الآلات الداروينية وطبيعة المعرفة
تُولَدُ جميع الحيوانات، التي يمكنها التعلُّم والتفكير، وهي تعرف ما عليها تعلمه والتفكير به.
هذا الموضوع مأخوذ من كتاب "آلات داروين وطبيعة المعرفة" لمؤلفه هنري بلوتكين. ظهر الكتاب العام 1993 ويستخدم بلوتكين فيه نظرية التطوُّر لفهم المعرفة:
إن نتمكن من أن نعرف، ما الذي بإمكاننا معرفته، كيف يمكننا التأكُّد مما نعرف، ...إلخ، أي، يُطبّق نوع من علم المعرفة التطورية، نظرية معرفة ذات جذور داروينية (وضع دونالد ت. كامبل مُصطلح "علم المعرفة التطورية" العام 1974 ويُشير من خلاله إلى تحقيق دراسة بيولوجية للمعرفة).
رغم أنّ بلوتكين أخصائي نفسيّ، وأن دراسة المعرفة قد شكَّلت مادة خاصة بالفلاسفة، للكتاب إيقاع فلسفي واضح جداً، مكتوب جيداً، لكن، هناك مقاطع صعبة وتحتاج إلى الكثير من التركيز.
فهو ليس يسيراً جداً على المُتابعة.
يتصدى الفصل الأول لمشكلة المعرفة ولتعريفها.
بالنسبة لبلوتكين، المعرفة عبارة عن حالة ذهنية أو عقلية ذات علاقة محددة مع ميزة ما للعالم.
فالمعرفة هي معرفة شيء، يجب أن يحضر خارج العقل في العالم، هو شيء مستقلّ عن معرفتنا.
كُلُّ معرفة عبارة عن علاقة بين مَنْ يعرف وما هو معروف.
بدايةً، نستبعد الذاتوية (وحدة الأنا) وبحضور النظرية التطورية يتوجب علينا القبول بأنه يوحد عالم هناك في الخارج.
شيء آخر هو أنّه في هذا العالم، كما هو وكما نُدركه نحن، يوجد أحياء آخرون يمكنهم إدراكه بصيغة مختلفة عنّا، لكن، لا نهذي جميعاً حول واقع خارجي.
عادةً ما يُعرِّف الفلاسفة المعرفة كإعتقاد صحيح (حقيقي) مُبرَّر.
لأجل المعرفة والتعلُّم، الذاكرة عنصر أساسيّ، ويجب أن تُشكِّل الذاكرة حالة دماغية متواصلة تملأ الفجوة الزمنية بين لحظة حدوث حوداث معينة والإستعمال المستقبلي الممكن للمعرفة الخاصة بها.
هكذ،ا إذاً، بالنسبة لبلوتكين، المعرفة عبارة عن علاقة (إرتباط) بين تنظيم جزء ما من جسم الكائن الحيّ وجوانب خاصة من النظام في العالم الخارجي بالنسبة لهذا الكائن.
يقول هذا مُعتبراً المعرفة ضمن معنى واسع، كما سنرى فيما سيلي، لكن، كذلك، إن نُشير إلى المعرفة البشرية التقليدية لشيء ما.
حال معرفتي لمن يحتل منصب رئيس الوزراء في بريطانية؛ أو من فاز بكأس العالم برياضة ما خلال عام معين، فيجب حضور حالة عصبية محددة في دماغي من جانب وبلد إسمه بريطانية لديه رئيس وزراء؛ أو بطل رياضي فائز عالمياً، من الجانب الآخر.
تكيُّفات
قبل أن نواصل علينا الحديث حول مفهوم التكيُّف لأنه أساسيّ في الفرضية التي يقترحها في كتابه.
التكيُّف عبارة عن سمة جسدية، أو سلوكية، قد تطورت بالإنتقاء الطبيعي لأنها تزيد من النجاح التكاثريّ للكائن الحيّ الحامل لها (بدقّة، هي تلك المزايا المتوفرة في النباتات والحيوانات، التي تُدهشنا وتُفرحنا وتجعلنا نُفكِّر بحكمة الطبيعة).
التكيُّف هو صيغة ما لتنظيم النمط الظاهريّ بالنسبة لميزة ما حاضرة ضمن النظام البيئيّ.
حسناً، بالنسبة لبلوتكين، كل تكيُّف هو صيغة معرفة؛ والتطور، بذاته، هو عملية يتم عيرها تحصيل هذه المعرفة.
عندما نُلاحظ العالم نرى تناغماً بين تنظيم وبنية الحيوانات والنباتات والعالم الذي تعيش فيه.
هذا الإنطباق أو التوافقات بين الكائنات الحيّة ومحيطها هو النتيجة التي، بطريقة ما، قد أدخلت الكائنات الحية لجوانب من هذا العالم، حيث تتوافق معه ضمنها.
التكيُّفات بذاتها عبارة عن معرفة، هي بذاتها عبارة عن صيغ "دمج أو إدخال" للعالم ضمن بنية وتنظيم الكائنات الحيّة.
التكيُّفات عبارة عن معرفة بيولوجية؛ والمعرفة التي نُشير إليها عادة – المعرفة الإدراكية الواعية لكائن مثل الإنسان – ه حالة خاصة من المعرفة البيولوجية.
يقول بلوتكين:
"عندما نتوصل لمعرفة شيء ما، فقد حقَّقنا فعلاً بيولوجياً مُكافئاً لعملية هضم شيء ما".
البُنية التي تُتيح لنبات الصبّار تخزين المياه، هي:
صيغة معرفة خاصة بشحّ المياه في العالم الذي يعيش الصبّار به.
منقار الطائر الهزاز الطويل، هو:
إشارة إلى معرفة بنية الأزهار التي يستخرج الطائر الرحيق منها.
هكذا، إذاً، بمعنى ما، يمكننا القول بأنّ الصبّار أو طائر الهزّاز لديهم - أو حتّى هم – معرفة بالعالم.
قد يبدو قول هذا كتحميل مُصطلح المعرفة ما لا قدرة له على حمله، لكن، يريد بلوتكين أن يُشير إلى أنّ المعرفة عبارة عن علاقة معقدة بين المورثات وضغوط الماضي الإنتقائيّة، بين طرق تطوُّر والشروط (الظروف) التي يحدث التطور خلالها، بين تنظيم نمط ظاهريّ ومزايا محددة ونظام في بيئتها (نظام بيئي).
تمتلك الحياة معرفة حول العالم:
تصنع خبرة العالم صبغة ووظيفة الكائنات الحيّة عبر آليّة وراثيّة والتطور.
تصل الكائنات الحيّة إلى العالم مُجهزة "بمعرفة غريزية"، أي معرفة غير ثقافية بل تجريبية.
تصل السمكة إلى البحر أو المحيط مزودة بزعانف وخياشيم وجسم مغزليّ لأنها "تأمل" أو "تعرف" بأنها ستجد العالم الذي ستحتاج فيه إلى هذه الأشياء، تُراكِمُ مورِّثاتها معرفة آتية من الماضي البعيد، وقد أثبتت أنها فعّالة للبقاء على قيد الحياة في هذا العالم الذي تنخرط فيه.
لنسترخي قليلاً بعد أن دخلنا، على نحو فُجائي، إلى أعماق البحار والمحيطات.
قلنا بأنّ بلوتكين قد تحدث حول مشكلة المعرفة في الفصل الأوّل من كتابه سالف الذكر.
في الفصل الثاني، يُحضِّرُ مادة موجزة حول نظرية التطوُّر.
فيما يُخصِّص الفصل الثالث للحديث حول مفهوم الداروينية الكونية الذي وضعه ريتشارد داوكينز.
التطور عبارة عن عملية متميزة بجانبين، هما:
التنوُّع + الإنتقاء.
تتولد تنوعات في النمط الظاهري لدى أفراد الكائنات الحيّة من خلال حدوث طفرات في المورِّثات، ولاحقاً، تنتقي البيئة تلك التي تُحقِّق نجاحاً تكاثريّاً أكبر.
لكن، حدَّدَ بلوتكين ثلاث مزايا أساسيّة لكي يحضر التطوّر:
التنوُّع + التوريث + نجاح تكاثريّ مختلف.
إن يكن هناك تنوعاً بملمح ما، إن يكن هذا الملمح موروث جزئياً على الأقلّ، وإن يعطي هذا الملمح نجاحاً تكاثرياً بقلّ أو يكبر، بالتالي، سينشط الإنتقاء الطبيعي وسيحذف التنوعات ذات النجاح التكاثريّ الأقلّ، والتي تُعطي عدد نسل أقلّ، لينشر التنوعات التي تعطي متحدرين أكثر.
بالتالي، لدى حدوث الشروط الثلاثة (التنوُّع + التوريث + نجاح تكاثريّ مختلف) تظهر عملية الإنتقاء، ولا يجب حصر هذا الأمر بأفراد نوع حيّ.
يمكن تطبيق هذه العملية الداروينية على جزيئات وجماعات وأنواع حيّة، أو حتّى على عمليات غير بيولوجية مثل فيروسات المعلوماتية.
إعتبر كثيرون بأنّ اللغة، على سبيل المثال، خاضعة لعملية تطوُّر شبيهة بتطور الأنواع الحيّة، فهناك توريث متنوع ونجاح مختلف على مستوى إستخدام كلمة ما أو تعبير مقارنة بكلمات وتعابير أخرى وهو ما يُفسِحُ المجال لحدوث التطوُّر.
تختلف اللغة الإنكليزية، وكذلك الإسبانية، القديمة عن الإنكليزية الدارجة اليوم ويمكننا التعامل مع تطور اللغات بذات الطريقة التي تظهر من خلالها لغات منقرضة كالأنواع الحية المنقرضة.
كذلك، يعمل جهاز المناعة عبر عملية تنوُّع وإنتقاء (يُنتِجُ أنواعاً كثيرة من الغدد اللمفاوية ومضادات الأجسام التي تنتقي ما يتناسب معها من مواد مُهاجِمَة).
كذلك، تتبع عملية التقانة، بالإضافة للعلم والثقافة، عملية تطورية.
يستخدم بلوتكين مفهوم الداروينية الكونية ليقول أنّ المعرفة الفكرية عبارة عن عملية تنوُّع – إنتقاء، وبالتالي، هي عملية داروينية.
سلوك بلا تفكير
في الفصل الرابع، ينتقل بلوتكين لبحث السلوك، وعنوان الفصل هو "سلوك بلا تفكير".
كذلك، يُعتبر السلوك تكيُّفاً ويتطور السلوك مثله مثل الملامح الجسدية.
الكائنات ذاتية التغذية، مثل النباتات، بإمكانها تصنيع المنتجات المعقدة اللازمة لحيواتها، بما فيها تلك المواد الداعمة للعمليات الحيوية، إعتباراً من مواد لاعضوية.
لهذا، بإمكانها التواجد بمكان وأخذ غاز ثاني أوكسيد الكربون من الهواء بالإضافة إلى عناصر أخرى مثل الآزوت والمغنزيوم والفوسفات من التربة.
لكن، كائنات حيّة غيرية التغذية، مثلنا كبشر وحيوانات كثيرة أخرى، فلا يمكننا تحقيق هذا الأمر.
يجب على الحيوانات تناول النباتات أو حيوانات أخرى آكلة للنباتات، ولا تنتشر مثل إنتشار الهواء والضوء طبعاً.
يتوجب على الحيوانات التحرُّك لتحصيل غذائها.
وبدت الحاجة إلى الحركة قوّة إنتقاء أساسيّة لخلق عضو مُننظِّم للحركة (الجهاز العصبي والدماغ) بالإضافة إلى أجهزة الحواس، التي سمحت بتحقيق توجيه أفضل للحركة.
شكَّلَت الحركة قوّة الإنتقاء الأساسيّة في تطوُّر التعليم والسلوك.
بالتالي، تعود أصول السلوك إلى الحركة.
ترتبط المسلكيات بالفعل لا بالوضع.
يُحاكي بلوتكين تعريف جان بياجيه للسلوك، قائلاً:
"يتوجَّهُ كل فعل، تقوم الكائنات الحية به، نحو العالم الخارجيّ لتغيير شروطه (ظروفه) أو لتغيير وضع علاقتها به".
بالتالي، سيُشكِّل السلوك فعلاً أو حركةً ذات هدف.
على سبيل المثال، عندما يتبوَّلُ الكلب رافعاً ساقه، فهذا عبارة عن سلوك، لأنّه يُحدِّدُ نطاقاً أرضياً؛ ويتوجَّهُ سلوكه هذا نحو العالم الخارجيّ (أي نحو أقرانه أو أشباهه في هذه الحالة).
لكن، لدى تبوُّل كلبة لأجل إفراغ مثانتها من السوائل الزائدة فقط، فهذا ليس بسلوك؛ بل هو عبارة عن عملية أو وظيفة فيزيولوجية لا أكثر ولا أقلّ.
السلوك بالنسبة لبلوتكين، كما هو مفترض، هو نوع من التكيُّف، وبالتالي، هو نوع معرفة، وبناءاً عليه، المعرفة عبارة عن تكيُّف.
هو هكذا، رغم أنّ السلوك لا يمتلك أيّ عنصر تفكير أو تأمُّل أو ذاكرة.
هنا، يظهر المفهوم أو المُصطلح المثير للجدل أي الغريزة أو "الفطريّ" (سلوك دون تفكير)، الذي يمكن أن يُدخلنا في متاهات لا حدود لها.
بالنسبة لبلوتكين، فهو يُميِّزُ بين سلوك بلا تفكير (غريزيّ أو فطريّ) وسلوك مع تفكير (عقلاني، ذكي).
يأتي السلوك الغريزيّ، بشكل أساسيّ، مُسجلاً في المورِّثات (الجينات)، ولو أنّه ليس قطعيّ أو حتميّ.
طول أنفي هو نتيجة لمورثاتي، لكن، كذلك، نتيجة لظروف نشوئي وللبيئة المحيطة، وقد يتغير هذا الأمر فيما لو تغيَرَ نشوئي.
مع ذلك، تُسجِّلُ المورِّثات حزمة من الإمكانات.
هنا، ينبثق سؤالٌ حتميٌّ:
لماذا لا تُشكِّلُ جميع السلوكيات سلوكاً غريزياً؟
يتفرَّع عنه السؤال:
إذاً، لماذا تطورت العقلانية؟
في الغالب، هي قضيّة كلفة، وهو ما سنتحدث عنه الآن، لكن، يجب التنويه إلى ميزة للعقلانية وللذكاء بالغة الأهمية بالنسبة لبلوتكين، هي:
لا يُشكِّلُ التعلُّم والتذكُّر قدرات مُتاحة كلياً أو لوحاً أبيضاً.
فالكائنات الحيّة التي تتعلم، يمكنها التعلُّم وإجراء التفكير حول أشياء معينة فقط، وليس حول أيّ شيء.
تطوُّر الذكاء
حسناً، لدينا كائنات حيّة ذات سلوك مُبرمَج (مُقونَنْ) إلى حدٍّ كبير في مورِّثاتها (الترجمة العربيّة للجينات) والذي يؤثِّر، بدوره، بعملية نموّه.
لكن، بالنسبة لكائنات حيّة حيواتها غير قصيرة كثيراً، تظهر مشكلة.
لنعتبر بأنّه خلال الزمن ت1 تضع المورِّثات نمطاً ظاهرياً قيد العمل ذو مرحلة نموّ، لاحقاً، يتأخر ليصل إلى مرحلته التكاثرية بزمن قدره ت2 ، فتعود المورِّثات خلاله إلى الحوض الوراثي (من 10 – 15 عام لدى البشر على الأقلّ).
خلال الفترة الممتدة بين ت1 وت2، تتغير البيئة ومن غير المضمون إستمرار صلاحية التعليمات المتلقاة خلال ت1.
شيء شبيه بقيام مهندس عمارة بوضع مخطط لتشييد منزل خلال زمن ت1، لكن، يحدث تغيُّر في الأرض المخصصة للبناء، لهذا، من المنطقي أن يعود ويُعدِّل المخطط ليناسب الأرض الجديدة.
لكن، هذا ليس ممكناً في حالة الكائنات الحيّة.
سميت تلك المراحل الزمنية بعدد من الأسماء، فقد أسماها كونراد لورينثو "نقطة ميِّتة جيليّة".
تتمثل القضيّة بكيفية حفاظ الحياة على نفسها على قاعدة معلومة غير مناسبة أبداً.
تعاملت الكائنات الحيّة مع هذه المشكلة من خلال تبنيها لإستراتيجيات مختلفة. تقوم إستراتيجية (إسمها "إختزال" ضمن نظرية التاريخ الحيوي) على تحقيق أقصى إختزال ممكن للفواصل الزمنية بين الأجيال بين ت1 وت2، أي توصلت لحياة قصيرة بين الحمل والإنجاب بحيث لا تفسد التعليمات الوراثيّة المتلقاة.
تتمثل إستراتيجية أخرى بإختيار مكان بيئيّ غير متعرِّض للكثير من التغيرات، أي مكان منعزل قليل السكّان. لكن، تكمن المشكلة بهذه الإستراتيجية بأنه سرعان ما تنشغل هذه الأماكن وتكتظ بساكنيها.
إستراتيجية أخرى، تتحقق من خلال توليد أنماط ظاهرية كثيرة بالغة الإختلاف فيما بينها مع الأمل بإمكان تكيُّف بعضها مع الظروف أو الشروط المتغيرة.
لكن، كذلك، قد يتوجب على الكائنات الحيّة مستقبلاً القيام بالتنُّبؤ "الذي قد لا يتطابق مع ما يُتنبأ به".
أي هناك نماذج أو إنتظامات متكرِّرة:
الفصول، حيث يجب البحث عن شريك(ة) لأجل التكاثر، غذاء ....الخ.
هناك أشياء لا يمكن التنبُّؤ بها أبداً، بالطبع، مثل سقوط نيزك والتسبُّب بحدوث إنقراض جماعي، لكن، تسير حوادث كثيرة أخرى نحو التحرُّك ضمن معدل محدد.
بناءاً عليه، الحل الممكن لمشكلة التنبُّؤ بالمستقبل، هو:
تصميم المورِّثات لأنماط ظاهريّة يمكنها التغيُر كإستجابة على التغيُّرات في العالم، أي تزويد هذه الأنماط الظاهرية بأجهزة مُتابِعة لحدوث تلك التغيُّرات في العالم.
لكن، تمتلك أجهزة المتابعة هذه خاصيتين، هما:
لكي تظهر بضعة ضغوط إنتقائية قابلة للتنُّبؤ ومتناغمة، تتمكن هذه الأجهزة من تتبُّع بعض الأشياء دون أخرى. لأنّ جهاز "لكل الأشياء" مستحيل الإنشاء على المستوى البيولوجي.
يجب أن يمتلك حساسية تجاه كل التغيُّرات الممكنة الطاقية في العالم وأن يستجيب لها بشكل مناسب.
ليس لدى أيّ كائن حيّ هذا النوع من التعميم.
حسناً، على الأقلّ، هناك جهازي تتبع من هذا الطراز الذي نتحدث عنه، الأول هو الجهاز المناعي والثاني هو الذكاء.
جهازان لتحصيل معلومة إضافية تزيد من المعرفة التي لدى المُورِّثات.
هكذا، نصل إلى المفهوم الأهمّ الذي يضعه بلوتكين، ألا وهو:
النظرية التطورية للمعرفة، وبالتحديد سأنهي تعليقي على هذا الكتاب مع مفهوم يعتبر الذكاء "مقيداً" أو "مُحدداً"، ففي الواقع، تتعلم الحيوانات بسهولة أكبر بعض الأشياء مقارنة بأشياء أخرى، كما أنها تأتي مزودة مسبقاً لتنتبه وتتعلم بعض الأشياء بصورة تفضيلية مقارنة بأشياء أخرى.
تتعلم الطيور على أصوات معينة لا على أخرى؛ تتعلم الفئران ما يتعلق بالطعم لا بالضجيج، ...الخ.
عرف لورنز بأنّ الحيوانات تتعلم بعض الأشياء فقط وتحدث عن "آليات غريزية للتعلُّم".
القضية، بجوهرها، أننا لسنا ألواحاً بيضاء أو فارغة، يأتي لوحنا مع كتابة مسبقة إلى العالم، وما نقوم به لاحقاً هو تعبئة المزيد من الفراغات والأماكن ضمن اللوح.
لأننا لو كنا مجرد ألواح بيضاء، فلن نتمكن من العمل بالسرعة التي لدينا.
فيما لو توجب علينا القيام بمتابعة تغيرات الطاقة الحاصلة في العالم لأننا لا نعرف أيَّها ذو تبعات بالنسبة لنا وأيَّها لا وتوجب علينا تقرير ما سنتعلمه، فعملية التعلُّم ستبدو بطيئة على نحو مريع.
يقول هذا بأنّ التعلُّم لا يبدأ من الصفر بل من نقطة تعلم آليات التعلُّم ما يجب تعلمه.
فيبدأ "المُتعلِّمون" تعلُّم ما يجب عليهم تعلمه.
كتبعة لهذا الأمر، يختلف الذكاء بين الأنواع الحيّة.
يقول بلوتكين:
"يرتبط ذكاء النحل بمورثاتها كثيراً، وبدقّة، يُطبِّقُ ذات الأمر على الحَمَام والفئران والبشر. يجب فهم ذكاء الفئران ضمن نطاق مورثاتها وذكاء البشر يمكن فهمه بسياق المورثات البشرية فقط. بقدر ما تختلف مورثات الفئران عن نظيرتها البشرية، بقدر ما يختلف ذكاء الفئران عن ذكاء البشر".
يُدافِعُ بلوتكين عن ذكاء خاص حاضر لدى كل نوع حيّ أكثر من أنواع ذكاء متطابقة تنتقل من نوع حيّ لآخر.
مع ذلك، لا يعني تصوُّر ذكاءات متعددة لا ذكاء وحيد، بالضرورة، بأنّ الذكاء بعمل وفق عمليات مختلفة لدى أنواع حية مختلفة.
بل العكس هو الصحيح:
فالأرجح هو أنّ عملية الذكاء هي ذاتها بين الأنواع الحية، سيما تلك التي تمتلك قرابة تطورية.
بالحديث عن الكائن البشريّ، ما تتنبأ به تلك النظرة حول الذكاء "المقيّد أو المحدّد" هو بأننا نتعلم مزايا مقيدة نسبياً حول عالمنا ولدينا سلسلة من الإنحرافات بالطريقة، التي نُفكِّرُ من خلالها ونُعقلن هذا العالم.
إعتباراً من هنا، يتبقى الكثير للنقاش، لكن، بأيّ حال، هو كتاب جدير بالقراءة ويدفع للتفكير بالطبع وهو المهمّ.
المصدر
Máquinas darwinianas y la naturaleza del conocimiento, Evolución y Neurociencias Blog, Pablo Malo, psiquiatra, miembro de la Txori-Herri Medical Association y del grupo de psicorock The Beautiful Brains. Interesado en Psicología y Biología Evolucionista
https://evolucionyneurociencias.blogspot.com/2019/12/maquinas-darwinianas-y-la-naturaleza.html
قد يهمكم الإطلاع على مواضيع ذات صلة


