2026/06/07

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (5)


كذلك، إقترحوا إرتباط السخرية بالتعبير المكبوت عن المشاعر العدوانية أو الجنسية. 

والنظرية الأشهر، ضمن هذا النطاق، تعود إلى فرويد (1905-1981)، والتي تعتبر بأنّ الضحك والسخرية نافعة في التحرُّر من الضغوط النفسية المُسبِّبة لكبت الدوافع العدوانية أو الجنسية ذات الطبيعة غير الواعية. 

الضحك، بالتالي، هو ظاهرة مُساعدة على الإسترخاء بمواجهة التوترات، وبالتالي، الضحك لطيف وصحّي. 

يعتبر خطّ بحثي آخر بأنّ السخرية:

تُستخدَمُ لتبيان نوع من الفوقية أو لأجل رفع مستوى المكانة الإجتماعية. 

هنا، يندرج موقف هوبز، الذي يعتبر بأنّ:

"التألُّق المُشرق هو شغف يُفسِحُ المجال لظهور تلك الإشارات المسماة ضحك، والتي تنشأ عن فعل مُفاجيء مُحقِّق للرضى، أو عن طريق إدراك أو فهم شيء شاذ لدى الآخرين، فيظهر نوع من التقدير الذاتي من خلال إجراء المُقارنة".

يرى هوبز بأنه من حين لآخر:

"يستخدمُ الأشخاص، المُدركون لضعف مؤهلاتهم وقدراتهم، الضحك بمواجهة عيوب الآخرين كآلية تعويضية، فالضحك المُطوّل من عيوب الآخرين هو علامة على الجُبْن".

لكن، بالإضافة لتصوُّر السخرية كإشارة لفوقية أو تألُّق، تسمح نظرية هوبز، كذلك، بفهم أنواع سخرية معينة مثل تحقير الذات والإستياء.

مهما يكن الأمر، يُخصِّصُ الإنسان جهداً كبيراً للضحك (بإشتراك أكثر من دزينة من العضلات)، ويعني هذا حدوث صرف طاقيّ.
 كما أنّه يصرف الكثير من الوقت على نشاطات فُكاهية، وهي نشاطات مُحقِّقة للمُتعة دون شكّ. 

كذلك، تحتاج السُخرية إلى إسهام موارد معرفية كبرى – يذكر رودين حتى 12 مورد – وهو ما يُوحي بوجوب دفع حصّة ما، بالتالي، يوحي هذا الإستثمار للطاقة والوقت بأنه قد جرى إنتقاء الضحكة والسخرية. 

بناءاً عليه، السؤال الذي يطرح نفسه، هو:

 ما هي القيمة المُضافة التي تُحققها الضحكة والسخرية؟ 
   
ترتبط هذه القيمة، في المقام الأوّل، مع البُعد الصحي المعروف جيداً.

 تُحسِّن السخرية والضحكة الإدراك الذاتيّ والصحة وتزرع التفاؤل، إلى درجة تطوير تقنيات خاصة لتشجيعها (علاج بالضحك).

أثرها المفيد موثق في النصوص الفلسفية ولدى جالينوس، وعلى مستوى البحث العلاجي الطبي، فقد أُثبِتَ الأثر المفيد للضحك والسخرية، منذ عقود، في بعض الحالات المرضيّة. 

يمكن للضحك تحسين العمل المناعي، حيث تساهم بتحفيز نشاط الخلايا الفاتكة الطبيعية وتزيد تركيز الكربين المناعي أ اللعابي. 

كذلك، جرى التحقُّق من الأثر الإيجابي للسخرية والضحك على بعض المعايير القلبية الوعائيّة، واقتُرِحَ الإرتباط بين هذا الأثر وتحرير الجسم لهرمون البيتا إندروفين. 

رغم معاناة تلك الأبحاث من وجود بعض الأخطاء وسوء الفهم:

هناك مؤشرات كثيرة على أنّ إختيار السخرية يمكن أن ينشأ عن أثر صحّي بحد ذاته.


لكن، إنطلاقاً من نموذج تطوريّ بحت، جرى إقتراح وجود إمكانات أخرى. 

يتفق ريتشارد ألكسندر مع طروحات هوبز الخاصة بالتفوُّق، فيقترح إسهام السخرية بتحقيق نجاح تكاثري أكبر لأنه يرفع مكانة الشخص الساخر من آخرين. 

وفق هذا النموذج، الفوائد الرئيسية لإطلاق النكات أو القيام بالمُزاح، هي:

 زيادة المكانة الخاصة (إرتفاع منسوب التقدير الذاتيّ، بكلمات أخرى) وتقليل مكانة الآخرين، وأخيراً، رفع مكانة الأشخاص الرواة للنكات (المهرجين، ربما)، ويساهم هذا بتعزيز الصداقة والوحدة الإجتماعية. 

ويوجد عنصر تماسك بهذه الوظيفة الأخيرة، ويمكنه الإسهام بتقوية الروابط ضمن الجماعة والسخرية من الجماعة الأخرى. 

بهذه الطريقة، يمكن تفسير إستعمال السخرية ليس على مستوى التعبير فقط، بل على مستوى تقوية التنافس أيضاً، وهو أمر شائع طوال التاريخ، ونعثر على الكثير من الأمثلة اليومية واللطيفة نسبياً، مثل النكات التي يتداولها أبناء مدينة عن أبناء مدينة أخرى، والعكس بالعكس، وهو أمر قائم لدى كثير من الثقافات المختلفة.