على نحو أوضح، تُحدِّدُ نظريات أخرى وظيفة السخرية من خلال عناصر إجتماعية أو جماعية.
تعتبر نظرية وايسفيلد (1993) العامة حول السخرية بأنّها توفِّر معلومة إجتماعية قيِّمة للآخرين، وبذات الوقت، يُثيرُ الضحك أحاسيس ممتعة، تُساهمُ برفع معنويات الفُكاهي.
فبالإضافة إلى تعزيز سلوكه ودوره، يربح الفُكاهي المُناصرين وهو ما يزوده بفائدة مستقبلية.
من جانبه، يرى بارّيت وآخرون (2002) بأنّ السخرية قد حلت محل الخداع والإستمالة القائمة لدى الرئيسيّات.
ستشكل السخرية والضحك، بالتالي، خطوة مسبقة مُساعدة على ظهور اللغة.
في نظريته المسماة "العين الداخلية"، يعتبر جانغ (2003) بأنّ الضحك والسخرية، التي تدعم التشاعر، هي أداة تعاون بين البشر.
بالنسبة لمارتين (2008)، وُلِدَت السخرية من لعب الثدييات كآلية مُعزِّزة للإنفعالات الحسية الإيجابية وللتماسك الإجتماعي.
أثبتوا بأنّ الإنفعالات الحسية الإيجابية، بما فيها الفرح، قادرة على تقوية وظائف إدراكية معرفية مثل مرونة التفكير وحلّ المشاكل والذاكرة والإبداع، بالإضافة إلى تعزيز مسلكيات إجتماعية إيجابية مثل الجهوزية لتقديم العون والكَرَم.
حسناً، لدى نوع حيّ إجتماعي مثل نوعنا، ستشكل كل تلك التحسينات قابلية للتكيُّف.
بالتالي، يعتبر مارتين بأن السخرية عبارة عن إمتداد إدراكي معرفي – لغويّ للعب الإجتماعي.
فبرأيه، قد وسَّعَ البشرُ وظائف اللعب والفرح والضحك (الحاضرة بدرجة ما، كما رأينا، لدى رئيسيات أخرى)، فحققوا، بهذا، تطوير القدرة على اللعب مع الأفكار والكلمات والوقائع البديلة من خلال السخرية.
بعيداً عن كل هذه الإقتراحات، على مستوى التعايش الإجتماعي، يُنظرُ إلى السخرية كآليّة دفاعيّة بالغة النضوج، والتي تُحوِّل، بحسب باركوف وآخرين (1992)، المواجهة الإشكاليّة إلى لعبة، بحيث لا تحتاج الأطراف المعنية لتنافس جدي وتتفادى مخاطر يحملها النزاع أو تحملها المواجهة.
ستشكل السخرية آليّة تسمح بالتوقف أمام مُنافس دون قبول أيّة مكانة أدنى.
تفترض وجهة نظر أخرى بأنّ السخرية عبارة عن آليّة مفيدة لإثبات الوحدة بين الإبداع والقدرة.
بكلمات أخرى، ستتمتع السخرية، على المستوى الجنسي، بالجاذبية.
هناك معطيات مؤيدة لهذا الطرح.
تؤكد إناث على بحثها عن شريك يتمتع بحسّ فُكاهي ساخر، أكثر من الذكور، الذين يميلون لتداول النكات بصورة أكبر من الإناث.
حيث تبتسم الإناث على فُكاهات الذكور أكثر مما يحدث في الحالة المُعاكسة.
تُفضِّلُ الإناث شريك يُضحكهن، فيما يرغب الذكور بأن تتمكن شريكتهم من تقدير حسهم الفُكاهي.
هكذا، أثبتوا تجريبياً بأنّ السخرية مترافقة مع ذكاء عام أكبر، ويُنظَرُ لها على هذا النحو من قبل المُراقِب.
بالتالي، هي مؤشِّر أو سمة تمنح معلومة حول نوعيّة مُقدَّرة مُعزِّزة لإحتمالات إرتباط الشخص الفُكاهي العاطفيّة.
درس غرينغروس وميلر (2008) السخرية المُعبِّرة من خلال التبخيس (التحقير) الذاتيّ وإنطلاقاً من وجهة نظر تطوريّة مُتركِّزة على الفرد.
ففي دراسة، لاحظوا بأنّ هذا النوع من السخرية ذو جاذبية، عندما يصدر عن أشخاص ذوي مكانة عليا.
