14. ما يخصّ العالم وكائناته
1.14. مَنْ خلق هذا العالم، إذاً؟
في الواقع، لا أحد يعرف.
إذاً، العالم هنا، وهذا هو كل شيء؟!
نعم، بالضبط.
ليس هناك ضرورة ليبدو مخلوقاً من قبل أيّ أحد.
لقد تواجد العالم دوماً، وهو موجود الآن.
ولهذا، يتوجب علينا الإهتمام بكوكبنا أكثر.
بإعتبار أنّ الكون هائل الحجم وبالغ التعقيد، يحتاج الكثيرون إلى الإيمان بأنه قد جرى تصميمه من قبل إله ذو قدرات لا حدّ لها؛ كما لو أنّه بطل أسطوريّ لا نظير له، كي يتمكنوا من إستيعاب الحالة.
كذلك، يؤمن أولئك بأنّ الله قد خلقنا ويهتم بأمورنا وبأمور كل الأحياء هنا.
خلال كامل تاريخ البشرية تقريباً، لم تتمكن العلوم، التي قد تقدَّمت قليلاً، من تقديم إجابات على أسئلة طالت الكون والعلم والحيوانات وأنفسنا نحن.
فبدا أسهل شيء تخيُّل إله، نوع من البُنى السماوية ذات القدرات اللامحدودة.
لكل ما أحاط بهم، وضع البشر تفسيرات أسطورية.
في يومنا هذا، ومع حدوث تقدُّم كبير في المعارف البشرية وظهور تفسيرات عقلانية، لم يعد ضرورياً الإيمان بتلك الكائنات الأسطورية بالنسبة للكثيرين.
ظهر الكون من خلال مجموعة من القوانين الطبيعية التي لم يسنّها أحد.
مع ذلك، لا تزال تؤمن غالبية البشر بمسؤولية إله عن هذا الكون وعن مجريات الأمور فيه.
يعتبر المؤمنون بأنّ جمالية العالم وتعقيده دليلان كافيان على وجود إله كليّ القدرة، قد خلقه ويتحكم بكل ما هو موجود فيه.
عبّر الروائي واللاهوتي الإيرلندي سي. إس. لويس عن هذه الفكرة بكلمات رائعة، حين قال:
"أومن بالله مثل الطريقة التي أومن بها بالشمس، ليس لتمكني من رؤيته فقط، بل لأنني بفضله أتمكن من رؤية كل شيء آخر".
كذلك، يقدمون "الكمال المزعوم" للأحياء كدليل على إيمانهم بإله مصمم، أي الأحياء التي تعيش في هذا العالم ولاسيما البشر.
"الأرض، وبأصواتها الألف، تُسبّح باسم الله"، كتب الشاعر الرومانسي صموئيل تايلور كوليردج.
لا أتفق مع أيٍّ من تلك الأدلة الثلاثة:
الجمال والتعقيد والكمال.
فمن جانب آخر، الجمال الذي لا يمكن إنكاره والتعقيد الممتاز في هذا العالم، حيث سنتحدث عنهما لاحقاً مطولاً:
يقدمان الدليل على وجود العالم لا على وجود أيّ شيء آخر هناك في البعيد؛ أو هنا في القريب!
لكن، مسألة كمال الكائن البشريّ عُرضة للنقاش، يقول أخصائي علم الوراثة الأميركي من أصل إسباني فرنسيسكو أيالا، الذي يبحث عن جسور تصل بين الدين والعلم، وقد أمضى زمناً طويلاً في الولايات المتحدة الأميركية مدافعاً عن الداروينية بمواجهة الخلقيين، التالي:
"لا شيء مصمم جيداً تقريباً. فعلى سبيل المثال في العين البشرية، يتوجب على العصب البصري عبور الشبكية كي يصل إلى الدماغ، ولهذا، لدينا بقعة عمياء. يمتلك السبيدج (الكالامار) عين شبيهة، ولكن، دون بقعة عمياء. فكّنا ليس كبيراً كفاية كي يستوعب كامل الأسنان. تتسبب قناة الولادة بحدوث إجهاض تلقائي بنسبة 20% جرّاء سوء تصميم جهاز التكاثر الأنثوي. يُعتبر ردّ تلك العيوب إلى الله كتجديف. يحرره العلم من هذا الأمر. فيما لو يكن الجسد البشري من عمل مهندس معروف بشركة هامة، فيجب العمل على طرده من تلك الشركة في الحال".
أما فيما يخص الجمال المحيط بنا، فيعني حصر الحديث به، أننا نتحدث عن جزء من الواقع فقط. صحيح أن عالمنا بإتساعه الهائل رائع، وأننا بكل دقيقة نمضيها متأملين بمجريات هذا العالم، نرى حرص كل الأحياء على الإستمرار فيه. دون شكّ.
لكن، أن نتأمل شيء وأن نبدو فشيء آخر مختلف تماماً.
فلدى رؤية برنامج وثائقي تفزيوني، نقف مشدوهين أمام مشهد مألوف في الغابات الأفريقية كصيد فهد لغزال، فالمشهد رائع للمراقب فعلاً.
لكن، هنا، تنقصنا معرفة رأي الغزال.
الحياة، بذاتها، ليست بشعة ولا جميلة.
يعتمد هذا على كيفية عيش كل واحد وكيفية رؤيته لهذا الأمر.
فبالنهاية، ما يؤثر فينا ليس الأشياء بذاتها، كما نعتقد، بل الآراء التي نشكلها حول تلك الأشياء، بحسب الفيلسوف اليوناني أبكتيتوس.
فيما لو يعتبر أحدنا الحياة سيئة، فسيصل ليراها كما عبّر إراسمو دي روتردام بكلمات مثيرة:
"فيما لو يتمكن شخص من الإنتقال إلى مرصد، يضع فيه الشعراء الإله جوبيتر، ويعمل على مراقبته، فما الذي يمكنه رؤيته؟ سيرى عدد لا نهائي من الكوارث التي تصيب البشر: آلام التنشئة، فترة شباب مليئة بالعمل المرهق، آلام الشيخوخة، وبالنهاية، الموت المحقق. كذلك، سيرى الأمراض الكثيرة التي تصيبنا، تراكم حوادث ومصائب تعكّر صفو الحياة، هل أستمر بتعداد تلك الملمات؟ لا أريد أن أعرف ذاك الإله الغاضب الذي خلق البشر في وادي الدموع هذا".
يبدو أن إراسمو قد أمضى يوماً تعيساً، عندما كتب تلك الكلمات!
أفضل أن أعيش حياتي مع المزيد من الفرح، لكن، بكل الأحوال، بإمكان إله محب وكليّ القدرة تصميم العالم بصورة أخرى، دون أن يبني إستمرارية الحياة على إلتهام البعض للبعض الآخر، واقعياً ومجازياً.
أو دون زلازل، على سبيل المثال، تتسبب بموت الآلاف خلال زمن قياسي.
فيما لو تعمل كمُصمِّم مزود بقدرات لا حدود لها، كي تصمم كوكباً كاملاً، لماذا لا تعمله كقطعة واحدة، بدلاً من تصميمه على شكل طبقات تكتونية تتسبب بحدوث زلازل باستمرار؟
الأدلة على قوّة الطبيعة قاطعة.
هي قوى ساحقة ماحقة ولن أسميها قوى جميلة أو جمالية.
منذ حوالي 80 عام، كتب الأميركي كلارينس داي سيرة ذاتية بعنوان "الحياة مع أبي"، حيث يقصّ بروح ساخرة بعض فصول التعايش بينه وبين والده المتدين والمسيطر.
أستشهد به لأنّ الفقرة التي يتحدث بها عن ذاك الشعور الذي أحاول توصيفه - الذي يطال كمال وجمال العالم - وبأنهما ليسا على هذه الشاكلة لدى ملحدين فقط، بل هما كذلك لدى بعض المؤمنين، حيث يقول:
"لم يذهب والدي بعيداً، كي يتهم الله بعدم الفعالية بصورة مباشرة، لكن، كلما صلّى له، كلما بدا عليه الإنزعاج؛ بدا كأنه ضيف منزعج من الخدمة المقدمة له في النزل، بالتالي، سيتوجه إلى مخاطبة مدير نزل فاشل، وهو أمر سيضاعف الإنزعاج".
بدا لي كأمر مثير للقلق، دوماً، إيمان الكثيرين بأنّ أفضل ما بوسع هذا الإله كليّ القدرة عمله، خلال ملايين السنين (أو خلال عشرة آلاف عام فقط؛ ذات النتيجة):
هو هذا العالم بكل مثالبه، بكل الظلم السائد والمعاناة، مع الأمراض التي تتعرض لها الأحياء والآلام والموت.
قال الكاتب الفرنسي جورج دوهاميل ما شعر به:
"مزيد من الإحترام لله، كي لا يجري تحميله مسؤولية عالم يتمتع بكل تلك السخافة".
أفترض بأن إشتراكه في الحرب العالمية الأولى كجرّاح عسكري على جبهة القتال لمدة أربعة أعوام، ربما قد أثر كثيراً في آرائه حول الآلهة.
كما أشرت سابقاً، الحل الأسهل لتبرير ما يحدث في هذا العالم من شرور هو خلق آلهة شريرة:
الشياطين، الأبالسة، وغيرها من الكائنات الشريرة المتوفرة في جميع الأساطير.
تتمثل الطريقة الأخرى، لإيجاد العذر للآلهة، بتحميل البشر الذنوب والتشبُّث بمفهوم الإرادة الحرّة.
تشكّل الإرادة الحرّة المَلَكَة التي تُمكِّن الأشخاص، كما هو مفترض، من تحقيق الإختيار الحرّ بين الشرّ أو الخير.
رغم تنويهي إلى هذا الأمر سابقاً، إلاّ أنه يصعب تحميل البشر ذنب حدوث بركان (إن لم يتم تفسيره كعقاب إلهي على خطايا ما، كما جرى الحديث خلال قرون وما يزالوا يتحدثون للآن عن هذا الأمر في كثير من الأديان).
ففي كل مرة أرى خلالها صوراً لضحايا أيّة كارثة أو حرب على شاشة الرائي، أتساءل:
عن الخيار الذي إمتلكوه، عن أيّة إرادة حرّة قد إمتلكوها.
كذلك، أتساءل عن أيّ شخص يجد الجمال في كل هذا وهو المُدافع عن وجود إلهي لا يرقى إليه الشكّ؟
كما قلنا سابقاً، يبرر المؤمنون الإيمان بالله بناءاً على حضور التعقيد في العالم.
وفي هذا الصدد، سمعتُ مرّة بأنّ كوكباً كالأرض بما فيه، لا يمكن أن يظهر دون وجود خالق كليّ القدرة كما لو تظهر رواية ثربانتس "الدون كيخوته" من خلال مزج حروف كلماتها بالصدفة أو كرمي قطعة عملة عشرة آلاف مرّة ويأتي ذات الوجه في كل مرّة، ألا يُعتبر حدوث هذا مستحيلاً؟
لا، ليس مستحيلاً فيما لو نفكّر بالأمر، ليس في رمي شخص واحد لقطعة العملة، بل برمي ملايين الأشخاص لقطعة العملة كل بمفرده. ولهذا، قد يرد ذات وجه العملة لدى عشرة آلاف شخص منهم.
حسناً، توجد آلاف ملايين الكواكب في الكون. ظهرت الحياة في كوكبنا (عشرة آلاف وجه عملة)، وربما يحدث هذا الأمر في غيره، أي ظهرت عشرة آلاف وجه العملة الآخر أو ربما خمسة آلاف أو غيرها.
وربما قد ظهرت هناك أشياء جميلة ومحيرة وعجيبة وقد تسمى حياة أو لا.
لا نعرف هذا.
كذلك، لا نعرف كيف بدأت الحياة على وجه الأرض، ولا أصل الكون، ولا الكثير من الأشياء. وربما لن نصل لنعرف أيّ شيء عن بعضها.
لكن، بأيّ حال، ستُحرّر التساؤلات البشر من التخرُّصات، بالإضافة إلى معارفهم العلمية وفرضياتهم - التي يُبرهَنُ بعضها بمرور الوقت؛ ويجري دحض بعضها الآخر – وحماسهم وعملهم وفضولهم:
وهي التي تجعلنا نمتلك أجوبة.
إنْ لم تقدم القصص الأسطورية أجوبة، يعني أنّ الإعتقادات الدينية ليست بحالة صداقة مع البحث عن المعرفة أبداً.
فلقد إعتبر القديس أوغسطين الفضول كمرض، لأنه:
"يدفعنا إلى معرفة أسرار الطبيعة، تلك الأسرار التي لا توفر لنا أيّة فائدة، ولا يتوجب على الإنسان أن يمتلك تلك الرغبة بالتعلُّم!!".
من ناحيتي، أرفض تصديق أن سوفوكليس قد جانبه الصواب، حينما قال:
"الوجود بهيجٌ، إن ترافق مع الجهل فقط!!".
إحدى الأشياء التي تجعل الحياة جديرة بالتقدير، هي:
متعة التعلُّم.
فدون فضول، لن تظهر معارف جديدة.
فيما لو لم يظهر الفضوليّون والمتمردون على التخريف، لكنا حتى الآن خاضعين لتلك التخرصات وللآن نتابع الإعتقاد بأنّ مرض فقدان الذاكرة وما يشبهه:
يعود لسيطرة شيطانية على الشخص المريض.
كما أنه جرى إعتبار أفضل علاج للفقير البائس هو مغادرة الشياطين لجسده.
خلال كتابة هذه التأملات وأثناء قراءتي لبعض نصوص برتراند رسل، إنتبهتُ إلى ما قاله:
"أنا ممتن جداً لأولئك الذين رفضوا الإيمان بما قصُّوه عليهم، بالتخرصات والتفسيرات الخرافية، وصارعوا - سراً في كثير من الأحيان - كي يمتلكوا المعرفة".
لندع الأخصائيين علمياً يعرضون ويناقشون فرضياتهم المتعلقة بأصل الكون وكوكبنا والحياة فيه ولنأخذ بعين الإعتبار فرضية وجود الإله أو الآلهة (أكرر، لماذا إله واحد فقط؟ وليس مجموعة من الآلهة؟) الذين صمموا وخلقوا العالم حيث نعيش.
بناءاً على الأدلة المعروضة، يمكن لكل شخص أن يقرّر تبني أيّ رأي منها وأيّها الصحيح. دون نسيان إمكانية أن العالم لم يُخلَقْ من شيء أو من قبل أحد، بل هكذا بدا الكون وهكذا سيبدو.
لأنه حتى لو إعتبر الكثيرون أنّ هناك مُوجِدْ للكون، فالسؤال الطبيعي، هو:
مَنْ أوجَدَ هذا المُوجِدْ؟
ثمّ مَنْ أوجَدَ مُوجِدْ هذا المُوجِدْ؟
وفي حال مواصلتنا لطرح هذه الاسئلة، سنصل إلى نقطة وجب فيها وجود شيء ما.
لماذا لا نغادر الوسطاء الخياليين وندعو هذا الشيء كوناً؟
في حقل علم الأحياء، ساهم التطور، الذي كان داروين من أوائل روّاده:
في إراحتنا من الحاجة إلى خالق لتفسير وجود أنواع حية مختلفة متنوعة بما فيها نحن البشر.
بذات الصيغة، تُغنينا نظريات أخرى حديثة خاصة بالكون، مثل الإنفجار الكبير الذي نشأ عنه كل شيء:
عن الحاجة إلى مصمم فائق الذكاء له.
حيث لا يقع عبء هذا التصميم على أكتاف الآلهة بل على قوانين الطبيعة.
"لقد بينت أنّ الصيغة التي بدأ فيها الكون محددة بقوانين علمية. لا تترك الفيزياء الحديثة أيّ فراغ تسده الآلهة في خلق الكون"، هي كلمات ستيفين هاوكينغ أحد أهم العلماء في العصر الحديث، حيث يستخلص في كتابه "التصميم العظيم" التالي:
"لا يمكن إثبات عدم وجود الله، لكن، تُبيِّنُ العلوم عدم الحاجة إلى الآلهة لأجل تفسير العالم".
وهو ما فهمه البارون هولباخ قبل ذلك بزمن طويل:
"إنّ جهل الطبيعة قد سبّبَ ولادة الآلهة، ومتى تحققت معرفة الطبيعة، فالنتيجة البديهية، هي: القضاء على تلك الآلهة".
رغم إتفاقي معه بالطرح، إلا أنني أعتبر أنّ الإيمان بالآلهة سيستمر:
لأنه يشكّل عزاءاً ميتافزيقياً للبعض دوماً.
لكن، من المؤكد أنّ تنامي المعرفة حول الطبيعة، سيدفع عدد أقلّ من الناس لإعتماد تفسيرات أسطورية لبعض الأشياء.
2.14. ما هي نظرية التطور؟
هي وسيلة لتفسير كيفية ظهور الأحياء بشكل مختلف عن فكرة أنها خُلِقَتْ من قبل الله.
لا نفهم هذا، ما الذي تريد قوله هنا؟
في القِدَمْ، اعتقد البشر بأنّ إلهاً قد خلقنا، خلق الحيوانات والنباتات.
وضعت كل قبيلة إسماً مختلفاً لهذا الإله.
في كثير من الأماكن، اعتقدوا بوجود آلهة كثيرة وليس وجود إله واحد فقط، فلقد تخيلوا أن إلهاً كان مسؤولاً عن الأنهار، وآخر عن الشمس، آخر عن الجبال، آخر عن البحار، آخر عن الحيوانات ....الخ.
لكن، في حقب زمنية أحدث، أشخاص لم يؤمنوا بالآلهة، بحثوا عن تفسيرات أخرى.
الأشهر بينهم تشارلز داروين.
لقد طرح على نفسه الكثير من الأسئلة، على سبيل المثال:
لماذا تمتلك الزرافة رقبة طويلة جداً؟
وعثر على جواب يبدو صحيحاً لكثيرين.
ففي أفريقيا، في فترة ما قبل تأريخية، عاشت حيوانات شبيهة بالزرافة ولم تمتلك رقبة طويلة وقتها.
دعونا نسميها ظباء ما قبل تأريخية.
أكلت الحيوانات العاشبة الأخرى الأوراق السفلى من الأشجار، لكن لم يكن هناك وريقات كافية للجميع، امتلك بعض تلك الظباء ما قبل التأريخية عنقاً أكثر طولاً فتناولوا أوراقاً لم يتمكن أيّ حيوان عاشب آخر من الوصول لها وبقيت على قيد الحياة، ورث أبناءها وأحفادها تلك الميزة الجسدية وبمرور أجيال كثيرة على مدى زمني طويل، ظهر نوع جديد، هو:
الزرافة، الذي قد تطور عن تلك الظباء الماقبل تأريخية، ولهذا يسمى ما حدث تطوُّر.
اعتقد كثير من البشر منذ آلاف السنين بأنّ الأرض هي مركز الكون.
وعندما تصوروا الجحيم استطاعوا تحديد رائحة الدخان الكبريتي وكيف سيُشوى المحكومين بناره.
بتوجيه النظر نحو السماء، تأملوا تفاصيل الجنّة، حيث ينتظر ملاكان بلباس أبيض على البوابة لملاقاة الأرواح الخيرة وإيصالها إلى مقصدها الأخير.
لم يكن لدى الآلهة أبناءاً سوى البشر، وترتَّبَ كل شيء بشكل واضح ومنظم وتسلسلي.
لكن، بمرور القرون والوصول إلى القرون الثلاثة الأخيرة، تلقت تلك النظرة ثلاث صفعات قوية:
تمثلت الصفعة الأولى باكتشاف كوبرنيكوس الفلكيّ، الذي يقول بأنّ الأرض لا تشكّل المركز الذي تدور الكواكب حوله، بل تدور الأرض حول الشمس!
أتت الصفعة الثانية من فرويد وعلم النفس، حيث أكد بأنّ الكثير من مسلكياتنا خاضعة لقوى لا يمكن أن يحددها وعينا.
أما الصفعة الثالثة، فأتت من داروين وعلم الأحياء، فبحسب طروحاته، نحن لسنا محطّ إهتمام كائن ألوهي، بل نحن عبارة عن كائن حيّ إضافي في هذا الكوكب، حيث تطورت كائنات حيّة عن كائنات حية أخرى.
لكن، يبدو أن العقائد الدينية لا تقبل الإقرار بتلقي كل تلك الصفعات حرصاً على إرضاء غرور بشريّ أزليّ.
لكي أوضح رأيي، أنقل كلمات البابا بولس السادس:
"الإنسان، المخلوق على صورة وشبه الخالق، ليس لحم ودم فقط، بل هو كذلك ذكاء وحرية على وجه الخصوص. وبناءاً على هذه الأشياء، سيبقى الإنسان متفوقاً على سائر الخلق".
تشكّل النزعة الدينية نحو مركزية الإنسان، أي إعتباره مركز الكون، كما لو أن كل شيء يدور حولنا ولأجلنا، وأننا نتفوق على باقي الكائنات الحيّة:
عقبة حقيقية أمام تقدم المعرفة العلمية.
لن ننسى، على سبيل المثال، الكلفة الباهظة التي دفعها كلّ من كوبرنيكوس وجيوردانو برونو (الذي حبسوه سبع سنوات ثم حرقوه) وغاليلو جرّاء تصديهم لعقيدة مسيحية أساسية اعتبرت الأرض مركزاً للكون وأنّ كل شيء يدور حولها.
أتفق مع الأخصائي بعلم الأحياء تشارلز داوكينز، عندما يقول:
"تعرقل الأديان التقدم العلمي لأنها تعلم الصغار على الشعور بالرضى إزاء التفسيرات الفوق طبيعية التي لا تشرح شيء وتقصيهم عن الشروحات الطبيعية الرائعة التي توفرها العلوم لهم. يعلموهم على قبول عقائد الوحي والإيمان عوضاً عن تعليمهم البحث عن أدلة على الفرضيات".
ترى أديان التوحيد الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) بأنّ الإنسان ثمرة تصميم كائن متفوق أو إله.
يُطلق على هذه الفرضية إسم فرضية الخلق أو فرضية التصميم الذكي.
بحسب هذه الفرضية، التي تتبنى ما يقوله العهد القديم حرفياً:
جرى خلق الأرض وما عليها، بما فيه أوائل البشر، خلال بضعة أيام منذ بضعة آلاف من الأعوام، وهنا، يأتي ذكر آدم وحواء وخلقهما في الكتب المقدسة الثلاثة:
القرآن، الكتاب المقدس (الأناجيل) والتوراة.
في الولايات المتحدة الأميركية، أوّل بلد متطور تقنياً في العالم:
يعتقد ثلثا البالغين بالتصميم الذكي (وأكثر من 80% من الاميركيين يؤمنون للآن بنوع أو آخر من الآلهة، الجنة والجحيم).
وربما لهذا الأمر علاقة بتاريخ البلاد، حيث تأسست أميركا على أيدي أصوليين دينيين، قد هربوا من هولنده وبريطانية وألمانية.
مع ذلك، فإنّ جميع فروع العلم تبين لنا بأننا لم نُخلَقْ من الاشيء على يد أيّ كائن متفوق، بل نحن الحصيلة الطارئة - أي ربما كانت النتيجة على شكل آخر - للتطور البيولوجي.
يقدر الجيولوجيون عمر الأرض بحوالي 4600 مليون عام.
يبين لنا علم الأحياء بأن هذا العدد الهائل من الأحياء من نبات وحيوان، التي سكنت الأرض، هو حصيلة عمليات تطورية، قد حدثت خلال مجرى كل ذاك الوقت.
وهي ما يعرف بنظرية التطور من خلال آلية الانتقاء الطبيعي، وتمثل تفسير متحقق منه يطال كيفية حدوث التنوع البيولوجي إعتباراً من صيغ أولية للحياة في هذا الكوكب.
تشرح نظرية التطور بوضوح، ومن خلال إستخدام الأدوات المتوفرة:
نشوء كائنات معقدة دون الحاجة لخالق.
في منتصف القرن التاسع عشر، عندما نشر داروين كتابه "أصل الأنواع"، كانت فرضية الخلق هي السائدة واحتكرت تفسير نشوء الأنواع الحية، بحيث جرى خلق كل كائن حي بصورة مستقلة وبشكل غير قابل للتبدل.
مع ذلك، ظهر أشخاص مثل إراسموس داروين (جدّ تشارلز داروين، وكان فيزيائياً وفيلسوفاً طبيعياً ومخترعاً وشاعراً)، هربرت سبنسر، وعالم الطبيعة لامارك على وجه الخصوص، قد فكروا بإمكانية ظهور تعديلات تدريجية في الأنواع الحية، هذا يعني بأنّ أنواعاً نباتية وحيوانية يمكن أن تتقاسم أسلاف مشتركين.
أدان اللاهوتيون هذه النظرة، التي ساهمت بإقصاء الآلهة عن أداء دورها التقليدي البطولي!
تمكن داروين من خلق تفسير بديل مقنع لقضية تعقيد الكائنات الحية، بحيث لم تكن ثمرة تصميم إلهي مسبق، بل كانت نتيجة آلية إنتقاء طبيعي للمزايا التي أفادت الكائنات الحية بالبقاء على قيد الحياة.
تميزت طروحاته بالبساطة، تمكَّنَ من شرح الكثير من الأشياء مثل التوزع الجغرافي للنباتات والحيوانات وحضور بقايا أحفورية لكائنات حية لم تعد موجودة.
في حال عدم فهم نظرية التطور جيداً، يمكن لأيّ منّا أن يقول بأنّ كل نوع حيّ هو ثمرة للصدفة.
حسناً، الأمر هو عكس هذا تماماً:
فالصدفة لا مكان لها هنا؛ بل إلى أي مدى قد استجابت خصائص النوع الحيّ لاستمراره على قيد الحياة.
وبكلمات داروين نفسه:
"بما أن كلّ نوع يعطي أفراداً أكثر، لا يتمكنوا جميعا من البقاء على قيد الحياة، وكتبعة لهذا، ينتج صراع لأجل البقاء على قيد الحياة، وفيما لو يتمكن أيّ فرد من اكتساب أيّ تغيُّر ومهما كان بسيطاً، بحيث يفيده بمقاومة الظروف المتغيرة في المحيط ويزيد من احتمالات بقائه على قيد الحياة، بهذا، يُنتقى طبيعياً. وبفضل مبدأ الانتقال الوراثي، ستنتقل تلك التغيرات الخفيفة للجيل اللاحق".
في يومنا هذا، نعرف أكثر بألف مرّة مما عرفه داروين.
لكن، ما بدأه داروين يؤكد ريادته فعلاً.
تمكَّنَ من تفسير التصميم دون مصمم؛ الساعة دون ساعاتي.
استطاع استكشاف النظام الطبيعي، الذي انتهى مع جهود الذين أتوا بعده لتفسير الكثير من الأشياء حول العالم والأحياء.
أثبت علم الأحياء الجزيئي، الذي لم يعرفه داروين:
صحّة نظرية التطور.
يصف العلم الحديث تعديل الأنواع الحية بمرور الأجيال، حيث تتعرض لتغيرات ذات طبيعة تشريحية أو سلوكية، حيث تساهم هذه التغيرات الصغيرة بظهور أنواع حية جديدة.
"تضاعفوا، تنوعوا، يحافظ على حياته من يعرف كيف يتكيف مع المحيط المتغير ويموت الأضعف"، هذا ما تقوله الطبيعة لنا ولكل الأنواع الحية.
على الرغم من التعارض الكليّ بين الداروينية والخلقية، تتطور في بعض الأحوال - كما هو الأمر مع الكنيسة الكاتوليكية - طروحاتها الرسمية كذلك، كالأنواع الحية، حيث تتجه نحو دمج النظرتين الكونيتين. تُعلِّمْ الكاتوليكية اليوم بأنّ التطور والخلق متوافقين، حيث جرى تخطيط الحدث التطوري، تصميمه وتوجيهه من قبل الله بقصد الوصول إلى الكائن البشري بالنهاية والذي يعتبر الكائن المفضل لدى الألوهة. لكن للآن، تتابع قولها بأنّ كل شيء قد خلقه الله من اللاشيء، وكل شيء يسبح بحمده!!
برأيي، وخلافاً لما يقوله آخرون، لا تتوافق نظرية التطور مع عقائد الكنيسة الكاتوليكية.
على سبيل المثال، حالة عودة الموتى إلى الحياة يوم الحساب، دون الذهاب بعيداً.
بحسب الأدلة الكثيرة المتراكمة، تتطور الأنواع الحية من بعضها البعض بصورة متدرجة.
فبحسب العقائد الكاتوليكية، سيحاسب الموتى البشر فقط لا الحيوانات الأخرى (حيث لا يتم اعتبار الحيوانات الأخرى مسؤولة أخلاقيا لا على صعيد الخير ولا على صعيد الشرّ)، يتساءل الكثيرون كما تساءل الكاتب الفينزويلي غابرييل أندرادي:
"اعتباراً من أيّ نوع بشريّ، سيجري إعتماد الحساب الإلهي وإعادة الموتى إلى الحياة؟!".
حيث لا يوجد تحديد دقيق لهذا الأمر، فبالإمكان اعتبار الإنسان المنتصب هو ذاته الإنسان العاقل.
يبدو مُضحكاً تخيُّل إنسان عاقل بدائي يشعر بالرضى جرّاء قبوله في نادي العائدين من الموت.
لكن، بذات الوقت، يبدو محزناً ألا يمتلك أبواه الحظّ كي يجري إعتبارهما بشر، حيث لن يقوما من الموت أبداً رغم أنهما كانا طوال حياتهما طيبين ورحيمين ولم يؤذيا أحد أبداً. ويجري بناء فرضية كل ما سبق على أجساد تحولت إلى غبار منذ آلاف الأعوام ويمكنها العودة للحياة.
بكل حال، يبدو أن الكاتوليك، على الأقلّ، يمكنهم متابعة الإيمان بإلههم دون الإضطرار إلى إجراء تساهل كليّ مع فرضية الخلق (رغم تمرد بعض أعضائهم على الموقف الرسمي للكنيسة، كرئيس اساقفة فيينا كريستوف شوبورن، الذي اختاره البابا بينيديكتو السادس عشر، في مقال له منشور في النيويورك تايمز، يدعم دون تردد فرضية التصميم الذكي التي يطرحها خلقيون). لكن، محاولات دمج النظرتين للعالم - الخلق والإنتقاء الطبيعي - ليست عالمية، ولا حتى ضمن الدين المسيحي.
حيث يرفض الخمسينيُّون، شهود يهوه، المورمون - بين غيرهم - دراسة علمي طبقات الأرض والأحياء التطوريّ.
