Showing posts with label تطوُّر. Show all posts
Showing posts with label تطوُّر. Show all posts

2026/06/16

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (6)

على نحو أوضح، تُحدِّدُ نظريات أخرى وظيفة السخرية من خلال عناصر إجتماعية أو جماعية. 

تعتبر نظرية وايسفيلد (1993) العامة حول السخرية بأنّها توفِّر معلومة إجتماعية قيِّمة للآخرين، وبذات الوقت، يُثيرُ الضحك أحاسيس ممتعة، تُساهمُ برفع معنويات الفُكاهي. 

فبالإضافة إلى تعزيز سلوكه ودوره، يربح الفُكاهي المُناصرين وهو ما يزوده بفائدة مستقبلية. 

من جانبه، يرى بارّيت وآخرون (2002) بأنّ السخرية قد حلت محل الخداع والإستمالة القائمة لدى الرئيسيّات.

 ستشكل السخرية والضحك، بالتالي، خطوة مسبقة مُساعدة على ظهور اللغة. 

في نظريته المسماة "العين الداخلية"، يعتبر جانغ (2003) بأنّ الضحك والسخرية، التي تدعم التشاعر، هي أداة تعاون بين البشر.

بالنسبة لمارتين (2008)، وُلِدَت السخرية من لعب الثدييات كآلية مُعزِّزة للإنفعالات الحسية الإيجابية وللتماسك الإجتماعي.

 أثبتوا بأنّ الإنفعالات الحسية الإيجابية، بما فيها الفرح، قادرة على تقوية وظائف إدراكية معرفية مثل مرونة التفكير وحلّ المشاكل والذاكرة والإبداع، بالإضافة إلى تعزيز مسلكيات إجتماعية إيجابية مثل الجهوزية لتقديم العون والكَرَم. 

حسناً، لدى نوع حيّ إجتماعي مثل نوعنا، ستشكل كل تلك التحسينات قابلية للتكيُّف.

 بالتالي، يعتبر مارتين بأن السخرية عبارة عن إمتداد إدراكي معرفي – لغويّ للعب الإجتماعي. 

فبرأيه، قد وسَّعَ البشرُ وظائف اللعب والفرح والضحك (الحاضرة بدرجة ما، كما رأينا، لدى رئيسيات أخرى)، فحققوا، بهذا، تطوير القدرة على اللعب مع الأفكار والكلمات والوقائع البديلة من خلال السخرية.

بعيداً عن كل هذه الإقتراحات، على مستوى التعايش الإجتماعي، يُنظرُ إلى السخرية كآليّة دفاعيّة بالغة النضوج، والتي تُحوِّل، بحسب باركوف وآخرين (1992)، المواجهة الإشكاليّة إلى لعبة، بحيث لا تحتاج الأطراف المعنية لتنافس جدي وتتفادى مخاطر يحملها النزاع أو تحملها المواجهة. 

ستشكل السخرية آليّة تسمح بالتوقف أمام مُنافس دون قبول أيّة مكانة أدنى.

تفترض وجهة نظر أخرى بأنّ السخرية عبارة عن آليّة مفيدة لإثبات الوحدة بين الإبداع والقدرة. 

بكلمات أخرى، ستتمتع السخرية، على المستوى الجنسي، بالجاذبية. 

هناك معطيات مؤيدة لهذا الطرح. 

تؤكد إناث على بحثها عن شريك يتمتع بحسّ فُكاهي ساخر، أكثر من الذكور، الذين يميلون لتداول النكات بصورة أكبر من الإناث. 

حيث تبتسم الإناث على فُكاهات الذكور أكثر مما يحدث في الحالة المُعاكسة.

 تُفضِّلُ الإناث شريك يُضحكهن، فيما يرغب الذكور بأن تتمكن شريكتهم من تقدير حسهم الفُكاهي. 

هكذا، أثبتوا تجريبياً بأنّ السخرية مترافقة مع ذكاء عام أكبر، ويُنظَرُ لها على هذا النحو من قبل المُراقِب. 

بالتالي، هي مؤشِّر أو سمة تمنح معلومة حول نوعيّة مُقدَّرة مُعزِّزة لإحتمالات إرتباط الشخص الفُكاهي العاطفيّة.

درس غرينغروس وميلر (2008) السخرية المُعبِّرة من خلال التبخيس (التحقير) الذاتيّ وإنطلاقاً من وجهة نظر تطوريّة مُتركِّزة على الفرد.

 ففي دراسة، لاحظوا بأنّ هذا النوع من السخرية ذو جاذبية، عندما يصدر عن أشخاص ذوي مكانة عليا.

 في هذا المنحى، يمكنه تفضيل الإنتقاء الجنسيّ. 

في المقابل، لدى أشخاص ذوي مكانة دنيا، لا يُعتبر التحقير الذاتي جذّابأً. 

يرى الباحثون هذه النتائج على ضوء قاعدة التعويق لأموتس زاهافي (1975)، بمعنى أن الفرد ذو المكانة العليا، وعبر إظهار إعاقة أو محدودية ما، يمكنه "السماح" بإعادة تصغيرها عن طريق السخرية.

تجمع فرضية الإنذار الكاذب حول الضحك لراماشاندران (1995، 1996، 1998) بعض العناصر التي رأيناها فيما سبق من هذا الموضوع. 

فبحسب هذا الباحث، تتقاسم جميع النكات "المبادرات المُسليّة" ذات البنية المنطقية. فمن يحكي النكتة، يخلق لدى السامع توتراً نامياً، لكي يظهر تحول غير متوقع، بالنهاية، يتطلب القيام بإعادة تفسير جميع المُعطيات السابقة. هذا التفسير الجديد، وإن يكن غير متوقع، فهو متوافق مع المعطيات المُقدَّمة كما التي يمكن توقعها من قبل السامع.

لهذا، هناك كثير من الأمور المُشتركة بين النكات والمزاح والإبداع العلمي ومع ما يسميه كوهن "تغيُّر في النموذج" كردّ على حالة شاذة أو خاصة.

 في حالة النكتة، الحالة الشاذة هي في النقطة المُسبِّبة للضحك إن يتمكن السامع من إلتقاط وفهم معناها والجدوى منها. 

وفق كلمات رامشاندران (1998)، إن يتمكن من تقدير "وميض الفطنة" المرتبط بكيفية سماح التفسير الجديد والمختلف كلياً لمضمون النكتة بدمج وقبول نهايتها غير المُتوقعة والشاذة والفكاهية. 

هناك الكثير من الأوضاع التي تُجبِرُ على تحقيق تغيير في النموذج لأجل ملء ذاك النقص أو الشذوذ. 

بحسب هذا الباحث، يمكننا التفكير بشخص متمدد في سريره مُستمعاً إلى الضجيج ليلاً.

 بدايةً، سيفسِّر ما يحدث لنفسه على أنه أثر لهبوب الرياح، لكن، إن يسمع  ضربة قوية بالقرب منه، فالنقص أو الشذوذ يحتاج إلى إعادة تفسير، أي إلى تغيير نموذج، شيء ينفي التفسير الأولي الذي طال هبوب الريح كسبب لذاك الضجيج. على سبيل المثال، يمكن لهذا النائم المفترض التفكير بوجود لصوص في البيت. ينهض من فراشه، يذهب لإكتشاف ما يحدث، فيكتشف فجأة بأنّ القطّ قد أوقع آنية زجاجية على الأرض. هو نقص أو شذوذ جديد، تفسير سيتفاعل معه بطل هذه القصّة ضاحكاً أو مُبتسماً.

وهذا هو لبّ القضيّة بالنسبة لراماشاندران:

 لكي تتسم النكتة أو الواقعة بالفكاهة، يجب أن يتميز النقص أو الشذوذ المُكتشف وتغيُّر النموذج بعواقب تافهة أو عديمة الأهمية. 

وتظهر، بهذا، الإبتسامة أو الضحكة بوصفها ثمرة لتغيُّر بنموذج التبعات عديمة الأهمية، والتي تظهر، على مستوى عصبيّ نفسيّ، من الحوار بين توجُّه نصف الكرة الدماغية الأيسر نحو العثور وفرض تماسك على التفاصيل المُتلقاة وبين الآليات التوجيهية لنصف الكرة الدماغية الثاني. 

السخرية الكبيرة المبنية على عمليات السقوط والضربات التي ميَّزت "العمل الفكاهي الصامت كيستون كوبس"، هي خير مثال على إعادة الضبط أو التأقلم مع النقص أو الشذوذ والتبعات التافهة أو عديمة الأهمية. 

حين يقع شخص ويتفاعل بجدية مع الوقعة، فلن يُثير أيّ نوع من الضحك؛ لكن، حين يقع شخص بشكل متكرر، فينهض ليرجع ويقع، ويحافظ على موقف ضاحك رغم حجم المعاناة، فهو يُمثِّلُ نقصاً  أو شذوذاً مثيراً للضحك. 

من هنا، يتفاعل مع عروض ماك سينيت بالضحك. 

قضايا تطوريّة (5) متابعة نظريات تطورية حول السخرية والضحك

2026/06/07

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (5)


كذلك، إقترحوا إرتباط السخرية بالتعبير المكبوت عن المشاعر العدوانية أو الجنسية. 

والنظرية الأشهر، ضمن هذا النطاق، تعود إلى فرويد (1905-1981)، والتي تعتبر بأنّ الضحك والسخرية نافعة في التحرُّر من الضغوط النفسية المُسبِّبة لكبت الدوافع العدوانية أو الجنسية ذات الطبيعة غير الواعية. 

الضحك، بالتالي، هو ظاهرة مُساعدة على الإسترخاء بمواجهة التوترات، وبالتالي، الضحك لطيف وصحّي. 

يعتبر خطّ بحثي آخر بأنّ السخرية:

تُستخدَمُ لتبيان نوع من الفوقية أو لأجل رفع مستوى المكانة الإجتماعية. 

هنا، يندرج موقف هوبز، الذي يعتبر بأنّ:

"التألُّق المُشرق هو شغف يُفسِحُ المجال لظهور تلك الإشارات المسماة ضحك، والتي تنشأ عن فعل مُفاجيء مُحقِّق للرضى، أو عن طريق إدراك أو فهم شيء شاذ لدى الآخرين، فيظهر نوع من التقدير الذاتي من خلال إجراء المُقارنة".

يرى هوبز بأنه من حين لآخر:

"يستخدمُ الأشخاص، المُدركون لضعف مؤهلاتهم وقدراتهم، الضحك بمواجهة عيوب الآخرين كآلية تعويضية، فالضحك المُطوّل من عيوب الآخرين هو علامة على الجُبْن".

لكن، بالإضافة لتصوُّر السخرية كإشارة لفوقية أو تألُّق، تسمح نظرية هوبز، كذلك، بفهم أنواع سخرية معينة مثل تحقير الذات والإستياء.

مهما يكن الأمر، يُخصِّصُ الإنسان جهداً كبيراً للضحك (بإشتراك أكثر من دزينة من العضلات)، ويعني هذا حدوث صرف طاقيّ.
 كما أنّه يصرف الكثير من الوقت على نشاطات فُكاهية، وهي نشاطات مُحقِّقة للمُتعة دون شكّ. 

كذلك، تحتاج السُخرية إلى إسهام موارد معرفية كبرى – يذكر رودين حتى 12 مورد – وهو ما يُوحي بوجوب دفع حصّة ما، بالتالي، يوحي هذا الإستثمار للطاقة والوقت بأنه قد جرى إنتقاء الضحكة والسخرية. 

بناءاً عليه، السؤال الذي يطرح نفسه، هو:

 ما هي القيمة المُضافة التي تُحققها الضحكة والسخرية؟ 
   
ترتبط هذه القيمة، في المقام الأوّل، مع البُعد الصحي المعروف جيداً.

 تُحسِّن السخرية والضحكة الإدراك الذاتيّ والصحة وتزرع التفاؤل، إلى درجة تطوير تقنيات خاصة لتشجيعها (علاج بالضحك).

أثرها المفيد موثق في النصوص الفلسفية ولدى جالينوس، وعلى مستوى البحث العلاجي الطبي، فقد أُثبِتَ الأثر المفيد للضحك والسخرية، منذ عقود، في بعض الحالات المرضيّة. 

يمكن للضحك تحسين العمل المناعي، حيث تساهم بتحفيز نشاط الخلايا الفاتكة الطبيعية وتزيد تركيز الكربين المناعي أ اللعابي. 

كذلك، جرى التحقُّق من الأثر الإيجابي للسخرية والضحك على بعض المعايير القلبية الوعائيّة، واقتُرِحَ الإرتباط بين هذا الأثر وتحرير الجسم لهرمون البيتا إندروفين. 

رغم معاناة تلك الأبحاث من وجود بعض الأخطاء وسوء الفهم:

هناك مؤشرات كثيرة على أنّ إختيار السخرية يمكن أن ينشأ عن أثر صحّي بحد ذاته.


لكن، إنطلاقاً من نموذج تطوريّ بحت، جرى إقتراح وجود إمكانات أخرى. 

يتفق ريتشارد ألكسندر مع طروحات هوبز الخاصة بالتفوُّق، فيقترح إسهام السخرية بتحقيق نجاح تكاثري أكبر لأنه يرفع مكانة الشخص الساخر من آخرين. 

وفق هذا النموذج، الفوائد الرئيسية لإطلاق النكات أو القيام بالمُزاح، هي:

 زيادة المكانة الخاصة (إرتفاع منسوب التقدير الذاتيّ، بكلمات أخرى) وتقليل مكانة الآخرين، وأخيراً، رفع مكانة الأشخاص الرواة للنكات (المهرجين، ربما)، ويساهم هذا بتعزيز الصداقة والوحدة الإجتماعية. 

ويوجد عنصر تماسك بهذه الوظيفة الأخيرة، ويمكنه الإسهام بتقوية الروابط ضمن الجماعة والسخرية من الجماعة الأخرى. 

بهذه الطريقة، يمكن تفسير إستعمال السخرية ليس على مستوى التعبير فقط، بل على مستوى تقوية التنافس أيضاً، وهو أمر شائع طوال التاريخ، ونعثر على الكثير من الأمثلة اليومية واللطيفة نسبياً، مثل النكات التي يتداولها أبناء مدينة عن أبناء مدينة أخرى، والعكس بالعكس، وهو أمر قائم لدى كثير من الثقافات المختلفة.

2026/05/27

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (4)

صيغ السخرية البشرية هي أكثر تعقيداً، تتأسس على قدرتنا اللغوية والإدراكية (المعرفية) الأكثر تقدُّماً وعلى مهارتنا بتخيُّل وقائع بديلة، من خلال اللغة. 

ففي السخرية البشرية، يلعب الإنسان بقدرات إدراكية معرفية ولغوية "جديّة"، فعلياً، ليحولها إلى مصدر للتسلية والمُتعة الخالصة. 

تحضر السخرية لدى جميع الثقافات البشرية، بين سكان أوستراليا الأصليين حتى، الذين بقوا منعزلين منذ عشرات آلاف الأعوام، وهو ما يؤكد على كونيّة السخرية، ويجب تأريخ ظهورها إلى ما قبل 35000 عام على الأقلّ.

الضحك، على جميع المستويات، ليس حالة متجانسة وموحدة. 

تحققت الأستاذة ديانا ب. سزامايتات (جامعة توبنغن الألمانية) وآخرون، وبإستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، مما يُحدِّده المُستمِع كضحك ناتج عن الدغدغة والمُترافق مع تحفيز التلفيف الصدغي العلوي، فيما حفزت الضحكة المؤثرة المرتبطة بالفرح أو السخرية منطقة القشرة الجبهية الوسطى.

 يُفسِّرُ الباحثون هذا الإختلاف الشكلي – الوظيفيّ كإشارة لإمتلاك الضحك الناجم عن الدغدغة لتعقيد صوتي أكبر، فيما يعكس الضحك "الإنفعالي الحسي" إسهام جوانب إدراكيّة أعقد مرتبطة بمزاياها الإجتماعية. 

بالتالي، الضحك الناتج عن الدغدغة هو ضحك بدائي أولي قائم لدى رئيسيّات أخرى.
يمكننا ملاحظة تمايز الضحك بتقدُّم العمر وصولاً للبلوغ لدى الكائن البشري.

 يُقدِّرُ الأطفال الدغدغة كثيراً، بل ويطلبوها حتّى.

 يستمتعون بألعاب الإختفاء والظهور المُفاجيء لأشخاص يعرفونهم (وهو ما يُشبه "الغميضة" بالللغة العربية)، يُقهقهون مع مشاهد ساخرة كضربات قوية ووقوع على الأرض، وذلك لأنهم غير قادرين على تقييم وتقدير السخرية اللفظية.
 
في المقابل، يتمتع البالغون، بسبب حضور نموّ كامل باللغة الرمزية، بالسخرية الثقافية (الفكرية) أكثر من إستمتاعهم بسخرية مُتكررة ذات عنصر معرفي إدراكي واضح للعيان. 

فيما لو نأخذ سنوات السينما الأولى بالحسبان، فسنجد الكوميديا التهريجية المُعتمدة على النشاط الجسدي بالإضحاك (نتذكر كلنا شارلي شابلن مثلاً)؛ لننتقل بعد ذلك إلى ظهور الأعمال الصوتية (التي تعتمد على اللغة المحكية) المُعبِّرة بسخريةً.

 يساهم تاريخ السينما، بما ظهر من أعمال ساخرة هزلية خلاله، بتبيان أصل وفصل وتطوُّر هذه الأعمال الساخرة الهامة.

نظريات حول السخرية والضحك

جذبت السخرية إهتمام الباحثين منذ زمن طويل جداً. فقد خصص كانط جهداً ووقتاً واضعاً فرضيّة تُرجِعُ السخرية إلى قاعدة التناقض وخرق المنطق السائد. 

ففي كتابه الأشهر "نقد العقل الخالص"، يعتبر كانط بأنّ:

 كل ما يمكنه تحرير "قهقهات ضحك كبيرة"، يجب إمتلاكه لعنصر عبثيّ، وهو شيء لا يحقق ذات المفعول، بذاته، لدى عزله عن سياقه. 

يخرق هذا الضحك قواعد المنطق المألوفة، بل يخدع ويُضلِّل الفهم، لكن، يُسبِّب ظهور لحظات فرح لا تُنسى. 

من ناحيته، يعتبر آرثر شوبنهاور التناقض كقاعدة لظاهرة السخرية الفكاهية، ويؤكد على ظهور السخرية جرّاء إخفاق مفهوم ما بتقديم تفسير فكريّ. 

عندما يُفرَضُ الخاص على العام، فسنواجه تناقضاً مُتضمناً لعنصر مفاجأة. 

كلما زاد التناقض وعدم التوقُّع، كلما زاد حجم المفاجأة:

وهو ما يقود لتحرير ضحك أكثف وأقوى.

من جانبه، إعتبر برغسون (1899-2008) بأنّ الضحك عبارة عن إشارة إجتماعية تُعاقِبُ كل قسوة على المستويين الفكري كما الجسديّ. 

يظهر الضحك، بالنسبة للفيلسوف الفرنسي نوبل، عندما يُفرَضُ الشكل على المضمون (الظاهر على الباطن)، حينها تظهر القسوة، التي تُعتبر نوعاً من التناقض عندها. 

السخرية عبارة عن شيء عقلاني تماماً؛ بحسب كلماته:

"لكي يُنتِجُ العُنصر الفُكاهي أثره، يستلزم حدوث لحظات من الخَدَر، فهو يُوقِظُ أعلى درجات الذكاء".

لهذا، لا نجده، بهذه الصيغة، خارج النطاق البشريّ. 

هو آلية مفيدة كمُصحِّح إجتماعي، لأنه يُساعد الأشخاص بتحديد السلوكيات غير المحبذة ليتم تجاوزها وتحقيق نموّ بالشخصية بإتجاه الأفضل. 

كل ما يُحوِّل الشخص إلى شيء (حيوان أو شيء آلي) هو مادة خلّاقة لتحقيق السخرية وتوليد الضحك. 

يتبع

2026/05/17

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (3)


 نظريات تطورية حول السخرية والضحك


السخرية (لا الإستهزاء؛ نقد ساخر فكاهي) والضحك

السخرية، هي حسّ إنسانيّ واقعيّ. 

بالتالي، نجدُ في تنوعاتها أبعاداً نفسيةً، بل وأبعاداً سيمولوجيةً حتّى، يمكن إعتبارها أبعاداً نوعيّةً.  

جوفاء ومغالية وغير مناسبة في حالة الإصابة بمرض بيك؛ بسيطة وحماسية وعفوية، ومُعدية أحياناً، في حالة الهوس؛ تُفتَقَدُ لدرجة عدم قدرة المريض على التفاعل مع المُحفزات المثيرة للضحك في حالات الإكتئاب والقلق وحالة الفِصام، حيث يظهر نوع من العجز على إدراك أو تقدير السخرية.

أحد أهم الأخصائيين في هذا الموضوع، هو رود أ. مارتين (2008)، يُعرِّف السخرية، بوصفها:

 ظاهرة إجتماعية معرفية (إدراكية) مؤثرة. 

ففي بُعد السخرية المؤثِّر، يحضر إنفعال حسي إيجابي محدد، يُسميه السيّد رود:

 "مَرَحاً"، وهو شبيه بإنفعالات حسيّة إيجابيّة أخرى كالفرح والسعادة. 

لكن، يُدخِلُ المَرَحُ سمةً نوعيّةً مُميِّزةً مُرتبطةً "بالتسلية واللهو".


يظهر المرح عندما يبرز، ما يعتبره الوسط المحيط عنصراً غريباً متناقضاً أو غير مألوفاً أو غير معتاداً أو مُفاجئاً، بل يجب حضور شيء من عدم الجديّة حتى. 

في السخرية المُعدّة مُسبقاً (العمل الكوميدي في عالم العمل الدراميّ)، يُبحَثُ عن هذا العُنصر الغريب المُتناقض بالضبط، بحيث تنتج السخرية عن التحليل العقلي لما يُسمَع أو يُشاهَد، الذي يُوقِظ، بشكل مُفاجيء، إنفعالَ المرحِ الحسيِّ، والمؤشِّر غير الكلامي هو الإبتسامة أو الضحك. 

أخيراً، السخرية، بحسب نموذح السيّد مارتين، هي:

 ظاهرة إجتماعية مُوحِّدة في الجوهر. 

نضحك أكثر، كبشر، عندما نجتمع سوياً أو نترافق، فالجزء الأكبر من النكات ذو صلة بمواقف وأوضاع إجتماعية عامة.

الضحكة عبارة عن شحنة وظاهرة تتوازى، إلى حدٍّ ما، مع الصَرْع، بحيث يمكن أن يظهر تحفيز كهربائي لمناطق محددة من الدماغ على شكل نوبات تشنجية أو بشكل عفويّ، فتنبعث دون تحفيز في بعض الحالات المرضيّة العصبيّة مثل مُتلازمة التقلقل (التقلقل العاطفي أو عدم الثبات الإنفعالي، أو بالإسم العلمي الوجدان البصلي الكاذب أو العاطفة البصلية الكاذبة). 

كذلك، هناك نوع من النوبات التشنجية (صرع خاص)، وتبدأ هذه التشنجات، عادةً، مع ضحكة سطحية أو فارغة، بمعنى لا تُعبّر عن المرح فتحدث فجأة ودون حضور مُحفِّز واضح للمرح، من أهم عوارض مرض الكورو:

 هذه الضحكة التشنجية القهرية، التي تصل لتُصبِحَ قاتلة أحياناً.

 لكن، يُعتبر الضحك ظاهرة إجتماعية، وكذلك، مُعدية، لدرجة توصيف حالات إنتشار سريع مرضيّة للضحك (الأبرز بينها، في تنزانيا، منذ ما يقرب من 50 عام). 

جرى ربط هذه العدوى بالضحك بالخلية العصبية المرآتية.

بحسب جان هوف، ربما تعود القاعدة النشوئية التطورية (الفيلوجينية) إلى "التعبير الإرتخائي مع الفم المفتوح"، وهي علامة لعب، حين ينفتح الفم، تغطي الشفتان الأسنان العليا ويرتخي كلّ من الوجه والجسد. 

في المقابل، تأتي الإبتسامة من "التعبير الصامت والأسنان داخل الفم" وشدّ الشفتين وزوايا الفم، فيحسّ الحيوان بأسنانه جيداً خلال إغلاق الفم. 

كما يُشير مارتين، هي علامة ودية صادرة عن حيوان ذو مكانة مُهيمنة؛ وعلامة خضوع أو إسترضاء لدى حيوان ذو مكانة أدنى.

 لدى البشر، تترافق الضحكة مع السخرية، فيما يمكن إستعمال الإبتسامة في سياق نشوئي تطوري كإشارة للمودة وعلامة للمرح أو التسلية بكثافة أقلّ كإستجابة سخرية.


لفت إنتباه داروين ضحك الشمبانزي بعد دغدغة منطقة الإبط لديها. 

الدغدغة هي ظاهرة مثيرة قائمة لدى أنواع عديدة من الثدييات، لكن، ربما ينحصر حضورها عند الرئيسيات الكبرى، فلدى بعض القرود القدرة على التسبُّب بحدوثها. 

فمُسببات الدغدغة العصبية الوظيفية العضوية غير معروفة، فلا يُعرَف أيّ "ناقل عصبي خاص بالدغدغة":

 وهو ما يدعو للإستنتاج بأنها تُبنى بمستوى دماغي فتثير أحاسيس متنوعة.

 يجري التمييز بين نوعين من الدغدغة، هما:

دغدغة خفيفة، تنتج عن لمسات لطيفة بإستعمال أغراض أو المداعبة اللطيفة  (تمرير ريشة أو شيء آخر على الجلد).

دغدغة كثيفة قويّة، تنتج عن لمسات أقوى وتثير المتعة أكثر، هنا، نتذكر ما يقوم الأهل به مع صغارهم، الذين يضحكون بكثافة بعد الدغدغة.

لكن، الدغدغة ليست الشيء الوحيد المثير للضحك لدى الرئيسيات. 

تضحك الشمبانزي خلال اللعب والمُلاحقات الودية ومحاكاة الهجمات. 

رغم عدم تطابق آليته (نضحك كبشر مُدخلين الهواء بالشهيق؛ يضحك الشمبانزي بحالة الشهيق أيضاً، لكن، شدة تذبذبات الحبال الصوتية أقلّ لديه من هذه الشدّة عندنا)، يوحي حضور الضحك لدى أقاربنا الأقرب بوجود سلف مشترك ضاحك، قد سمح بظهور الضحك عندنا منذ حوالي 5 إلى 7 مليون عام. 

مع ذلك، فيما لو نأخذ ضحكة السعلاة الخجولة بعين الإعتبار، الذي نتقاسم سلفاً مُشتركاً معه أبعد، فسيتوجب علينا تأريخ بدء الضحك إلى ما قبل 14 مليون عام. 

تسمح دراسة المزايا الصوتية لضحك الرئيسيات، على نحو ملموس، بتحضير الأشجار النشوئية التطورية، من خلال وضع تلك المزايا في مخططات النشوء التطورية ومخططات النسل للربط بين أنواع الرئيسيات وفهم العلاقة بينها. 

بل تمكنوا من تحديد التاريخ التطوري للضحك لدى البشرانيات (القرود العليا):
سلف ضاحك عند إنفصال السعلاة عن باقي القرود الكبرى.

سلف ضاحك آخر عند إنفصال البعام (الشمبانزي والبونوبو) عن الجنس هومو، الذي ننتمي نحن البشر له.

بأخذ ما ورد أعلاه بعين الإعتبار، تظهر الإبتسامة ويحضر الضحك لدى رئيسيات أخرى، كإستجابة للدغدغة أو في مواقف وأوضاع مسلية ممتعة. 

تكمن القضية بإمكانية العثور على صيغة ما للسخرية لدى هذه الأنواع الحية، فالسخرية عملية إدراكية أساسيّة بالضحك. 

بحسب فرانس دي فال، الشمبانزي قادر على خلق نوع من المُزاح واللعب مع إضفاء شيء من السخرية، فيسمح له بإمتلاك معلومة عن المحيط الإجتماعي وإختبار أو كشف حدود السلطة القائمة فيه (قبول أو رفض هذا المُزاح من باقي أفراد الشمبانزي:

 يختبر ويكشف المُهيمنين أو المتسلطين من أولئك الأفراد). 

يتمكن بعض أفراد الشمبانزي والغوريللا، ممن تعلَّموا التواصل بلغة الإشارة، من إستعمال لغة ذات دلالات مَرِحة تُذكِّر بالسخرية، كاللعب على الكلمات وشتائم لطيفة وإستعمالات مُتنافرة للكلمات، والتي تترافق مع ضحكة شبه بشرية أحياناً.

يتبع

المصدر الأساسيّ مع مصادره الأصليّة

Evolución y Neurociencias Blog, Pablo Malo, psiquiatra, miembro de la Txori-Herri Medical Association y del grupo de psicorock The Beautiful Brains. Interesado en Psicología y Biología Evolucionista, Teorías Evolucionistas sobre el Humor y la Risa, Pablo Malo, Juan Medrano, Jose Juan Uriarte, Txori-Herri Medical Association

https://evolucionyneurociencias.blogspot.com/2012/10/teorias-evolucionistas-sobre-el-humor-y.html

Alexander RD (1986). Ostracism and indirect reciprocity: the reproductive significance of humor. Ethol Sociobiol; 7: 253-70.

Barrett L, Dunbar R, Lycett J (2002). Human Evolutionary Psychology. Princeton: Princeton University Press.

Bennett MP, Lengacher C (2009). Humor and Laughter May Influence Health IV. Humor and Immune Function. Evid Based Complement Alternat Med; 6: 159-64.

Bennett MP, Lengacher CA (2006) .Humor and laughter may influence health. I. History and background. Evid Based Complement Alternat Med; 3 :61-3.

Bergson H (1899/2008). La risa: ensayo sobre la significación de lo cómico. Madrid: Alianza Editorial

Davila Ross M, Owren MJ, Zimmermann E (2010). Reconstructing the evolution of laughter in great apes and humans. Curr Biol; 19: 1106-11.

De Waal F (1993). La política de los chimpancés. Madrid: Alianza Editorial

Dossey L (2010). Strange contagions: of laughter, jumps, jerks, and mirror neurons. Explore (NY); 6: 119-28.

Freud S (1905/1981). El chiste y su relación con lo inconsciente. En Freud S. Obras completas de Sigmund Freud (Traductor: L. Ballesteros y de Torres), cuarta edición. Madrid: Nueva, p. 1029-167.

Fried I, Wilson CL, MacDonald KA, Behnke EJ (1998).Electric current stimulates laughter. Nature; 391: 650

Greengross G, Miller GF (2008). Dissing Oneself versus Dissing Rivals: Effects of Status, Personality, and Sex on the Short-Term and Long-Term Attractiveness of Self-Deprecating and Other-Deprecating Humor. Evol Psychology; 6: 393-408

Hobbes T (1651/1996). Leviatán. Madrid: Alianza Editorial.

Howrigan DP, Mc Donald (2008). Humor as a Mental Fitness Indicator. Evol Psychology; 6: 652-66

Isen AM (2002). Missing in action in the AIM: Positive affect's facilitation of cognitive flexibility, innovation, and problem solving. Psychol Inq; 13: 57-65.

Jung WE (2003). The Inner Eye theory of laughter: Mindreader signals cooperator value. Evol Psychology; 1: 214-53.

Kant I (1790/2007). Crítica del juicio. Madrid: Espasa-Calpe

Leavens DA (2009). Animal communication: laughter is the shortest distance between two apes. Curr Biol; 19: R511-3.

Martin RA (2001). Humor, laughter, and physical health: methodological issues and research findings. Psychol Bull; 127: 504-19.

Martin RA (2008). Psicología del humor: un enfoque integrador. Madrid: Orión.

Miller M, Fry WF (2009). The effect of mirthful laughter on the human cardiovascular system. Med Hypotheses; 73: 636-9.

Mora-Ripoll R, Ubal-López R (2011). La risa: diferencias según el género. Rev Clin Esp; doi: 10.1016/j.rce.2010.10.013

Ostrower C. Humor as a defense mechanism in the Holocaust. Thesis confirm by the Senate of Tel-Aviv University to conferred the Degree "Doctor of Philosophy". January 2002. Disponible en: http://web.macam98.ac.il/~ochayo/absractn.pdf.

Polimeni J, Reiss JP (2006). The First Joke: Exploring the Evolutionary Origins of Humor. Evol Psychology; 4: 347-66

Polimeni JO, Campbell DW, Gill D, Sawatzky BL, Reiss JP (2010). Diminished humour perception in schizophrenia: relationship to social and cognitive functioning. J Psychiatr Res; 44: 434-40

Ramachandran VS (1995). Anosognosia in parietal lobe syndrome. Conscious Cogn; 4: 22-51.

Ramachandran VS (1996). The evolutionary biology of self-deception, laughter, dreaming and depression: some clues from anosognosia. Med Hypotheses; 47: 347-62.

Ramachandran VS (1998).The neurology and evolution of humor, laughter, and smiling: the false alarm theory. Med Hypotheses; 51: 351-4

Ramachandran VS (2011). The tell-tale brain. Unlocking the mystery of human nature. London: William Heinemann.

Rodden FA (2007). The funny meat behind your eyes. En Cohen H, Stemmer B, editores. Consciousness and Cognition: Fragments of Mind and Brain. Amsterdam: Academic Press (Elsevier)

Ross MD, Owren MJ, Zimmermann E (2010).The evolution of laughter in great apes and humans. Commun Integr Biol; 3: 191-4.

Schopenhauer A (1818/2003). El mundo como voluntad y representación. Madrid: Trotta.

Sugawara J, Tarumi T, Tanaka H (2010). Effect of mirthful laughter on vascular function. Am J Cardiol; 106: 856-9.

Szameitat DP, Kreifelts B, Alter K, Szameitat AJ, Sterr A, Grodd W et al (2010). It is not always tickling: distinct cerebral responses during perception of different laughter types. Neuroimage; 53:1264-71.

Valbuena de la Fuente F (2002). El humor en Thomas Hobbes. CIC (Cuadernos de Infornación y Comunicación); 7: 47-51

Van Hooff JARAM (1972). A comparative approach to the phylogeny of laugher and smiling. En Hinde RA, editor. Nonverbal Communication. Cambridge: Cambridge University Press; p. 209-241

Vonnegut K (1997). Timequake. New York: Berkley Books

Weisfeld G. (1993). The adaptive value of humor and laughter. Ethol Sociobiol; 14: 141-69

Ziv A, Gadish O (1990). The disinhibiting effects of humor: aggressive and affective responses. Humor; 3: 247–58.

مواضيع ذات صلة

قضايا تطوريّة (1) الآلات الداروينية وطبيعة المعرفة




2026/05/07

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (2)

 

الحدودُ الحيويّةُ (البيولوجيّة) للتعلُّمِ: أثر غارسيّا

في هذا الموضوع، سيجري بحث التعليم المُعدّ (الآتي مع الكائن الحيّ عند ولادته بالضبط)، والذي بحسبه تبدو الكائنات الحيّة مُعدّة تطورياً للربط بين مُحفزات معينة وإستجابات مؤكدة.

 سنرى أثر غارسيّا، بالتحديد، والذي يُشير إلى إكتشاف أنّ الفئران تربط الغثيان بالغذاء؛ وليس بالأضواء أو الأصوات. 

قد يحدث هذا الأثر لدى الفئران، لأنها قد عانت من الغثيان في بيئتها وطوال تاريخها التطوري بسبب السموم ومسببات الأمراض؛ لا بسبب الأضواء أو الأصوات.

 تُثبِتُ هذه الظاهرة بأنّ الفئران (وجميع الكائنات الحيّة) قد تطورت، لكي:

 تتعلم أشياءاً بسهولة أكبر من أشياءٍ أخرى. 

بإختصار، ستُشكِّلُ هذه الظاهرة مثالاً على أننا لسنا صفحات بيضاء (ولا ألواح فارغة). 

بدايةً، تذكير طفيف بالإشراط الكلاسيكي الذي بدأ مع بافلوف وتجربته الشهيرة على الطعام والكلب والجرس.

 الغذاء هو المُحفِّز غير المشروط المُنتِج، بصورة طبيعية، للعاب الكلب. 

الجرس هو المُحفِّز المشروط ، الذي يُسبِّب، حين يترافق مع الغذاء، إفراز اللعاب لدى الكلب أيضاً. 

خلال زمن هذا الإكتشاف، فكَّرَ كثيرون بإمكانية ربط أيّ مُحفِّز بأيّة إستجابة. 

ما سنعرضه فيما سيلي،  سيُبيِّن أن الأمر ليس هكذا، بل يحتاج التعلُّم لآليات تطورية تعلُّمية وأن أدمغة الحيوانات المختلفة مزودة بآليات تعلُّمية مختلفة. 

نقول بأنّ التعلُّم ليس عملية عامة بل خاضعة لمحددات:

 تُصعِّب إرتباطات وتُسهِّل أخرى. 

تعود دراسات النفور المشروط بالتذوُّق إلى أربعينيات القرن المُنصرم، عندما إستعملوا السموم للقضاء على آفتي الفئران والجرذان. 

فقد لاحظوا بأنّ الجرذان قد جرَّبت وأكلت كميات صغيرة من الطُعم المسموم. 

بفضل هذا التعامل الحذر، لم تمت الجرذان رغم معاناتها من السمّ المُستهلك. 

لكن، بمجرد شفائها من السمّ، توقفت عن تجريب الطُعُم أو الأكل منه تماماً.

لكن، جون غارسيّا، هو الذي أثبت:

 وجود "النفور المشروط بالتذوُّق" خلال عقد الخمسينيات من القرن المُنصرم. 

فقد درس غارسيّا بجامعة كاليفورنيا، بريكلي، وعمل لصالح البحرية في سان فرانسيسكو دارساً آثار الإشعاع على الجرذان (الذي يتسبب بظهور إزعاج هضمي بين أشياء أخرى).

 لاحظ غارسيّا أنه عندما أعطى الجرذان الماء بعلب بلاستيكية قبل التسبب بظهور مرض بواسطة الإشعاع لهم قد شربوه، لكن، فيما بعد، تجنبوا شرب المياه من تلك العلب. 

وعندما قدَّمَ لهم الماء في علب زجاجية قد تناولوه.

 إعتبر غارسيّا وزملاؤه بأنّ علب البلاستيك تعطي طعماً خاصا للماء، قد ربطته الجرذان بالمرض اللاحق الناتج عن التعرُّض للإشعاع.

 إختبر غارسيّا هذه الفكرة بإعطاء الجرذان لسائل مُحلى قبل التعرُّض للإشعاع. 

كما توقَّعَ، عندما عرض عليهم ذات السائل المُحلى بعد التعرض للإشعاع:

 قد تجنبوه. 

إستمر نفورها من هذا السائل المُحلى لأكثر من شهر، رغم أنّ هذه الموقف قد ظهر بعد تعرُّض وحيد رابط للسائل المُحلى بالتعرُّض للإشعاع. 

لفت إنتباه غارسيّا بأنّ الجرذان لم تتجنب المرور بمكان تلقي الجرعة الإشعاعية، وإن حدث، فقد تطلب زمناً كبيراً ليحدث هذا التجنُّب وإن بشكل قليل الإستقرار مقارنة بتجنُّب مبني على التذوُّق لطعم معين.

 أهم نتيجة لهذه المُلاحظة، هي:

 لا يترافق كل مُحفِّز (في هذه الحالة، البيئة الخارجية مقابل الطَعْم) بذات القدر مع الإنزعاج من الإشعاع. 

بوقت لاحق، حقق غارسيّا وزميله روبرت كولينغ إختبارات شهيرة، عُرِفَت بإسمهما، حيث إستخدما صنبوراً شربت الجرذان منه وقد ترافق الشرب مع إشعال ضوء لامع وإصدار صوت، بعد ذلك، عرضوها للأشعة.

 الجرذان التي خضعت للإختبار، قد تجنبت شرب السائل المُحلى رغم عدم ترافقه بصوت ولا ضوء. 

مع ذلك، لم يكن لدى ذات الجرذان مشكلة بشرب سائل غير مُحلى رغم إشعال الأضواء وإصدار الأصوات. 

بينت تلك النتائج، بوضوح، بأنّ الطعم الحلو قد إرتبط بشكل أقوى مع الأشعة منه مع الأضواء والأصوات رغم إرتباط المحفزات الثلاثة بالإنزعاج الناشيء عن التعرض للأشعة.

عندما ترافقت هذه المحفزات (الطعم / الضوء / الصوت) بصدمة كهربائية لمجموعة أخرى من الجرذان، ربطت الجرذان المحفزات الصوتية والبصرية مع الصدمة الكهربائية لا الطعم الحلو.

 إعتباراً من هذه النتائج، طرح غارسيّا فكرته القائلة بوجود إنتقاء في التعلُّم، ولهذا، إرتبط الطعم، تفضيلياً، بوعكة هضمية؛ فيما إرتبطت المحفزات الصوتية والبصرية بالصدمة الكهربائية.

 تعارضت هذه الخُلاصة مع أفكار سائدة خلال تلك الحقبة، والتي إعتبرت بأنّ أيّ نوع من المحفزات أمكنه الإرتباط بأيّ عاقبة أو إستجابة.

لكن، أثبت غارسيّا وزملاؤه شيئاً إضافياً متجاوزاً للنفور المشروط بالذوق. 

ففيما لو شربت الجرذان سائلاً مُحلّى، وبوقت لاحق، قد تسبب دواء ما بمرضهم (إستفراغ ناشيء عن حقنة آبومورفين)، فقد إكتسبت الجرذان نفوراً حتى لو تأخر الحقن بالآبومورفين لمدة 75 دقيقة. 

تناقض هذا مع معارف الحقبة المؤسسة على دراسة المحفزات الصوتية والبصرية التي وجدت بأنّ التعليم لم يحدث فيما لو زاد التأخير عن بضع ثواني فقط. 

تعارض كل ما توصَّل غارسيّا إليه مع قوانين التعلُّم السائدة بتلك الحقبة، وقُوبِلَت نتائجه بالتشكيك وبمعارضة واضحة، فقد رفضت مجلات عديدة نشر مقالاته (مزح غارسيّا قائلاً بأنّ مُحرِّري ومُراجعي المواضيع في المجلات قد أصابهم "رُهاب من كل شيء جديد!").

بدقّة، لم يتم إستقبال أفكار غارسيّا جيداً لأنّه قد إعتبر بأنّ لنتائج إختباراته تفسيراً تطورياً، فإقترح بأنّ التطور قد صاغ هذه الميزات.

 تحديداً، شكَّلَت القدرة على ربط طعم بأثر سُميّ إثر تعرُّض وحيد تكيفاً فائقاً، قد سمح للحيوانات بتفادي تبعات قاتلة جرّاء تناول السموم. 

بإعتبار أنه غالباً ما يظهر المرض بسبب التعرُّض لسموم نباتية أو لحوم سيِّئة، فالحيوانات التي تمكنت من ربط الذوق بالأمراض، قد إمتلكت:

 فائدةً تطوريةً.

بوقت لاحق، تضاعف عدد تلك الإختبارات وقُبِلَت وجهة النظر حول وجود مُحدِّدات حيويّة (بيولوجية) للتعلُّم. 

تقترح هذه الرؤية بأنه رغم عمومية ظاهرة التعلُّم، يمكن أن تصبح محدودة أو مُتاحة على قاعدة التاريخ الطبيعي للحيوان؛ وأنه على نظرية التعلُّم الحيواني والإشراط أخذ التاريخ الطبيعي للنوع الحيّ بعين الإعتبار. 

 

كذلك، معروف ما حدث مع الأخصائي النفسي مارتن سيليغمان وقد أسماه "متلازمة صلصة البيارنيز":

 ففي أحد الأيام، شعر سيليغمان بنوع من التوعُّك الصحي إثر خروجه للعشاء مع بعض الأصدقاء، وفي الغالب، وعكة معدية أمعائية ذات منشأ فيروسي، وقد تناول خلال العشاء تلك الصلصة، ورغم علمه بأنها غير مسؤولة عن وعكته تلك، فقد إمتنع عن تناول الصلصة خلال سنوات كثيرة.

بعيداً عن النفور من الطعم، كذلك، هناك أمثلة حول التعلّم الجاهز بتطوير رُهابات، والذي يُلاحَظ لدى القرود من خلال تطويرها للخوف من الأفاعي بسهولة بالغة، حتى بعد التعرُّض لمرة واحدة فقط لها، لكن، لا تُطوِّرُ هذا الموقف مع الأرانب ولا مع الأزهار.

 لم تُطوِّر أنواع حيّة، لم تتحول لفرائس أو ضحايا لهجمات الأفاعي، على سبيل المثال، آليات التعلُّم من خوف مُحدّد. 

كما قلتُ في البداية، يوحي كل هذا بأنّ آليات تعلُّم نوع حيّ مُعين يمكن أن تختلف بإختلاف الإحتياجات، التي حضرت لدى هذه الأنواع الحية خلال ماضيها التطوريّ وأننا لسنا ألواحاً بيضاء، بل نأتي إلى العالم مع جهوزية ما مُسبقة لتعلُّم أشياء بسهولة أكبر من أشياء أخرى.

المصدر الأساسيّ ومصادره الخاصة

Límites biológicos al aprendizaje: el Efecto García, Evolución y Neurociencias Blog, Pablo Malo, psiquiatra, miembro de la Txori-Herri Medical Association y del grupo de psicorock The Beautiful Brains. Interesado en Psicología y Biología Evolucionista

https://evolucionyneurociencias.blogspot.com/2019/07/limites-biologicos-al-aprendizaje-el.html

Terry Davidson y Anthony Riley.(2015) Taste, Sickness and Learning American Scientist vol 103 number 3: 204

Garcia, J. 1981. Tilting at the paper mills of academe. American Psychologist 36:149–158.

Garcia, J., D. J. Kimeldorf, and R. A. Koelling. 1955. Conditioned aversion to saccharin resulting from exposure to gamma radiation. Science 122:157–158.

Garcia, J., and R. A. Koelling. 1966. Relation of cue to consequence in avoidance learning. Psychonomic Science 4:123–124.

Garcia, J., F. R. Ervin, and R. A. Koelling. 1966. Learning with prolonged delay of reinforcement. Psychonomic Science 5:121–122.

مواضيع ذات صلة

قضايا تطوريّة (1) الآلات الداروينية وطبيعة المعرفة

قضايا تطوريّة (3) نظريات تطورية حول السخرية والضحك

قضايا تطوريّة (4) نظريات تطورية حول السخرية والضحك

قضايا تطوريّة (5) متابعة نظريات تطورية حول السخرية والضحك

قضايا تطوريّة (6) متابعة نظريات تطورية حول السخرية والضحك

2026/04/30

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (1)


 الآلات الداروينية وطبيعة المعرفة


تُولَدُ جميع الحيوانات، التي يمكنها التعلُّم والتفكير، وهي تعرف ما عليها تعلمه والتفكير به.

هذا الموضوع مأخوذ من كتاب "آلات داروين وطبيعة المعرفة" لمؤلفه هنري بلوتكين. 

ظهر الكتاب العام 1993 ويستخدم بلوتكين فيه نظرية التطوُّر لفهم المعرفة: 

إن نتمكن من أن نعرف، ما الذي بإمكاننا معرفته، كيف يمكننا التأكُّد مما نعرف، ...إلخ، أي، يُطبّق نوع من علم المعرفة التطورية، نظرية معرفة ذات جذور داروينية (وضع دونالد ت. كامبل مُصطلح "علم المعرفة التطورية" العام 1974 ويُشير من خلاله إلى تحقيق دراسة بيولوجية للمعرفة).

 رغم أنّ بلوتكين أخصائي نفسيّ، وأن دراسة المعرفة قد شكَّلت مادة خاصة بالفلاسفة، للكتاب إيقاع فلسفي واضح جداً، مكتوب جيداً، لكن، هناك مقاطع صعبة وتحتاج إلى الكثير من التركيز.

 فهو ليس يسيراً جداً على المُتابعة. 

يتصدى الفصل الأول لمشكلة المعرفة ولتعريفها.

 بالنسبة لبلوتكين، المعرفة عبارة عن حالة ذهنية أو عقلية ذات علاقة محددة مع ميزة ما للعالم.

 فالمعرفة هي معرفة شيء، يجب أن يحضر خارج العقل في العالم، هو شيء مستقلّ عن معرفتنا. 

كُلُّ معرفة عبارة عن علاقة بين مَنْ يعرف وما هو معروف.

 بدايةً، نستبعد الذاتوية (وحدة الأنا) وبحضور النظرية التطورية يتوجب علينا القبول بأنه يوحد عالم هناك في الخارج.

 شيء آخر هو أنّه في هذا العالم، كما هو وكما نُدركه نحن، يوجد أحياء آخرون يمكنهم إدراكه بصيغة مختلفة عنّا، لكن، لا نهذي جميعاً حول واقع خارجي. 

عادةً ما يُعرِّف الفلاسفة المعرفة كإعتقاد صحيح (حقيقي) مُبرَّر.

لأجل المعرفة والتعلُّم، الذاكرة عنصر أساسيّ، ويجب أن تُشكِّل الذاكرة حالة دماغية متواصلة تملأ الفجوة الزمنية بين لحظة حدوث حوداث معينة والإستعمال المستقبلي الممكن للمعرفة الخاصة بها.

 هكذ،ا إذاً، بالنسبة لبلوتكين، المعرفة عبارة عن علاقة (إرتباط) بين تنظيم جزء ما من جسم الكائن الحيّ وجوانب خاصة من النظام في العالم الخارجي بالنسبة لهذا الكائن. 
يقول هذا مُعتبراً المعرفة ضمن معنى واسع، كما سنرى فيما سيلي، لكن، كذلك، إن نُشير إلى المعرفة البشرية التقليدية لشيء ما. 

حال معرفتي لمن يحتل منصب رئيس الوزراء في بريطانية؛ أو من فاز بكأس العالم برياضة ما خلال عام معين، فيجب حضور حالة عصبية محددة  في دماغي من جانب وبلد إسمه بريطانية لديه رئيس وزراء؛ أو بطل رياضي فائز عالمياً، من الجانب الآخر.

تكيُّفات

قبل أن نواصل علينا الحديث حول مفهوم التكيُّف لأنه أساسيّ في الفرضية التي يقترحها في كتابه.

 التكيُّف عبارة عن سمة جسدية، أو سلوكية، قد تطورت بالإنتقاء الطبيعي لأنها تزيد من النجاح التكاثريّ للكائن الحيّ الحامل لها (بدقّة، هي تلك المزايا المتوفرة في النباتات والحيوانات، التي تُدهشنا وتُفرحنا وتجعلنا نُفكِّر بحكمة الطبيعة). 

التكيُّف هو صيغة ما لتنظيم النمط الظاهريّ بالنسبة لميزة ما حاضرة ضمن النظام البيئيّ. 

حسناً، بالنسبة لبلوتكين، كل تكيُّف هو صيغة معرفة؛ والتطور، بذاته، هو عملية يتم عيرها تحصيل هذه المعرفة. 

عندما نُلاحظ العالم نرى تناغماً بين تنظيم وبنية الحيوانات والنباتات والعالم الذي تعيش فيه. 

هذا الإنطباق أو التوافقات بين الكائنات الحيّة ومحيطها هو النتيجة التي، بطريقة ما، قد أدخلت الكائنات الحية لجوانب من هذا العالم، حيث تتوافق معه ضمنها. 

التكيُّفات بذاتها عبارة عن معرفة، هي بذاتها عبارة عن صيغ "دمج أو إدخال" للعالم ضمن بنية وتنظيم الكائنات الحيّة.

 التكيُّفات عبارة عن معرفة بيولوجية؛ والمعرفة التي نُشير إليها عادة – المعرفة الإدراكية الواعية لكائن مثل الإنسان – ه حالة خاصة من المعرفة البيولوجية. 

يقول بلوتكين: 

"عندما نتوصل لمعرفة شيء ما، فقد حقَّقنا فعلاً بيولوجياً مُكافئاً لعملية هضم شيء ما".

البُنية التي تُتيح لنبات الصبّار تخزين المياه، هي:

 صيغة معرفة خاصة بشحّ المياه في العالم الذي يعيش الصبّار به. 

منقار الطائر الهزاز الطويل، هو:

 إشارة إلى معرفة بنية الأزهار التي يستخرج الطائر الرحيق منها. 

هكذا، إذاً، بمعنى ما، يمكننا القول بأنّ الصبّار أو طائر الهزّاز لديهم - أو حتّى هم – معرفة بالعالم.

 قد يبدو قول هذا كتحميل مُصطلح المعرفة ما لا قدرة له على حمله، لكن، يريد بلوتكين أن يُشير إلى أنّ المعرفة عبارة عن علاقة معقدة بين المورثات وضغوط الماضي الإنتقائيّة، بين طرق تطوُّر والشروط (الظروف) التي يحدث التطور خلالها، بين تنظيم نمط ظاهريّ ومزايا محددة ونظام في بيئتها (نظام بيئي).

 تمتلك الحياة معرفة حول العالم: 

تصنع خبرة العالم صبغة ووظيفة الكائنات الحيّة عبر آليّة وراثيّة والتطور. 

تصل الكائنات الحيّة إلى العالم مُجهزة "بمعرفة غريزية"، أي معرفة غير ثقافية بل تجريبية.

 تصل السمكة إلى البحر أو المحيط مزودة بزعانف وخياشيم وجسم مغزليّ لأنها "تأمل" أو "تعرف" بأنها ستجد العالم الذي ستحتاج فيه إلى هذه الأشياء، تُراكِمُ مورِّثاتها معرفة آتية من الماضي البعيد، وقد أثبتت أنها فعّالة للبقاء على قيد الحياة في هذا العالم الذي تنخرط فيه. 
 
لنسترخي قليلاً بعد أن دخلنا، على نحو فُجائي، إلى أعماق البحار والمحيطات. 


قلنا بأنّ بلوتكين قد تحدث حول مشكلة المعرفة في الفصل الأوّل من كتابه سالف الذكر. 
في الفصل الثاني، يُحضِّرُ مادة موجزة حول نظرية التطوُّر. 

فيما يُخصِّص الفصل الثالث للحديث حول مفهوم الداروينية الكونية الذي وضعه ريتشارد داوكينز.

 التطور عبارة عن عملية متميزة بجانبين، هما: 

التنوُّع + الإنتقاء.

 تتولد تنوعات في النمط الظاهري لدى أفراد الكائنات الحيّة من خلال حدوث طفرات في المورِّثات، ولاحقاً، تنتقي البيئة تلك التي تُحقِّق نجاحاً تكاثريّاً أكبر.

 لكن، حدَّدَ بلوتكين ثلاث مزايا أساسيّة لكي يحضر التطوّر: 

التنوُّع + التوريث + نجاح تكاثريّ مختلف.

 إن يكن هناك تنوعاً بملمح ما، إن يكن هذا الملمح موروث جزئياً على الأقلّ، وإن يعطي هذا الملمح نجاحاً تكاثرياً بقلّ أو يكبر، بالتالي، سينشط الإنتقاء الطبيعي وسيحذف التنوعات ذات النجاح التكاثريّ الأقلّ، والتي تُعطي عدد نسل أقلّ، لينشر التنوعات التي تعطي متحدرين أكثر.    

بالتالي، لدى حدوث الشروط الثلاثة (التنوُّع + التوريث + نجاح تكاثريّ مختلف) تظهر عملية الإنتقاء، ولا يجب حصر هذا الأمر بأفراد نوع حيّ. 

يمكن تطبيق هذه العملية الداروينية على جزيئات وجماعات وأنواع حيّة، أو حتّى على عمليات غير بيولوجية مثل فيروسات المعلوماتية.

 إعتبر كثيرون بأنّ اللغة، على سبيل المثال، خاضعة لعملية تطوُّر شبيهة بتطور الأنواع الحيّة، فهناك توريث متنوع ونجاح مختلف على مستوى إستخدام كلمة ما أو تعبير مقارنة بكلمات وتعابير أخرى وهو ما يُفسِحُ المجال لحدوث التطوُّر.

 تختلف اللغة الإنكليزية، وكذلك الإسبانية، القديمة عن الإنكليزية الدارجة اليوم ويمكننا التعامل مع تطور اللغات بذات الطريقة التي تظهر من خلالها لغات منقرضة كالأنواع الحية المنقرضة. 

كذلك، يعمل جهاز المناعة عبر عملية تنوُّع وإنتقاء (يُنتِجُ أنواعاً كثيرة من الغدد اللمفاوية ومضادات الأجسام التي تنتقي ما يتناسب معها من مواد مُهاجِمَة). 

كذلك، تتبع عملية التقانة، بالإضافة للعلم والثقافة، عملية تطورية. 

يستخدم بلوتكين مفهوم الداروينية الكونية ليقول أنّ المعرفة الفكرية عبارة عن عملية تنوُّع – إنتقاء، وبالتالي، هي عملية داروينية. 

سلوك بلا تفكير

في الفصل الرابع، ينتقل بلوتكين لبحث السلوك، وعنوان الفصل هو "سلوك بلا تفكير".

 كذلك، يُعتبر السلوك تكيُّفاً ويتطور السلوك مثله مثل الملامح الجسدية. 

الكائنات ذاتية التغذية، مثل النباتات، بإمكانها تصنيع المنتجات المعقدة اللازمة لحيواتها، بما فيها تلك المواد الداعمة للعمليات الحيوية، إعتباراً من مواد لاعضوية.

 لهذا، بإمكانها التواجد بمكان وأخذ غاز ثاني أوكسيد الكربون من الهواء بالإضافة إلى عناصر أخرى مثل الآزوت والمغنزيوم والفوسفات من التربة.

 لكن، كائنات حيّة غيرية التغذية، مثلنا كبشر وحيوانات كثيرة أخرى، فلا يمكننا تحقيق هذا الأمر.

 يجب على الحيوانات تناول النباتات أو حيوانات أخرى آكلة للنباتات، ولا تنتشر مثل إنتشار الهواء والضوء طبعاً.

 يتوجب على الحيوانات التحرُّك لتحصيل غذائها. 

وبدت الحاجة إلى الحركة قوّة إنتقاء أساسيّة لخلق عضو مُننظِّم للحركة (الجهاز العصبي والدماغ) بالإضافة إلى أجهزة الحواس، التي سمحت بتحقيق توجيه أفضل للحركة.

 شكَّلَت الحركة قوّة الإنتقاء الأساسيّة في تطوُّر التعليم والسلوك.

بالتالي، تعود أصول السلوك إلى الحركة. 

ترتبط المسلكيات بالفعل لا بالوضع.

 يُحاكي بلوتكين تعريف جان بياجيه للسلوك، قائلاً:

 "يتوجَّهُ كل فعل، تقوم الكائنات الحية به، نحو العالم الخارجيّ لتغيير شروطه (ظروفه) أو لتغيير وضع علاقتها به".

 بالتالي، سيُشكِّل السلوك فعلاً أو حركةً ذات هدف. 

على سبيل المثال، عندما يتبوَّلُ الكلب رافعاً ساقه، فهذا عبارة عن سلوك، لأنّه يُحدِّدُ نطاقاً أرضياً؛ ويتوجَّهُ سلوكه هذا نحو العالم الخارجيّ (أي نحو أقرانه أو أشباهه في هذه الحالة). 

لكن، لدى تبوُّل كلبة لأجل إفراغ مثانتها من السوائل الزائدة فقط، فهذا ليس بسلوك؛ بل هو عبارة عن عملية أو وظيفة فيزيولوجية لا أكثر ولا أقلّ.

 السلوك بالنسبة لبلوتكين، كما هو مفترض، هو نوع من التكيُّف، وبالتالي، هو نوع معرفة، وبناءاً عليه، المعرفة عبارة عن تكيُّف. 

هو هكذا، رغم أنّ السلوك لا يمتلك أيّ عنصر تفكير أو تأمُّل أو ذاكرة.

هنا، يظهر المفهوم أو المُصطلح المثير للجدل أي الغريزة أو "الفطريّ" (سلوك دون تفكير)، الذي يمكن أن يُدخلنا في متاهات لا حدود لها. 

بالنسبة لبلوتكين، فهو يُميِّزُ بين سلوك بلا تفكير (غريزيّ أو فطريّ) وسلوك مع تفكير (عقلاني، ذكي). 

يأتي السلوك الغريزيّ، بشكل أساسيّ، مُسجلاً في المورِّثات (الجينات)، ولو أنّه ليس قطعيّ أو حتميّ. 

طول أنفي هو نتيجة لمورثاتي، لكن، كذلك، نتيجة لظروف نشوئي وللبيئة المحيطة، وقد يتغير هذا الأمر فيما لو تغيَرَ نشوئي. 

مع ذلك، تُسجِّلُ المورِّثات حزمة من الإمكانات. 

هنا، ينبثق سؤالٌ حتميٌّ:

لماذا لا تُشكِّلُ جميع السلوكيات سلوكاً غريزياً؟ 

يتفرَّع عنه السؤال:

إذاً، لماذا تطورت العقلانية؟

في الغالب، هي قضيّة كلفة، وهو ما سنتحدث عنه الآن، لكن، يجب التنويه إلى ميزة للعقلانية وللذكاء بالغة الأهمية بالنسبة لبلوتكين، هي:

لا يُشكِّلُ التعلُّم والتذكُّر قدرات مُتاحة كلياً أو لوحاً أبيضاً. 


فالكائنات الحيّة التي تتعلم، يمكنها التعلُّم وإجراء التفكير حول أشياء معينة فقط، وليس حول أيّ شيء. 

تطوُّر الذكاء

حسناً، لدينا كائنات حيّة ذات سلوك مُبرمَج (مُقونَنْ) إلى حدٍّ كبير في مورِّثاتها (الترجمة العربيّة للجينات) والذي يؤثِّر، بدوره، بعملية نموّه.

 لكن، بالنسبة لكائنات حيّة حيواتها غير قصيرة كثيراً، تظهر مشكلة.

 لنعتبر بأنّه خلال الزمن ت1 تضع المورِّثات نمطاً ظاهرياً قيد العمل ذو مرحلة نموّ، لاحقاً، يتأخر ليصل إلى مرحلته التكاثرية بزمن قدره ت2 ، فتعود المورِّثات خلاله إلى الحوض الوراثي (من 10 – 15 عام لدى البشر على الأقلّ). 

خلال الفترة الممتدة بين ت1 وت2، تتغير البيئة ومن غير المضمون إستمرار صلاحية التعليمات المتلقاة خلال ت1.

 شيء شبيه بقيام مهندس عمارة بوضع مخطط لتشييد منزل خلال زمن ت1، لكن، يحدث تغيُّر في الأرض المخصصة للبناء، لهذا، من المنطقي أن يعود ويُعدِّل المخطط ليناسب الأرض الجديدة. 

لكن، هذا ليس ممكناً في حالة الكائنات الحيّة. 

سميت تلك المراحل الزمنية بعدد من الأسماء، فقد أسماها كونراد لورينثو "نقطة ميِّتة جيليّة". 

تتمثل القضيّة بكيفية حفاظ الحياة على نفسها على قاعدة معلومة غير مناسبة أبداً. 

تعاملت الكائنات الحيّة مع هذه المشكلة من خلال تبنيها لإستراتيجيات مختلفة. تقوم إستراتيجية (إسمها "إختزال" ضمن نظرية التاريخ الحيوي) على تحقيق أقصى إختزال ممكن للفواصل الزمنية بين الأجيال بين ت1 وت2، أي توصلت لحياة قصيرة بين الحمل والإنجاب بحيث لا تفسد التعليمات الوراثيّة المتلقاة. 

تتمثل إستراتيجية أخرى بإختيار مكان بيئيّ غير متعرِّض للكثير من التغيرات، أي مكان منعزل قليل السكّان. لكن، تكمن المشكلة بهذه الإستراتيجية بأنه سرعان ما تنشغل هذه الأماكن وتكتظ بساكنيها.

 إستراتيجية أخرى، تتحقق من خلال توليد أنماط ظاهرية كثيرة بالغة الإختلاف فيما بينها مع الأمل بإمكان تكيُّف بعضها مع الظروف أو الشروط المتغيرة.

لكن، كذلك، قد يتوجب على الكائنات الحيّة مستقبلاً القيام بالتنُّبؤ "الذي قد لا يتطابق مع ما يُتنبأ به".

 أي هناك نماذج أو إنتظامات متكرِّرة: 

الفصول، حيث يجب البحث عن شريك(ة) لأجل التكاثر، غذاء ....الخ. 

هناك أشياء لا يمكن التنبُّؤ بها أبداً، بالطبع، مثل سقوط نيزك والتسبُّب بحدوث إنقراض جماعي، لكن، تسير حوادث كثيرة أخرى نحو التحرُّك ضمن معدل محدد. 

بناءاً عليه، الحل الممكن لمشكلة التنبُّؤ بالمستقبل، هو:

 تصميم المورِّثات لأنماط ظاهريّة يمكنها التغيُر كإستجابة على التغيُّرات في العالم، أي تزويد هذه الأنماط الظاهرية بأجهزة مُتابِعة لحدوث تلك التغيُّرات في العالم. 

لكن، تمتلك أجهزة المتابعة هذه خاصيتين، هما:

لكي تظهر بضعة ضغوط إنتقائية قابلة للتنُّبؤ ومتناغمة، تتمكن هذه الأجهزة من تتبُّع بعض الأشياء دون أخرى. لأنّ جهاز "لكل الأشياء" مستحيل الإنشاء على المستوى البيولوجي. 

يجب أن يمتلك حساسية تجاه كل التغيُّرات الممكنة الطاقية في العالم وأن يستجيب لها بشكل مناسب. 

ليس لدى أيّ كائن حيّ هذا النوع من التعميم.

حسناً، على الأقلّ، هناك جهازي تتبع من هذا الطراز الذي نتحدث عنه، الأول  هو الجهاز المناعي والثاني هو الذكاء. 

جهازان لتحصيل معلومة إضافية تزيد من المعرفة التي لدى المُورِّثات.

هكذا، نصل إلى المفهوم الأهمّ الذي يضعه بلوتكين، ألا وهو:

 النظرية التطورية للمعرفة، وبالتحديد سأنهي تعليقي على هذا الكتاب مع مفهوم يعتبر الذكاء "مقيداً" أو "مُحدداً"، ففي الواقع، تتعلم الحيوانات بسهولة أكبر بعض الأشياء مقارنة بأشياء أخرى، كما أنها تأتي مزودة مسبقاً لتنتبه وتتعلم بعض الأشياء بصورة تفضيلية  مقارنة بأشياء أخرى.

 تتعلم الطيور على أصوات معينة لا على أخرى؛ تتعلم الفئران ما يتعلق بالطعم لا بالضجيج، ...الخ. 

عرف لورنز بأنّ الحيوانات تتعلم بعض الأشياء فقط وتحدث عن "آليات غريزية للتعلُّم". 

القضية، بجوهرها، أننا لسنا ألواحاً بيضاء أو فارغة، يأتي لوحنا مع كتابة مسبقة إلى العالم، وما نقوم به لاحقاً هو تعبئة المزيد من الفراغات والأماكن ضمن اللوح.

لأننا لو كنا مجرد ألواح بيضاء، فلن نتمكن من العمل بالسرعة التي لدينا. 

فيما لو توجب علينا القيام بمتابعة تغيرات الطاقة الحاصلة في العالم لأننا لا نعرف أيَّها ذو تبعات بالنسبة لنا وأيَّها لا وتوجب علينا تقرير ما سنتعلمه، فعملية التعلُّم ستبدو بطيئة على نحو مريع. 

يقول هذا بأنّ التعلُّم لا يبدأ من الصفر بل من نقطة تعلم آليات التعلُّم ما يجب تعلمه. 
فيبدأ "المُتعلِّمون" تعلُّم ما يجب عليهم تعلمه. 

كتبعة لهذا الأمر، يختلف الذكاء بين الأنواع الحيّة. 

يقول بلوتكين: 

"يرتبط ذكاء النحل بمورثاتها كثيراً، وبدقّة، يُطبِّقُ ذات الأمر على الحَمَام والفئران والبشر. يجب فهم ذكاء الفئران ضمن نطاق مورثاتها وذكاء البشر يمكن فهمه بسياق المورثات البشرية فقط. بقدر ما تختلف مورثات الفئران عن نظيرتها البشرية، بقدر ما يختلف ذكاء الفئران عن ذكاء البشر". 

يُدافِعُ بلوتكين عن ذكاء خاص حاضر لدى كل نوع حيّ أكثر من أنواع ذكاء متطابقة تنتقل من نوع حيّ لآخر. 

مع ذلك، لا يعني تصوُّر ذكاءات متعددة لا ذكاء وحيد، بالضرورة، بأنّ الذكاء بعمل وفق عمليات مختلفة لدى أنواع حية مختلفة. 

بل العكس هو الصحيح:

 فالأرجح هو أنّ عملية الذكاء هي ذاتها بين الأنواع الحية، سيما تلك التي تمتلك قرابة تطورية. 

بالحديث عن الكائن البشريّ، ما تتنبأ به تلك النظرة حول الذكاء "المقيّد أو المحدّد" هو بأننا نتعلم مزايا مقيدة نسبياً حول عالمنا ولدينا سلسلة من الإنحرافات بالطريقة، التي نُفكِّرُ من خلالها ونُعقلن هذا العالم.

 إعتباراً من هنا، يتبقى الكثير للنقاش، لكن، بأيّ حال، هو كتاب جدير بالقراءة ويدفع للتفكير بالطبع وهو المهمّ.

المصدر

Máquinas darwinianas y la naturaleza del conocimiento, Evolución y Neurociencias Blog, Pablo Malo, psiquiatra, miembro de la Txori-Herri Medical Association y del grupo de psicorock The Beautiful Brains. Interesado en Psicología y Biología Evolucionista

https://evolucionyneurociencias.blogspot.com/2019/12/maquinas-darwinianas-y-la-naturaleza.html


 مواضيع ذات صلة