يؤدي إتمام "الواجب"، رغم مواجهة "الألم والصعوبات" في الكثير من الأحيان، إلى إعتبار أن هذا الشخص لا يقصد الوصول إلى حالةٍ من الخيبة، لا على المستوى الشخصي؛ ولا على المستوى العام.
في هذه الحالة، يبدو الأمر كإحساس بالمسؤولية؛ لا بالواجب المُعَطِّل، الذي يُقوِّضُ كل تحرر داخلي وينشأ عن الضغوط والإلزامات المفروضة من قبل عائلاتنا والمجتمع.
نسمع عبارات، مثل:
عليك القيام بهذا أو ذاك؛ يجب أن يصل الشخص إلى درجة الكمال، لكي يحظى بالقبول ويحصل على المحبة.
يمتلكُ "الواجبُ" معنىً، إنْ:
يكن قابلاً للإختيار؛ ويبدو مصدراً للخير العام.
تكمن المأساة بأنه، من حين لآخر، نُخطيء بإختيار الوسائل اللازمة لتحقيق ذاك الخير.
يُقوِّضُ الجهلُ سعينا نحو صيرورة أفضل.
كما يُبيِن المُعلِّمُ التيبيتاني تشوغيام تورنغبا، بقوله:
"عندما نتحدث عن الجهل، فنحن لا نُشير إلى الغباء أبداً".
بمعنى مؤكد، وبصورة تحمل تناقضاً، يبدو الجهل ذكياً للغاية، لكن، يتجه هذا الذكاء باتجاه وحيد.
أي، نُشير إلى تصوراتنا الخاصة بالواقع، فقط، بدلاً من رؤية:
"ما هو عليه الواقع ببساطة".
في المعنى الذي تفهمه البوذية، الجهل، إذاً، هو:
عدم معرفة طبيعة الأشياء، كما هي في الواقع، وقانون السبب والأثر، الذي يتحكم بالسعادة وبالألم.
قانون السبب والأثر إشكاليّ للغاية
يُشيرً المُتدينون، بالعموم ودون تعميم، إلى قانون السبب والأثر بوصفه مرتكز إيمانيّ أساسيّ ودليل قويّ على وجود "السبب الأوّل أو الإله".
أين إشكاليّة هذا القانون؟
نقاش قانون السبب والأثر حاضر بقوّة، ومنذ قديم الزمان، في النقاش الديني اللادينيّ.
يقول المؤمن: توجد الأشياء بسبب وجود مُوجِدْ لها. على سبيل المثال، هذا الحاسوب موجود لأنّ هناك من صنعه أو أوجده أو سبَّبَهُ، بالتالي، كامل الوجود وكامل الكون له مُوجِدْ أي له سبب أوّل.
الردّ على هذا الطرح
إذا عرفنا من صنع الحاسوب، نفهم واقع الحاسوب الوجوديّ وظهوره.
ما هو وجه الشبه بين الحاسوب، أو أيّ شيء صنعه البشر، وبين الكون؟
نحن نعرف الشركة التي صنعت الحاسوب، وربما نعرف الأشخاص الذين صنعوه؛ لكن، كيف نعرف من صنع الكون؟
قانون السبب والأثر صالح حين نطبقه على أشياء نعرفها؛ ولا يصلح لدى تطبيقه على أشياء لا علم لنا بها.
المقارنات بين أشياء صنعناها وأشياء لا ندركها، حتى الآن، إلا جزئياً:
فاقدة للقيمة وللمعنى معاً.
فلدى إفتراض وجود سبب أوّل للكون أو للوجود أو للحياة، ستظهر مشاكل جديدة!
تطال هذه المشاكل:
هويّة هذا السبب وطبيعته وكنهه وووووالخ.
والأهمّ من كل تلك المشاكل، هو:
مسألة السبب والأثر لا نهائيّة!
بمعنى إعتبار وجود "سبب أوّل" ضروريّ لشيء لم "يظهر لوحده"، سيقودنا حتماً، لدى تحججنا بالمنطق الواقعيّ طبعاً، إلى ضرورة إفتراض "سبب" "للسبب الأوّل"!
تطبق البوذية هذا القانون على الواقع وكيفية رؤيتنا له، وإسهام هذه الرؤية بتحقيق الفرح أو الترح لنا، وهذا:
أمر عقلاني لا علاقة له بما طرحته أعلاه حول إشكاليّة هذا القانون.
ويُعيدنا هذا إلى مقولة إبكتيتوس الشهيرة، حين قال:
"لا يؤثر فينا ما يحدث لنا، بل ما نقوله نحن حول ما يحدث!”.
لا يظهر الأثر نتيجة السبب:
بل نتيجة تفكيرنا بالسبب ذاته!
أمثلة على رؤية البشر للواقع
المثال الأوّل: المتطرفون العرقيُّون
يؤكد أنصار التطهير العرقي بأنهم يرغبون ببناء أفضل عالم ممكن؛ وقد مات بعضهم وهم على قناعة راسخة بعدالة عمله المُشين هذا.
مهما بدا هذا متناقضاً وسقيماً، فالأفراد الذين يشعرون بالغبطة، حين يُشبعون أنانياتهم، جرّاء زرعهم للموت واليأس في محيطهم، يأملوا بأن تنال أعمالهم تلك أفضل الجوائز.
الشرّ، الحماقة، الإزدراء والتعجرف لا تُشكّل بأيّ حال من الأحوال وسائل تقود إلى السعادة؛ لكن، رغم إبتعادها جذرياً عنها، فما يُلاحق الأشرار المُنبهرين والمتغطرسين والمغرورين، بدقة، ليس شيئاً آخر سوى السعادة.
المثال الثاني: حالات خاصة من الإنتحار
بصورة مماثلة، يتطلع المُنتحِر، الذي يضع حداً لقلقه غير المُحتمل، إلى إمتلاك السعادة بشكل يائس.
كيفية الخروج من هكذا أوضاع
كيف يمكن القضاء على هذا الجهل الأساسيّ؟
تتمثل الطريقة الوحيدة، للقيام بهذا الأمر، بتحقيق:
سبر غور شفّاف وصريح، بحيث يمكن اللجوء إلى تطبيق منهجين، منهج تحليلي وآخر تأمُّلي.
يقوم التحليل على تقييم نزيه وعميق لآلامنا، كما الآلام التي نسببها للآخرين.
يقضي هذا بفهم أية أفكار وكلمات وأفعال تساهم بتوليد الألم؛ وأيّها يساعد على تحسين الوضع.
تتمثل الخطوة السابقة لهذا، كما هو مفترض، بإمتلاك الوعي حول شيء لا يعمل بشكل صحيح في كينونتنا وفعلنا.
بعد ذلك، يظهر التطلُّع، بشوق بالغ، نحو التغيير.
يتسم الموقف التأمُّلي بالشخصانية، أو الذاتويّة، أكثر.
حيث يتأسس على ترك هيجان الأفكار جانباً للحظات، كي ننظر بهدوء إلى أعماقنا ذاتها، كما لو أننا نتأمل منظراً داخلياً، بقصد إكتشاف ما تحتويه تطلعاتنا الأقرب.
من المهم التنويه إلى أنَّ التأمُّل لا يقتصر على "صيغه البوذيّة" الشهيرة المعروفة، بل يمكن أن يأخذ أشكالاً يصعب حصرها برأيي المتواضع.
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء


