور حول الإنسان والإله أو الآلهة.

طيّب، أخبرنا بالمزيد عنها، لو سمحت.

على سبيل المثال، تنصحنا كل الاديان بإتخاذ إجراءات لأجل عيش حياة سعيدة. 

هذا أمر حسن.

خلق البشر الأديان؛ وككل الأشياء المخلوقة من قبلنا تقريباً، تختلط أشياء جيدة مع أشياء ليست هكذا فيها. 

بين الأشياء الجيدة، يطلبون منا أن نسلك مع الآخرين كما نشتهي أن يسلكوا معنا. 

كذلك، يعلمونا إحترام كبارنا ورعاية المرضى.

بخصوص الأشياء غير الجيدة أو السيئة:

 أرى أن الأسوأ بينها هو أنها لا تعلم الصغار، ليصيروا خيرين بذاتهم، بل خوفاً من الجحيم.

أرى بأنّ كل الأشياء الحسنة التي تشرحها الأديان:

 يمكن تعليمها دون وجوب الإعتقاد أو الإيمان بالآلهة.

يعيش الكائن البشري ويتوجب عليه أن يموت. 

لا يعرف السبب، فهذا ما هو حاضر أو متوفر. 

يجد الدين مكانه هنا بالتحديد:

 في ذات التوق البشريّ إلى ما يحقق له الراحة ويسكّن القلق، مثلما يحدث في مسرحية "بانتظار غودو" لصموئيل بيكيت، حيث ينتظر المشردان عودة غودو لأجل غير مسمى، والذي لا يظهر بالنهاية. 

رغم أن الثمن المدفوع لقاء هذا العزاء الميتافيزيقي، الذي توفره لنا الأديان، بالنسبة لي، باهظاً جداً:

 فهو يُشكّل حالة قبول أعمى لعقائدها.

مع ذلك، ليس صحيحاً بأن الأديان تعلمنا الكثير من المباديء الأخلاقية والكثير من قواعد السلوك والتعايش، التي تتقاسمها غالبية غير المتدينين على نطاق واسع.

 لكن، كذلك، تشكل مباديء يمكن تعليمها من خلال العائلة وعبر مؤسسات علمانية، حيث يتم الإبتعاد كلياً عن الطريقة الدوغمائية التي يعلم الكبار الدين للصغار من خلالها.

 أرغب بتوضيح رأيي من خلال مثال يعكس ما أفهمه على أنّه دوغمائي، والأسباب التي تدفعني لرفضه كلياً لأجل أبنائي، والتي تتمثل بفرض حقائق لا يمكن رفضها كسمة عامة لدى الأديان.

كما نوهت سابقاً، فقد درستً في معهد ديني، كاتوليكي.

 إحدى العقائد التي تُدرّسها الكاتوليكية للأطفال هي عقيدة إستحالة الشكلين. فبحسب هذه العقيدة، لدى لفظ الكاهن كلمات طقسية خلال القربان المقدس، هي الخبز والنبيذ:

 تتحول بشكل إعجازي إلى جسد ودم المسيح.

حيث تتحول المادة، ولو أن الشكل والطعم والملمس للخبز والنبيذ، تبقى كما كانت قبل الإحتفال.

ربما يجري التفكير على أنه أمر رمزي فقط، وفيما لو كان هذا ما تتوسله الكاتوليكية من تعليم لأبنائي - بأن طقس القربان المقدس هو مجرد إشارة للتذكير بيسوع - فلا أرى مشكلة به. سيصبح إحتفال سهل الفهم ويمكن إعتباره، حتى، مُحرِّكاً للمشاعر (وإن لم يتفق هيوم معي، فبرأيه: فاقد للمعنى أن يأكل المتدينون آلهتهم، بعد أن يخلقوها!").

لكن، لا يقتصر الأمر على إعتباره رمزاً فقط، فما تشرحه الكنيسة ذاتها للمؤمنين هو أن الأمر لا يشكّل إستعارة أو رمزاً، بل يتحول الخبز والنبيذ فعلاً إلى مادة من يسوع ذاته. 

ومن يرغب بالعيش ككاتوليكي، يتوجب عليه الإيمان بهذا دون إمتلاك أيّة قدرة على التشكيك.

 وتتأسس على هذا عقيدة.

في كلام سالف، عرضتُ رأيي بخصوص إعتبار تابعي كل دين بأنّ عقيدتهم تتفوق على عقائد الآخرين، دون الإنتباه لأنّ عقيدتهم هي خاضعة لذات الرأي من قبل تابعي الأديان الأخرى. 

ولتبيان هذا بشكل أوضح، أستعير كلمات راهب انغليكاني هو شارل كالب كولتون، التي قالها مطلع القرن التاسع عشر: 

"لنترك أيّ واحد من أولئك، الذين يتراجعون عن المسيحية، يوضح كتابة الأشياء العبثية التي أفضت به لإتخاذ هذا الموقف، سيدرك وقتها بأنه ينقصه الإيمان لكي يرفض المسيحية أكثر من حاجته له لقبولها".

ميليلة، المدينة الاسبانية الواقعة شمال أفريقيا، عادة ما تُقدّم كمثال على الاحترام والتعايش بين تابعي الأديان المختلفة، حيث تعيش فيها مجموعات كبيرة هامة من أربعة أديان، هي المسيحية والإسلام واليهودية والهندوسية.

 أتذكر محادثة شيقة أجريتها مع مسنّ مسلم ميليلي. بينما كنا نشرب الشاي بالنعنع في الفيء، قال لي بأن المسيحيين يستحقون كل الإحترام، لكن، لا يشعر بذات الأمر مع الهندوس. "أيّ إحترام يستحقونه مني أولئك الذين يعبدون إله ذو خرطوم!"، قال لي السيد الطيب، وهو يشير إلى الإله غانيش، وهو أحد الآلهة الرئيسيين في الهندوسية، حيث يُعرَفْ برأسه الذي يماثل رأس فيل.

لم يختلف رأيه كثيراً حول الملحدين، ولو أنه لم يبدِ الكثير من الإحتقار لهم بل ربما أبدى شيئاً من عدم الفهم.

 يوجد أناس لا يعتقدون بإله وشكَّلَ هذا خياراً لهم دوماً، ولكن، يبدو هذا أمر يصعب تصوره من قبلهم، فمن المستغرب وجود شخص ليس لديه أيّ إعتقاد ديني، حتى لو كان من النمط الذي يسمونه هم "غريب الأطوار". 

بحيث يُدان ما لا يُفهَمْ دوماً.

كتب الروائي الأميركي روبرت بيرسيغ، الآتي:

 "فيما لو تدعو بعض العقائد إلى غرس الإيمان بشخص واحد فقط، سنسمي هذا الواحد معتوهاً". 

مع ذلك، هذا هو ما ترغب الأديان بأن نؤمن فيه وبغياب كليّ لإمكانية النقاش، أي بشكل دوغمائي كامل.

التعاليم دوغمائية، بشكل تعسفي:

 عندما تنغلق على أيّ نقد أو ردود. 

عندما تعتمد يقينيات لا أساس لها. 

عندما تُدرّس بصيغة لا يمكن خلالها من التصدي لعيوبها أو محدوديتها. 

عندما تُقدّم كشيء لا يمكن التشكيك فيه، بسبب خطر الوصول إلى التشكيك بكامل نظام العقائد.

وهذا ما لا أريده لابنائي، لأنني أعتبر أن الدوغمائية تشلّ القدرة على التفكير. 

تضع الدوغمائية الدينية المعارف العلمية المكتسبة والإيمان الأعمى في ذات المستوى. ومع ذلك، يشكل الشكّ الأداة التي بواسطتها تمكنا من إكتشاف الأصح دوماً. 

يشلُّ عدم التشكيك في الأشياء:

 القدرة على الجدل وتقديم الأدلة.

ترغب الأديان بفرض شيء آخر علينا، يتمثل بإعتبار الإيمان بالإله يعطي القيمة لحيواتنا. 

لا أرى هذا الأمر صحيحاً، بل أعتبر أن هذه الفكرة خاطئة.

 لا أرى أن الإيمان بأيّ إله ضرورياً:

 كي أعطي معنى وقيمة لوجودي.

 لهذا، أرى بأنه ليس ضرورياً (لأشخاص أحبهم، أبنائي) الإيمان بآلهة للعثور على مقاصد في حيواتهم، وبالتالي، يتوجب عليهم تبني عقيدة دينية معينة، أي يتوجب عليهم امتلاك آباء متخيلين مفروضين من قبل آخرين. 

لا أومن بهذا صراحة.

كسائر الإبتكارات البشرية، الأديان عبارة عن مزيج غير متجانس من الأشياء الجيدة والسيئة، من تعاليم قيّمة وأخرى ليست هكذا. 

عادة ما تُلهم عقائد دينية كثيرة قيماً إيجابية في جوهرها، مثل الإعتدال أو العدالة أو الحكمة.

 كذلك، ترسخ في أذهان المؤمنين بها إحترام مباديء أساسية لأجل التعايش بين البشر، مثل:

 لا تقتل، لا تسرق، احترام الأبوين، عمل الخير، التضامن مع من يعاني وغيرها من أمور.

 لا يرقى للشكّ أنه يوجد أشخاص يستمتعون بحيواتهم بشكل أفضل بسبب تطبيق أشخاص آخرين لعقائدهم ومبادئهم الدينية.

 حسناً، كما سأكرر لاحقاً:

أعتبر أنها مباديء يمكن تعليمها بصورة مفتوحة دون اللجوء إلى الأديان.

بكل الأشياء الكبيرة التي حققها الإيمان بالآلهة، أرى أنه يمكن تطبيق كلمات الشاعر بول فاليري عليها:

 "يبدو الإنسان سخيفاً، فيما يبحث عنه؛ لكن، يبدو عظيماً، فيما يجده".

2.17. ما الذي تقدمه الأديان لنا؟

تُقدِّمُ الأديانُ مزيجاً من الأشياءِ الجيدة والسيئة.

لو سمحت، هل من أمثلة على هذا؟

هناك من يقول بأنّ الأديان قدمت أشياءاً سيئة كثيرة، من قبيل:

ظهور وحدوث النزاعات الدينية بين الأشخاص والشعوب والمدن والبلدان منذ فجر التاريخ الجليّ. 

رغم صحّة هذا الأمر، كذلك، صحيح بأن الكثير من الأشخاص، وتنفيذاً لتعاليم عقائدهم الدينية، يتمنون الخير للآخرين ويساعدونهم بكل ما يتمكنون من تقديمه؛ حيث يذهبون لبلدان فقيرة لأجل رعاية المرضى أو تقديم الغذاء. ويساهم هذا بتحويل عالمنا إلى عالم أفضل قليلاً لأولئك البشر، الذين يعيشون البؤس مقارنة بآخرين لا يعانون مثلهم.

تشكل الأديان، بحسناتها وسيئاتها، القاعدة:

 التي يبني كثيرون حيواتهم عليها.

ساهمت الظواهر الدينية، الحاضرة في كل شيء، بالتأثير، بصيغة أو بأخرى، بحياة كل كائن بشريّ تاريخياً. 

وحدث هذا الأمر بطرق كثيرة.

بالنسبة لكل شخص، وتبعاً لدين الحقبة والمكان الذي يولد فيه، سيضيف له، وسيحرمه من:

 سلسلة من الأشياء التي ستؤدي، فيما لو نحلل - بأقصى صورة موضوعية ممكنة - لحدوث توازن شخصيّ، ويمكن أن يصبح هذا إيجابي جداً، حيادي تقريباً أو سلبي بالمطلق، ويندرج بسياق هذا الأخير، بصورة لا لبس فيها:

 كل الأشخاص الذين ماتوا في حرب دينية أو جرّاء فعل فردي لأيّ متطرف، سواء ضمن الدين الواحد أو من قبل دين آخر.

في الطرف المقابل، نجد كل الأشخاص السعداء طوال حيواتهم بفضل الدين، والذين عرفوا كيف يحولون صيغة الحياة هذه إلى عون ثابت للآخرين. 

على وجه الأشخاص الذين أمضوا حيواتهم في إرساليات دينية، يمكن أن نلاحظ جميعنا:

 نوعاً من الفرح. 

كذلك، على وجوه الأطفال، الذين تلقوا العون للعيش بكرامة، حيث يعلموهم القراءة، يساعدونهم في بناء منازلهم، إنشاء دار أيتام لهم، تقديم اللقاحات أو أيّ عون آخر.

 حتى لدى أولئك الذين رافقوهم في لحظات احتضارهم، يمكننا ملاحظة ظهور تذمُّر أقلّ بفضل حضورهم.

ربما خلال قراءة الفقرة السابقة، ستقفز إلى ذاكرة القاريء الكريم:

 صورة لأحد القائمين بهذه الأعمال، رجال ونساء، والشهرة التي اكتسبوها أو لمعرفتهم بشكل شخصيّ. 

ومع ذلك، فلن يصلوا، حتى هم، مع كل الخير الذي قدموه من خلال إسعاف الآخرين، إلى نهاية الخط المتخيل الذي رسمناه بين الإيجابيات والسلبيات التي تسم الأديان.

 لماذا؟ 

حسناً، لأنهم مجبرين على اتباع توجيهات قادتهم، أو بسبب قناعات شخصية، كان كثيرون منهم معارضين، على سبيل المثال، لاستخدام الواقي الذكري ووسائل منع الحمل، وربما ساهم تبشيرهم بهذه الأفكار بظهور التعاسة لدى كثيرين. حتى بالنسبة لأولئك ذاتهم، في جوانب أخرى، قد ساعدوهم كثيراً وبشكل متفانٍ.

قلنا سابقاً بأنه وكحال غالبية البُنى البشرية، تحتوي الأديان بذاتها على خليط من المشاهد الجيدة والسيئة. ويبدو أن هذا غير ممكن التهرُّب منه. 

بطول التاريخ  وعرضه، ظهر أشخاص متدينون ذوي تعاليم تنبض بالحكمة، وبذلوا جهوداً ثمينة لمساعدة الآخرين.

 لكن، كذلك، ظهر مؤمنون متطرفون قد أسسوا لأوضاع مأساوية، قد ولَّدَتْ المعاناة لدى كثيرين.

بالتحرك نحو النقطة المركزية، نحو أماكن بعيدة عن قطبي الخط المتخيل، سنلتقي بأحوال أقلّ تطرُّف، لكن، تكشف كيفية تأثير الأديان، خيراً أو شراً، على حياة الناس.

أتذكر مثال حول هذا، ربما يبدو كقصة طريفة، لكن، برأيي المتواضع، يشكّل مثالاً، يوضح جيداً ما أرغب بقوله. 

كانت أمي، ومنذ صغرها، عسراء (تستخدم يدها اليسرى بالأمور الأساسيّة)، بحسب ما روته لي هي. وإبني الصغير هكذا. ما يميزهما عن بعض، هو أن إبني يستطيع أن يكتب ويقطع ويأكل بيده اليسرى، لكن، أمي عندما كانت بعمره، لم تتمكن من القيام بكل هذه الأمور، لأنهم لم يتركوها تقوم بهذا؛ لهذا، قلتً بأنها "كانت عسراوية في الصغر". (الآن، هي يمينية لأسباب أخرى، لكن، تستخدم اليسرى بأشياء أخرى وهو توجهها الطبيعي الأصلي). 

ضربوها بقوة على يدها اليسرى، كلما حاولت إستخدامها خلال صغرها بأي نشاط يومي، إلى أن انتهت لإستخدام يدها اليمنى. وقد أرعبها عمها بشكل خاص بهذا الأمر. 

لكن، لماذا منعوها من استعمال اليد اليسرى؟ 

ربما كان أحد الأسباب هو الجانب العمليّ. 

للآن، أعرف آباء يفضلون أن يستخدم أبناؤهم اليد اليمنى لما يناسب الإستخدام اليومي لكثير من الأشياء، مثل ادوات القصّ والقطع صعبة الإستخدام على اليسراويين. 

لكن، في حالة أمي حينما كانت طفلة - كحال كثير من الأطفال بزمن مضى - فيبدو أن السبب الداعي لإستخدام اليد اليمنى، منذ الأزل:

 هو سبب ديني، بحيث جرى ربط الجانب الأيسر بالشرور؛ فيما شكل الجانب الأيمن جهة الخير دوماً. 

فقد جلس يسوع على يمين الله، عندما صعد إلى السماء، كما تُحدِّثنا الأناجيل.

 كذلك، يقولون لنا أنه خلال عملية الصلب، وعد يسوع الشرير بأنه بذات اليوم سيكون معه في الجنة، فكان على يمينه؛ فيما جرى صلب اللصّ، الذي سخر من يسوع لأنه إله ولا يستطيع إنقاذ نفسه، على يساره.

وفق إنطباعي شخصياً، ولأن نسبة مستخدمي اليد اليمنى أكثر بكثير من مستخدمي اليد اليسرى، تبنت الأديان، كظواهر بشرية، هذا الخوف من الغريب، مما يخرج عن العادة أو المألوف، فربطت الجانب الأيسر بالمخاطر والخطايا، بحيث جرى إعتبار الجهة اليسرى كمكافيء للنحس وللكوارث.

لحسن الحظّ، وفي بعض البلدان المحددة، لا يُعاقَبْ على استخدام اليد اليسرى كأمر طبيعي، جرى تكييفه مع أغراض مصنوعة بهذا القصد، مثل المقصات ونازعات أغطية الزجاجات وسواها ومفاتيح العلب وسواها، مما يجعل الحياة أيسر على العسراويين.

نعود إلى سؤالنا الأساسيّ:

 "ما الذي تقدمه الأديان لنا؟". 

سيواظب بعض الأشخاص على ممارستهم لإيمانهم بصيغة ألوهية أو أخرى وبشكل أو آخر للروح، كجوهر، ببساطة لأنّ تلك العقائد تزودهم بشيء ما. 

على سبيل المثال، تقدم لهم إستقراراً نفسيّاً (ولو أنّني أعتبره إستقراراً وهميّاً، لأنه في حالة خسارة الإيمان، يمكن أن يفقد أولئك هذا الإستقرار). 

برأيي المتواضع، هنا، أستخدم كلمةً أساسيّةً لدى تفسير الظواهر الدينية، هي أنها:

 تقدِّم أو تساهم. 

وقد يتغير ما تقدمه الأديان لشخص وآخر - صفاء، سلام داخلي، تخفيف مخاوف الأجداد، صيغة بسيطة لتفسير العالم -، لكن، الصحيح هو أن محافظة الشخص على عقائد حية، بعيدة للغاية عن المنطق والعقل، يعود لإسهام تلك العقائد في تدعيم رفاهيته أو راحته. 

يحتاج الكثير من الأشخاص لعقائدهم:

 ومهما ابتعدت عن المنطق والعقلنة، لأنها تحقق لهم إستقراراً نفسيّاً.

إن أستجوب نفسي حول ما قدمه عدم إيماني بالآلهة لي. 

أجد وجهة نظري حول هذه القضية، هي أنني:

 أشعر بالعقلانية والتوافق، من المهم، كذلك، أن أتمتع بالثبات، الذي بدوره يجعلني أرضى عن نفسي أكثر. 

وربما يحدث هذا مع "ملحدين آخرين".

ولو أنّ الأمر يتعدَّى الإلحاد بذاته، بل يرتبط برفضنا للدوغمائية، ما يقدم لنا الدافع لمتابعة التفكير بأنّ أحد الأشياء، التي يجب على الأديان تقديمها للجميع، بدقة، هو التوافق في طروحاتها.

 كما عبّر كارل ساغان:

"تحتاج التأكيدات الإستثنائية إلى أدلة إستثنائية أيضاً".

توصل الأخصائي بالرياضيات لابلاس إلى قول شبيه، قبل مئتي عام:

"يجب أن يملك الدليل، صفة إستثنائية، على التأكيد الإستثنائي".

وما تطرحه الأديان من تأكيدات هي أكثر من إستثنائية، بل لم يُسمَعْ بها حتّى!.

جلبت كلمة "توافق" إلى ذاكرتي تعليقاً ساخراً سأذكره فيما يلي، وأعتبر أنّه يوضح ما نتحدث عنه بشكل جليّ. 

كتب التعليق الموسيقي الأميركي دوغ مكلود:

"لطالما فكرتُ بأنّ وضع مانع صواعق على برج الكنيسة: يعكس نقصاً هائلاً بالثقة!".

لا يقتصر الأمر على ظروحات الأديان وضرورة توافقها، بل كذلك ،يتوجب عليها إبداء نوع من المصداقية من خلال التطابق بين القول والفعل.

 تتحدث غالبية الأديان، تقريباً، عن فضيلة الفقر. 

ومع هذا، تبدو مؤسسات دينية كثيرة غنية وتتصرف كما يتفشخر الأغنياء، حيث تعرض غناها الهائل دون حضور أي نوع من تأنيب الضمير. 

عبّر توماس ميرتون، كاتب وراهب في الرهبانية السيسترسية البندكتية، بشكل أفضل مما يمكنني القيام به شخصياً؛ لهذا، أعطيه الكلمة:

"من السهل للغاية أن تقول للفقير بأن يقبل فقره بوصفه إرادة إلهية، فيما يبدو، من يقول له هذا الكلام، متمتعاً باللباس والغذاء والرعاية الصحية وسكن يأويه ولا يقلق لدى دفع الفواتير. إن أردت أن يصدقك هذا الفقير: حاول أن تتقاسم معه شيئاً من فقره، ولتنتبه، إن تستطع، على قبول هذا كإرادة إلهية!".

3.17. خمسة أشياء غير مريحة في الأديان

يقول الفيلسوف فرناندو ساباتير: 

"الأديان كالنبيذ: هناك من يشعرون بالرضا حياله (ينبسطون!)؛ وهناك من يشعرون بالإستياء منه (ينزعجون). هناك أشخاص بعد شرب كأسين، يصبحوا ثرثارين ومثيرين للضحك. فيما يُصبِحُ آخرون، مع ذات كميّة النبيذ، بهيميين وغليظين. مع الدين، هناك من يتحسَّن، لكن، هناك مَنْ (...)". 

ما يهم هو الأفعال لا الأقوال أو الإعتقادات لوحدها. 

هكذا، إذاً، إن يُجانب ساباتير الصواب، إن يُحسِّن الدين بعض الأشخاص وينفذوا أعمالاً جليلة:

 فيا مرحبا بهم. 

 رغم أنني أميل، بالعموم، لرؤية الأمر بطريقة مختلفة.  

ببساطة، أرى بأنّ الكثير من الأشخاص جيدين، لكن، ليس بفضل دينهم.  

فإن ينفذوا أعمالاً جليلة:

 فبسبب طبيعتهم الفاضلة؛ وليس بسبب الأثر العقديّ الدينيّ.  

فذات الأشخاص، إن لم يكن لديهم عقائد صوفيّة، فهم منخرطون بجمعيات مدنية علمانية لمساعدة الآخرين بدلاً من إنخراطهم في مؤسسات دينية.  

لكن، هذا مجرّد رأي شخصي أو تخمينات. 

مع هذا، وبما يتعلق بالأشياء غير المريحة أو الآثار المؤذية للأديان، فننتقل من عالم التخمين والظنون إلى الوقائع الفاقعة على أرض الواقع.  

فعادةً، الأديان:  

أولاً. تُشجِّعُ على خضوع الإناث (خضوع الجميع بالعموم)  

كلّ من يتابع مجريات العالم الذي يعيش فيه، يعرف رأي الأئمة المسلمين وحاخامات اليهود المتعصبين وكهنة الفرق المسيحية بالمساواة بالحقوق بين الجنسين. ففي البلدان الغربية، للآن، تبقى الأديان عقبة أمام هذه القضيّة. أما في البلدان ذات الحكم الديني المباشر، فالحكم ذاته هو الذي يُهين ويُخيف الإناث (حُكم الملالي الإرهابي في إيران وأيّ حكم شبيه). 

ثانياً. تُحرِّضُ على الكراهية  

كراهية أتباع الأديان الأخرى وغير المؤمنين بأيّ دين بالإضافة إلى المغردين خارج السرب كالمثليين الجنسيين على سبيل المثال لا الحصر. كذلك، كره من يُفكِّر بنفسه ليبني إيمانه على الإقتناع لا على الوراثة؛ أي يتأمل ويدرس ليتوصل للإيمان بعد الإقتناع.

تقف الأديان خلف بعض الوقائع المُهينة تاريخياً مثل الحروب المقدسة وبتر الأعضاء التناسلية وحرق الهراطقة والسحرة وفتاوي رجم الزناة والتغطية على المُجرمين من خلال الإعتقاد بأنّ الشرائع الإلهية فوق البشر.  

ثالثاً. تزرع الخرافات في الصغار  

ما إن يكبر أولئك، حتى يصبح من الصعب تحررهم منها. لدى الأديان ولع شديد بتلقين اليافعين. 

ولهذا، دون شكّ، سبب وجيه. 

فكيف لعقل ناضج أن يعتقد، على سبيل المثال، بأنّ جزءاً لامادياً سينفصل عن الجسد بعد الموت ليطير ويتابع حياته بكائن آخر أو في نقطة معينة من "الغلاف الجوي"؟

ما إن يتمكنوا من إقناع الصغير بالإعتقاد بوجود جنّة حتى تتبقى خطوة لجعله يعتقد بأنه لكي يصل إليها عليه تنفيذ أعمال مُرضية للربّ مثل قتل الكافرين.

الجانب الآخر المؤذي للخرافات هو إعاقة التقدُّم العلميّ. فمنذ الصغر، يعلموهم على تبني تفسيرات قداسيّة لا أساس علميّ لها عوضاً عن السير بمنهج علمي واضح إعتباراً من ملاحظة الوقائع ومن ثمّ صياغة الفرضيات والبحث عن أدلة وبراهين مُعزِّزة أو داحضة لتلك الفرضيات.  

رابعاً. تزرع الخلط والغموض بأشياء نعرفها بمعلومات بسيطة  

عندما لم يكن لدينا علم بأيّ شيء، نفعت الأديان، وبواسطة آلهتها، بإعطاء الأجوبة لكل ولأيّ شيء. 

ينبلج الفجر حين يستيقظ الإله الشمس. لا ينفث البركان حممه لأنّ الآلهة غير غاضبة. تُمطِرُ لأننا قدمنا أنثى عذراء كقربان أو أضحية. للطيور أجنحة لأنّ الله قد منحها إياها كي تطير. شُفيَ فلان لأننا صلّينا لأجله. يصرخ لأنه مسكون بالشياطين ...إلخ.

الأديان هي أوائل المحاولات البشرية بعلم الفلك وبعلم البراكين وبعلم المُناخ وبعلم الحيوان وبالطبّ وبعلم النفس. حسناً، هي علوم زائفة (ويمكن تفهُّم الأمر وتقديم العذر، لأنها أوائل المُحاولات). بيومنا هذا، إختفى الكثير من تلك الإعتقادات لصالح التوصُّل إلى تفسيرات واقعيّة عقلانيّة.

فمن خلال البحث العلميّ، توصلنا إلى الكثير من التقدُّمات في علم النفس وفي الأرصاد الجوية والطيران واللقاحات والطب والأجهزة المختلفة المفيدة، مثلاً من خلال جهاز الإيكو يمكن تحديد جنس الجنين (إن يدعو الشخص إلهه كي يهبه مولود بجنس معين: فنسبة صحّة التلبية الإلهية هي 50%!!).

الأديان عبارة عن عائق، للآن، يمنعنا من العثور على إجابات على الكثير من الأسئلة الواجب تقديم أجوبة لها. 

ومن الخطأ العمل على وقف التقدُّم في المعارف. 

تستمر الأديان بخلط العقائد بالمعارف (المعابد بالمدارس)، ويعني هذا الإستمرار بالإبتعاد عن المناهج المُوصلة للمعارف المفيدة وتشجيع الناس على الصلاة والحجّ وتقديم القرابين وممارسة الطقوس كما لو أنّ أيٍّ منها يحلّ أيّة مُشكلة. 

لأنه حتى لو حرَّكَ الإيمان الجبال، كما يُقال، فإنّ الهندسة قد أثبتت بأنّ فعاليتها أكبر وأدق وأفضل. 

خامساً. تخلق صعوبات إضافية أمام تحسين حيوات كثيرة  

في قائمة البلدان ذات معدلات الوفيات الأقلّ بين الأطفال وعلى مستوى الإرتكابات الجُرمية والأميّة وقلّة التفاوت بين المناطق الحضرية والريفية وقلّة الفروقات بين الأغنى والأفقر وأقلّ معدلات سوء التغذية والأكثر نُموّاً بمعدلات زيادة الأعمار وعدد سنوات الدراسة والتي تحترم الحريات الفردية، وفي الطليعة الإيمان الديني بالإضافة إلى الطبابة المُتاحة للجميع، نجد البلدان ذاتها دوماً: 

أوستراليا، نيوزيلنده، كندا، اليابان، كوريا الجنوبية، هولنده، فرنسا، ألمانيا والبلدان الإسكندنافية. 

هي البلدان ذات النسب العالية لغير المؤمنين بالآلهة.  

لكي نتمتع بالمصداقيّة، يجب التنويه إلى أنّ الإرتباط بين عدم التديُّن بتلك المجتمعات وبين تقدمها:  

ليس صدفة.  

ما الذي تقوله الأديان؟  

لكي تجري مساعدة الأشخاص الأفقر: يجب علينا متابعة الصلاة لأجلهم!

أودُّ أن أُضيف نقطة خاصة بالأديان التوحيدية، بالعموم، وبالإسلام على وجه الخصوص، هي: 

عندما بدأ محمد دعوته في مكّة، تعرَضَ للإضطهاد والمُلاحقات، وقد وثَّقَ محمد هذا الأمر بآيات قرآنية كثيرة. 

إضطهدوه لأنّه مُختلف ولم يؤمن كما آمنوا.

لكن، عندما إنتصر مُحمّد وعاد إلى مكّة، كيف تصرَّفَ مع الآخرين المُختلفين؟

المؤسف، هو أنّه قد تصرَّفَ بطريقة إنتقامية وهمجية ولم يتعظ مما جرى من إضطهاد بحقه فإضطهد الكثيرين! 

أضحك كثيراً عندما أقرأ عن "رسول الرحمة" و"قصّة لطف محمد مع جاره اليهودي" وسواها من "قصص"! 

إليكم عيِّنة بسيطة من سلوك "رسول الرحمة" والمصدر هو التراث العربيّ، الذي ينقله الباحث جواد علي في كتابه "المفصل بتاريخ العرب قبل الإسلام" من أهم المصادر التراثيّة: 




هل يمكنهم الدفاع بمواجهة هذه الحوادث؟! 

في حالة الضعف، هرب مُحمد من وجه "كفار قريش" وفق التوصيف الإسلامي؛ في حالة القُوّة، مارس مُحمّد القويّ بحق القريشيين الغير مؤمنين بدينه، أي المختلفين إيمانياً عنه، ما مارسته قريش القويّة بحقّه! 

 هذا ليس له علاقة بالزمكان وإختلاف القراءات مع مفاهيم وقوانين كل مكان وزمان بعينه.

إنتقل محمد من مظلوم إلى ظالم بتغيّر الظروف وبمرور القليل من السنين والمفروض أنه لم ينسَ! 

تعوَّدَ المُتديِّن، بالعموم، والمُسلم، على وجه الخصوص، القفز فوق كل آية أو حديث أو فكرة غير مُريحة؛ وواجبي: إبراز هذه المواد والتوقف عندها لا القفز!

أخيراً، إن لم يحصل تعايش بين الجماعات البشرية المختلفة دينياً وإتنياً وقومياً: 

فسنبقى ضمن دوّامة المُضطهِدْ والمُضطهَدْ على ما يبدو وهو ما يدعو للأسف!

4.17. كم يبلغ عدد الأديان اليوم؟

يوجد حوالي عشرين دين، على إمتداد العالم.

وما هي الأديان الرئيسية بينها؟

حسناً، الأديان الثلاثة الرئيسية، التي يتبعها العدد الأكبر من المؤمنين، بالترتيب من الأكثر إلى الأقل، هي:

المسيحية، الإسلام والهندوسية. 

لكن، يوجد ضمن كل دين منها فرقاً أصغر.

بحيث يتفرّع كلّ فريق إلى فرق أصغر، تختلف عن بعضها بحيثية هنا أو حيثية هناك.

تعتقد بعض الأديان، كالهندوسية، بوجود آلهة كثيرة مختلفة. 

فيما تعتقد أديان أخرى بوجود إله واحد فقط، قد خلق كل شيء.

  أقدم هذه الأديان التوحيدية هو الدين اليهودي. ومنه ظهرت، لاحقاً، المسيحية والإسلام.

الأديان الأبرز، إلى جانب ما جرى ذكره، هي:

 الأديان التوفيقية الصينية، البوذية، السيخية، البهائية والطاوية.

في الوقت الراهن، وبحسب المعطيات المتوفرة، خلال العام 2009، في موسوعة العالم المسيحي، يوجد 19 دين كبير في العالم، وبدورها، تنقسم إلى 270 فرقة رئيسيّة وآلاف الفرق الصغيرة. 

هناك أعمال كاملة، من أحجام مختلفة، تتركز على تاريخ الأديان وتبحث عن جواب على السؤال المطروح أعلاه. حاولتُ، هنا، أن أضع بعض الأجوبة السريعة التي يمكن للصغار فهمها بيُسر.

تاريخياً، ظهرت أديان التوحيد الثلاثة، التي تؤمن بإله واحد، مع اليهودية بداية، والتي ظهرت في منطقة شرق المتوسط منذ حوالي ثلاث آلاف عام، تُعتبر عقيدة اليهود، بوصفهم شعب الله المختار، أمراً مركزيّاً، حيث ظهر عهد بين الله وابراهيم، قد نصَّ على إحترامهم شرائع الله مقابل حمايتهم وإعطائهم أرض إسرائيل، ويسمى كتاب اليهودية المقدس التوراة.

أتت المسيحية بوقت لاحق، الدين الأكبر اليوم من حيث عدد التابعين، أكثر من ملياري شخص. يعتقد المسيحيون بأن يسوع، المولود منذ ألفي عام، هو إبن الله والمسيا الموعود في العهد القديم (سلسلة أسفار يهودية). 

يشترك المسيحيون مع اليهود والمسلمين في الإعتقاد بالجنة، التي تسافر الأرواح إليها بعد الموت. يضم كتابها المقدس العهدين القديم والجديد، ويضم هذا الأخير أربعة أناجيل، تقصّ سيرة يسوع.

يأتي الإسلام فيما بعد. الدين الثاني من حيث عدد الأتباع، حوالي مليار ونصف. تعني كلمة "إسلام" "الامتثال للإرادة الإلهية".

 بحسب المسلمين، أرسل الله مجموعة من الرسل لهداية البشرية وتعليمها كيف تعيش من خلال إتباع تعاليمهم، مثل موسى وإبراهيم ويسوع. 

اعتبروا محمداً آخر الرسل وهو متلقي الوحي منذ حوالي 1400 عام في شبه الجزيرة العربية. 

يسمى كتاب الإسلام المقدس القرآن.

الهندوسية دين الأكثرية في الهند. يبلغ عدد المؤمنين بها حوالي 900 مليون هندوسي. بخلاف أديان التوحيد، لا تعتقد الهندوسية بإله واحد خالق للعالم، ولا بمؤسس واحد، ولا بكتاب مقدس حصريّ، ولو أنها تملك نصوصاً عديدة رئيسية معروفة بإسم الفيدا. 

تعود جذورها إلى ما قبل آلاف السنين وإحدى عقائدها الرئيسية، هي تلك التي تعتبر أن الروح تعبر دورة حياتية وتتناسخ في كائن أو آخر، بناءاً على عيش الحياة السابقة بما يتفق مع مبادئها أو لا.

كذلك، لا تتحدث البوذية في تعاليمها عن إله خالق، ولا عن جنّة، ولا عن جحيم.

 يعتقد البوذيون بتناسخ الأرواح. يعتبرون بأنّ الروح تعبر عدة اجساد قبل الوصول إلى النيرفانا. 

على سبيل المثال،  بالنسبة لهم، مرَّ مؤسس البوذية غوتاما بأكثر من 500 تناسخ قبل أن يتحول إلى بوذا، فقد كان غراباً، قرداً، فيلاً، عبداً، ملكاً، بين تناسخات أخرى.

تشترك البوذية مع عقائد بشرية أخرى في بحثها عن الحكمة والأخلاق. 

ولا يمكنني إلا أن أتفق مع كلمات بوذا التالية بشكل كليّ:

"لا تصدقوا شيئاً، أيها الرهبان!، لأنهم قالوا لكم هذا فقط، أو لأنه جرت العادة هكذا، أو لأنكم ذاتكم قد تخيلتموه هكذا. كذلك، لا تصدقوا ما يقوله له معلمكم فقط لأجل الإحترام الواجب إبداءه له، بل ومهما يكن الأمر، صدقوا الشيء الذي يخضع للإختبار والتحليل، الذي يبدو معقولاً وصحيحاً لكم. تمسكوا بهذا النوع من العقائد، آمنوا بها وخذوها كمرشد".

أديان كثيرة حاضرة في العالم من طراز "شعوب مختارة من آلهتها"، وتوفر للمؤمنين بها - إن يقوموا بواجباتهم على أكمل وجه - النجاة من غضب إلههم، الذي يوجهه لشعوب أخرى. 

دون التسبب بالإهانة لأحد، يمكننا إعتبارها نوادي خاصة روحية، يقف أشخاص على بواباتها، حيث يقررون من يدخل ومن لا يدخل إلى جنانها الموعودة.

ما خلا إستثناءات قليلة - قائمة في الشرق عادة - لم تدخل الأنظمة الدينية في مجال إكتشاف صيغة تحليلية للأسئلة الميتافيزيقية الأساسيّة، بل عوضاً عن هذا، استخدمت الآلهة كشيء يشرح كل شيء ويجيب على أيّ شيء!!.

تمتلك الطاوية - واحدة من الإستثناءات التي أشرت إليها أعلاه - مباديء أساسية مثل:

 البساطة، العفوية، الشفقة والعمل دون تحقيق أيّ انتهاك للقوانين الطبيعية. 

الصورة الممثلة لها خير تمثيل هي صورة المياه المتدفقة. 

تعتبر البشر حيوانات أعضاء في مملكة الحيوان، ليست كائنات متفوقة ولا منحطة. 

بالنسبة للطاويين، العقيدة التي تعتبر الإنسان كشيء منفصل عن الطبيعة خاطئة كلياً.

 فيما تعتبر غالبية الأديان التقليدية، بصورة معاكسة، أنّ الإنسان قد وضعته الآلهة على قمة هرم الكائنات الحيّة. يتركز نظرهم على الكائن البشري عادة، ولا يعيرون الإهتمام إلى باقي الطبيعة وما فيها. بُناها، بالعموم، إستبدادية وجامدة وذات تراتبية هرمية. يجعلها هذا تفقد جزءاً من جاذبيتها لدى الكثير من الأشخاص. 

سيقول البعض بأنها لم تستطع التكيف بمرور الزمن. مع ذلك، تظهر تنوعات عقائدية جديدة يومياً، بالإضافة إلى فرق وأديان توافقية جديدة.

تفقد الأديان التقليدية الأتباع، الذين ينتقلون نحو الإيمان بعقائد تتبعها أقليات. يتابع الكائن البشري بحثه عن طرق تواصل مع آلهته (لم يقلّ الاحتياج إلى الميتافيزيق المريح، الذي توفره الأديان)؛ ببساطة، ظهر - سيما في الولايات المتحدة الأميركية وفي بعض بلدان أميركا اللاتينية - رجال أعمال روحيون، عرفوا كيف يحدِّثون العقائد التقليدية ويكيِّفوها قليلاً مع عصرنا الراهن.

5.17. مَنْ يكذب؟ موسى أم يسوع؟

يمكننا التأكيد على أن المسيحيين يمكنهم هضم أغرب الأفكار الفاقدة للمعنى دون أن نقع في زلل أو شطط.  

ولهذا، يكفينا الإطلاع على الكتاب المقدس المليء بالتناقضات.  

فبينما يتم تأكيد شيء محدد بصفحة محددة، نجد بعد طي عدد من الصفحات تبريراً لما يخالف ذاك الشيء تماماً.

لكن، ربما يُعتبر أكبر تلك التناقضات، في كلمة الوحي الإلهية، هو التعارض الكلي بين مضمون العهد القديم ومضمون العهد الجديد. وهو شيء لا يفاجيء من يملك الحد الأدنى من المعرفة التاريخية، لكن، لا يتفهم أيّ مسيحي هذا الأمر.

فإله العهد القديم، هو إله لليهود فقط، الذين شكلوا جماعة صغيرة هامشية في التاريخ البشري، ولكن، لسبب ما، قد اختارهم الإله الغضوب يهوه، الذي تصرف كالمجنون الأهوج، عندما طلب من أتباعه المختتنين الهجوم على غير المختتنين وقتلهم جميعاً، من الميديين، الحثيين، الأموريين، المصريين، الإدوميين، الكنعانيين .....الخ، دون تمييز بين بالغين وصغار، مسنات، شباب أو حديثي ولادة.  

فالهولوكوست النازي، هو مجرد مزحة مقارنة بتلك المجزرة. 

 لم يقتصر الأمر على قتل البشر، بل دمروا المحاصيل وفتلوا الحيوانات حتى، هي حرب إبادة شاملة بكل المقاييس.

مع ذلك، تسبب هذا الغضب، الذي لا ينسى، بحدوث إبادة جماعية للبشرية – باستثناء بقاء نجار مع عائلته على قيد الحياة، توجب عليهم إعادة إعمار الأرض عبر إرتكاب علاقات سفاح قربى لا تحصى – وإبادة كل مظاهر الحياة البرية – والإبقاء على زوج واحد من كل نوع حيواني -، إلى أن يقرر، بصورة مفاجئة، وقف عمليات الإبادة، إلى أن يتعرض هو ذاته للتعذيب – يبدو أن الرذالات القديمة تقاوم الاختفاء – والقتل – كذبة أخرى -، لأجل "خلاص" البشرية جمعاء، التي جرى العمل على إبادتها دونما رحمة قبل لحظة!

هل أخطأ البطل  السماوي الخارق كليّ المعرفة؟ 

لم يكن التناقض الجليّ بين العهدين القديم والجديد خفيّ على من امتلك حد أدنى من التفكير، ومنذ ظهور تلك الكتابات القداسية، كما أوضح الفيلسوف اليوناني سيلسوس خلال القرن الثاني ميلادي في كتابه "الخطاب الحقيقي المناهض للمسيحية"، الذي يهدم فيه الأباطيل اليهو – مسيحية – ويشكل هذا هدم للأباطيل الإسلامية لاحقا، برأيي المتواضع -، فنقرأ الآتي:

"على افتراض أن يسوع، وانسجاماً مع أنبياء الله واليهودية، هو إبن لله، كيف يمكن لإله اليهود أن يأمرهم، وعبر موسى، بأن يسعوا وراء تحصيل الثروات والسلطة، بأن يتكاثروا حتى يملؤوا الأرض، أن يقتلوا أعداءهم دون رحمة – هذا ما أوصاه إله القرآن لمحمد بالضبط -، بل يقتلوا الأطفال ويبيدوا السلالة كاملة حتى، بل يجري كل هذا أمام ناظريه بحسب موسى نفسه؟ 

لماذا يهددهم هو في حال عدم طاعتهم لوصاياه بمعاملتهم كأعداء، فيما قدم يسوع الناصري إطروحة مخالفة تماماً:  

فالغني لا يدخل ملكوت السموات، ولا كل من يملك طموح سلطوي، ولا من يحب الحكمة والعظمة؛ لا يتوجب علينا الاهتمام بأرزاقنا أكثر من اهتمام الغربان بها؛ يجب أن نهتم بلباسنا بصورة أقل من اهتمام أزهار الزنبق؛ ...؟

من يكذب إذاً؟  

موسى أم يسوع؟  

هل نسي الله، عندما أرسل إبنه يسوع، ما قاله لموسى؟ هل غيَّرَ الله رأيه، وبالتالي، خالف قوانينه محملاً إبنه لقوانين معاكسة كلياً؟".

للآن، يُتابع الملايين من المصابين بفيروس الإيمان إعتقادها دون أن تعي أن من كتب العهد القديم هم أناس مضطهدون، إحتاجوا للبقاء على قيد الحياة كأمة، بينما من كتب العهد الجديد أناس ينتمون إلى حضارة ذات طابع عالمي أكثر، كما بدا حال الرومان، دون أن يحضر أيّ شيء ألوهي على الإطلاق!

6.17. مدخل (غير شامل) نحو تحقيق دراسة علميّة للدين

 ربما تُعتبر محاولة فهم السلوك البشريّ واحدة من أكثر القضايا تعقيداً والتي يواجهها البحث العلميّ في الوقت الراهن، سواء على صعيد تنوّع الأفراد أو لجهة دراسة العمليات التي يهتم بها علم أحياء أعصاب الدماغ (جزء من العلوم العصبيّة) بشكل جماعيّ، ما يعني، كيف تُبنى العلاقات البشريّة من الزواج أو العائلة إلى المجتمعات المعقّدة التي نعيش بها حالياً. 

 وضمن هذا الحقل، ربما يشكّل تحليل عالم الدين المُعقّد: 

أحد أهمّ التحديات لدينا، حيث تتحكّم العقائد الدينية بمصائر ملايين البشر، سواء على الصعيد الفرديّ، أو لناحية تأثيرها الهائل في نواحي أخرى كالاقتصاد، السياسة، التشريع، الصحّة  .... الخ، وصولاً للتطوُّر العلميّ والتقنيّ ذاته في المجتمعات الغربيّة الأكثر تقدماً.

إنطلاقاً من وجهة نظر أنتروبولوجيّة (وجهة نظر علم الإنسان)، شكّلت دراسة الأديان إتجاهاً واسعاً عميقاً مُعتمداً على التوثيق وبشفافية كبرى، سيما لناحية الحوادث التي تظهر من خلالها تلك الأديان.   

وحدث هذا إنطلاقاً من وجة نظرنا الغربيّة الخاصّة (التي تُهيمن أديان الكتاب الكبرى عليها أو أهل الكتاب، والتي تضيع أصولها بين الخرافات، التي أُعيدَ كتابتها آلاف المرّات، قرن بعد قرن، من قبل المؤمنين بها والمروجين لها، وصولاً لعرقلة، إن لم نقل منع تطبيق المعرفة الواقعيّة على تكوينها) وبأخذ الرواج الهائل لتنوّع المعتقدات فوق الطبيعية خلال القرن الأخير بعين الإعتبار: 

 فقد إستطاع الدارسون توثيق كامل هذا الحدث.

أحد أفضل الامثلة، الدراسة التفصيليّة، التي حققها في خمسينيات القرن الماضي الأخصائيّ النفسيّ الاجتماعيّ الأميركي ليون فستنغر وفريقه حول الأخوّة الصغرى اليوفولوجيّة – المسيحيّة ذات الطبيعة المؤمنة بعودة المسيح الألفيّة حديثة الولادة، فقد تمكّن الباحثون من اختراق الجماعة والتحليل من الداخل، سواء لديناميكيّتها كما لمبررات وتفاعلات كل عضو في هذا الدين حديث الولادة. 

 رغم أنّ الحالة الاشهر، قد تمثلت بظهور جماعات دينية تحت إسم ديانات الشحن، كنتيجة للصدام الثقافيّ بين آلية الدعم اللوجيستي (القوات الأميركية) المنتشرة في منطقة المحيط الهادي الجنوبيّ خلال الحرب العالمية الثانية وجماعات متنوعة من سكّان أوستراليا الاصليين المنتشرين في مناطق منعزلة كلياً. 

وقد قدّم الأخصائيّ بعلم الإنسان مارفين هاريس في كتابه "أبقار، خنازير، حروب وساحرات" موجزاً متخصّصاً بتلك الظاهرة.

لكن في سياق دراسة الدين، السؤال الأكبر بالنسبة للباحثين (وهو بالواقع مهم لعموم المجتمع)، هو:  

هل يظهر هذا السلوك الهائل الإنتشار، الذي صاغهُ نوعنا الحيّ، كغيره من السلوكيات البشريّة الأخرى: 

 نتيجة التعليم والإجتماع (أي عُنصر "ثقافي" إضافي)، أو وبشكل معاكس، نُولَدُ كبشر "مُبرمجين مُسبقاً" على الإعتقاد بصورة ما؟

 وهذا الكلام الأخير، هو شبيه بنظريّة اللغة لمختص اللغويات والفيلسوف الشهير نعوم تشومسكي، والتي تقول بأنّه لدى الأطفال معرفة فطرية بالقواعد الأساسيّة العامّة لكل اللغات البشريّة في سياق إمتلاكهم لأجهزة دماغيّة متخصصة. 

وفيما تبقى من هذا المقال وفي غيره مستقبلاً، سأحاول تقديم بعض التفاصيل المتوافقة مع وجهة نظر تجاه هذه المشكلة أو متعلقة بالمفهومين، حيث لا ينفيان بعضهما البعض دوماً.

في سياق التفسير "الثقافيّ" للدين، سادت فرضيّة إعتبرت أنّ العقائد الايمانيّة (أو كانت بلحظة ما من تاريخنا وحتى للآن ما تزال) هي عامل إيجابيّ ومفيد سواء بالنسبة للفرد كما للجماعة، وقد ساهم هذا بالحفاظ على نوعنا الحيّ وعلى إنتشاره على مدى الزمكان، وبصيغة مستقلة عن ظرفيتها أو حتميتها.

وفق هذه الرؤية، سيُفيد الدين الفرد، كما لو أنّه عنصر مخفّف للتوترات والقلق بمواجهة نوائب العالم الخارجيّ، والتي لا يمكنه التحكُّم بها أو مواجهة الخوف من الموت.  

وقد بيّنت دراسة محققة في أندونيسيا بأنّ الأزمة الإقتصاديّة قد ترافقت بإزدياد في ممارسة العبادات الدينيّة؛ وأشارت دراسة أخرى حُققت في نيوزيلنده، إلى أنّ الدين أضحى أكثر جاذبيّة بين الأشخاص، الذين عاشوا في المناطق التي قد تأذَّت أكثر بسبب زلزال العام 2011 مقارنة بالأفراد الذين عاشوا بمناطق مجاورة لم تتضرّر.

يُشير كل هذا، لإزدياد التحوُّل أو الإستدارة نحو الدين إثر حدوث الأوضاع الكارثيّة، وسينسجم هذا مع دراسة حديثة (حللت معطيات إحصائيّة متوافقة في 114 بلد مختلف) وتؤكّد على أنّه في حالة الرفاه القويّة: 

 يصير الدين غير ضروريّ كعنصر وقاية بمواجهة المصائب ولا عنصر تماسك بين الجماعات البشرية. 

   الإشتراك بأداء طقوس معينة بين أعضاء قبيلة أو مجتمع ما، لكن، تختلف عن طقوس لدى جماعات أخرى: 

 ستساهم بتحسين التعاون بين أولئك الأفراد وستزيد من التماسك ضمن كل جماعة مقابل باقي الجماعات.  

ويتوافق هذا مع وجهة النظر التكيفية التقليدية ضمن الداروينيّة، ويُدرَسُ ضمن ما يُعرف تحت اسم "علم نفس تطوّر الدين أو علم النفس التطوري للأديان".

كذلك، بسياق وجهة النظر التطوريّة تلك، إقترح باحثون آخرون بأنّ الدين لم يظهر كجانب مستقلّ بل كمُنتج فرعيّ، وقد ترسّخ، بصورة عرضيّة، في سلوكنا للتطفُّل على وظيفة تكيفية سابقة ما. 

ربما يُعتبَرُ عالم الحيوان الشهير ريتشارد داوكينز المُدافع الأكبر عن هذا الإتجاه من خلال فرضيته حول "فيروس الإيمان". 

وكنتيجة لهذا الطرح: 

 سيخضع الأطفال، دون القدرة على المُحاكمة الذهنية، للقواعد التي يتلقونها من الكبار، عوضاً عن التأمُّل أو محاكمة التابوات، وسيمتلكوا إحتمالات أكبر بالبقاء على قيد الحياة. هي محاكاة لعدم مواجهة الأخطار وحيدين، عند الإختيار بين الأخطار من خلال التعليم – الخطأ (هل من الخطر الاقتراب من الغزال؟ أو من الأسد؟) وفيما لو  تتم مراعاة توصيات الآباء أو كبار الجماعة (كتحريم الإقتراب من النهر أو منع الخروج من البلدة مساءاً ... الخ) سيتجنبون الوقوع تحت رحمة أخطار الطبيعة، وفي الغالب، سيبلغون عمر الشباب، فيتكاثروا وينشروا جيناتهم لجيل تالي وفق إحتمالات مُرجَّحة أكثر.

هكذا، ساهم التطوّر بإنتقاء أطفال خاضعين، دون تمكنهم من تمحيص أوامر وقواعد الكبار.  

بالتالي، فيما لو يظهر سلوك غير منطقيّ (فلكي تُمطر، يجب أن نقفز على رجل واحدة، أو الخروج بموكب صلوات وطقوس مقدّس، أو يجب توجيه الصلوات للإله الشمس أو تقديم القرابين لأصدقائنا وحُماتنا من الكائنات الخارقة والعفاريت!) غير مؤذي (أو ثمنه التكيفيّ أقلّ من الفائدة المتولدة عن هذا الحدث التطفُّلي) بسياق التطوّر: 

 سيثبت ويستمر حضوره بسهولة في الأجيال اللاحقة، حتى عند عدم إمتلاكه لأيّة فائدة تكيفية خاصة.

 بالمقابل، تُشيرُ دراسات أخرى إلى وظيفة ممكنة تمييزية للدين، وتتوقّف على نوع الجنس (الجندر). هكذا نتقاسم معلومة تقول: 

 لدى غالبيّة الأديان قانون معقّد لتنظيم السلوك الجنسيّ (تنظيم لا يُراعي مساواة شاملة بين الجنسين) وقد طوَّرت الأديان ثقافات ذكوريّة بطريركيّة راسخة، بظلّ وضوح إتجاه مسيطر لضبط الحياة الجنسيّة الأنثوية والتحكُّم بها، إقترح باحثوا هذا الإتجاه فرضيّة تخصّ إحدى وظائف الدين الممكنة: 

 وهي الخدمة في تحقيق السطوة والسيطرة لجماعات (ما يعني، هنا، الذكور) في أحد أهم إحتياجاته الوراثيّة، عبر تأكيد يقينيّة الأبوّة للنسل المتحدِّر المُفترض القادم. 

 يُحلّل الباحثون، في هذه الدراسة، أدلّة وراثيّة على أبوّة حقيقيّة للأبناء المُفترضين من آباء نظريين بذات المجتمع الأفريقيّ، حيث إختلطت أديان مختلفة، وقد توصلوا لنتيجة مفادها: 

 بأنّ الأديان الأقوى قد تحكمت بالحياة الجنسيّة الأنثوية، وحضرت، في تلك الأديان، العقائد الأكثر فعالية لحظة تأكيد النسب الأبويّ في العائلات المؤمنة بتلك الطقوس. يعني، هذا، بأنّ الدين يحمل فائدة تطوريّة في تلك الحالة، رغم حصرها بالذكور في مجتمعات بطريركية، ودوماً على حساب تحكُّم جائر بالزوجات، اللواتي سيتحولن لملكيّة شخصية للذكور، ووظيفتهن الكبرى إنجاب الأطفال الشرعيين من أزواجهن فقط.

مع ذلك، يرد تفسير مُمكن آخر للظاهرة الدينيّة من التقاسم العقليّ لملكات دماغنا (تقاسم القدرة على تفسير السلوك الخاص أو سلوك الآخرين من خلال الإعتماد على حالات ذهنيّة .. بمعنى آخر). 

 فلقد أثبتت دراسات مختلفة بأنّ الدماغ البشريّ: 

 يُميّز بصورة واضحة جداً بين خبرات فيزيائيّة (مادية) ونفسيّة على قاعدة ضغوط تطوريّة هائلة الإختلاف. 

 وبحسب باحثين مختلفين، تعود هذه القدرة بالتمييز لمؤهلات التعرُّف على العالم الماديّ المُشتركة عند كل الأنواع الحيوانيّة، وبالتالي، قد ظهرت في التطوّر قبل ظهورها في المؤهلات النفسيّة الخاصة بنوعنا الأحدث كسلالة رئيسيّات إجتماعيّة، أو سيقتصر حضور بعض تلك المؤهلات النفسيّة لدى نوعنا الحيّ، وربما قد أتتنا بأواخر مئات ألوف الأعوام.  

وينمو الجانبان بصيغة مستقلة، لكن يُكتسبا بأعمار باكرة جداً. هكذا، نجد أن أطفال بعمر أشهر قليلة:  

لديهم الأهليّة الرياضيّة (من رياضيّات) البسيطة، ويفهمون مصطلحات فيزيائيّة كالجاذبية أو الصلابة، وتراهم بحالة ذهول، عندما تقدم لهم حسابات جمع خاطئة أو تحريك غير طبيعي لأجسام أو أغراض بمحيطهم.

إنطلاقاً من وجهة نظر نفسيّة، من المعروف بأنّ حديثي الولادة، يفضّلون النظر للوجوه أكثر من النظر إلى أشياء أخرى، وأنّ أكثر الاصوات التي يرغبون بسماعها:  

هي أصوات البشر، ويشعرون بشعور خاص تجاه أصوات أمهاتهم.  

يمكنهم تحديد (قراءة) مشاعر مختلفة بشكل صحيح (الغضب، الفرح، الخوف) في الوجوه وفي نغمات الأصوات للبالغين بمحيطهم، والذين يستجيبون بشكل مناسب لتلك الإشارات عادة. 

 بل أكثر من هذا، فأطفال بعمر 5 شهور، يمكنهم التمييز بوضوح بين نوعي الظواهر تلك بصيغة ما، ففي اختبارات لاولئك الاطفال من خلال تمرير أغراض وأشخاص أمامهم، تمكنوا من فهم الأشياء الممتكلة لقيود مؤسّسة على الحركة المستمرّة، لكن، لا يخضع الأشخاص لتلك القيود. حتى الآن، يبدو كل شيء واضحاً، فتلك الإختبارات، كما غيرها، ستوحي بأنّه لدى الأطفال والبالغين: 

 صيغتين منفصلتين لتكوين مفاهيم وتصورات للواقع، صيغة لأجل الأغراض الجامدة (أكثر بساطة وقابلة للتنبّؤ وفق قواعد وقوانين فيزيائيّة) وصيغة أخرى مختلفة لدى الكائنات البشريّة (أكثر تعقيداً وغير قابلة للتنبُّؤ).

لكن، ما الذي يحدث عندما يصغر الخطّ التقسيمي بين الصيغتين؟  

هل سنواصل التفريق بوضوح بين الأغراض والأشخاص والحفاظ على الفصل بين هذين المصطلحين؟  

أو على العكس من هذا، هل يختلط نظاما التعرُّف على الواقع ووضع التفسيرات له؟  

ففيما لو يُقدّم للأطفال الصغار، على سبيل المثال، زوج من الأغراض المتحركة، شيء (غرض) يُلاحق شيء آخر (غرض آخر)، سيفهمون، بسرعة، ويقبلون دون مشاكل بأن ما يحصل هو حالة ملاحقة وصيد، حيث يوجد هدف يجب إقتناصه، بحيث أنهم يأملون أن يستمرّ الغرض "الصيّاد" بملاحقته للغرض "الفريسة" بصورة مباشرة، وسيصيبهم الذهول عندما لا يتبع الغرضان هذه الصيغة المنطقية التي تحاكي سلوك الكائنات الحيّة.   

ما يمكن ملاحظته، هو قيام الأطفال بعملية إستدلال نفسيّة (فريسة، صيّاد، النيّة) ويتوافق هذا، من جانب آخر، مع ماضينا التطوريّ كلياً (ومتكيِّف جداً،  من الأفضل، في الغالب، أن يتعرّضوا لعملية عناية طويلة، كي لا يخطئوا أو يعتمدوا الظنون تجاه الأغراض، فيجب أن يتمتعوا بالدقّة وألا يخلطوا بين الأغراض (الأشياء) وبين الكائنات التي لديها مقاصدها في الواقع، كمثال على هذا، وصول نوع مُفترس جديد إلى نظامنا البيئيّ، ويتمتع بقدرة كبرى على التكيُّف (ففي الواقع، لدينا إحتمالات فقط،  فلقد تحركت الأشياء (الأغراض) بشكل منظّم في البداية،  كإحتمال فقط، إلى أن تركت هذا الأمر واستمرت بالحركة ككل شيء لوحده). 

ومن المذهل أنّ هذا لا يحدث فقط مع الأطفال الصغار، بل يحدث مع البالغين، كذلك، الذين لديهم ميل لتمرير نوايا تجاه الأشياء غير المتحركة، كما أثبت ذلك، ومنذ حوالي 70 عام، الأخصائيان بعلم النفس فريتز هايدر وماري آن سيميل.

وذلك عبر تجربة شبيهة بالإختبار السابق، حيث جعلوا مجموعة من البالغين يشاهدون ذاك الفيلم. ما خلا شخص واحد قد وصّف الوقائع بإستخدام مصطلحات هندسيّة (يقترب المثلث الكبير نحو الصغير .. الخ)، فإنّ بقيّة البالغين المشاركين بالتجربة، قد شاهدوا "مثلثاً ضخماً عنيفاً يعتدي على مثلث صغير وعلى دائرة خائفة، وتُوحّد التماثيل الصغيرة قواها لتصارع المُطارَد". ما يعني أنهم وضعوا في الأشياء الجامدة تصوراً مُفعماً بالقصديّة والحسيّة. فقط من يعانون من التوحُّد (ولديهم مشاكل جديّة بالمؤهلات النفسيّة)، هم غير قادرين على رؤية المقاصد (النوايا) في الأشياء أو الأغراض.

  سيشير، كل هذا، إلى أنّ دماغنا مُحضّر تطورياً (وربما توّاق) لأجل تحديد عناصر سببيّة في محيطنا، تتزوَّدُ هذه العناصر بأبعاد شخصية، تعليلات ونوايا (مقاصد) محدّدة، وبناءاً عليه ووفق هذه الفرضيّة:  

فسيفسر عقلنا الطبيعة على أنها مجموعة من "الكينونات".  

سيُبسِّط هذا السلوك نمط الإستجابة كثيراً:  

ففيما لو يظهر الشيء "ممتلكاً لنوايا أو تعليلات"، فمن الأفضل أن نسلك كما لو أنه صحيح، لأنّه في عالم مليء بالمخاطر،  الكثير من تلك المخاطر هو جديد أو غير معروف، سيما في البيئات (الأبعد عن موقعنا الأصليّ كل مرّة في شرق الأرض) والتي استوطناها بصورة فعالة كنوع حيّ وعلى مدى زمني طويل، وهذا الإستيطان أداة قويّة للبقاء على قيد الحياة بمواجهة المجهول.  

ومن هنا، سنفترض مُسبقاً (بسبب التكيُّف التطوريّ) بإحاطتنا "بكينونات ذات نوايا أو ذات مقاصد"، حتى وصول الإحيائيّة (ربما شكَّلَت خرافتنا الكبرى الأولى وقاعدة كل الأديان الأخرى) للتخويف من إله الرعد أو تقديم القرابين لإله المطر (والكلام هنا مجازيّ):  

ربما، صرنا على مسافة خطوة واحدة فقط.

ربما يشكّل الدين واحداً من أكثر العناصر تأثيراً في تكوين بنية المجتمعات البشرية، من أكثرها قدماً إلى أحدثها، ويعمل على تكييفها بصورة جذرية في مناحي عديدة: السياسة، الاقتصاد، التعليم، التشريع، الصحة ...الخ، وصولاً للحدّ، أو بكثير من الأحيان، للتسبُّب بشلل المعرفة العلمية والتطور التقني؛ حتى في المجتمعات الغربية الأكثر تقدماً.

 لأجل هذا، يشكِّل فهم كيفية ظهور الأديان هدف رئيس في كل الثقافات، وهو محطّ دراسات بالغة الأهمية أكاديمياً وإجتماعياً.

 فرضيّة المادة النباتيّة المتسببة بتعديل الوعي وارتباطها بالدين

 من المعروف ومنذ أقدم العصور، وصولاً لوقتنا الراهن، بأنّ شعوب وثقافات كثيرة قد استخدمت مواد مختلفة، ذات أصل نباتيّ، لها خصائص مُعدِّلة نفسياً، وقادرة على إنتاج حالات ذهنية مضطربة مؤثرة على عمليات دماغيّة شهيرة، كالتصوُّر والإدراك والمزاج وحالة الوعي أو السلوك، وارتبط كل ذلك بغايات شامانيّة ودينية للدخول بصيغ غير متفق عليها إلى "المعرفة" ولإرتباطها "بعالم روحي" مُفترض أو مزعوم.

  خلال نهايات سبعينيات القرن المُنصرم، جرى تطوير هذه الفرضية من قبل مجموعة من المهتمين بدراسة علاقة الجماعات البشرية مع النباتات التي تعيش بمحيطها (علم النباتات الشعبي): 

 وتعتبر الفرضيّة أن الدين، في الجانب الأكثر أصالة فيه، هو عبارة عن مُنتَجْ ثانوي لإستخدام مواد متسببة بالهلوسة والهذيان من قبل قسم من أسلافنا، والذين خلطوا بين العالم المُتخيّل (الناشيء عن تناول تلك المواد بصورة صدفوية بداية، وتناولها بشكل عمديّ لاحقاً) والواقع، فحولوا كائنات لا مادية، قد ابتكروها، إلى "حقائق" قد زودوها بمقاصد، وبهذا، زرعوا البذرة لكل تعقيد وتنوُّع في العالم "الروحاني"، الذي اجتذب ملايين وملايين الأشخاص بطول تاريخنا المديد.

رغم  قلّة الإختبارات المحققة بغاية تأكيد صحّة هذه الفرضيّة، ربما بسبب الإحجام، إن لم يكن بسبب رفض الخضوع لإختبار مراقبة لبشر تحت تأثير تلك المواد القويّة، فقد إتسمت النتائج بالوضوح الكبير. 

ففي ستينيات القرن الماضي، خضعت مجموعة من طلاب اللاهوت بجامعة بوسطن لأوّل اختبار ضمن هذا الإطار.

 تمثّل الإختبار بإعطاء نصف عدد الطلاّب (قيد الإختبار) مادة شبه قلوية مؤثرة على الذهن السيلوسيبين (مأخوذة من فطور مستخدمة منذ القديم في الطقوس الشامانية)، وذلك قبل ذهابهم للصلاة في كنيسة الكليّة (في الجامعة)، ويُعطى للنصف الآخر من الطلاب فيتامين ب3 (نياسين) كمادة غُفْلْ.

 قال الطلاب، الذين تناولوا المادة شبه القلوية المهلوسة، بأنهم امتلكوا خبرة دينية – صوفية عميقة وكبيرة، مقارنة بأولئك الذين تناولوا الغُفْلْ. 

بوقت لاحق، ولدى اكتشافهم لبعض أوجه القصور بالإختبار، جرى تعليق العمل به.

وهكذا، توجّب عليهم الإنتظار إلى بدايات القرن 21، حتى أمكن إجراء اختبار مشابه، وبتطبيق شروط صارمة، ومع عدد أكبر من الأفراد (وفق اختبار يسمى مزدوج التعمية). 

جرى توصيف الأشخاص الذين تناولوا المواد المهلوسة من خلال توجيه مجموعة من الأسئلة على مدار 7 ساعات، وهي مدة الإختبار، فقد عاشوا "تجارب صوفيّة" عميقة وكبيرة مقارنة بالأفراد الذين لم يتناولوا تلك المواد. 

لكن، اللافت في الدراسة، وخلال شهري الإختبار، أنّ الاشخاص متلقي المواد المهلوسة، قد تميزوا بإيجابيّة وإيثارية وروحانية أكثر من أفراد الفريق الآخر. وكان لافتاً كيفية تصورهم لأعضاء بمحيطهم الإجتماعي، علما أنّ ثلث المتعرضين للمواد المهلوسة، قد أبدوا انزعاجاً ما، قلقاً وعدم ارتياح إثر تناولهم لتلك المواد.

بيّنت دراسة لاحقة ، بأنه وإثر مرور أكثر من عام، اعتبر الأفراد بأنّ ما مروا فيه من تجربة شخصية كما روحية قد كان الأهم في حيواتهم، وصفوا التجربة بمصطلحات صوفية – دينية لا تحتمل اللبس.  

ما يعني، أن تقديم جرعات بسيطة من مواد مهلوسة: 

 يخلق ظروف أساسيّة، فردية وإجتماعية، لتكوين وتنمية "ذهنية دينية روحية"، هي أبعد من مجرّد تأثيرات عابرة هذيانية أولية.

وفيما لو يتواصل حضور تلك الآثار المُفاجئة عند أشخاص بالغين في العالم الأوّل، حيث يمكن الوصول للمعلومة بتقنيات مفتوحة للجميع وبسهولة بالغة، ورغم صعوبة تأثيرها (على الأقلّ بصورة مستدامة) بسبب الكمّ المعرفيّ الهائل الجاهز والمعروض عبر كل أشكال التجارب والمشاعر بصورة دائمة، فكيف يكون الحال في مناطق بعيدة عن الغرب، عند ثقافات صغيرة محلية وقديمة متشكلة من بضعة آلاف من الأفراد المتماسكين بقوّة عبر تجمعات قبلية، والخاضعين لمحيط إجتماعي، لا تحدث تغييرات كبيرة فيه وليس لديه إتصالات مع الخارج وتلعب الألغاز دوراً بحياته. يحصل كل هذا بوجود دماغ كبير الحجم، قد تطور خلال مليوني عام لأجل البحث عن نماذج والتخصُّص في إيجاد علاقات وإرتباطات سببية.

ما زالت الملايين، في الوقت الراهن، تستهلك هذا النوع من المواد المتسببة بالهذيان في العالم الغربي، لكن، تستخدمها لمقاصد ترفيهية كمخدر آخر، مع ذلك فإستهلاكها بجرعات كبيرة يجعلها قادرة على إنتاج خبرات صوفيّة عند الكثيرين من مستهلكيها المعتادين.  

وربما، لهذا، نجدهم مهتمين بعودة المسيح المُنتظر (أو المهدي المُنتظر .. عجّل الله فرجه!!)!

الدين كعامل تكييفيّ

أعرضُ وجهة نظر تطال إمكانيّة لعب الدين لدور تكيفي محتمل، رغم أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار بأن كل تلك التفسيرات التطوريّة، التي قد تُقصي بعضها البعض بالتبادل، فهي برزت في بعض، أو في العديد من لحظات العلاقة الطويلة للبشر مع العقائد فوق الطبيعيّة، والتي تطورت ككل سلوك، وتغيرت بطول آلاف الأعوام بذات السرعة تقريباً مع الواقع المتنوع والمعقّد، على نحو متزايد، في المحيط البيئي والإجتماعي لنوعنا الحيّ.

الدماغ البشريّ هو آلة تفكير معقدة، متكيّف تطورياً للبحث عن نماذج والعثور على تفسيرات على وجه الخصوص، بطريقة تجعل دماغنا عند نقص الإستجابة المُرضية، وبخلاف الحاسب الأعظم (مولتيفاك) بقصّة "السؤال الأخير" الرائعة للعبقري إسحق عظيموف، لا يتوقّف عن إنتظار الحصول على معلومات أكثر دوماً.  

وهذا ما لم يحدث مع أسلافنا أشباه البشر، الذين امتلكوا حظوظاً أقلّ بالبقاء على قيد الحياة بمواجهة الظروف الطبيعية.  

بالتالي، في بيئات مجهولة، أو يمكن التنبُّؤ بظروفها بصورة ضعيفة، يسعى الدماغ إلى إبتكار "تفسيرات" تسمح له بالمضي للأمام، وبمراجعة تاريخنا التطوريّ وكيفية توزعنا بكل أرجاء كوكب الأرض (وهذا ما لم يحدث مع الأسلاف)، سنفهم دور الدماغ جيداً.

 وهنا، تتجلى السلوكيات حيال ما هو مجهول، حيث لعبت العقائد الإيمانيّة دوراً هاماً على ما يبدو.

خلال عمله الميداني أثناء الحرب العالميّة الأولى في أرخبيل تروبرياند، لاحظ عالم الإنسان برونسيلاف مالينوفسكي وجود إرتباط بين العقائد الدينية والبيئة، بصورة بدت فيها القبائل، التي عاشت في ظروف أقسى، قد مالت لإبتكار عدد هائل من الممارسات السحرية، مقارنة بقبائل أخرى قد عاشت بمناطق أهدأ وأريح.  

بل أكثر من هذا، لاحظ بأنّ قبيلة محددة قد عاشت بمنطقتي صيد مختلفتين:

منطقة عبارة عن بحيرة داخلية، حيث يُستخدَمْ السمّ لصيد سهل للأسماك الميّتة، بينما وقعت المنطقة الأخرى على شاطيء البحر، حيث تخرج قوارب الصيد غير المجهزة لتقع تحت رحمة العواصف والأمواج. بالتالي، الصيد في البحيرة هو أسهل منه في البحر، حيث يمكن التنبُّؤ بالنتائج بالبحيرة، وهذا ما لا يحدث مع البحر. ففي حين يذهب بعضهم للصيد بهدوء في البحيرة، استلزم الصيد البحريّ من البعض الآخر تحضير طقوس سحرية معقدة تضمن لهم النجاة من مخاطر البحر المحتملة.  

تقترح هذه الدراسة بأنّ العقائد تسمح لأولئك الأشخاص بضبط، أو على الأقلّ، مكافحة القلق الذي يتسبب به عمل غير مرغوب يحمل مخاطر ما، ربما قد تصل للموت.

منذ أن نشر مالينوفسكي نتائجه، أي منذ ما يقرب من قرن، تولّد جدلٌ قويٌّ ضمن العالم الأكاديميّ بين المؤيدين والمعارضين لفرضيته، ورويداً رويداً، دخلت فرضيته عالم النسيان.  

وخلال القرن العشرين، ظهرت دراسات عديدة، أعادت صياغة أفكار مالينوفسكي تحت إسم "فرضيّة عدم اليقين"، والتي تعتبر بأنّ الطقوس السحرية تزيد من الشعور بالتحكُّم، وهو ما يساهم بتخفيف مشاعر القلق وما سيسمح للأفراد بمجابهة ظروف لا يمكن التنبُّؤ بها، وبالتالي، التمكُّن من تحقيق مهام خطرة بنجاح. 

كذلك، جرى تحقيق العديد من الدراسات الخاصة بظهور المعتقدات والطقوس السحرية عند مجموعات من الأفراد، الذين ينتمون لجماعات مختلفة من السكّأن:  

لاعبو أنواع من الرياضة، مُستهلكون، طلاب بفترة الإمتحانات، أفراد يعملون على حلّ كلمات متقاطعة، ...الخ.  

في جميع الحالات، إزداد السلوك الطقسيّ السحريّ باضطراد مع مستوى صعوبة وعدم قابليّة التنبُّؤ بالمهمة التي قاموا بها.  

ولهذا، في لعبة مثل الشطرنج، حيث لا يوجد شيء صدفويّ، ويتوقف كل شيء على معرفة وشطارة اللاعب الشخصية: 

 لا يتوجّه اللاعبون نحو الطقوس السحرية.

من جانب آخر، وفي دراسة شبيهة بالدراسات السابقة، جرى تحقيقها على أطفال بعمر تراوح بين 3 و6 سنوات، حيث نثر مهرّج آلي كرات زجاجية صغيرة بصورة غير قابلة للتنبُّؤ، وقد لُوحِظَ بأنّ غالبيّة الأطفال قد طوّرت سلوكاً سحرياً يتوخّى الحصول على كرات زجاجية صغيرة أكثر، وهو ما يقوّي الفكرة التي تعتبر بأنّ دماغنا يتحرَّقُ شوقاً للعثور على ارتباطات سببيّة، حتى عندما لا تتوفر أو تتواجد تلك الإرتباطات!  

سيكون ممتع جداً، الآن، أن يلاحظ أفراد بالغون فيما لو يكن الأطفال الذين خدعوا أنفسهم:  

أكثر إيماناً أو تديُّناً من أولئك الذين لم يطوروا سلوكيات سحرية خلال الدراسة الطفوليّة أو الإختبار المذكور أعلاه.

  تتميز إحدى الدراسات، الخاصة بفرضية عدم اليقين، بالإثارة الكبرى، حيث تبيّن أنّه حتى في أسوأ الظروف المرتبطة بأحد أكثر السلوكيات البشرية فظاعة، كحالة الحرب، يمكن أن تفيد بتحقيق دراسات ميدانية بهذا الصدد.  

هكذا، حلَّلَ بعض الباحثين الإسرائيليين، خلال حرب عام 2006 على لبنان، العلاقة أو الإرتباط القائم بين القلق والتديُّن في مدينة الجليل الأعلى، التي تعرضت لقصف صاروخي يومي بصواريخ الكاتيوشا. جرى إجلاء بعض النساء إلى الجنوب بعيداً عن أماكن سقوط الكاتيوشا، بينما بقيت أخريات في البلدة. لاحظ الباحثون لجوئهن إلى ترتيل مزامير داوود بصورة متفاوتة تتناسب مع معدل إرتفاع القلق بينهن، وهذا ما لم يحصل مع النساء اللواتي إنتقلن بعيداً عن الجليل. استخلص الباحثون بأنّ ترتيل المزامير قد ساهم بتخفيض مشاعر القلق الناتجة عن ظروف لا يمكن التحكُّم بها (سقوط الكاتيوشا)، ولكن، ليس لترتيل المزامير فعالية مع القلق الناتج عن مشاغل الحياة اليومية، التي قد يسهل التحكُّم بها.

دراسة أخرى محققة في نيوزيلنده في ذات الإتجاه، بيّنت بأنّه إثر حدوث زلزال في جزر بالمنطقة العام 2011: 

 إنتعش الإيمان الديني وممارسة الطقوس الدينية في المناطق التي تأذَّتْ أكثر من الزلزال؛ مقارنة بأفراد عاشوا في مناطق مجاورة لم يصبها الأذى.

أخيراً، وفي العام المُنصرِمْ، نُشِرَتْ دراسة نموذجية في مجلة مرموقة هي وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم، نفذها باحثون من دول كثيرة، وقد تناولوا تلك الفرضية ودرسوا 583 ثقافة على إمتداد العالم. وقد وجد الباحثون إرتباطاً قويّاً بين نمط الدين وبين البيئة التي تعيش بها جماعة المؤمنين. 

تسعى الجماعات، التي تعيش في أماكن وعرة فقيرة بالموارد، لتبني أديان وآلهة صارمة ووعظيّة بصورة أكبر من جماعات تعيش في بيئات غنيّة بالموارد وذات ظروف حياتية مُيسّرة.  

وهذه النتائج راهنيّة ببداية القرن الواحد والعشرين، حيث حُقِّقَتْ دراسة حول درجة التديُّن على 114 جماعة راهنة، ووجدوا بأنّ درجة التديُّن تخفّ عندما يزداد التطوُّر الإقتصادي والإجتماعي للجماعة (مع نسبة مزارعين أقلّ؛ ونسبة طلاب وأساتذة جامعيين أكثر) سواء بناحية التأمين أو الدخل كما في القضايا الصحيّة.  

ويستخلص الباحثون بتلك الدراسة الآتي:

تُبيّن النتائج بأنّ التديُّن يقلّ بما يتناسب طرداً مع إرتفاع معدّل الأمن الماديّ، بما يتفق مع فرضيّة عدم اليقين (أو فرضيّة الشكّ). 

كذلك، يمكن لهذه الدراسات تقديم تفسير ممتاز للتناقض الظاهر في وضع الولايات المتحدة الأميركية، كأكبر قوّة عالمية وأكثر البلدان تطوراً، ويقدم نسب مرتفعة من التديُّن والتعصُّب المسيحي على وجه الخصوص، كذلك، الأمة الغربية ذات النسبة الأكبر باللامساواة ومستوى الرفاه غير المتكافيء، ويمكن تلخيص كل هذا في حديّ الكتاب المقدس وأسلحة الحزب الجمهوريّ الأميركي!

وكنتيجة لكل هذا، فمن المنتظر أن تُحلّ الأزمة الإقتصادية عبر تطبيق أنظمة الضمان الإجتماعي كما يحدث بكثير من البلدان، لكن، ما حدث هو ارتفاع نسبة التديُّن؟، وهذا بفضل بعض النخب، التي تضرب عصفورين بحجر واحد: 

 إكتساب مزيد من الثروة، التي من المفروض أن تذهب للضمان الإجتماعي وما شابه، وزيادة التحكُّم بالمواطنين كل مرّة أكثر عبر إرتفاع نسبة المؤمنين!  

وهنا، نتذكر مفعول الأفيون!

بالنهاية، يرتبط الدين بالتحديات التي تواجه الأفراد أو الجماعات، ومدى القدرة على الإستجابة والفعل. 

ما يبدو طاغياً في الوقت الراهن، هو إنعدام العدل واللامساواة، وهذا لأننا نمتلك، في الواقع، كل الموارد الإقتصادية والتقنية والعلمية الكافية لتوفير حياة كريمة (لكن، عندما لا نرغب بتغيير السمارت فون كل عام طبعاً!) لكل شخص يحيا على أرض هذا الكوكب!

هل مرض الصرع وراء الإدعاء بالنبوّة؟

بطول التاريخ وعرضه، حظي الأنبياء بإحترام مليارات البشر، وذلك لإدعائهم بإختيارهم إلهياً. 

مع هذا، يبيّن الدليل العلميّ بأنّ الإدعاء بالنبوّة، هو بيت من ورق مبنيّ على أكتاف بضعة فقراء ذوي إضطرابات ذهنية.

  الصرع، هو مرض ناتج عن الإختلال بتوازن النشاط الكهربائي للعصبونات بأجزاء مختلفة من الدماغ، فتحدث نوبات متكررة ذات طبيعة متنوعة. نوبات الصرع مُباغتة، عابرة وقصيرة الوقت، حيث يحدث في الحالات، الأكثر لفتاً للإنتباه: 

 فقدان للوعي وتشنجات عضلية متنوعة.  

ولهذا، عُرِفَ هذا المرض من أقدم الأزمنة، وحين يتعرض المريض لنوبة صرع، يبدو وكأنه لا يخضع لصاحبه بل "لإرادة خارجية" غريبة، وإعتبرته بعض الثقافات، تاريخياً، عقاباً إلهياً أو عملاً شيطانياً.  

مع ذلك، تبدو هجمات المرض، لدى بعض المرضى، أخفّ ويحدث خلالها غياب متواضع بالوعي وتشنجات عضلية أقلّ، لكن، حين يؤثر هذا الخلل على توازن عصبونات مناطق محددة في دماغ المُصاب، ستحدث تغيرات على صورة هلوسات وإفراط بالتديُّن عنده.

ولهذا، جرى إعتبار أفراد مصابين بالنوع الثاني من مرضى الصرع (ونسبتهم حوالي 1% إلى 3% من مجموع مصابي الصرع، بحسب عدد من الدراسات)، في ثقافات مختلفة، كأشخاص قد إختارتهم الآلهة. 

هكذا، أطلق اليونانيون على الصرع تسمية "المرض المقدس"، ورغم ذكاء وحكمة أبقراط، فقد اعتبر بأنّ بعض الجنود والمصارعين، الذين عانوا من جروح وإصابات رأسية، قد بدا عليهم، من حين لآخر، عوارض مرض الصرع الحاصلة مع مرضاه، وسيقوم، إعتباراً من القرن الخامس قبل الميلاد، برفض أيّ سبب روحي للمرض وستُحدَّدُ عوارضه بصورة صحيحة، وبوصفه مرض بسيط ذو أصل دماغي.  

مع هذا، جرى نسيان تلك الرؤية العقلانية والعلمية لحوالي ألف عام، ومع الأسف حتى يومنا هذا، هناك من لا يزال يربط الصرع بتخرصات غريبة عجيبة، من قبيل الإتصال بالآلهة أو سيطرة الشياطين، مع كل ما يحمله هذا من عواقب وخيمة على المريض كما على المجتمع من حوله. 

 ربما، شكّل هذا المرض أحد أقوى المحركات التي غذّت، على مدار التاريخ، الأوهام الدينية الخطيرة.

ترافق مرض الصرع مع الإفراط بالتديُّن، هو أمر معروف، على المستوى العلمي، منذ عدّة عقود، بعيداً عن قيامه بتذكيرنا بالماضي البعيد، الذي تجاوزته الحضارة المادية الغربية، فهو ما يزال قائم، بيومنا هذا، وفي عاصمة العالم، مدينة نيويورك الكونية.  

فهناك ومن فترة قصيرة، رجل بعمر 40 عام، مصاب بصرع الفصّ الصدغي، يصل إلى إسعاف المشفى بعد مرور ثلاثة أيام على حدوث تغيرات خطيرة بوضعه العقليّ. 

تبين خلال الفحص الطبي أن المريض قليل التعاون بالعلاج، وقد تواجه مع الطاقم الطبي. أصدر تصريحات دينية طوال الوقت، يقول: 

 "الله معي ولا أحتاج أطباء أو أدوية!".  

اعتبر كل سؤال يُوجّه له كمحاكمة لإيمانه الشخصي، بل حاول ببعض الأحيان التأثير على الطاقم الطبي، الذي يعالجه، ليتحول إلى الإسلام. إعتبر أن كل من كان حوله، يحاول منعه من الحصول على الخلاص. ما يعني، أنه يعكس السلوك التقليدي لأولئك الذين "يعرفون" بأنّ الله ليس موجوداً فقط، بل يدعون وجود "علاقة خاصة" به! وأن كل من يحيط به، لا يفهمون الوحي، ولهذا، هم يشتبهون بالأمر وخدّام للشرّ!  

بكل الأحوال، ولو أنه أبدى علائم أوهام دينية، فهذا جعله ثابتاً متشبثاً بما إعتبره صواباً، وعلى الرغم من رفضه لتلقي الدواء، حقنة في الوريد (حيث اعتقد بأنها سموم مضادة للدين!)، فقد عاد وإقتنع بتناول أدويته الأصلية، التي تركها خلال الأيام الأخيرة، بحيث بمجرد عودته إلى العلاج العادي الصيدلاني: 

إختفت كل تلك العوارض، وإستعاد المريض وضعه الطبيعي، وعاد لممارسة حياته اليومية العادية.

حسناً، فيما لو عاش هذا المريض حالته في منطقة فقيرة من العالم الثالث، حيث لا تتوفر تلك الرعاية الطبية ولا تلك الأدوية؟ 

وماذا لو حدث هذا مع زوج مسلمة خاضعة لبيئة متعصبة، فبدلاً من إستدعاء سيارة إسعاف، فهل سيُعتبر خير داعية ديني ربما؟ 

أو فيما لو عاش الزوجان في السعودية، إيران أو أفغانستان وليس في نيويورك؟ 

 ربما ستتعرض المرأة للرجم بالحجارة، إذا أصرت على إستدعاء طبيب بدلاً من إحترام "الحالة الروحانية العظيمة!" لزوجها المتعرض لنوبات صرع!

بل يتعدى الوضع هذا الأمر، أمكن لهذا الوضع، وبكل لحظة من لحظات التاريخ، إعطاء الفرصة لظهور نبيّ جديد، وفي كثير من التوجهات الإعتقادية والإيمانية، وغير بعيد عن صاحبنا مريض نيويورك سالف الذكر.  

ولنا من محمد مؤسس الإسلام مثالاً واضحاً. 

لكن، إضافة لمحمد، هناك شخصيات دينية كثيرة، عانت ما عاناه محمد، مثل: 

 أمنمحتب الرابع (الفرعون المصري المعلن للتوحيد الإلهي)، بوذا، جورج فوكس (مؤسس جمعية الأصدقاء الدينية)، جوزيف سميث (مؤسس المورمون)، آن لي (قائدة جماعة الشيكرز المسيحية البروتستانتية)، الصوفي اللوثري يعقوب بوهمه وعدد كبير من قديسي الكنيسة الكاتوليكية إعتباراً من بولس الرسول، القديسة بريجيتا من السويد، القديسة سيزيليا، القديسة جان دارك، القديسة كاتالينا جنوة أو القديسة تيريزا، (النبي اليهودي حزقيال، من مصدر آخر خارج هذا الموضوع)، قد عانوا من أعراض صرع متنوعة، وكما تُشير دراسات مختلفة، كما في هذه المراجعة العلمية.

ولو أنّ الأمر لا يعدو كونه تمرين على التاريخ البديل، بالنهاية، يُبنى هذا الطرح على السؤال:  

كيف سيكون العالم في الوقت الراهن، فيما لو جرى علاج تلك القامات "الرفيعة"، على صعيد الإيمان (والخَبَل!)، بصورة صحيحة، وفي زمن كل واحد منهم؟!

 عادةً، ما يعتبر الكثير من الأشخاص "الروحانيات والتديُّن" شأناً مركزيّاً في حيواتهم، حيث يصيبهم الذهول (بل يمتعضون حتّى)، فيما لو يُشار إلى أنّ عقائدهم (كأيّ نوع من أنواع السلوك البشريّ)، هي: 

 نتيجة لعوامل جينية وراثية، كيميائية حيوية، هرمونية واجتماعية، تعمل بصورة معقدة للغاية في الدماغ البشريّ، الذي يُعتبر أعجوبة تطورية بحدّ ذاته.  

حيث تتركز كثير من الدراسات، بعدد من الحقول المتنوعة، حول تحليل ظاهرة العقائد تلك بصورة خاصة.

دور جزيء صغير هو الأوكسايتوسين في الروحانيّات 

 الذي يجري تركيبه في منطقة الوطاء ويعمل كهرمون مُعدِّلْ عصبيّ بالجهاز العصبي المركزي، فهو يتحكم بمسلكيات إجتماعية، أنماط الجنس والسلوك الأبويّ كما جرى تقديمه في الجزء السابق من هذه السلسلة.

حسناً، إكتشفوا، خلال السنوات الأخيرة، علاقة بين هذا المُعدّل العصبيّ الصغير وتبجيل الروحانيّات الدائم. 

فقد بينت دراسة مجموعة من الأفراد المصابين بالإيدز وجود إرتباط بين الروحانيّة ومستويات حضور هذا الهرمون، حيث حضرت لدى الأشخاص الروحانيين، ذوي التوجُّه الروحاني الأكبر، مستويات أعلى من هذا الهرمون في دمهم. وهو ما حدث مع مجموعة من المتدينين، حيث حضر الأوكسايتوسين بنسبة أكبر لدى المتشددين أكثر بإلتزامهم الديني. 

مع ذلك، وفي العلوم، جرت البرهنة في كثير من المرات على حتمية وجود إرتباط سببي (سيما حين يتعلق الأمر بمرضى، بحيث يؤدي القلق أو التوتُّر الناتج عن المرض إلى حرف المسكليات العادية للأفراد)، وهذا ما دفع مجموعة من الباحثين الأميركيين إلى تحقيق إختبار، يمكن التحكُّم به، خاص بهذا الإرتباط.  

إختاروا 83 ذكراً بعمر متوسط، قسموهم إلى مجموعتين: 

 تلقت مجموعة جرعة مستنشقة من الأوكسايتوسين، فيما أوهموا المجموعة الثانية بتلقي جرعة من الهرمون.  

وجد الباحثون بأنّ الأشخاص الذين تلقوا جرعة واحدة من الهرمون، قد أبدوا مستويات تديُّن أكبر من زملائهم في المجموعة الثانية الذين تلقوا جرعة وهمية.

أثبتت دراسات أخرى، إعتمدت جرعة الهرمون الحقيقية والوهمية لدى بشر، بأنّ هذه المادة تزيد من الثقة بين الأفراد، تُحسّن إنتقاء الحلفاء ضمن المجموعة، ترفع مستويات التعاون بين أفراد الجماعة الواحدة (1 و2)، تُسهّل التفاعل الإجتماعي، وكذلك، التفاعل بين الأب والإبن.

هذا يعني بأنّه يمكن للتزويد الدوريّ بهذا الهرمون للسكّان، أن يؤدي لحضور مستويات حنان أكبر بين المرتبطين عاطفياً والعشّاق ومستويات حرص أكبر على الأبناء ومستويات إهتمام أكبر بالجيران والإحساس بالآخر وزملاء العمل بالإضافة لمستويات روحانية وتديُّن أكبر: 

 يمكن إختصار كل هذا بعبارة "عالم سعيد" على نمط عالم ألدوس هكسلي.  

مع هذا، لهذا الهرمون جانب مظلم كقوى الجيدي، كما أثبتت دراسة أخرى، إعتمدت على منهج التجربة مزدوجة التعمية، بأنّ الأفراد الذين تلقوا جرعة من هذا الهرمون، قد إزدادت نسبة العنصرية والتعصب الإتني لديهم.

من حسن الحظّ، عدم إهتمام دونالد ترامب وقادة دينيين بالمادة العلمية كثيراً، وإلاّ لكانوا وجّهوا نحو إضافة هذا الهرمون إلى المياه والأغذية أو تقديمه خلال الصلوات، لكي يتحول الجميع إلى "محافظين" على النمط الأميركي المألوف.

بالنتيجة، تُراكم الأبحاث والدراسات، كل مرّة بصورة أوضح أكثر، الأدلة على أنّ السلوك البشريّ المعقد وفي كل تنوعاته، حتى في تلك التي حاولوا تهريبها من وجه البحث العلمي تاريخياً: 

 هو إستجابة دماغية للعوامل الداخلية كما الخارجية لدى الكائن البشريّ، وبالتالي، مفهوم "حريّة الإرادة" ليس أكثر من إعتقاد فلسفيّ ولاهوتيّ يخسر الدعم العلميّ بصورة مستمرة.

 بالمقارنة مع حقب سابقة، عندما سادت ذوات فوق طبيعية، بل وهيمنت وأسهمت بتعذيب كثير من البشر، لا يبدو العالم الحديث كمكان مناسب لها، فلم تتمكن ملايين الكاميرات المثبتة لأجل المراقبة في شوارع المدن الكبرى والصغرى وإنتشار إستخدام أجهزة الدرون في المراقبة بالإضافة إلى ملايين الهواتف النقالة، والتي يُستخدم كثير منها في إلتقاط الصور الشخصية، من إلتقاط أيّة إشارة على حضور أيّ شيء روحاني.  

مع ذلك، يوجد مكانان في الولايات المتحدة الأميركية، يوفران لتلك الكائنات الروحانية نوع من الراحة، كي تُعلِنَ عن حضورها لبعض المُختارين بصورة شبه طبيعية.

 منذ حوالي أربعة عقود، يُحتفَل في الولايات المتحدة الأميركية بمنافسة دراجات هوائية، أبرز مزاياها أمر مدهش للغاية، يتمثل بإنتهاء عدد من المشاركين فيها إلى قصّ روايات لا تُصدّق، تطال خبرات شُجاعة، انتقاها الكاتب والمؤرخ المتخصص بمواضيع علمية مايكل شارمر والمؤسس لجمعية المُتشكِّك، والتي وثقها في أحد كتبه.  

فقد لاحظ مُشاركون، بنوع من عدم التصديق، خلال سيرهم على الدراجات مجموعة من صناديق البريد، التي تتواجد عادة على جوانب الطرق الريفية في الولايات المتحدة الأميركية، التي تتحول أمام أعينهم، المصعوقة، إلى مجموعة من رسامي الرسوم المتحركة.

يؤكد مشاركون آخرون، أنهم قد شاهدوا بعض البقع الأرضية على الطريق، هي أماكن جرى إصلاحها وطُليَت بالقطران الأسود، والتي تحولت إلى أنواع مختلفة من الحيوانات، بل وحتى إلى كائنات أسطورية.  

العام 1982، علق المتسابق الأولمبي للدراجات جون هوارد، خلال مقابلة مع تلفزيون آ بي سي، قائلاً: 

 بأنه قد شاهد مساحة من الطريق، تبلغ حوالي 50 متراً مربعاً، وكُتِبَ باللغة الهيروغليفية المصرية عليها، وهو أغرب ما شاهده في حياته، أصرَّ على أنه قد رآها!!

في ذات الطريق، تذكر متسابق آخر بأنه خلال السير في طريق جانبي ملأه الضباب في بنسلفانيا، حدث له نوع من الهلوسة فشاهد نفسه يقود الدراجة في الجانب الآخر من الطريق، ثم توقف، نزل عن الدراجة وجلس، ثم عاد وركب الدراجة وتابع السير. 

يحكي شارمر ذاته، في الكتاب، بأنه قد امتلك خبرات غريبة خلال الأعوام، التي شارك  في هذا الحدث الرياضي الخاص خلالها. كذلك، يقص أنه خلال إدارته لهذا السباق خلال عقد التسعينيات من القرن المُنصرم، لطالما التقى بمتسابقين ذوي عيون زائغة، يهذون بكلام يطال ملائكة تحرسهم، شخصيات غامضة ومؤامرات ضدهم.

يقص شارمر في كتابه، أيضاً، بأنه في إحدى ليالي مدينة كنساس، حينما بدأت دوروثي السير نحو أوز، إلتقت بشخص يجري على قدميه بجانب بعض السكك الحديدية. عندما سألته عما يقوم به، أجاب بأنه انتظر القطار ليركبه لكي يرى الله.  

من فترة، شَهِدَ، الفائز بالسباق لخمس مرات متتالية، جور روبيك، تحول شقوق الطريق الإسفلتي إلى رسائل مشفرة ودبب، ذئاب وكائنات فضائية حتى. نزل روبيك ذاته، الذي عمل في الجيش السلوفيني، من على دراجته كي يواجه عدد من صناديق البريد على جوانب الطريق لأنه إعتقد بأنها قوات عدوة؛ وفي مناسبة أخرى، ظنَّ أنه مُطارَد من قبل مجموعة فرسان ذوي لحية سوداء.  

"أطلق مجاهدون النار عليّ"، تذكر روبيك، "وهكذا، جريتُ بسرعة أكبر".  

ويحدث شيء مشابه في سباق الكلاب الشهير في آلاسكا، كما يقص شارمر، يهذي المتسابقون خلال سيرهم؛ فيرون أحصنة، قطارات، أجساماً غريبةً، طائرات شبحيّة، فرق موسيقية، حيوانات غريبة، أصوات دون أشخاص، وأحياناً، كائنات خيالية على جوانب الطريق أو أصدقاء خياليين، يتحدثون إليهم خلال السير. 

 تذكر، الفائز بالسباق لأربع مرات متتالية، لانس ماكي أنه رأى طفلة جالسة بجانبه خلال سير الزحافة "وقد ضحكت عليّ، ألقت التحية، وعندما توجهتُ نحوها قد إختفت".  

ما هي الخصوصية القائمة في تلك الطرقات الأميركية، لا في غيرها من طرقات على إمتداد العالم!، كي تظهر كائنات الروحانية فيها، فتُزعج الرياضيين الذين لا يُريدون سوى الوصول إلى نهاية السباق والفوز به؟  

لقد صارت تلك الأشباح والكائنات الفضائية أو الملائكة من هواة الرياضة، وعلى إعتبار أنها لا تتلقى أية إشارة من القنوات الرياضية الأرضية هناك في البعيد، فهل يتوجب عليها التوجه نحو الولايات المتحدة الاميركية وطرقها؟

حسناً، وكما يُشير شارمر، للحدثين شيء مُشترك.

 

 فمباراة الدراجات الهوائية المسمى سباق عبور أميركا، كما يُشير الإسم، تقوم على التنافس بين مشاركين لقطع الطريق المُنطلق من مدينة أوسيانسيد على ساحل المحيط الهادي الكاليفوريني والواصل إلى مدينة أنابوليس في ولاية ميرلاند، وبهذا، يتم إجتياز حوالي 4800 كيلومتر في 12 ولاية مختلفة، أي أكبر بقدر كبير من السباق الفرنسي الشهير على الدراجات طواف فرنسا، مع هذا وحتى هذه اللحظة، لم يُشاهد أي متسابق أي كائن فضائي، شبح ولا ملاك كما انه لم يكن عُرضة للمُطاردة من قبل أي جهادي مسلح.  

يكمن الفارق الأكبر بين السباقين بتكوُّن السباق الفرنسي من مراحل، بحيث يتمكن المتسابق بعد السير لعدة ساعات وبذل جهد مضني من تلقي عناية مميزة على أيدي أخصائيين متنوعين كالأطباء وسواهم، بل ويمكنهم النوم في سرير مريح بعد تناول وجبة العشاء، فيما يتواصل السباق الاميركي ولا مراحل فيه من البداية إلى النهاية، حيث ينام كل متسابق الساعات الضرورية فقط، حوالي تسعين دقيقة ليلاً، ويتوقف قليلاً جداً. كذلك، يجب أخذ تعقيدات الطريق بعين الإعتبار، حيث يتوجب على المتسابقين الصمود في مرتفعات بطول 51 كيلومتر خلال المسار الكامل بطول 4800 كيلومتر من ساحل إلى ساحل، بالإضافة إلى إجتياز صحاري حارقة بولاية أريزونا، حيث قد تصل درجة الحرارة إلى 50 مئوية ومناطق باردة كالجبال الصخرية حيث تصل درجة الحرارة لحدود درجة تجمد المياه.

بالتالي، وكما يُشير شارمر، تظهر القروح، الآلام العضلية والتعب الشديد غير قابلة للاحتمال بالنسبة لبعض المُشاركين، الذين يسيرون لوحدهم خلال أقل من عشرة أيام، هو تمرين متواصل، لا يوجد فيه زمن، كي يستعيد الشخص وضعه الصحي. فالسباق الأميركي عبارة عن إختبار متدرج للإجهاد الجسدي والتدهور النفسي، الذي يُفاقم الوضع حين يُضاف إلى نقص النوم، مما يؤدي إلى ترك حوالي ثلثي المتسابقين للسباق، وهو ما يعكس صعوبته البالغة، فبعد ثلاث عقود من بدء التسابق، لم يصل إلى نهايته سوى حوالي 200 شخص، ويُعتبر الحدث الرياضي الأقسى على مستوى العالم. 

يحدث شيء شبيه في السباق الشهير زلاجات الكلاب، سباق زحافات تجرها الكلاب وقد جرى ذكره أعلاه، الذي ينطلق دون توقف لمسافة 1600 كيلومتر الفاصلة بين مدينتي أنكوراج ونومي في آلاسكا، تجر ستة كلاب زحافة عليها شخص واحد، يُصاب المتسابقون بالإنهاك الشديد وقلة النوم بالإضافة إلى مواجهتهم مناخ قطبي بارد جداً تسوده عواصف ثلجية ورياح قوية، قد تؤدي لوصول درجة الحرارة إلى 75 درجة مئوية تحت الصفر، وهو ما قد يُصيب أيٍّ كان بالجنون.

في هكذا ظروف قاسية، ولأجل كل ما يُعانيه المتسابقون، وبناء على ما نملكه من معارف حول فيزيولوجيا الأعصاب، يتضح سبب إمتلاك بعض المتسابقين، في هكذا سباقات مُجهدة جداً، أنواع من الهذيانات، التي تتوافق مع الإعتقادات، خبرات سابقة، مخاوف ورغبات كل مشارك على وجه الخصوص، أفراد على حدود الموت وأدمغتهم غير قادرة على ضبط الواقع، فتختلق "أشياءاً" جنونية.  

بإختصار، سيكون أولئك المتسابقين المجهدين كالخنازير الغينية إثر تحليل عمل أدمغتهم - نبضات كهربائية، نواقل عصبية، هرمونات، ...الخ -  ومقارنته بعمله خلال الراحة.

أخيراً، وإنطلاقاً من السياق التاريخي – التطوري، لا يخفى على أيٍّ كان، يتمتع بالحد الأدنى من المنطق - بأنه لا يوجد شيء صدفوي -:  

واقع أن جميع الأديان على إمتداد العالم، عملياً، قد تأسست على أيدي أنبياء، معلمين، كهنة وباقي الوسطاء مع ما هو ألوهي، الذين يستطيعون وحدهم "العثور" على ألوهية أو يتم إغراؤهم بواسطة قوى الشر.

بعد عزلة كاملة، فترات صوم طويلة، قلة النوم، تنوع في المعاناة وإنهاك جسدي، فمن الممكن، في بيئات قاسية، ظهور ذاك النوع من الهذيانات، حيث شكلت منطقة شرق المتوسط والجزيرة العربية مكان "الوحي" المثالي للأديان الثلاثة الكبرى!

7.17. يتقدم التاريخ مُوَدِّعاً العقائد الدينيّة

لا يجري الحديث حول العولمة كثيراً الآن، لأننا نعيشها.

 يُفضي هذا الواقع إلى حدوث كثير من الأشياء، ويمكن أن يقضي بحدوث أشياء أخرى، ففي حالة من التفاؤل:

 نهاية الحروب، توقف تصادم الاديان، أي بداية "عولمة حقيقية أخرى: تعطي القيمة للإنسان". 

ردّ من أوّل قاريء متفق مع ما ورد: 

"متفائل، سيودي هذا التفاؤل بك!". 

ردّ من أوّل قاريء مؤمن معترض على ما ورد: 

"الوقائع ليست هكذا، فحيثما نرى كيف تنبعث من جديد الحاجة إلى الإيمان بشيء ما؛ وكيف تتألق شخصية المسيح في أماكن أخرى من العالم، فيشكّل منارة تُرشد حياة كثير من الأشخاص الطيبين". 

تملك السفينة مقدمة ومؤخرة: لا تزال أوروبة مقدمة العالم في الإبداع، التنظيم، قضايا الحريات الفردية، الدفاع عن الحق في الحياة، الإعتراف بالأخطاء، الرفاه، السلام، دولة القانون. 

 وتتابع أوروبة عملها بتمهيد جبال، قد كوّنتها العقائد الدينية في السابق.

فلا يغيب عن الذهن الحروب الأوروبيّة البائسة، التي لعب الدين فيها دوراً رئيسياً مشجعاً، حيث لم يتدخل رجال الدين المسيحيين لإيقافها، بل عمل سياسيُّون بارزون وذوي نوايا حسنة كي تنتهي تلك الحروب (كمثال، السلام في وستفاليا العام 1648، وهو زمن سلطة التراتبيات الكاتوليكية والبروتستانتية، التي كان بإمكانها إيقاف تلك الحرب وتحقيق السلم، لكنها لم تفعل). 

ظهر سياسيُّون بعد ظهور أفكار إنسانية جديدة، فقبلوها وأجبروا الأديان على التخفّي على المستوى الإجتماعي؛ ومن ثمّ على المستوى الفرديّ.  

هكذا، وُلِدَ الغرب. 

 لقد خسر الأمير الديني القدرة العقلانية؛ فوجب ظهور مَنْ يستعيد الهيبة للعقل فقط. 

فيما لو رفعت القبيلة عقيدتها الدينية كشعار؛ وإن تتبنى الأمم تلك العقائد كهوية خاصة بين بعضها البعض، فقد دخل القومي الديني في أزمة حادة مع الإتحاد الأوروبي: 

يتجاوز الإتحاد الفروقات ويقبل الاختلافات. 

كيف ولأيّ درجة يساهم الإتحاد بين الإقتصاد والقوانين بتحقيق الوحدة بين الكاتوليك والبروتستانت، فالواقع الآن، يوضح ما جرى في هذا المنحى؟

 لقد حاولوا، لكن، لن يهتم الآخرون لهذا الأمر على الإطلاق.

حاول كثيرون تحويل عقيدتهم إلى عنصر تمييز، عنصر بقاء ما هو سابق، عنصر تعزيز للفردية، كطرح المناطقيين والقوميين، وما هم سوى صرخة الماضي بمواجهة الحاضر الحديث.

لا يتقدمون نحو الالتقاء، بالتالي، ستضمحل قواهم وسينحسر حضورهم.

نعم، سيبقى الساهرون على الأضرحة، التماثيل، لوحات الأضرحة، العرّافون، لا شيء أكثر من هذا. 

 جديّة العقائد الدينية قيد الإضمحلال.

المرحلة التالية، التي تتجاوز الهندوسية، الإسلام، المسيحية وغيرها من أديان شبيهة، قد بدأت:

 إنها العولمة الفعلية.  

سيتقدم الإقتصاد بشكل دائم، وسيرافقه تقدم في القوانين دوماً، ستصير الحكومات في المقدمة، فيما تصبح العقائد الدينية في الخلف، وكلما تقدم الزمن، ستتراجع أكثر وأكثر.

يتبع

تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل

للإطلاع على باقي الأجزاء

الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة

الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة

الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر

الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة

الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل

الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر

الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت

الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية

الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم

الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت

الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟

الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق

الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق

الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ

الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع

الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة

الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس

الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين 

الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟ 

الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (25) متابعة الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد

الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين

الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ

الموسوعة الإلحادية (30) عبارات إلحادية وتنويرية خالدة

الموسوعة الإلحادية (31) مُقرّر دراسيّ داعم للإلحاد

الموسوعة الإلحادية (32) ما يتعلق بالآلهة

الموسوعة الإلحادية (33) ما يخصّ العالم وكائناته وما يتعلق بالأرواح وترحالها