في هذا المنحى، يمكنه تفضيل الإنتقاء الجنسيّ.
في المقابل، لدى أشخاص ذوي مكانة دنيا، لا يُعتبر التحقير الذاتي جذّابأً.
يرى الباحثون هذه النتائج على ضوء قاعدة التعويق لأموتس زاهافي (1975)، بمعنى أن الفرد ذو المكانة العليا، وعبر إظهار إعاقة أو محدودية ما، يمكنه "السماح" بإعادة تصغيرها عن طريق السخرية.
تجمع فرضية الإنذار الكاذب حول الضحك لراماشاندران (1995، 1996، 1998) بعض العناصر التي رأيناها فيما سبق من هذا الموضوع.
فبحسب هذا الباحث، تتقاسم جميع النكات "المبادرات المُسليّة" ذات البنية المنطقية. فمن يحكي النكتة، يخلق لدى السامع توتراً نامياً، لكي يظهر تحول غير متوقع، بالنهاية، يتطلب القيام بإعادة تفسير جميع المُعطيات السابقة. هذا التفسير الجديد، وإن يكن غير متوقع، فهو متوافق مع المعطيات المُقدَّمة كما التي يمكن توقعها من قبل السامع.
لهذا، هناك كثير من الأمور المُشتركة بين النكات والمزاح والإبداع العلمي ومع ما يسميه كوهن "تغيُّر في النموذج" كردّ على حالة شاذة أو خاصة.
في حالة النكتة، الحالة الشاذة هي في النقطة المُسبِّبة للضحك إن يتمكن السامع من إلتقاط وفهم معناها والجدوى منها.
وفق كلمات رامشاندران (1998)، إن يتمكن من تقدير "وميض الفطنة" المرتبط بكيفية سماح التفسير الجديد والمختلف كلياً لمضمون النكتة بدمج وقبول نهايتها غير المُتوقعة والشاذة والفكاهية.
هناك الكثير من الأوضاع التي تُجبِرُ على تحقيق تغيير في النموذج لأجل ملء ذاك النقص أو الشذوذ.
بحسب هذا الباحث، يمكننا التفكير بشخص متمدد في سريره مُستمعاً إلى الضجيج ليلاً.
بدايةً، سيفسِّر ما يحدث لنفسه على أنه أثر لهبوب الرياح، لكن، إن يسمع ضربة قوية بالقرب منه، فالنقص أو الشذوذ يحتاج إلى إعادة تفسير، أي إلى تغيير نموذج، شيء ينفي التفسير الأولي الذي طال هبوب الريح كسبب لذاك الضجيج. على سبيل المثال، يمكن لهذا النائم المفترض التفكير بوجود لصوص في البيت. ينهض من فراشه، يذهب لإكتشاف ما يحدث، فيكتشف فجأة بأنّ القطّ قد أوقع آنية زجاجية على الأرض. هو نقص أو شذوذ جديد، تفسير سيتفاعل معه بطل هذه القصّة ضاحكاً أو مُبتسماً.
وهذا هو لبّ القضيّة بالنسبة لراماشاندران:
لكي تتسم النكتة أو الواقعة بالفكاهة، يجب أن يتميز النقص أو الشذوذ المُكتشف وتغيُّر النموذج بعواقب تافهة أو عديمة الأهمية.
وتظهر، بهذا، الإبتسامة أو الضحكة بوصفها ثمرة لتغيُّر بنموذج التبعات عديمة الأهمية، والتي تظهر، على مستوى عصبيّ نفسيّ، من الحوار بين توجُّه نصف الكرة الدماغية الأيسر نحو العثور وفرض تماسك على التفاصيل المُتلقاة وبين الآليات التوجيهية لنصف الكرة الدماغية الثاني.
السخرية الكبيرة المبنية على عمليات السقوط والضربات التي ميَّزت "العمل الفكاهي الصامت كيستون كوبس"، هي خير مثال على إعادة الضبط أو التأقلم مع النقص أو الشذوذ والتبعات التافهة أو عديمة الأهمية.
حين يقع شخص ويتفاعل بجدية مع الوقعة، فلن يُثير أيّ نوع من الضحك؛ لكن، حين يقع شخص بشكل متكرر، فينهض ليرجع ويقع، ويحافظ على موقف ضاحك رغم حجم المعاناة، فهو يُمثِّلُ نقصاً أو شذوذاً مثيراً للضحك.
من هنا، يتفاعل مع عروض ماك سينيت بالضحك.

No comments:
Post a Comment