هناك الكثير من فروع المسيحية، التي ما تزال تؤمن بحرفية سفر التكوين، وبالتالي، يوجد في الإتجاه الخلقي الكثير من الجدل حول خلق كل ما هو موجود في ستة أيام - كما دافع إكليمندس الاسكندري، كغيره، بحدود العام 200 ميلادي - أو قد تحقق بلحظة واحدة كما طرح القديس أوغسطين في القرن الرابع، على الرغم من أننا كبشر، وبمضي قرون كثيرة، قد تعلمنا أشياءاً كثيرةً حول هذا العالم الذي نعيش فيه وحول أنفسنا، فلا يزال يتمسك الكثير من المؤمنين بأديان وفرق مختلفة:
بما طرحه أشخاص، قد عاشوا من حوالي ألفي عام تقريباً.
وبالإستشهاد بكلام فرنسيسكو أيالا، من جديد، نقرأ:
"قراءة سفر التكوين بوصفه نصاً علمياً هي عمل بربريّ، ويبدو أنهم لم يقرؤوا أبداً الإصحاح الثاني منه، والذي يتناقض مع الإصحاح الأول الذي يدعي خلق الله للذكر والأنثى بذات الوقت، بدلاً من خلق المرأة اعتباراً من ضلع الرجل. يدمر التفسير الحرفيّ للكتاب المقدس كامل النص المقدس".
برأيي المتواضع، تستبدل فرضية أصل الأنواع الحية وتطورها من خلال الإنتقاء الطبيعي، بنجاح، العقائد الموروثة التي تعتبر أن أصل كل شيء يعود إلى مصمم غامض إلهي، لا يظهر لنا البتّة!.
لا يبدو أن الآلهة ضرورية لأجل تفسير وجود الكائنات الحية في كوكبنا. يمكن اعتبار نظرية التطور كتفسير علمي لأصل الأحياء مدعوم بالوقائع والأدلة المتراكمة، التي حللها أشخاص تمرسوا في هذا الحقل وطوروا أدوات بحثهم بشكل موثق جليّ.
حسناً، وبخلاف كل الطروحات الخلقية الدينية الثابتة، تخضع نظرية التطور:
بشكل متواصل للمراجعات وإعادة التفسير بناء على مستجدات البحث العلمي، حيث يجري التصويب والتعديل أو الرفض الكامل لبعض الجزئيات قيد البحث وبانتظار وقائع وأدلة جديدة مستقبلاً.
يمكن لأي شخص مدافع عن أفكاره، بشكل غير دوغمائيّ، أن يغير رأيه ببعض طروحاته نفسها أو فيها كلها:
حين يقتنع بأدلة مناهضة لها.
فيما لا يحتاج رجال الدين، من جانبهم، لأدلة بصالح الخلق، ولا إلى مؤشرات على صوابيته، لأن ما يعتمدونه هو الإيمان الأعمى والتقليد الموروث.
15. ما يتعلق بالأرواح وترحالها
1.15. ما هي الروح؟
عبارة عن شيء يعتقد الكثيرون بأنه موجود داخلهم، بحيث تبقى حيّة حتى بعد موتهم.
هل تؤمن بالروح يا أبي؟
كلا، أنا لا أومن بها، ولا يؤمن الكثيرون من الآخرين بها.
لكن، تؤمن غالبية البشر بآلهة، وبالتالي، هي تؤمن بوجود تلك الأرواح. بالنسبة لأولئك، عندما يموت جسدنا، سيتبقى جزء منّا حيّاً، هذا الشيء عبارة عن النفس أو الروح، والتي تبقى خالدة لا تموت.
فيما لو يكن هذا صحيحاً، يمكن أن تسألني:
ما الذي سيحدث لتلك الأرواح التي لا تموت إذاً؟
حسناً، يعتقد البعض، الذي يعيش في أماكن معينة من كوكبنا بأن تلك الأرواح تعود لتتجسد، أي لتعيش في جسد شخص آخر أو بجسد حيوان حتى.
لكن، في أماكن أخرى، يعتقدون بأن الأرواح تسافر إلى مكان اسمه الجنّة، حيث تبقى فيها إلى الأبد متأملة بإلهها.
بحسب غالبية الأديان، سيختلف الجسد عن الروح بشكل أساسيّ، حيث توحدهما الآلهة خلال إقامتنا في هذا العالم، ثمّ تعود لتفصلهما بعد موتنا.
تعتبر بعض العقائد، مثل العقيدة الإحيائيّة، أنّ جميع الكائنات الحيّة وأشياء غير حيّة حتّى:
لديها روح.
يعتقد الهندوس، على سبيل المثال، بأنّ للمياه روحاً.
في المقلب الفكريّ الآخر، نجد مفكرين ماديين، مثل جوليان أوفراي دو لا ميتري، يرون بأنّ الروح لا تعدو كونها:
"كلمة فارغة لا تعكس فكرة بعينها ولا تعكس ذكاء لافت، كما أنها لا تنفع سوى في التعبير عن الجانب المُفكّر لدينا (العقل / الدماغ)".
بالنسبة له، كما هو الأمر بالنسبة لغيره من فلاسفة الإتجاه الآليّ، الإنسان ليس سوى "حيوان، تجمُّع مُسننات، وبالتالي، الروح ليست سوى جانب ماديّ حساس من الدماغ يمكن فهمه بإعتباره المُسنّن الرئيسي في كامل الآلة وله تأثير على كل المسننات الأخرى".
تختلف العقائد الدينية المتنوعة بين بعضها بتقديم تفسيرات توضح ما يحدث للروح البشرية بعد الموت.
بالنسبة لعدد هائل من البشر، تسافر الروح لتصل إلى مكان يسمى الجنّة، بشكل مؤقت أو دائم، وهو ما يوافق خيال بعض البشر.
بالنسبة لعدد قليل من البشر، تبقى الروح نائمة بانتظار نوع ما من العودة إلى الحياة أو القيامة.
بالنسبة لآخرين، تتجسد الروح بأجساد أخرى.
لقد آمن فيثاغورس وتلاميذه بإنتقال الأرواح لدرجة الأسطرة.
في الهندوسية، الحياة ليست سوى خطوة حتمية نحو إعادة الولادة بصيغة أخرى.
في حال عدم توافق سلوك الشخص خلال حياته الأرضية مع المعايير الأخلاقية التي يقرها دينه، فستخضع روحه للحساب الأخرويّ.
بالنسبة للمسيحيين، ستحترق أرواح الأشرار في نار أبدية.
كذلك، تتحدث اليهودية لأتباعها عن العقاب النهائي، وقد عبّر الفيلسوف والحاخام القرطبي ابن ميمون عن هذا، قائلاً:
"سيجري تدمير روح الشرير، بحيث تتبدَّدْ كليّاً".
نكرر الفكرة، التي تقول:
بأنّ العقائد الدينية، تتمايز فيما بينها، من خلال تبنيها لإفتراضات مختلفة تطال أصل الروح.
بالنسبة للبعض، يجري خلق الروح مباشرة من قبل الله، حسناً في لحظة الحمل أو في لحظة لاحقة.
بالنسبة للبعض الآخر، يسبق وجود الروح عملية الإلقاح.
فيما يرى البعض بأنّ الروح تظهر لدى الجيل الطبيعي من خلال الآباء ودون أيّ تدخل إلهي.
يرى الكثيرون بأنّ الروح خالدة، أيّ أن الروح لا تموت أبداً، وفوق هذا، فهي لا تُولَدْ.
يُشكِّلْ أصل الروح لغزاً لا حلّ له، برأيي المتواضع.
ربما بسبب أنّني، وكما يفكّر الماديون عادة، أعتبر أنّ الروح عبارة عن مصطلح غير نافع قد يشكل مرادف، بصيغة ما، لأشياء مثل الشخصية والمزية والعقل أو الدماغ.
ربما فهم القديس أنسلم - الذي طوّر البرهان الأنطولوجي، الذي تحدثنا عنه سابقاً ويتوخى اثبات وجود الإله - بصورة لا لبس فيها أنّ أصل الروح لغزاً لا حلّ له. ففي الفترة التي سبقت موته بقليل، كان برفقة باقي الكهنة في دير روما، حيث أمضى سنواته الأخيرة، فقال له أحد الكهنة بأنّ الله سيناديه ليصير بقربه. فأجابه القديس أنسلم بهدوء وثقة:
"إن كانت هذه رغبته، سأخضع لها بفرح، لكن، سأشكره جداً إن يعطيني فرصة لأتابع حياتي في هذا العالم لوقت كافي يمكنني خلاله حلّ معضلة أصل الروح، الذي أمضيت سنوات كثيرة في التفكير به. حيث يبدو لي أنه لن يتمكن أحد من حل هذا اللغز إن رحلت أنا!".
مع ذلك، وعلى الرغم من حضور الكثير من التخمينات المختلفة التي وضعت حول طبيعة الأرواح، يحضر شيء مشترك في جميع العقائد، هو أنهم يُعرِّفون الروح من خلال شرح شيء لا علاقة له بها، أي تظهر كمادة.
فبالنسبة لكل الأديان (التي تتحدث حول هذا الأمر):
الروح من طبيعة لامادية في الكائن البشريّ، هي جانب لا يمكن إنهاءه.
كذلك، تشترك العقائد بصيغة فهم الروح التي يطمح الجميع لامتلاكها، لا عبر فرضية بسيطة، بل من خلال المعرفة، هي سمة خاصة من سمات الدوغمائيّة، وتتمثل بتأكيد حقيقة أو وجود شيء لا يمكن التحقق من وجوده ولا يمكن اختباره.
بالنسبة لغالبية القادة الدينيين، لا يمكن للعلم قول أيّ شيء يطال الروح.
لكن، دون أدنى شكّ، الجانب الأكثر اشتراكاً بين جميع العقائد، هو:
التأكيد على خلود الروح قياسا بالوجود الأرضي الزائل، حيث تبدو الروح بالنسبة للجميع غير قابلة للتلف.
الإيمان بخلود الروح، برأيي، هو القطب الأهم الذي ما يزال يحافظ على إستمرارية الأديان.
ضمن الكاتوليكية، التي أسوقها كمثال عمّا أرغب بالتعبير عنه، ولأنها الفرع المسيحي الذي أعرفه عن قرب ويضم بصفوفه أكبر عدد من المؤمنين المسيحيين في العالم اليوم:
لا يؤمن كل الكاتوليك بكثير من عقائد الكنيسة، مثل عقيدة استحالة الشكلين، التي سنتحدث عنها لاحقاً، أو عقيدة عصمة البابوية أو وجود الملائكة.
مع ذلك، يؤمنوا جميعاً بصيغة أخرى للبقاء على قيد الحياة بعد الموت، تعبر هذه الفكرة عن طاقة، عن شيء لا أعرف ما الذي سيقولونه عنها، بالنهاية ستصمد الروح وتستمر بعد فناء الجسد.
وفق ما أفهمه، وكملحد يفترض أن الإنسان يُولَدْ كصفحة بيضاء، لا يرفض فقط الكثير من العقائد التي قد لا يرضى مؤمنون بها عنها، بل يتجرأ على مساءلة وتحليل خلود الروح كذلك، كما أنه يقبل بأنه بعد موته لن يتبقى شيئاً منه. سيبدو على ما كانه قبل ولادته، أي لا شيء. وليس هناك إصدارات عديدة للاشيء، كما عبّر الكاتب الروماني إينيوس:
"ترغب بمعرفة أين سترقد بعد موتك؟ في المكان الذي سيرقد فيه أولئك الذين لم يولدوا بعد".
كذلك، أحاول عقلنة الأمور دون عواطف - إن يكن هذا ممكناً - حيث لا يبدو الموت، في الواقع، أمراً سيئاً.
يمكن أن تشكل حادثة الموت أمراً مؤلماً، لكن، الموت ليس هكذا بذاته.
ليس منطقياً إعتبار عدم وجود الشخص كأمر سيء، لأنّ واقع أن شيئاً يبدو لنا سيئاً - أو حسناً - يفترض حضور ووعي مسبق.
حيث يقوم الموت، بدقة، على إلغاء الأمرين:
الوجود، ومعه، الوعي.
لا يملك الإحساس بقلق مفرط من حالة لم يختبرها الواحد منّا أبداً:
الكثير من المعنى.
أرى بأنّ الكاتب الفرنسي أندريه موروا قد بيّن، بشكل رائع، صيغته بتحليل هذه القضيّة، عندما كتب الآتي:
"حسناً، تملك الأديان الحقّ بقولها بخلود الروح، وبالتالي، فنحن لن نموت؛ إن تمت الروح عوضاً عن اللحم، بهذا، لن نعرف بأننا موتى. إذاً تعيش كما لو تكن أبديّ، لأنها هي هكذا فعلاً".
يسرني شخصياً تبني قول ميشيل دي مونتين عن موقفه من الموت:
"وجدتُ نفسي مشغولاً بزراعة الملفوف، فلا أهتم بالملفوف ولا ببستاني ذو الأرض البُورْ".
أو موقف دافيد هيوم الساخر والخالي من القلق.
أو كموقف لوكريتيوس الذي يعتبر بأن التفكير بالموت لا يجب أن يخيفنا، وبذات الطريقة التي لن تخيفنا فيها فكرة العيش قبل الولادة حيث كنا لا شيء.
بهذه الحالة، الصفحة البيضاء التي يحافظ عليها الإلحاد، والتي تحدثت عنها أعلاه:
توفر لنا ما يعرِّفه ميشيل أونفري بوصفه "الحق بالجَرْدْ أو بيان الموجودات"، أي ما يعني الحق باتباع بضع خطوات أكثر بعملية إقصاء عقائد الأسلاف، التي لا تدعمها أدلة.
في نهاية المطاف، لقد وُجِدَ أن المسيحية، كغيرها من الأديان، تحتاج إلى إيمان لا إلى أدلة، وبهذا، هي على خطأ في أشياء كثيرة، بينها على سبيل المثال، موقع كوكبنا في النظام الشمسيّ وحيثياته.
وهنا، من البديهي القول أنّه أليس بالإمكان، كذلك، أن يصبح طرحها حول خلود الروح خاطئاً؟
أليس ممكناً أن ما أسماه اللاهوتيُّون روحاً، ليس سوى مظهر من مظاهر عمل الدماغ؟
وكما عبّر عنه توماس أديسون، حين قال:
"لا يتحمل عقلي تصوُّر شيء مثل الروح. ربما أنا على خطأ وقد يملك الكائن البشريّ روحاً، لكن أنا لا أستطيع الإيمان بها".
تواجدت عقائد خلود الروح - سواء في مكان آخر (الجنة) أو بصيغة أخرى أو في جسد آخر (التجسيد) - دوماً، ودون شكّ، قد صمدت بمرور القرون، لأنها تداعب العواطف ومحببة للإيمان.
نملك كبشر توجهاً كونيّاً صالحاً لأيّ حقبة وبأيّ مكان، بحيث نلوّن اليقين برغباتنا الخاصة!!
"للقلب أسباب، لا يفهمها العقل"، هذه صيغة متغطرسة، عبّر بها اللاهوتيّ الفرنسي جاك بينين بوسويه في خطبه، وقد حققت له الشهرة في فرنسا القرن السابع عشر.
باختصار، نرغب بالإيمان بما ينتج محبب لنا ولا نقبل ما يرهبنا.
لا نرغب بأن نضمحل إلى اللاشيء.
نرغب بأن نظلّ أحياء.
ويعكس هذا الدور بإمتياز:
حضور صور الجِنانْ السماوية الكثيف، وهو ما سنتحدث عنه فيما سيلي.
2.15. هل هناك "جنّة" فعلاً؟
هو أمر جميل، إن يكن هناك جنّة، أليس كذلك؟
نعم، كي نخلد فيها، بعد الموت.
بالضبط.
لكن، لا أعتقد بأنّ أحداً سيبقى على قيد الحياة بعد موت جسده.
مع ذلك، بالنسبة للمؤمنين بالآلهة، كذلك، يعجبهم أن يملك الشخص غير المسيء للآخرين وذو السلوك الحسن مكافأة نهائية، أن تعيش روحه في الجنّة إلى الأبد.
كذلك، يرون بأنّ جعل الأطفال يعتقدون بالجنّة، سيشكّل صيغة تدفعهم إلى السلوك بشكل حسن.
لكن، لا أتفق شخصياً مع هذا الطرح.
فأولاً، لأنه لا يبدو لي حسناً دفع الأطفال للإعتقاد بأشياء ليست صحيحة:
حتى لو حضر حُسن النيّة.
ثانياً، بسبب وجود أشخاص، بكل أسف، ليس لديهم نوايا حسنة ويخدعون أولئك الصغار بدفعهم للإيمان بالذهاب إلى الجنة، إن يقتلون أشخاصاً آخرين مؤمنين بأديان أخرى.
نرى بأنّ عالمنا - الوحيد الذي نعرف، الوحيد الذي تمكنا من اختباره، الوحيد الذي يمكننا التكلم عنه دون اللجوء إلى الخرافة - لا يتمتع بحضور العدل اللازم.
يوجد أشخاص جيدون ويعانون كثيراً، وكذلك، يتسبب أشخاص أشرار بحدوث المعاناة لآخرين.
نتخيل حياة مستقبلية تهديء مخاوفنا المرتبطة بالموت، نحلم، عبرها، بتحقيق العدل.
الرغبة العارمة بوجود مكان متسامي لا يتمكن الأشرار (أرواحهم) من دخوله.
لكن، لا يدعم أيّ دليل منطقيّ وجود هذا المكان.
في موقع محدد من الأناجيل المسيحية، نقرأ:
"2:9 بل كما هو مكتوب ما لم تر عين و لم تسمع اذن و لم يخطر على بال انسان ما اعده الله للذين يحبونه"، رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس.
يتضح معنى هذه الكلمات، وفق فهمي المستقلّ لها، كثمرة للتخيُّل البشريّ، بحيث يمكن لأيّ شخص تصوُّر الجنّة كما يشتهي.
الجنة بالنسبة لي كمُلحِدْ، غير مُلزَمْ بالاعتقاد بأيّ عقيدة دينية:
عبارة عن زَعْمْ أو إفتراض يمكن تحليله كأيّ شيء آخر.
حسناً، ما الذي نمتلكه من مؤشرات صحيحة على هذا المستوى؟
ولا مؤشر.
وكما أعبّر الآن، يبدو رأيي قاسٍ للغاية، حادّ ودوغمائيّ.
ومع هذا، الدوغمائية:
هي العيب، الذي أثور عليه.
لهذا، يسرُّني طرح أية فرضية أخرى مختلفة عن فرضية وجود الجنّة، كي أشرح بوضوح ما أرغب بقوله.
على سبيل المثال، فرضية البلدان التي تشكل الاتحاد الأوروبي الآن، والتي سيبلغ عدد سكانها حوالي 570 مليون نسمة في العام 2040؛ أو فرضية الأطفال المتعرضين لمشاهد عنفية وسيصدر عنهم مستقبلاً مواقف عدوانية؛ أو فرضية العامل المساهم بصورة أكبر في الإصابة بمرض سرطان الثدي وهو العامل الجيني الوراثي.
سنفترض أنه بالنسبة لكل إفتراض من تلك الإفتراضات قد عرض أشخاص بضعة معطيات، بضعة أدلة:
تقودهم إلى طرح تلك الاستنتاجات.
سنفترض، من جانب آخر، حضور أشخاص لديهم إفتراضات معاكسة، كأن يصبح عدد سكان الاتحاد الأوروبي عام 2040 هو 650 مليون نسمة لا 570 مليون نسمة؛ عدم وجود ارتباط بين حضور مشاهد عنفية وامتلاك ميول عدوانية لدى الاطفال؛ كون العامل الأهم بظهور سرطان الثدي ليس وراثي جيني؛ بل هو العادات الغذائية.
وسنفترض بأن أولئك الأشخاص الأخيرين، كي يدافعون عن وجهة نظرهم، يقدمون معطيات وأدلة، كالتالي:
"هذا ما تلقاه نبيُّنا من وحي"؛ أو "يعرف كل العالم هذا الأمر"؛ أو "إيماني مطلق بهذا وهو أمر لا يخضع للمساءلة"؛ أو "هذا ما علمني إياه والديَّ، وهو ما تلقاه من أبويه"؛ أو "إن لا يرى شخص الأمر هكذا، فلأن الشرّ قد طغى عليه"؛ أو "قد أتاني هذا في الحُلُمْ".
سيصبح من غير المعقول أن يقتنع أحد بطروحات المدافعين من الفريق الثاني - على الرغم من معقولية الفرضيات التي تبنوها - المؤسسة على تلك الأسباب والمؤشرات (أو إزاء نقص المؤشرات! في الواقع).
ومع ذلك، تدفع تلك الأدلة القسم الأكبر من البشر إلى الإيمان بفرضية الروح الخالدة وبالسفر إلى الجنّة، أو إلى جسد آخر، بعد الموت.
يوم الخميس 11 آذار / مارس 2004، كان يوماً لا يمكن أن ينساه كل من عايشنا ما حدث فيه عن قرب. فجّر عدّة إرهابيين جهاديين انتحاريين عشرة قنابل في أربعة قطارات في مدريد، حيث سقط حوالي 191 ضحيّة بريئة. كان هناك حوالي 2000 جريح.
كيف يمكن أن يتواجد هكذا أشخاص يقترفون هذا العمل البربريّ؟
تساءلنا كلنا.
حسناً، بين أشياء أخرى، هم يؤمنون بأنهم بهذا العمل، سيدخلون إلى الجنة وسيخلدون فيها، كان السؤال الأكثر وضوح بالنسبة لي، هو كيف يمكن لأحد ما أن يصل ليؤمن بهذا؟
سألت امرأة بصوت عالٍ كانت بقربي.
يبدو لأنهم جعلوه يؤمن بهذا ببساطة.
كيف يمكن لعضو بشهود يهوه أن يرفض التبرع بالدم لكائن قريب حبيب ويتركه يموت؟
لأن عقائده الدينية تدقعه للقيام بهذا الأمر وهي مستقاة من آيات بسفر التكوين تتحدث عن الدم.
كيف يمكن لعضو المورمون أن يؤمن بحرارة بأنّ سبب امتلاك الهنود الأصليين بأميركا للون جلد محمر هو عقاب إلهي؟
كيف يمكن لاحد تأكيد سفر روحه من جسمه لجسم آخر بعد الموت؟
كيف يمكن لأحد الإعتقاد بأنه في مكان ما من السماء، يوجد أب حنون ذو لحية بيضاء أو إله روح نقيّ خالق لكل شيء من اللاشيء ويتابع كل ما يحدث لنا من الأعلى؟
كيف يمكن لأحد ما الإعتقاد بإختفاء ألم الأضراس بمجرد إشعال شمعة لقديس متفاني؟
من جديد، يمكنني الإجابة على كل تلك الأسئلة، بالقول:
لأنهم كرروها، منذ الصغر، عدد كافٍ من المرات.
لا تمارس غالبية المؤمنين بالآلهة هذا النوع من الأعمال الهمجية؛ كان أولئك الذين قاموا بذاك العمل البربري مجموعة من المجرمين القتلة المتطرفين، كما سيقول لنا البعض.
ونتفق معهم.
لا يجب وضع الذنب في العقائد الدينية لأولئك القلائل، الذين يرتكبون تلك الجرائم.
في هذه النقطة، ربما لن أبقى متفقاً معهم، لأنه وفيما لو يكن هذا صحيحاً، فلم يكونوا كلهم، بل كانوا بضعة أفراد، لكن، أولئك القلائل على إيمان بواحدة من تلك السخافات، التي لا يدعمها أيّ منطق، حيث تطبعها الاديان بأذهان الصغار قبل أن يبدأ هؤلاء باستخدام عقولهم، أي عندما نموت، ومتى أتممنا التعاليم الإلهية المفروضة، ستذهب روحنا إلى الجنة.
تغذي هذه الفكرة المتمثلة بخلود الروح بعد الموت:
ذهنية الإرهابي الشهيد.
صحيح بأن هذا العمل ليس شائعاً في يومنا هذا، سيما بأماكن محددة من العالم، أن يقتل أشخاص الآخرين بسبب عقائدهم الدينية فقط.
لكن، المألوف أكثر هو أن يعمل تابعو أيّ دين على التبشير، أي القدرة على ربح مناصرين لقضيتهم والجهاد - ويمكن فهم مصطلح الجهاد بحرفيته لدى كثيرين - ضدّ من يعتقدون بآلهة أخرى، لكي يفرضوا عليهم ما حُفِرَ بأذهانهم على أنه الحقيقة الوحيدة الحصرية.
تعتقد غالبية الأشخاص بالمجد السماويّ، لأنه جرى تعليمهم القيام بهذا منذ الصغر ولأننا جميعاً نرغب بوجوده.
لماذا يُترَكْ هكذا إيمان بشيء مريح لهذه الدرجة، فيما لو يكن بمواجهة النار، أو الحرارة التي يذكرها أجدادنا في القصص التي يحكوها لنا؟
حسناً، جوابي على هذا السؤال، هو:
أنه يتوجب فهم هذه القصص الخيالية بحجمها الحقيقي، ومهما بدت لطيفة ومحببة.
أفضِّل معرفة ما يمكنني القيام به في هذه الحياة الواقعية.
أختار الإستمتاع بالحياة من خلال عيش عواطفي ورغباتي مع الناس التي أحبها بعيداً عن إعتقادات قديمة تقمع هذه المتعة.
أتأمل بأشياء مذهلة في هذا العالم الشاسع وأسجل إعجابي الشديد بها.
يهمني كوكبنا أكثر، بكل كائناته الحية ونحن منها، مقابل قراءة وإعادة قراءة كتب مقدسة لآلاف المرات وبنسخها المختلفة حول الجنة.
أستعير، هنا، كلمات كارل ساغان:
"لا تشكل الحياة سوى لمحة خاطفة من عجائب هذا الكون المدهش. إنه لمُحزن حقاً تكريس الكثيرين لكثير من الوقت، وهم يحلمون بأشباح سماوية".
أعير بعض الأشياء أهمية خاصة، لكن لا أقصد التقاليد ولا العقائد الموروثة غير القابلة للمراجعة والنقد، بل أقصد احترام الآخرين، سيما احترام حيواتهم، المعرفة العلمية، محبة القريب، التعاطف مع المتألمين، اللطافة والفرح على وجه الخصوص.
هي مباديء أتقاسمها مع كثير من الأشخاص الذين يؤمنون بالجنّة - مثل الرغبة بالعيش، البحث عن السعاده، الرغبة في الإنجاب وحماية عائلتي وكثير من الأشياء الأخرى - لكن دون الاشتراك معهم بإيمانهم بالوعود العقيمة بحيوات أخرى بعد الموت. أرى أنه، وبالرغم من عدم وجود أيّة جنّة، فلن يعود جسدي للحياة أبداً، لن تصبح نهايتي سيئة فيما لو بدت حياتي جيدة.
كما تعبر ترنيمة شعرية، بنشيد، قد استمعت إليه منذ وقت طويل في جنَّاز ديني:
"عند ذهابي من هذه الحياة، سيختبرونني بالحبّ".
هذه هي القيم التي أرغب بنقلها لأبنائي، بالإحترام الدائم، كما سأشرح لاحقاً، وفي حقهم بالإختيار المبني على المعلومة.
بالعودة لموضوع هذا الفصل، أرى أنه في أيامنا هذه، لا يؤمن الكثير من الأشخاص بالقسم الأكبر - أو بكل - العقائد الدينية المختلفة. مع ذلك، قد يتابعون الإيمان بصيغة ما بشكل إلوهي ما.
قد لا يتمكن كثيرون من تفادي متابعة الإيمان، بصيغة ما، بالجنّة، على الرغم من تفهمهم أنها ليست على الصورة التي قصُّوها لهم عنها، حين كانوا صغار.
تجعلهم ثقافتهم الراهنة يفهمون أن تلك الصور التي بقيت مطبوعة بأذهانهم من الطفولة - ذقن الأب السماوي البيضاء، ضوء الشمس المخترق للغيوم، الملائكة ذات الأجنحة - لم تكن سوى محاولات تفسير رمزية حاولت نقل المفهوم بسهولة لهم حول الجنة خلال الطفولة. لكن، بذات الوقت، يثقون، بثبات، بوجود نوع ما من هذه الجنّة.
يبدو أن الآلهة، بممالكها الموعودة، تفي بذات الدور القديم بالنسبة للكثيرين. مع ذلك، فيما لو نتحدث عن الجِنانْ، أرى أنه مهما شرحنا فلن نتمكن من إضافة الكثير لما جرى التعبير عنه حتى الآن، وهنا نذكر رأي الفيلسوف الكبير هيوم:
"بأية أدلة يمكن إثبات حضور مكان ما، وجود ما، لم يراه أيّ شخص أبداً؟".
لا يفاجئنا الجواب؛ فهو ذاته من جديد، لا توجد أدلة صالحة، بل يحضر الإيمان الأعمى فقط، الذي لا يحتاج لأية أدلة.
لكن، لا تكمن مشكلة الإيمان الكبرى، بكونه لا يقدم أجوبة واقعية، بل لأنه يضغط علينا:
كي نتوقف عن طرح الأسئلة!
3.15. هل هناك شيء إسمه "جحيم"؟
كلا.
فالجحيم، كما الجنّة، نتاج مخيلتنا فقط.
وبالنسبة لك .. ما الذي قالوه لك عندما كنت صغيراً؟
"نعم، قالوا أنه موجود. هو ذاك المكان الذي يذهب الأشرار بعد الموت إليه".
والسؤال الذي وضعته برسم البالغين بوقت لاحق، هو:
"وأين يتواجد؟".
"لا أحد يعرف!"، هو الجواب، على ما أتذكر، الذي قدموه لي.
لقد انتهيت إلى تخيُّل وجود الجحيم بنقطة ما من الفضاء، لكن، بمكان بعيد جداً عن الجنّة كي لا يحدث خلط بينهما، وبحيث لا يتوجه أحد الخيِّرين إلى الجحيم (ولا أحد الأشرار إلى الجنّة) عن طريق الخطأ!!
يُشير الإيمان بالجحيم، بوصفه مكاناً لعقاب الأشرار، أو بالجنة كمكافأة للأخيار، أو بالروح، أو بالآلهة، أو بكل تلك الأشياء:
إلى مسألة تفضيل، بصورة واعية أو غير واعية، تحدث عن طريق الخداع.
لم أقم بهذا سابقاً، لكن فيما لو يسألني أطفالي عن وجود الجحيم، سيمكنني إجابتهم بالقول:
"نعم، هو موجود. يعاني كثير من الأشخاص من أوضاع جحيمية، يعانون من الظلم وانعدام العدل، حظهم عاثر، وطوال حيواتهم أحياناً، بكل أسف.
نعم يوجد جحيم، بل نعرف أين يقع: هو هنا في الأسفل".
في بداية القرن الرابع عشر، كتب الشاعر الفلورنسي دانتي أليغري "الكوميديا الإلهية"، الذي يُعتبر أحد أهم المؤلفات في تاريخ الأدب.
يصف القسم الأول من الكتاب سفر بطل الرواية إلى الجحيم.
من أين استقى دانتي الصور الحية الجحيمية، طرق التعذيب التي يصفها لنا ولا يمكن تحملها؟
لقد استقاها من هذا العالم الأرضيّ.
لا حاجة لإمتلاك خيال كبير.
توفر الحياة في الأرض، للأسف، عناصر كافية لتصوُّر جحيم مرعب.
يؤكد دانتي ذاته على هذا الأمر:
"عثرت على أصل جحيمي في العالم الذي نعيش به".
سيفكر شخص قد فقد عزيز عليه، ويجانبه الصواب، بأنه لا يوجد ما هو أسوأ من هذا الأمر، لا في هذا العالم، ولا في عوالم مبتكرة.
ما هي الفظائع التي تخيف أكثر؟
أيّة تهديدات تصدر عن مختلف العقائد، هل ستخلق المزيد من الخوف؟
صرير الأسنان؟
الحرق بنار أبدية؟
"الجحيم هو الوجهة، التي سيذهب مرتكبو الخطايا إليها والذين يموتوا قبل الاعتراف"، هذا ما شرحه كبار العائلة لي عندما كنت صغيراً.
للآن، أتذكر الخوف الشديد الذي انتباني من فكرة بسيطة تمثلت بالموت وأنت مرتكب لخطيئة قاتلة دون أن تتمكن من الإعتراف للكاهن بأشياء مثل أنني كنت أقوم من سريري ليلاً وأتسلل لأرى من خلال الباب المفتوح جزئياً برامج تلفزيونية مخصصة للكبار دون أن ينتبه أبواي لهذا الأمر.
أعرف أن هذا لا يُعتبر خطيئة قاتلة بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية، لكن، كيف لطفل صغير أن يستوعب مفاهيم تحمل كل هذا الغموض مثل خطيئة قاتلة أو أصلية.
مع هذا، للآن، لا أفهم جيداً ما الذي شكّل خطيئة، الخوف من الشعور بالألم الناتج عن نار تحرق اللحم، كصورة انطبعت بذهن ذاك الطفل.
لحسن الحظ، في كثير من الحالات، كما حدث في حالتي، عادة ما تنتهي الإعتقادات بالجنة والجحيم الخاصة بكل عقيدة:
إلى نوع من الأوهام الواضحة.
ما هي الخطيئة، إذاً؟
حسناً، على الرغم من الفروقات بين الأديان المختلفة بهذا الصدد، فبالنسبة لها كلها أيّ فعل - أو فكرة حتى - تنتهك قواعدها المسلكية أو أحد مبادئها الأخلاقية.
لماذا يجري خلق عقوبات وهمية، مع العلم بوجود الكثير من الشرور في العالم الواقعيّ؟
يشكّل خلق قائمة طويلة من الخطايا، وما يوافقها من عقوبات، طريقة ممتازة لإنهاء أيّة مقاومة ضدّ السلطات العليا.
بين الفاعلين الإجتماعيين المهيمنين، دوماً، في القبيلة أو البلاد، حضر القادة الدينيون، الذين يدعون إمتلاك إتصال مباشر مع الآلهة، حيث يعظون الآخرين لجعلهم يعتقدون بأنهم يعرفون جيداً ما تعتبره الآلهة خطيئة.
عادةً ما يكونوا أشخاص مهووسين مع ما لا يتوافق مع مفهومهم للفضيلة، حيث يقومون بكثير من الأشياء الحياتية السلبية في غفلة منهم أنفسهم، وما هو أسوأ، في غفلة من الآخرين.
المتزمتون، المتشددون بجميع الأديان، يتمكنون من إقناع أتباعهم باعتبار الكثير من الأشياء كخطايا - الموسيقى، أغنية بسيطة، الرقص، الفنون، أيّ كتاب لا يرضون عنه، التأمل بوجه جميل، القبلات، العلاقات الجنسية الحرة بالتراضي، المعارف التي توفرها لنا العلوم - والتي تجعل الحياة ذات قيمة.
يصفون من لا يتقيد بأخلاقياتهم:
بعديم الأخلاق.
يجعلون ناس طيبة، هم ضحايا لعقائد لاعقلانية محفورة بأذهانهم:
يشعرون بالذنب.
يتمكنون من جعل أبناء أولئك يشعرون بالألم لقيامهم بأعمال أو امتلاك أفكار تتوافق، ببساطة، مع طبيعتنا البشرية.
لا يعجبني المتطرفين بأيّ دين، الذين يعتقدون أنهم يمتلكون حقائق مطلقة، الذين يحاولون زرع عقائدهم الجامدة في أبنائنا.
سأستشهد بميشيل دي مونتين، من جديد، حين قال:
"لا أرغب بأن يُسجَنْ أولئك الأطفال، لا أرغب بأن يتخلوا عن الغضب والإحتجاج من معلم مُتبرِّمْ".
فيما لو يُسيء طفل التصرُّف، فيعاقبه أبواه، بدلاً من حرمانه من اللعب لمدة يوم واحد، بأن يحبسوه بغرفة مظلمة لمدة شهر ويقدموا له الخبز والماء فقط، هل سنعتبرهم أبوين جيدين؟
حسناً، الأب الذي يعتبره المؤمنون به محبة مطلقة، هو بذات الوقت، ذاك الأب الذي يعاقب أبنائه بحبسهم في الجحيم، ليس لمدة شهر واحد، بل إلى الأبد.
يا له من تناقض عجيب!
من الأفضل التهكُّم على هذا الأمر، كما فعل الرومانسي الألماني هاينريش هاينه، حين قال:
"سيغفر لي الله، فهذه هي مهنته!".
بالنسبة للقصص التي رووها لي كي لا أنام حين كنت صغيراً، أُفضِّل ما قاله ماركوس أوريليوس، الفيلسوف الإمبراطور، لنفسه عندما انتبه لأنه قد تصرف بشكل خاطيء:
"لا تيأس، لا تستاء، لا تقرف من نفسك، ففي بعض الأحيان، لا يمكن أن تتصرف، بكل شيء وأي شيء، بما يتوافق مع المباديء المناسبة أكثر".
أن تبدو دوماً كشخص لا يمكن لومه، على مستوى الممارسة، هو أمر مستحيل.
نمتليء كبشر بالنقص، وإرتكاب الأخطاء أمر مألوف.
وإذا رغبنا بمحاسبة أنفسنا، فليكن على أمل التحسن بالمرات القادمة، وليس لأجل تعنيف أنفسنا ولا معاقبة أنفسنا.
بما هو معاكس، يمكن أن يصل ليحدث لنا مثل ما حدث مع الكاتب فريدريك ميتران، الذي كتب في كتاب سيرته الذاتية بعنوان "الحياة السيئة" هذه الأفكار المؤلمة:
"لن أعرف أبداً لماذا كرهتُ نفسي كثيراً، ولا لماذا كان ينقصني أن أعثر على نفسي على أبواب الشيخوخة، حيث كان قد تأخر الوقت كثيراً، كي أنتبه أنّ كرهي لنفسي، قد كان خطأ".
لم أكن أرغب بأنّ تصرف الأديان ومحظوراتها نظر أبنائي عن الحياة الوحيدة التي يمتلكوها.
يسرني أن ما سيبحثون عنه ليس حياة أبدية وهمية، بل حيوية خالدة وفرح في هذا العالم، العالم الوحيد الذي بين أيدينا.
لكن، بأيّ حال، تلك هي حيواتهم، وحين يصلون لعمر البلوغ:
يقررون الإيمان بالجنة والجحيم أو لا.
كي أواجه هذا الخوف الموروث من الأسلاف، أُفضِّلْ رؤية الأشياء مثلما فعل جوستاف فلوبير، الذي قال عن نفسه:
"لا أمتلك قيماً، لكن، أتصرف كما لو أنني أمتلكها، لأنّ الأمر سيّان في العمق".
قبل قبول أيّة شخصية أو مكان أسطوري، قد ابتكرتها مخيلتنا البشرية، أطبق شخصياً الكلمات التالية للفيلسوف النمساوي لودفيج فيتغنشتاين:
"فيما لو نفهم من مصطلح الخلود، ليس بوصفه فترة لا محددة، بل بوصفه حالة لا زمانية، بالتالي، من يعش في الحاضر فهو يمتلك الحياة الأبدية".
يسرني إنهاء هذا الفصل مع القليل من السخرية.
يذكر العامل بمجال الدعاية بول أردن، في كتابه المعنون "الله، مفسراً من خلال مسار سيارة أجرة"، بأنه يقوم بما يسميه "تأمل يوم الأحد"، والذي يبدو لي مناسباً جداً بهذه المناسبة وبعد ما قلناه أعلاه، كما فعلنا، مع الخطايا:
"الأبقار مقدسة لدى الهندوس؛ يتناول الأنغليكان اللحم البقري المشوي، يوم الأحد عادة. تكافيء الخطيئة بالنسبة للبعض المتعة لدى البعض الآخر!".
4.15. روح أم طاقة؟
أحد الأيام، إستيقظتُ على صوت رسالة من صديق بموقع تويتر، تقول:
الخط الفاصل بين "الروح" و"الطاقة" رفيع جداً لدرجة إعتبارهما مُترادفين في عقلي وفي ممارستي.
إعتبرتُ، من اللحظة الأولى، بأنّ شيئاً ما غير مُريح في هذا الطرح، بل قد أعتبر ما أورده الصديق "خطأً".
لم أرغب بقول شيء، لكن، تذكرتُ بأنني في عدد من المرّات لم أكن مُتأكداً فيما لو أنني تعاملتُ مع روح أو مع طاقة متبقية.
بإحدى المرّات، بينما كنت أنظف المنزل وقد واجهتني صعوبة بالغة، وبمرّة أخرى، عندما عبَّرَ بعض الأشخاص عن أنهم بحالة "عطالة كاملة (بالعاميّة المشرقيّة: مطفي طفي!)".
بالطبع، ليس الأمر مجرّد "خطأ" فحسب، بل ردّي على هذه الطروحات والخبرات هو:
أرى الروح والطاقة كشيئين مختلفين للغاية، وهو ما يصعب علينا تمييزه (أو الإقرار به) بكثير من الأحيان.
أحتاج إلى المزيد من التأمُّل حول هذا الموضوع.
تمشيتُ لمسافة طويلة وفكَّرتُ كثيراً، وكلما فكَّرت أكثر، كلما تعمقتُ في الوضع أكثر.
ومثلما قمتُ بهذا الأمر، هناك أشخاص يقومون به. وإليكم الأفكار التي توصلتُ إليها:
للطاقة تعريف علمي دقيق
يصنع العلمُ الرديءُ الدينَ الرديءَ والروحانيّةَ الرديئةَ والسحر الرديء.
عندما تسمع أيّ شخص يقول تُثبِتُ "فيزياء الكمّ (الكوانتية)" هذا أو ذاك، بإستثناء كونه أخصائي فيزيائي ويتحدث ضمن هذا الحقل، فتأكَّد بأنّ هذا الإثبات لا وجود له، أولاً، ولا يعرف كثيراً حول هذا الحقل العلميّ ثانياً.
التعريف العلمي الدقيق للطاقة، هو:
القدرة على القيام بعمل ما.
وحدة قياس الطاقة هي الجول، الذي يعادل قوة نيوتن متحركة لمسافة متر – يُعبَّرُ عن الطاقة كقوّة مضروبة بالمسافة.
عندما نستخدم مُصطلح "الطاقة" في سياق روحاني أو سحري، فنحن نلعب على وتر "القدرة على تحقيق عمل ما" بوضوح شديد.
فهل نتحدث عن نوع طاقة لم يكتشفه العلم بعد، أو نستعمل مُصطلح "طاقة" مجازاً حول شيء ما ليس طاقة، لكن، يسلك بشكل شبيه؟
كمهندس مُتمرِّس علمياً، هو سؤال هامّ.
أما على مستوى مُستخدم السحر، فهو غير هام كثيراً.
بإمكاني رفع منسوب الطاقة والإحساس بوجودها وتوجيهها نحو هدف معين مباشرة بالإضافة إلى ملاحظة نتائج كل هذه العملية.
لا أحتاج لمعرفة كيفية عملها لأتمكن من إستعمالها، تماماً كعدم حاجتي لفهم آلية عمل مُحرِّك السيّارة لكي أتمكن من قيادتها.
تتجلى القضيّة المركزية بأنّه بينما يمكننا تعريف أو تحديد الطاقة الكيميائية والكهربائية والحركية وغيرها من أنواع الطاقة الأخرى بوضوح، لا يمكننا تعريف أو تحديد الطاقة الروحانية أو الروحية ولا الطاقة السحرية.
ودون حضور تعريف واضح، يصعب القول أين هو الحدّ الفاصل بين "الطاقة" و"غير الطاقة".
فكرة السحر بوصفه طاقة: هي فكرة حديثة نسبياً
بمراجعة الكتابات اليونانية السحرية أو أيّة كتابات طالت السحر الأسود خلال القرون الوسطى:
فلن نجد أيّة وصفة خاصة بزيادة الطاقة. عوضاً عنها، نجد وصفات إستحضار أرواح وإجبارها على فعل ما يُريد مُستحضِرها.
كُتِبَت هذه الأشياء في حقبة، قد جرت جميع الأعمال بإستخدام قوّة العضلات خلالها، سواء كانت قوّة عضلات الشخص أو عضلات الحيوان أو عضلات الرقيق المُجبرين على أداء العمل.
لم يظهر مُصطلح "طاقة" في نقاش السحر والأرواح إلا إعتباراً من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بعدما زرعت إبتكارات حديثة مثل أجهزة إرسال البرقيات والهواتف والإنارة والمذياع فكرة الطاقة في الثقافة العامة.
على مدار الكثير من الأعوام، ناقشتُ هذا الموضوع وإعتمدتُ بعض الحُجج.
أعرف ناساً – بعضهم أفضل مني في السحر – ممن يقولون "لا سحر دون أرواح".
لكن، لا يعني القديم، دوماً، أنّه هو الأفضل.
هو ليس هكذا لا في الطب ولا في الهندسة ولا حتّى في الأخلاق والقانون (بقسمها الأعظم).
كذلك، قد يصبح الأحدث على مستوى الدين والسحر الأفضل، حتى لو بقيت "الطرق القديمة" ذات قيمة.
هل تُشكِّلُ "الطاقة" التي نتحكم بها ما يجعلنا نحس بحضور الأرواح؟
ربما. لكن، لا يُفسِّرُ هذا أعمال السحر التي تعكس إرادة الساحر.
ما أزال أفكِّرُ بأنّ السحر يمكن تفسيره عبر نظرية ثلاثية الأجزاء:
جزء الأرواح، جزء الطاقة، وجزء البرمجة النفسية.
تتضمن الأعمال السحرية – ربما غالبيتها العظمى – الأجزاء الثلاثة.
لكن، لا يعني هذا بأنّ كل الأجزاء تُمثِّل ذات الشيء.
الأرواح أشخاص
تمثَّلَ رد فعلي الأولي على نص التويت سالف الذكر بقولي:
"الأرواح عبارة عن أشخاص لديهم إدراك أو وعي؛ الطاقة ليست كذلك".
من البديهي – بالنسبة لغالبيتنا، على الأقلّ – بأنّ الأرواح عبارة عن أشخاص. هم أفراد، ولو أنهم يعملون بشكل جماعي أحياناً. بعضهم من البشر الأحياء عادة. عندما ماتت جدتك لم تفقد صفتها كشخص – إنتقلت من كائن بشريّ إلى روح سلف.
نحن نتحدث للأرواح كأشخاص. إن نتمتع بالقوة والسلطة، يمكننا إجبارها على القيام بشيء ما لأجلنا. إذا كان لدينا شيء للتجارة، يمكننا التفاوض معها. بشكل رئيسيّ – وكما هو الحال مع أسلافنا – بإمكاننا عقد علاقات معها والحفاظ عليها.
الطاقة هي طاقة فقط – ليس بإمكانك التفاوض مع الطاقة الكهربائية
أرى بأنّ هذا هو أحد الأسباب التي تدفع كثيرين – ليسوا جميعاً وثنيين – للإعجاب بفكرة العمل مع الطاقة، أي بخلاف العمل مع الآلهة والأرواح. إن لا تتمتع بالوعي وليست بشخص، بالتالي، لا يمكننا إقامة علاقات معها. هي هنا لكي نستخدمها ونخزنها ونتهكم منها في مقاصدنا. يمكننا أخذها دون الإلزام بتقديم شيء بالمقابل. إن نقم بهذا الأمر، فنحن ندين "لمالك" الطاقة، سواء كانت الأرض أو الشمس أو الكون ذاته.
أوليس كذلك؟
الطاقة في نظرة إحيائية للعالم
الإحيائية أو الأرواحيّة هي أساس ممارستي الروحانية. هي الفكرة التي تعتبر بأنّ كل شيء ليس شيئاً بل شخصاً، يمكن التواصل والتفاعل معه كشخص. ربما هذا أفضل ما كتبته لما فهمته حول الإحيائية أو الأرواحيّة، التي تقول بأنّه ليس لدينا أرواح، بل نحن أرواح لها أجساد، الآن على الأقل.
من السهل الإعتراف بكون القطط والكلاب عبارة عن أشخاص. فإن يكونوا أشخاصاً، فإنّ الطيور والأرانب والسناجب عبارة عن أشخاص. يبدو الإعتراف بكون الأشجار عبارة عن أشخاص أكثر صعوبة، لكن، بالنسبة لنا محبي الأشجار والمتحدثين معها ولديهم علاقات معها فقادرين على إعتبارها أشخاصاً. الشجرة – الشخص أكثر إختلافاً عن الإنسان – الشخص من القطّ – الشخص، لكن، تبقى الشجرة شخصاً.
بالوصول إلى هذه النقطة، ليس صعباً فهم أنّ الأنهار والمحيطات والرياح والأمطار عبارة عن أشخاص أيضاً.
فهي تعمل أشياءها لأجل أسبابها الخاصة.
هل إعتبار الطاقة الكهربائية كشخص هو قفزة كبرى؟
هل تمتلك الطاقة مزايا مختلفة عمّا تمتلك روحها؟
متى يتوقف إعتبار الطاقة الحركية كجزء من الريح – الشخص ليبدأ إعتبارها كطاقة – شخص؟
كيف يمكن رسم تلك الخطوط في الكون، حيث يبدو كل شيء فردياً ومتصلاً بذات الوقت؟
لا أملك إجابات واضحة على هذه الأسئلة.
لا أعلم إن يكن هناك جواب واضح عليها.
أعرف أنّ ردي على تويت الصديق بدا تبسيطياً للغاية.
هل هي روح أم طاقة؟
ما يزال سؤال ذو معنى. حتى في حال عدم تمكننا من تحديد الفارق بقيم مطلقة، فهناك فارق عمليّ بين الروح التي تمكن المساومة حولها وهو ما لا يمكن تطبيقه على الطاقة.
هذا هو منهجي الأساسيّ للتوصل لمعرفة أنّ شيئاً ما حاضراً عبارة عن روح أو طاقة – هل تستجيب للمحادثة وللعروض وللتفاوض، وعند الضرورة، للتهديدات؟
إن يحدث هذا الأمر، فأعتبر بأنها عبارة عن شخص وأتعامل معها على هذا الأساس.
إن لا يحدث هذا الأمر، أعتبر أنها طاقة.
إنه ليس إختباراً قاطعاً جازماً، لكن، يمكن إعتباره نقطة إنطلاق صالحة.
في أيِّ حال، نتمتع بالحكمة إن نتعامل مع الطاقة بذات الإحترام الذي نُعامل الأشخاص به .. حتى لو كان نوع الإحترام كالذي نُبديه تجاه أسماك القرش – الأشخاص لدى سباحتنا في المحيط.
بالتالي، هل تُعتبر الطاقة والأرواح ذات الشيء؟
هل للطاقة روح؟
أو هل الطاقة عبارة عن روح؟
لا أعرف، وربما لن أعرف أبداً.
لكن، بالتأمل بهذه الأسئلة، أعود إلى فكرة أننا نعيش بكون إحيائيّ (دوماً شيء يستحق التنويه في ثقافة مبشرة بالمادية وتتحدث عن "مادة غير مفكرة")، ويساعدني هذا على تذكُّر أنّ رؤية أيّ شيء كشخص لا كشيء هو وسيلة أو طريقة ممتازة للعيش.
5.15. حول مريم العدرا وجنس الروح
مريم العدرا لا العذراء
ܒܬܘܠܬܐ كلمة آرامية تعني البتولة؛ وفي العربية، نجد كلمة البتول لوصف مريم العدرا؛ لفظة "العدرا" سريانية وليست عربية وتعني في لغة الكنيسة السريانية:
المُساعِدة ويُصبحُ تعبير "مريم العدرا" = "مريم المُساعِدة"! ويعود أصل كلمة عدرا للفعل ܥܕܪ الآرامي الذي يعني ساعد.
اسم إيلعازر = الإله إيل يساعد.
من كرَّسَ اسم "مريم العذراء" هو المجمع المسكوني الثالث المنعقد في أفسس العام 431 أو تسمية "ثيوتيكوس" وتعني "والدة الإله أو التي حملت بالإله المتجسد". وعندما حملت مريم بيسوع كانت بعمر 12 عام فيما كان عمر خطيبها يوسف النجار 90 عام وقتها!
هناك من يعتبر بأن مريم بقيت عذراء حتى بعد وضع يسوع، علماً بأنها قد حبلت من يوسف بوقت لاحق وجلبت أخوة ليسوع. وصل الأمر بالبابا يونيفيس الثامن إلى نكران بتولية مريم!
هناك خلاف حول وجود إخوة ليسوع وأن المقصود هو أقارب لا إخوة.
هل الروح لفظ مذكر أو مؤنث؟
لنتحدث عن "جنس" الروح لناحية الذكورة والأنوثة.
فقد تعودنا جميعاً على اعتبار الروح "لفظاً مؤنثاً"، أي على مستوى المخيال الشعبي، وأبسط دليل على هذا الامر، هو تعبير: طلعت روح فلان / ة ولا يُقال: طلع روح فلان/ة.
هل نتفق على هذا؟
لقد دفعنا الدكتور جواد علي - في الجزء السادس من مؤلفه الرائد "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام – والذي يتحدث عن آلهة العرب قبل الإسلام" إلى البحث عن جنس الروح؛ حيث أورد الآتي:
و(الروح) في تعريف علماء اللغة ما به حياة الأنفس، والذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة. وذهب بعضهم إلى أن الروح والنفس واحد، غير أن الروح مذكر والنفس مؤنثة (بحسب تاج العروس 2/147). وقال بعض آخر الروح هو الذي به الحياة، والنفس هي التي بها العقل، فإذا نام النائم قبضت نفسه، ولم يقبض روحه، ولا يقبض الروح إلا عند الموت. وذكر بعض العلماء: لكل إنسان نفسان: إحداهما نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، فلا يعقل بها، والاخرى نفس الحياة، وإذا زالت زال معها النَفَس، والنائم يتنفس. وفي معنى (الروح)، هي (النسيم).
ص 135
لكن، بعد تحقيق المزيد من البحث حول الموضوع، تبين وجود آراء أخرى مختلفة متعددة، منها:
الروح مذكر أم مؤنث
نصَّ بعض العلماء على تذكير لفظ الروح ما لم يدل على معنى النَّفْس التي يحيا بها البدنُ، وفي ذلك يقول ابن التستري (ت361) في كتابه المذكر والمؤنث": الرُّوح: مذكر … فإن رأيته مؤنثًا فإنما يعني به النفس؛ كما يقولون: حلبت بعيري، يعني به ناقته ". وذكر آخرون، ومنهم ابن سيده في المخصص، أن الروح يُذكَّر ويؤنث وأن تأنيثه على معنى النفس. وقال ابن منظور في لسان العرب: "الرُّوحُ: النَّفْسُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَالْجَمْعُ الأَرواح،… قَالَ أَبو بَكْرٍ بنُ الأَنْباريِّ: الرُّوحُ والنَّفْسُ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَن الرُّوحَ مُذَكَّرٌ وَالنَّفْسَ مُؤَنَّثَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ". غير أن ما نُقِل عن ابن الأنباري ليس موجودًا في كتابه المذكر والمؤنث، وإنما المنصوص عليه في كتابه أن "النفس إذا أُريد بها الروحُ فهي مؤنثةٌ لا غيرُ". وَنقل الأَزهريّ عَن ابْن الأَعرابيّ أنه يُقال: خَرَجَ رُوحُه، والرُّوح مُذكَّر. وذكر السُّهَيْلي في كتابه الرَّوْض الأُنُف أن تأنيث الروح على معنَى النَّفْس، وهي لُغَة مشهورةٌ معروفةٌ.
ومما تقدم يبدو جواز الوجهين: التذكير والتأنيث للفظة (الروح) المحمولة على معنى النَّفْس التي يحيا بها البدنُ، فيقال: الرُّوْح الطيِّب أو الطيِّبة، وإن كان التأنيثُ عندي مُقدَّمًا على التذكير.
واللهُ أعلم!
اللجنة المعنية بالفتوى: المجيب: أ.د. أحمد البحبح
أستاذ اللغويات المشارك بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة عدن
الأَزهري عن ابن الأَعرابي
قال: يقال خرج رُوحُه، والرُّوحُ مذكر.
إذا أطلقت على اسم الملك ( جبريل عليه السلام ) فهي كلمة مذكرة
أما إن أطلقت على الروح التي تسكن الجسد فهي مؤنث والله أعلم
في موضوع: حقيقة الإنسان ليست مذكراً ولا مؤنثاً
بموقع النجف
2 ـ الله تعالى أسند في القرآن الكريم التعليم والتربية إلى الروح ، والروح ليست مذكراً ولا مؤنثاً .
وهناك رأي لغوي في محيط المحيط أن كلمة نفس مذكر ومؤنث في نفس الوقت فكلمة نفس المذكرة تعني الإنسان كاملاً جسداً وروحاً أما نفس المؤنثة فهي الروح وزبدة القول هي أن النفس لم يعرف لها تعريف دقيق ما هي ولا أين توجد لا يوجد يقين عنها ولكن أرجح الظن أنها اتصال بين الجسد والروح.
الملائكة لا هم مذكر ولا مؤنث، فالذي يسلك طريق الملك لا هو مذكر ولا مؤنث، والإنسان هو الذي يسير في طريق الملائكة والإنسان لا هو رجل ولا امراة، لأن إنسانية الإنسان هي بروحه. والروح منزهة عن الذكورة ومبرئة من الأنوثة.
وأما النفسُ، فإن أريد بها: الرُّوح، فمؤنثة لا غير؛ قال تعالى: ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [الزمر: 6]، وإن أريد بها: الإنسان نفسه فمذكر، وجمعه: أنفس على معنى: أشخاص، تقول: ثلاث أنفس وثلاثة أنفس.
المعلومات أعلاه منقولة من مصادر عديدة كثيرة
أخيراً، برأيي المتواضع، من الأفضل أن يكون اسم مريم العدرا أي مريم المساعدة وليست العذراء: لأنّ التشديد على عذرية مريم قد حول غشاء لا قيمة له إلى قضيّة مركزية في حياة الأنثى وما له من تداعيات خطيرة عليها على مدار التاريخ وحتى اللحظة. من يعرف، ربما وُلِدَت مريم دون غشاء بكارة أصلاً؟ ومن ثمّ بعد ولادة طفلها، إن كان لديها غشاء بكارة، فقد ذهب أدراج الرياح إلا إذا كان من النوع المطاطي! وهكذا تُمطُّ القصص الدينية!
الروح؛ لفظ مؤنث؛ لفظ مذكر؛ لفظ متسامي على الذكورة والأنوثة .. ليأخذ كلّ شخص ما يُناسبهُ!
أما أسماء الملائكة اللامذكرة واللامؤنثة: هل هناك فتاة اسمها جبرائيل أو ميخائيل أو ميكائيل؟ أليس جميعهم من الذكور؟ ألا يتم اعتبار الملاك جبريل الذي هبط على مريم ومن ثم على محمد ذكراً؟!
إن تكن قضايا دينية مركزية: لغوية في الجوهر .. فإلى مزيد من الحيرة (أو الكُفْر) سِرْ!
تبلبلت الألسن ولم يتبلبل الإيمان!
6.15. ما هي الروح؟ قُلْ عِلْمُهَا عِنْدَ مَارِيسَا؟!!
رسالة حول الروح بقلم ماريا لويسا ألبا بوستوس
مرحبا آغنيس، أنا ماريا
عزيزي آغنيس، منذ عدة أيام وبينما أقوم بتوديعك، بقي هناك سؤال معلق في الهواء.
الروح، ما هي الروح، سألت، هل تتذكر؟ لم يكن لديّ وقت لمحاولة الإجابة وقتها، لذلك أكتب لك هذه الرسالة، لأقول لك أفكاري حول الروح.
اعذرني إن أقم بتبيان الكثير من التشكيك حول وجودها، لكن، يبدو لي بأن الروح واحدة من الأكاذيب التي لا حدَّ لها، والتي قد إبتكرها الإنسان في مراحل جهله.
إمتطت فكرة الروح كل أشكال العقائد.
لا أرى بأنها كذبة مقصودة، بل ربما محاولة تفسير لظواهر رافقتنا ولم نفهمها بذاك الزمن، فأُطلِقَ تسمية روح على هذا المجموع من الظواهر.
الجسد الفيزيائي سهل على الرؤية، ملموس ومُدرك.
لكن، هناك سلسلة من الظواهر الغريبة والتي لم تكن سهلة على الفهم، مثل الأفكار والمشاعر والعقل والحَدْسْ والتخيُّلْ.
كذلك، لدينا سلسلة من المؤهلات، التي ميَّزتنا عن باقي الأنواع ومنحتنا شعوراً بالغرور والتفوق عليها. شكّل هذا الشعور بالفوقية السبب الذي حملنا للتزود بالروح.
لا لم يلائمنا ولم نهتم لإعتبارنا حيوانات وفق البحث التطوري العلميّ. ليس كافياً لغرورنا كبشر، لقد إحتجنا لشيء يبرر سيطرتنا على باقي الأنواع، شيء لا يجعلنا متميزين فقط، بل أيضاً فوقيين.
فخلقنا بخيالنا الواسع الروح.
أيضاً، قد تخيّل أحد ما فكرة خلودها، حيث خرجت من بين يدي الله، وعادت ليديه بعد الموت. لم يكن يهمنا، ولا يهمنا، التفكير بأنه عند موتنا نختفي بتحلُّل مثير للإشمئزاز كبقيّة الحيوانات، ولا تختلف بقايانا عن بقايا الكائنات الحية.
فيما تخيّل آخرون بأنها تتقمص، حيث عاشت الروح بتتابع تجسُّدي، وإستخدمت أجساداً مختلفة للوصول لحياة كاملة، وتتحرر، عندها، من التجسُّد ثانية.
هناك إختلافات كثيرة في إستعمال ما يطلقون عليه روح.
المُحزن في الأمر، هو تقييد الكثير من تلك الإستعمالات لنا.
لا تخدمنا روحنا الخالدة؛ بل تخدم من يغرسون بأذهاننا عقائدهم ويتحكمون بنا.
شعرت المجموعات البشرية، التي إشتركت بنفس العقائد، بالتضامن وبالقوة وبالنفوذ.
هو درب للسيطرة وإخضاع ليس فقط الحيوانات، بل أيضاً مجموعات بشرية أخرى، جرى سلبها أراضيها، إخضاعها، إجبارها على القيام بعمل لا يستطيع أحد عمله.
نحتاج إلى الشعور بالإنتماء للجماعه، بحيث تُصبح أفكارنا مقبولة، مشتركة ومحترمة من قبل الآخرين. وإن لم يحدث هذا، يمكن أن تُفرَضْ بالقوة، على الدوام.
من السهل عدم الوثوق بأفكار بشر، لكن، من الصعب تحدي هذه الأفكار، عندما يقول البشر بأنهم يتكلمون بإسم الله أو بإسم الآلهة.
إعتباراً من هنا، من السهل إقصاء وإخضاع من يتجرأ على تحدي سلطة تلك الآلهة. إنك لن تتحدى لا أفكارنا، ولا سلطتنا، بل ستتحدى سلطة الآلهة أو سلطة الله.
سيصير الإقصاء مؤكداً وعاماً من قبل كل المؤمنين بنفس العقيده. إن من يغادر عقيدة ما، سيفقد الروح، يفقد أغلى ما يمتلك، يفقد الخاصية البشرية، لذلك، ميّزتنا (ميَّزَنا) الروح عن باقي الحيوانات ونحن مثلها بلا روح.
ولو أنه هكذا، آغنيس، فلم يكن سهلاً وضع نظام للإعتقادات وللأرواح، حيث يمتلك كل فريق، كل قبيلة، كل شعب خصوصياته، ويتعاون قادته عند الضرورة ووفق مصالحهم، لإرسال مجموعته أو شعبه للمعركة وللحرب، لتوسيع رقعة أراضيهم، للغزو والنصر على الأعداء أتباع الآلهة المختلفة، ممن لديهم روح مختلفة أو مختلف!
هنا، يظهر يا آغنيس:
أن إمتلاك روح مختلفة = عدم إمتلاك روح.
الشيء الوحيد الذي يزود الانسان بروح حقيقية هو أن يعتقد الآخر بما نعتقد به نحن.
فكل الأرواح الأخرى والإعتقادات الأخرى مزيفة.
من خلال الصراعات التي خبرها نوعنا خلال تاريخه قد بقي على قيد الحياة القليل من الآلهة، بالواقع يُصرّح عدد قليل من البشر بإعتبارهم الناطقين باسم الآلهة، واقعياً، ليسوا أكثر من الأفكار التي يمتلكها بعض الأشخاص حول مفهوم الخير والشر، أفكار لمن يسمونهم آلهة، والآلهة ليست شيئاً آخراً غير أدوات مسؤولة عن تشغيل أرواحنا وضمائرنا.
بهذه الطريقة، روحنا، التي بداية قد إستُخدِمَت لجعلنا متميزين عن باقي الأنواع، تُستخدم بالنهاية لإخضاعنا والتحكم بنا.
وكلما زاد عدد الأتباع، تصير المجموعه أفضل يا آغنيس، يضمن هذا لنا الإدعاء بأننا لسنا مخطئين. إن يعتقد الأشخاص الأذكياء بهذا في المجموعه، فلسنا خطأة. لا شيء يهم، مع معرفتنا لأن الواقع يكذبه مرة تلو أخرى، لا شيء يهم، بأنه كل الأيام، نعيش تجارب تقول لنا بأن هذه المعتقدات ليست حقيقة، ولا تمتلك بارقة أمل.
من الأفضل الإعتقاد بأن هذا الفرح، والذي لا نعيشه هنا في الأرض، سيحضر عبر تعويض كبير بعد الموت. إسعاد أحد، لم يقم من الموت أبداً، لتكذيب معتقداته.
وربما قد تتساءل أين تقيم الروح البشرية؟
والجواب سيكون نفس جوابي، ربما، في الدماغ (المخ).
اليوم، لدينا قليل من الشكوك حول حضور كل هذا الخلط للظواهر، التي تميزنا كبشر، في دماغنا.
ومما صُنِعَ دماغنا آغنيس؟
من المادة، من نفس الذرات، نفس العناصر، من ذات المادة المُركِّبة لباقي الكون. ذات المادة المنظمة بصيغة مختلفة، منظمة ببنيات محددة وبنسب تسمح لكل تلك السلسلة من الظواهر بالتواجد أو الحضور.
خُلِقَتْ تلك المادة من إنفجارات مروعه في أجزاء أخرى من الكون، مجرات وأنجم، في دماغي، في دماغك:
تُولَدُ أفكار، خواطر ومشاعر.
ليست سوى صفات للمادة وتظهر لنا غير مادية.
أنا واثقة آغنيس بأنك لو كنت هنا ستسألني بأن ما أريد قوله هو: أن الأفكار، المشاعر ... بالنهاية، حتى الروح، ليست أكثر من تجليات للمادة؟
نعم، آغنيس، هكذا أعتبرها.
إن تكوَّنَ دماغنا من مادة ولا شيء أكثر من المادة، ما هو الشيء الآخر الذي ممكن أن يحضر؟
لكن، ربما، يا آغنيس:
لا يهمنا هذا التفكير، يدفعنا هذا التفكير إلى إنهاء الشعوذة، إنهاء التفكير بخالقين فوقيين يقولون لنا ما هو خير وما هو شر، ربما يدفعنا التفكير هكذا إلى البحث من جديد عن الحقيقة بلا دليل أبعد من معرفتنا. ربما يهمنا أكثر الإعتقاد بما يقوله الآخرون، لا يهم إن يكن صحيحاً أو مزيفاً، ربما سنعرف بأنه إن لم يخدعنا بعضهم، قد يخدعنا غيرهم، وبترك خداعهم لنا:
الأفضل الإعتقاد بتحدرنا من الله على الإعتقاد بتحدرنا من القرد!!
وبالنهاية، إن كنا سنصل للخلاصة التي تعتبر بأن الروح الخالدة غير موجودة سنخسر الجائزة الكبرى للحياة الخالدة، إن نفكر بأن روحنا ستموت في الوقت الذي يموت فيه جسدنا، ربما لن نجد معنى له في الحياة.
ربما، لهذا، تُفضِّلُ أغلب الناس الإعتقاد بإمتلاكها للروح، روح خالدة، وأن الله الجيد والخالد كروحنا سينشغل بها عند موتنا. لا يهم إن كانت كذبة، لا يهم إن كانت غير منطقية، المهم بقاء الأمل فقط، ونحن لا نحب خسارته.
إلى اللقاء آغنيس، ها أنت تعرف بأنها غير موجوده، وعلى إعتبار أنّك خطرت على بالي، فقد كتبت لك هذه الرسالة.
ماريسا
7.15. ما الذي يحدث للروح، عندما تفقد الهويّة؟
في هذه اللحظات النادرة، التي أفكّر بموتي خلالها، فالقضيّة الرئيسية، التي تعنيني هي:
الصيغة، التي سيُتلف دماغي وفقها.
تبيّن لنا الأمراض العصبيّة وجود طرق عديدة "لمغادرة السفينة (الحياة)"، قبل موت الدماغ.
الزهايمر وفقدان الذاكرة والعُته، بعضاً منها.
لا يبقى المرضى، لدى تدهور صحتهم، هم ذاتهم بعد حدوث هذا التدهور، حيث يسلبهم المرض هويتهم؛ واعتباراً من هذه اللحظة، برأيي المُتواضع، يُخيِّمُ الموت.
ففيما لو تنسى مَنْ كُنْتَ بشكل دائم، ستتحول إلى شخص آخر. هذا لا يعني أنك لم تعد شخصاً، لكن، وببساطة، لم تعد أنت، فالجسم الذي كان دوماً لك، يمكنه الشعور وادراك العالم، لكنك غير موجود، وفيما لو يكن الأذى غير قابل للشفاء، فلن تتواجد أبداً، أي شيء شبيه بالموت تماماً.
فقد ملايين البشر أحباءهم هكذا. يختفي الشخص ووجهه العائليّ؛ يُراقبهم، الآن، بعيون لا تعرفهم. يحاول دماغ المريض، من جهته، وضع نظام لهذا العالم الجديد والفوضويّ المطابق لفجوات لا يمكنه ملئها. يبتكر، ما تبقى من نصف دماغه الايسر، رواية جديدة صاغتها مقاطع، قد بقيت على قيد الحياة، إثر ما حلّ به، والذي ساهم بجلدِ ذاكرته وفقدان ذكرياته.
يمكن ان تتغيّر الشخصية، حتى عندما يستفحل مرض كالزهايمر أو غيره من الأمراض العصبية، تُلتهَمُ حيواتنا رويداً رويداً، تُجتثُّ ذاتنا، أولاً، ليتولى علم الأحياء أمرنا، لاحقاً، وهو الذي تركناه وراءنا.
"ما الذي يحدث مع الروح في مرض مثل الزهايمر؟، ألا يتوجب على الروح إعادة الهويّة للشخص، حتى لو تعرَّضَ دماغه لتلف شديد؟، أو يغادر المريض عندما ينسى الدماغ من يكن هو؟، هل يتولّد (أو تتولد) روح آخر (أخرى، لمن يؤنثون لفظ الروح!) لهذا الشخص الجديد الفاقد للهويّة جرّاء المرض؟".
في البداية، حاول صديقي الطبيب التهرُّب من طروحاتي، لكن، باعتباري مُتعوّدة، قمت بتكرار ما يقلقني من تلك الأسئلة.
فأجابني قائلاً:
"أنا لست رجل دين، أنا طبيب. ولا يمكنني الإجابة على تلك الاسئلة!!".
قبلت تبريراته؛ لكن، لم أشعر بالإرتياح.
فقلت له:
"لكنك مؤمن دينياً، فهل تعتقد بوجود روح ضمن كل شخص، وهو الذي يخرج منه عند موته، ويتابع سيره بطريق فوق طبيعي محتفظاً بهويته الأصلية أو الأوليّة أو البدئيّة؟".
هنا فكّر بما قلته. وعلى الأرجح، عرف إلى أين أردتُ دفع الحوار بحذر، لكن، ابتسم عند إجابتي، ما أكّد لي، قبل أي شيء، أنه تناول الامر بمزاج.
أمر لا يُقدّر بثمن، وأقدّره كثيراً، هو:
محاولتنا تقديم برهنة على تلك المواضيع.
قال:
"أعتقد بوجود الروح، لكن، باعتباري شخص متكاسل عقائدياً، فلا يمكنني تقديم تفسيرات دقيقة لآليّة عمل تلك الأرواح. وضعنا الله في هذا العالم، كي نعمل في أمور الدنيا، كعملي مع مرضاي، وانا سأعرف ما سيحدث مع روحي عندما سأموت أو بعد الموت تحديداً".
عثر الطبيب على طريقة يتهرّب عبرها، ولم يشكك في استخدامها، لكن، ما يُقلقني في الوقت ذاته، أنه قد ذهب بإتجاهات أخرى.
يضعني البحث في العقائد، دوماً، بمواجهة عالم شاسع، حيث يسود إستعمال التفسيرات المتباينة الكثيرة، وهذا ما حصل مع مفهوم الروح، هائل التنوُّع، إضافة لتبدّله مع الزمن.
نجد عند الإستماع لصديقي البوذي، مثلاً، وتفسيراته له، حيث يعتبره صوراً لكائنات تُشبه اللاسعات. تلك الكائنات متعددة الخلايا، تقوم بتشكيل مستعمرات متكافلة وظيفياً، بحيث تبدو كحيوان واحد، بذات الطريقة، الأرواح في العالم، بالنسبة للبوذي، جزء من "الكلّ" وليس لفرد على الإطلاق، بحيث تتحرك بإنسجام مع الكون، وتتجدّد في ولادة كل كائن جديد.
"بالنسبة لنا، كل شيء بحال تغيّر دائم، تتغيّر الأرواح في الكون، ولهذا، لن تتذكّر مَنْ كُنْتَ، وما سيكون بعد موتك، لن يتذكّر من تكون أنت الآن كلياً. لكن، يستمرّ جزء منك، ولو أنه لن يتذكرك، هذا هو عمل الكون".
يجب تقديم خبر ممتاز لعلماء فيزياء الفلك، ممن يتابعون أبحاثهم، هو أنّه لدى البوذيين تفسير.
ولا يقتصر الأمر عليهم، بل يؤكد الكثيرون امتلاكهم لمعرفة كاملة حول ما يجري إثر موت الشخص. يفكّر البعض بأن تلك الأرواح تتذكّر كل شيء، وتتعرّض للمحاكمة حتى في محطات مختلفة من عالمها الفوق طبيعي، التي تتمكّن من بلوغه وحدها؛ فيما يؤكد آخرون بأن الروح يموت مع الجسد، وأنه سيعود فقط لحظة القيامة، ليقف أمام الإله الذي خلقه. في عقائد أخرى، لا تتذكّر الارواح حيواتها السابقة، والهدف هو إعادة التجسّد في أشخاص آخرين كي ينمون روحياً (يعني التقمّص)؛ وفي عقائد أرواحيّة أكثر، يُحقَنُ الروح حتى في الأشياء؛ بينما تعتبر إتجاهات أرثوذكسيّة أخرى الروح شأن بشريّ حصريّ.
نأمل بأنّ أوائل الكائنات الفضائيّة، التي من المحتمل ان تزورنا، هم من الملحدين، وإلا سنجابه صراعات جديّة حول ما يمكن أن يحضر لدى تلك الكائنات من هذا العنصر اللزج!!
لقد اكتشفتُ تفسيراً آخر، نقول ما هو روحيّ "عصبي – منطقيّ"، باتجاه سؤالي حول الروح، ومن خلال علم الأحياء عبر طروحات ستيفين ج. بوست من مركز بارك ريدج الصحي، حول الإيمان والأخلاق، الذي يقول:
"غير ضروريّ وجود روح غير ماديّ، لإختبار ديني مع كائن فوق طبيعي، كي يُعتبر صحيحاً".
بالنسبة له، توجد طرق عصبيّة دقيقة، هي التي تشكّل ما يضمن علاقة مع الآلهة، أو مع إلهه على "وجه الخصوص“.
"في حالة متقدّمة من العُته (يمكن إعتماد مُصطلح الخَرَفْ)، يترافق مع وجود نوع ما من وظائف الجهاز العصبي، فهي لا تُمكِّنْ من إستخدام قدرة عصبية لإنجاز هكذا علاقة مع الله أو مع أيّ إله، على المستوى العلميّ، بل تختفي تلك القدرة كليّاً، حيث يوجد المريض بحالة بقاء على قيد الحياة يُرثى له، وعلى حافة الدخول في حالة كوما".
لا يعرف بوست ما الذي يحدث مع العلاقة الإلهية عند هؤلاء الأشخاص الداخلين بحالة الكوما، لكن، نأمل جميعاً بأن يتدخل الكائن القادر على كل شيء بالأمر في النهاية، ليحل هذه القضيّة.
من ناحيتي، يبدو لي بأن الشخص الواقع بحالة عُته متقدمة أو الزهايمر أو فقدان الذاكرة العميق، فسينسى حتى ما تعنيه كلمة "صلاة أو يصلي".
ليس ذنبه، فنحن عبارة عن كتلة من الأعصاب، قد صاغتها جيناتنا، كما يقول فرانسيس هاري كومبتون كريك ، واحد من العلماء الذين اكتشفوا الحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين الشهير بالدي إن إي.
في الواقع، بالنسبة لكثير من الباحثين، مثل عالم الحشرات إدوارد أوسبورن ويلسون، فإنّ الجينات هي التي تحافظ على ترابط الثقافات.
أما أنا، فقد قالوا لي في طفولتي:
بأنه لديّ روح وأنه خالد لا يموت، لقد علموني بأنه عند الموت، سيطلع روحي إلى السماء مع كل الناس الجيّدة (أوّد أن أشير لأنني نشأت في بيئة كاثوليكية بشكل كامل، ووفق المنطق الديني، كل كاثوليكي هو جيّد . تخيّلوا!!!!!). أيضاً، علموني بأنّ روحي، سيتذكّر كل ما عشته، كما سيلاقي كل الأحبة من الأموات السابقين، هؤلاء الذين وفروا لنا جولة، وسيجيبون على كل ما يقلقنا حول الحصول على واي فاي!!!
وفيما لو أنّ كل روح لديه الحق بجهاز التحكّم الخاص به. أيضاً أخبروني بأنه من السماء، سيكون بالإمكان رؤية الأحبّة الباقين على قيد الحياة، وربما بالإمكان التوسّط لهم من هناك. بمساعدتهم مباشرة.
على ما يبدو، فهذا صعب للغاية ومخالف للتعليمات!!
واقعياً، دون مفهوم الروح، الذي يحتفظ بالهويّة، ففكرة الجحيم غير مفيدة كليّاً.
ففيما لو يعذّب الشيطان روح لا يتذكّر الحياة التي عاشها، لا يتذكّر نجاحاته ولا إخفاقاته، كيف يمكننا القول بأن هذا الشخص يُحاسَب على أخطائه؟
لا أرى هذا، فَقَدَ هذا الشخص وجوده، فهو لا يتألّم ولا يُعاني، كما أنه لا يضحك ولا يشعر بالمتعه، ليس موجوداً، ولا معنى لمعاقبة روح دون هويّة بسبب أخطاء فرد غائب. هل التقطم الفكرة؟!
لقد أمضى الفلاسفة قروناً في نقاش الروح. اعتبرها بعض الفلاسفة فعل أو واقع العيش، وأنه بموتنا، سيموت هذا الفعل أو الواقع معنا. فيما تميَّزَ آخرون بروحانيّة أكبر، فاعتبروها قوى تتجاوز الموت.
في وقتنا الراهن، يوجد ميل لدى البعض للمؤالفة بين خطواتهم الميتافيزيقية وأفكار علميّة، تتصل بمواضيع حديثة ومعقدة في الفيزياء.
يؤكد هؤلاء "النفسانيون" بأنّ الروح ذو ميزات كوانتيّة، أو أنه مُتكوِّن من ذرات، أيضاً، يُقال بأنه مثل الطاقة وانه لا يموت أبداً بل يتحوّل فقط.
أخيراً، أيّ عنصر مُكوِّن للروح، هو مادة لاماديّة، أو مادة تحت ذريّة، فالروح عبارة عن إله دينيّ بامتياز، فكرة، قد رسَّختها ثقافاتنا فينا، وتتغيّر صورها كتغيّر أسماء الآلهة.
لا أقتنع بوجود الروح، الذي لقنوني معلومات عنه، عندما كنت صغيرة.
لذلك، لا أقتنع بالأرواح الأخرى.
القول بأن المفهوم الذي قد تعلمته بصغري، يعني انه الحقيقيّ والصحيح؛ هذا يعني أن ديناً ما أو عقيدة هي فوق الأديان الأخرى؛ وأنا لا أفكر هكذا.
واقعياً، كما ذكرت كل تلك التعريفات للروح، كذلك، أكون، بذات الطريقة، قد ألغيت الآلهة. فإذا اعتبرت بأن إلههم مزيفاً وأن إلهك غير موجود، فكيف يمكنني اعتبار إلهي حقيقياً؟
ذات مرّة، وخلال تواجدي في الحقل، حاولت تشغيل لمبة الغاز، لكنني لمست التيار الكهربائي بالخطأ، وفقدت الوعي. وعندما عدت الى ذاتي، وخلال الثواني الأُوَلْ، لم أستطع التعرّف على من أيقظني من غيبوبتي، وهو زوجي وقتها. لن أنسى تلك اللحظة بعمري، بدقة، لأنني تمكّنت من العودة إلى الشخص الذي أكونه انا. ففيما لو بقيت في حال كذاك، بحال ضياع كامل ودون القدرة على تذكّر من كُنت، فلا يمكنني القول بأنني أتابع كوني أنا ذاتي، ظهر لي انني أكون أنا ذاتي، بسبب حضور وجهي وجسمي، لكن، دون تذكّر ما يجعلني واعية لهويتي، فشخصي ليس حاضراً.
ملأت هذه القضايا الوجودية الصفحات والكتب الكثيرة، في ثقافات بشرية كثيرة، والتي يمكن اختصارها كلها بعمل عضو وحيد في جسم الانسان، هو:
الدماغ.
أقدّر القراءات الهامة لعلماء، مثل: فرانسيس كريك سالف الذكر، أوليفر ساكس، فيلايانور س راماشاندران وستيفن بينكر بين كثيرين غيرهم؛ لإيقاظهم فيَّ حبّ التعمّق بفهم الدماغ.
تلك الموهبة، التي تتمثّل بنقل المعارف بطريقة مثيرة وسهلة الفهم كما اتضح لي، لا تُشكّله تلك الآلية المدهشة، باعتباره جهاز مُنتج للأفكار فقط، بل أيضاً، الأثر الحاضر في وظيفيته المناسبة في كل ما نكونه، من مسلكيتنا إلى شخصيتنا وأمزجتها.
لقد حلّت نتائج أبحاثهم مشكلة وجود الروح بالنسبة لي.
لقد رأينا عدد من الحالات العصبية المدهشة، كحالة الشخص، الذي تسمح لنا مآسيه بملاحظة أهميّة الذكريات في مسألة الهويّة، التي نضطلع بها، وكيفية تخزين ماضينا كلّه في هذا العضو النهِمْ، الذي يقطن في رأسنا، ففيما لو تتأذى تلك المواد المُؤَرْشَفَة، ستتغيّر حياتنا كلها إلى نقطة الإختفاء أو التلاشي، لنُفسح المجال لظهور فرد آخر ليس لديه ماضٍ.
وفق هذا المعنى، يعني الحديث عن الروح الإشارة إلى الوعي، لكن، ليس الوعي المسؤول عن إمكانية إيقاظنا وإدراكنا للعالم، بل الذي يسمح لنا بإدراكه من خلال وجهة نظرنا الشخصية.
يقع المكان الذي تستوطنه معلوماتي ومعرفتي حول مَنْ أكون في شبكة عامة بالدماغ، يحتاج إخراج تلك المعلومات والمعرفة إلى عمل كامل لكل مناطق الدماغ الرمادية والبيضاء. عند حصول أذيّة خطيرة تسبّب غياب الوعي عن هويتنا الشخصية ذاتها دون عودة، سيعني هذا القبول بأنّ الشخص قد غادر الوجود.
تُساهِمُ فكرة الروح بتعقيد التفسير، فلا يوجد تعريف واحد مضبوط لها.
فمن الأفضل إبعادها عن معادلتنا والتركيز على تلك الشبكات العصبيّة المدهشة.
ففيها فقط، تحضر الإستجابات السلوكيّة وجميع التفسيرات الواقعيّة لهويتنا وماهيتنا وكفيتنا:
نعم، إنها كتلة متشابكة وخارقة من الخلايا العصبيّة!!
8.15. فيلسوفة علم الأعصاب والروح
خلال إجرائها مقابلة مع موقع رسائل الدين، تقول باتريسيا تشيرغلاند، الآتي:
فيما لو يكن الدماغ مخزناً للذكريات، المهارات، الأفكار والتصورات، فكيف يمكنها الذهاب إلى مكان آخر والولادة من جديد في سنجاب؟
لقد تحدثت بهذا الأمر مع الدالاي لاما منذ سنوات عديدة، وأبدى إهتماماً كبيراً بالدماغ.
وقد سأل بعضنا وطلب منا تعليمه شيئاً بهذا الخصوص.
لقد دخلنا بمحادثة طويلة وقدَّمت له ما لديّ من تحفظات حول هذا الشأن:
شيء ما يبقى، بصورة مؤكّدة، حيث يسمح تحلُّل الجسم لكائنات حيّة صغيرة (ديدان وبكتريا) بإستخدام أجزائه وقطعه، بما يشبه التناسخ. لكن، لا شيء أبعد من هذا، لا وجود لأيّ شيء غير ماديّ له أحاسيس، أفكار، ذاكرة ويتحوَّل إلى شخص آخر.
ما يُنقَلْ من الآباء إلى الأبناء هو المعلومة الوراثيّة الجينيّة في الحمض النووي منقوص الأوكسجين، لكن، لم يكن هذا الشيء هو ما كان يفكِّر فيه بعقله.
أرى أنّه إهتمَّ كثيراً بهذا النقاش.
ومن المُفترض أنّه لم يغيِّر رأيه بصورة مباشرة، وقال:
"طبعاً، لديكي كل الحقّ".
وهذا جيّد بحدّ ذاته، حيث يحتاج لزمن ليتعود على هذه الأشياء.
لكن، أرى بأنني قدمت له أسباباً ستدفعه للقلق (للشكّ بما يعتقد .. بمعنى أوسع)، لربما لم يكن شيء لاماديّ ما قد امتلك مزايا الشخصيّة، السخرية، التعلُّم والطبع وجعلها كلها تُنْقَلْ.
9.15. حول طبيعة النَفْسْ
بداية، يجب تحديد عن أيَّ نفْسٍ سنتحدّث.
أفترض بأنني سأتحدث عن مفهوم يقبله الجزء الأكبر من المسيحيين، ونجد أصله في الشرح الغير الوافي، الذي عمله أفلوطين خلال القرن الثالث نقلاً عن الفكر الأفلاطوني، والذي لم يكن ثنوي (أو مثنوي) ولا اعتقد بنفْسٍ لامادية أو شيء من هذا القبيل.
أنا، على سبيل المثال، صحيح أني أعتقد بالنفْسْ، لكن، تلك التي عرَّفها أرسطو، أي بوصفها صيغة جسدية.
للحديث بتعابير أكثر أصالة، النَفْسْ عند أرسطو:
هي عبارة عن مجموعة من الخصائص التي تميز الكائنات الحية، لا ذات تتمتع بحياة مستقلة تتسامى على الوجود المادي.
رأى أرسطو بأن كل جوهر هو ذاك الذي يمكنه الحض على شيء، وهناك صيغ مختلفة للحض، من الكرسي على سبيل المثال، ممكن القول بأنها مفيدة للجلوس، الذات، هنا، هي الكرسي، وعنها يمكن القول بأنها تستخدم للجلوس، وهي مصنوعة من الخشب، وهي بيضاء اللون ....الخ.
تُعتبر المحمولات الفكرية التي جعلت الكرسي على ما هي عليه:
أساسية.
فيما تُعتبَرُ المحمولات الأخرى:
عرضية.
فكل كرسي لن تستخدم للجلوس:
ليست كرسي.
هذا هو جوهرها، أو بتعابير أرسطية، هو هيئتها. قد يتغيّر لونها أو المادة المصنوعة منها، بدون أن تفقد الكرسي خاصيتها ككرسي، فهي محمولات عرضية.
المحمولات الفكرية هي الخصائص التي تصف الذات موضوع كلامنا.
بالإتفاق مع أرسطو، تتقاسم كل الكائنات الحية مجموعه من المميزات التي تعرفها.
على سبيل المثال، كل كائن حي ينمو، يعاد إنتاجه ويموت. هذه هي نفْسه الإنباتية.
لكن، ليس هو من يمتلك نفْساً إنباتية في الداخل أو شيء كهذا.
بصيغة مشابهة، توجد كائنات حية أخرى تتحرّك وتتفاعل، تُشكّل نفْسْ حسية.
وبالنهاية، الذين يتكلمون ويكتبون عبارة عن نفْسْ منطقية (مثل النفس ليست شيئاً بل خاصية لا يمكنها تحريك شيء، لا تحرك النفس الذراع مثلاً).
شاعت رواية النفْسْ في الغرب، وتشاطر الكثيرون الرأي، وقد بلغت النفس ذروتها مع فكر ديكارت، الذي يعتبر مؤسس الفلسفة الحديثة كالثنوية الحديثة (تُحاولُ الثنوية تفسير العلاقة بين النفْسْ والجسد). المثير هو سريان إعتماد مفهومه للنفس، رغم وجود بعض المشاكل في أفكاره، التي لم تبقَ على قيد الحياة، ولا حتّى خلال حياته.
لمن يحبون العيش في الماضي، أدعوهم للإجابة عن نفس السؤال الأوضح، الذي صاغته إليزابيت من بوهيميا عن تلميذاتها، والذي يقول:
حال تواجد ماهيتين، واحدة واسعة تصف العالم الفيزيائي وواحدة غير واسعة توافق العقل:
فكيف تؤثر الماهية الغير واسعة بالماهية الواسعة؟
حاول ديكارت الإجابة في آخر كتاباته "بحث أهواء النفْسْ"، ومن المفترض أنّه لم يتمكّن من الإجابة (بالواقع، هذا السؤال، لا يمكن الاجابة عنه، لكن، محاولة فعل ذلك، ستسقط من الحساب ماهيّة خطأ ديكارت).
واحدة من المواصفات المثيرة لتلك الفكرة عن النفْسْ، والتي يتمسك المسيحيون بها كثيراً اليوم، بأنها ليست فكرة أصلية عند العبريين ولم تشكل جزءاً من إعتقادات أوائل المسيحيين. إنهم يأملون أنه بنهاية الزمان، ستعود الأجسام وتستقر في الجنة، وهي مكان ماديّ في الأرض!
ظهر مفهوم النفْسْ في الفكر اليوناني، وعرَّفها أفلاطون في أحد حواراته والتي سميت "الفيدون" (إن تقرؤوها، هناك، ستجدون جذور النفْسْ في إعتقادات اليوم).
إعترف أفلاطون ذاته، في واحد من حواراته الأخيرة، بوجود عدة مشاكل في نظريته، هنا، يحضر أرسطو، أحد تلاميذه الأكثر شباباً والأكثر إنتقاداً له. غدا أفلاطون شخصية مركزية من شخصيات الحوار عنده.
أخيراً، لم يكن أفلوطين مسيحياً، بل مَقَتَهُم.
أدخل القديس أوغسطين، الذي تأثَّرَ كثيراً بأفكار أفلوطين، فكرة النفْسْ في الفكر المسيحي بعد 500 عام من ظهور تلك الحركة.
بكلمات أخرى، لم يعرف المسيح شيئاً عن النفْسْ ولا عن الأنفُسْ!!
يتبع
تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل
للإطلاع على باقي الأجزاء
الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر
الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة
الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل
الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر
الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت
الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية
الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم
الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت
الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟
الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق
الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق
الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ
الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع
الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة
الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس
الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين
الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟
الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد
الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين
الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ
الموسوعة الإلحادية (30) عبارات إلحادية وتنويرية خالدة





