كما ورد في الجزء الأوّل، هناك من يعتبر السعادة الغاية من الوجود وأهم شيء؛ في المقابل، هناك من يعتبر بأنّ السعادة لا تهمه أبداً.
السؤال: هل المهم تعريف السعادة ووضع تسميات وتوصيفات لها؛ أم المهم هو عيشها، والأهمّ، فهم كيفية عيشها؟
من جديد، ما هي السعادة؟
يُعرِّف أخصائيُّون بعلم الإجتماع السعادة بوصفها:
"الدرجة، التي يُقيِّم شخص، بحسبها، نوعية حياته بعمومها بصورة إيجابية. بكلمات أخرى، تُعبّر السعادة عن درجة الإعجاب، التي يُبديها شخصٌ تجاه حياته على نحو ما".
يتوقف كل شيء، كما هو مفترض، على القصد من "الإعجاب بالحياة"، إن يُشِرْ إلى رضا عميق أو هو مجرد تقدير مبسط للظروف الخارجية، التي يعيشها الشخص.
بالنسبة للبعض، يبدو أن السعادة عبارة عن:
"إنطباعٍ مؤقتٍ، سريع الزوال، تتنوع حدته ومدته بحسب توفر وسائل تجعل حضوره ممكناً".
السعادة، إذاً، عبارة عن أمر يصعب الوصول إليه، بحيث يتوقف هذا، كليّاً، على ظروف لا يمكننا التحكُّم بها.
بالنسبة للفيلسوف روبرت مزراحي، وباتجاه معاكس، السعادة هي:
"مسحة فرح، تطال كليّة الوجود أو القسم الأكبر المُكلَّل بالحيوية من ماضيه النشِط وحاضره الراهن ومستقبله القابل للتصوُّر".
هل يمكنها بناء وضع مستقر دائم، إذاً؟
بحسب أندريه كونت-سبونفيل:
"يمكن أن نُطلق مُصطلح سعادة على كل فسحة زمنية، يظهر الفرح خلالها مباشرةً".
هل يبدو هذا ممكناً، بالتالي، هل يمكن زيادة مدة تلك الفسحة الزمنية؟
يوجد آلف (يصعب وضع رقم لهذه التصورات صراحةً!) تصوُّر مختلف حول السعادة، وقد حاول عدد لا يُحصى من الفلاسفة عرض رأيه حولها.
يعتبر القديس أوغسطين، على سبيل المثال، بأن السعادة عبارة عن:
"الفرح المولود من الحقيقة".
بالنسبة لإيمانويل كانط، يجب أن تبدو السعادة عقلانية ومستقلة عن كل ميل شخصي؛ فيما يرى كارل ماركس بأنها تتحقق من خلال العمل.
لا أهدفُ إلى تعداد الآراء حول السعادة، بل أرغب بالإشارة إلى الفروقات الكبيرة بين تلك الآراء، التي تصل لتتناقض في كثير من الحالات، كما أُشيرَ إلى هذا سابقاً.
حول طبيعة السعادة، كتب أرسطو:
"لا نتفق حولها، ولا تلتقي تفسيرات الحكماء مع تفسيرات الدهماء!!".
لكن، ماذا يُقال حول السعادة البسيطة:
التي تُنتِجها إبتسامة طفل، أو يُنتجها إحتساء كأس من الشاي بعد نزهة قصيرة في الغابة؟
هذه الومضات، ومهما تبلغ شدتها وقدرتها على التحفيز، لا تتمكن من إنارة حياتنا بكليتها.
لا تُختصر السعادة ببضعة أحاسيس محببة، بمتعة مكثفة، بنوبة فرح أو رفاه زائل، بمزاج رائق راهنيّ أو بلحظة ساحرة مفاجئة في متاهة الوجود.
كل تلك الجوانب، لا يمكن أن تشكّل، وحدها، صورة صادقة عن العمق، الذي يُميِّز السعادة الحقيقية.
إحساس أوّلي بالسعادة
رغم بلوغه الثلاثين عام، مرَّ الشاب بلحظات، قد اشتهى خلالها تناول الطعام بدلاً من المشي، الرقص صاعداً وهابطاً على، ومن، الرصيف، اللعب بالدولاب، رمي شيء في الهواء كي يطير، الضحك دون سبب محدد، هكذا، لا أكثر.
ما الذي يمكنك فعله إن يكن عمرك ثلاثين عام، وحين عودتك إلى الشارع الذي تعيش فيه، تشعر بأنّ إحساساً بالسعادة يجتاحك فجأة، كما لو أنك قد ابتلعت قطعة منيرة من الشمس لحظة هبوط الليل، وستحرق ما هو أكثر عمقاً في كينونتك وتنهمر أمطار من الأشعة على كل خليّة من خلايا جسدك، على كل إصبع من يديك وقدميك؟
تطلب كاترين مانسفيلد من عدة أشخاص أن يقصوا وقائع ذات صلة بما إعتبروه "سعادة كاملة":
تحدَّثَ البعضُ عن لحظات سلام عميق خلال الجلوس في محيط طبيعي متناغم، في غابة تصلها أشعة الشمس، على قمة جبل بمواجهة أفق لا حدّ له، على شاطيء بحيرة هادئة، أثناء مسير ليلي على الثلوج التي تغطي الطريق، ...الخ.
فيما أشار آخرون إلى حدث مُنتظَر، مثل النجاح في امتحان ما، الفوز في سباق رياضيّ، قضاء وقت مع شخص قد تشّوق للتعرُّف عليه، ولادة طفل ...الخ.
أخيراً، رأى آخرون بأنها لحظة حميمة مُعاشة على الصعيد العائلي أو مع شخص محبب، أو قد ساهموا، بشكل حاسم، بتحقيق السعادة لأحدٍ ما بلحظة ما.
يبدو أن القاسم المُشترك بين تلك الخبرات، الخصبة، لكن، العابرة، هو الإختفاء المؤقت للصراعات الداخلية.
يشعر الشخص بتناغم مع العالم المُحيط به ومع نفسه ذاته.
بالنسبة لمن يعيش خبرات من هذا النوع، مثل التنزُّه في مكان مغطى بالثلوج، تتلاشى النقاط التي يُشار لها عادة:
فبعيداً عن مسألة المشي، لا يُنتظَر شيء خاص.
ببساطة، هو هنا والآن، حرّ ومُنفتح.
فخلال لحظات، تفقد أفكار الماضي حضورها، تتوقف مشاريع المستقبل عن طرق باب العقل، فتبقى اللحظة الحاضرة متحررة من كل بناء ذهنيّ.
لحظة الهدنة هذه، التي يختفي خلالها كل وضع إنفعالي مُلِّح، تمتليء بسلام عميق.
عندما يُحقَّقُ هدف ما، يُنجز عمل ما أو يتحقق نصر ما:
ينتهي التوتر الحاضر خلال فترة طويلة نسبياً ويبدو الإسترخاء المتحقق كهدوء عميق ومتحرِّر من الإنتظار والصراع بشكل كليّ.
لكن، يُعتبر هذا تحسُّناً عابراً ناتجاً عن ظروف محددة.
نُطلق عليه لحظةً ساحرةً، وضعاً مريحاً، ومع ذلك، يبدو الفارق بين لحظات الفرح العابرة تلك وبين السكينة غير القابلة للتبدُّل – التي يتمتع بها الحكماء، على سبيل المثال، هائلاً جداً كالمسافة الفاصلة بين الأرض والشمس.
لا يمتلك الوضعان:
البُعد ذاته، ولا المدة ذاتها، ولا العمق ذاته.
مع هذا، يمكن استخراج بعض الفوائد من تلك اللحظات العابرة، من تلك الهدنات المُبرَمَة خلال صراعاتنا التي لا تتوقف!
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء

