يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء
الواقع والمعرفة والسعاده
في هذا الجزء، يُطرَحُ سؤالٌ:
هل تُبنى سعادتنا على تفسيرنا للوقائع عقلياً ومنطقياً؛ أم مزاجياً وعاطفياً؟
في كتابه "العالم ليس عقلاً"، يقول عبد الله القصيمي:
"الأخلاق، بالتعريف، هي اللذّة (السعاده) والألم والسرور (السعاده) والحزن. فلا يمكن أن ينفكّ الإحساس باللذّة والألم عن الإحساس الأخلاقي، كما لا يمكن أن تتألف أخلاق من غير لذّة وألم".
بناءاً على الكلام الوارد أعلاه، يصبح التحريم (المنع، الحظر)، ديني أو غير ديني، الغير مستند لقاعده علمية متماسكه، على سبيل المثال لا الحصر، مصدراً للتعاسه؛ أي تصبح العقائد، دينية أو غير دينية (أنظمة حكم دكتاتورية ذات بُعد سياسيّ غالباً)، مصدراً لتعاسة المخالفين لها غالباً؛ ولبعض المؤمنين بها أحياناً، وبحسب الزمكان.
بالنسبة للبوذية، الواقع، بالتعريف، هو:
طبيعة الأشياء كما هي في الواقع، والتي لا تتعدَّل بعمليات ذهنية، نطبقها نحن عليها.
حيث تفتح، هذه الأخيرة، هُوّة كبيرة بين تصوراتنا وبين الواقع، وهو ما يتسبب بظهور نزاع دائم مع العالم.
لعلَّ عبارة "مُنفصِلْ(ة) عن الواقع" المُستخدَمَة في جميع الثقافات البشريّة خير مثال على هذا الأمر.
المُضحك المُبكي أنّ كثيرين ممن يستعملون هذا التعبير مع الآخرين:
يتجاهلون حضور هذا الإنفصال لديهم، وهو ما يعني إنفصال مُضاعف عن الواقع!
فبحسب طاغور:
"نفسر العالم بشكل سيء، ونقول بأنه يخدعنا!".
أهم مثال على هذا النوع من الخداع، هو قول العظيمة آين راند:
"ما معنى أن يغفر لك الإله، الذي إخترعته!".
نعتبر ما يبدو "زائلاً" بوصفه مستمراً أو ثابتاً، وبالنسبة للسعادة، فما ليست عليه؛ بل ما يشكِّل ألماً، هو:
الإنشغال بتحصيل الثروات؛ التمسُّك بالسلطة؛ الإهتمام بالسمعة؛ الهوس بالإستحواذ أو التملُّك.
فبحسب كامفورت:
"يمكن بناء المتعة على الوهم، لكن، تتأسَّسُ السعادةُ على الواقعِ القائمِ".
فيما قال ستاندال:
"ما سأثبته لاحقاً، هو أن كل بؤس يصدر عن الخطأ؛ في حين يوفر الواقع المُعاش، المُدرَك جيداً، السعادة".
معرفة الواقع، بالتالي، عبارة عن:
مُكوِّنٍ أساسيٍّ للسعاده.
نفهم بالمعرفة:
وليس بإمتلاك كمّ من المعلومات؛ بل بفهم طبيعة الأشياء كما هي عليه في الواقع.
نتصور، عادةً، العالم الخارجي كمجموعة وحدات مستقلة لما نعتبره مزايا، تبدو لنا خاصة به.
بناءاً على خبراتنا اليومية، نرى الأشياء "محببةً" أو "غيرَ محببةٍ" بذاتها، ونرى الأشخاصَ "أخياراً" أو "أشراراً".
"الأنا" التي تتصورهم، تبدو لنا واقعية ومحددة.
يُولِّدُ هذا الخداع – الذي تسميه البوذيةُ جهلاً - تعلُّقاً ونفوراً هائلين.
يقود هذا، بالعموم، إلى ظهور الآلام.
كما عبَّرت إيتي هيليزوم ، حين قالت:
"العقبة الكبرى، دوماً، هي مسألة تمثيل الواقع، لا الواقع ذاته".
مفهوم "السامسارا" البوذيّ
السامسارا، بالتعريف، هي:
عالم الجهل والألم، وهو ليس شرطاً أساسياً للوجود، بل يُشكِّل كوناً ذهنياً مؤسساً على فكرة خاطئة، تعتبر بأننا نصنع الواقع.
بحسب البوذية، ينشأ عالم المظاهر عن تراكم عدد لا نهائي من الأسباب والظروف المتغيرة بإستمرار.
مثل قوس قزح، الذي يتشكل إثر تعرُّض قطرات المطر لأشعة الشمس، ويختفي بإختفاء أحد العناصر المُشاركة بظهوره.
توجد الظواهر في عالم تعتمد فيه أشياء على أشياء أخرى بشكل أساسيّ، حيث لا توجد بصورة مستقلة ودائمة.
يملك كل شيء علاقة / إرتباط، لا يوجد شيء من ذاته وبذاته.
عندما يُفهَم هذا المفهوم الأساسيّ جيِّداً:
سيتراجع التصوُّرُ الخاطيءُ حول العالم؛ ويتقدمُ الفهمُ الصحيحُ لطبيعة الأشياء والكائنات.
المعرفة ليست مجرّد بناء فلسفيّ بسيط؛ بل هي عبارة عن:
عملية أساسيّة تسمح بتحقيق إلغاء متدرج للعمى الذهني وللإنفعالات المؤرقة، التي تنتج عنه، ما يعني، إلغاء الأسباب الرئيسية المُنتِجة "لإنزعاجاتنا".
إنطلاقاً من وجهة نظر بوذية، يحمل كل كائن، بذاته:
قوّةَ كمالٍ، بذات الصيغة التي تتشبَّع فيها كل حبّة فستق بزيتها.
في هذا المنحى، يقوم الجهل على عدم وعي هذا الأمر، مثل المُتسوِّل، الذي يبدو غنياً وفقيراً بذات الوقت، والذي يجهل وجود كنز مطمور تحت أرضيّة كوخه.
يسمح تحديث طبيعتنا الواقعية، إمتلاك ذاك الغنى المنسيّ، لنا:
بعيش حياة مسكونة بالمعنى.
هذه هي الوسيلة الأكثر أمناً للعثور على السكينة ولتطوير الإيثارية في عقلنا.
اختتم هذا الجزء بكلام الأخصائي النفسيّ رافائيل سانتاندر والوارد في كتابه "نظارات السعاده"، والذي يقول:
"نحن ككائنات بشرية، بشكل رئيسيّ، كائنات مُفكّرة، حيث نغربل عبر الدماغ كل الواقع الذي يدخل ضمن نطاق عمل حواسنا".
وهو ما يعيدنا إلى مصدر التعاسة والسعادة بالضبط؛ ويذكرنا بأهميّة المعرفة.
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء
في البوذية، يُشير مُصطلح سوكها (بالسنسكريتية: सुख) إلى وضع رفاه، يُولَد من العقل السليم والرائق على نحو خاص.
هي صفة، تدعم وتطبع كل خبرة وكل سلوك وتشمل جميع المباهج وكلّ الأحزان، لا ترتجّ سعادة بكل هذا العمق.
إذاً، هي عبارة عن حالة من الحكمة المتحررة من السموم الذهنية ومعرفة متحررة من العماء المرتبط بالطبيعة الحقيقية للأشياء.
ضروريّ التنويه إلى أن مُصطلحات سنسكريتية مثل سوكها وأناندا، والتي تُتَرجَم عادة إلى "سعادة" و"بهجة"، ليس لها مُعادلاً في اللغات الأوروبية.
مُصطلح "رفاه" هو المكافيء الأقرب إلى سوكها، إذا لم يفقد قوته ليعبر عن راحة خارجية وشعور سطحي بالرضى على نحو واضح.
أما مُصطلح أناندا (بالسنسكريتية: आनन्द)، فهو أكثر من بهجة، يطبع إشراق السوكها، التي تُضيء اللحظة الحاضرة وتستمر في اللحظة التالية إلى أن تشكّل إستمرارية، يمكن أن نسميها "بهجة العيش".
ترتبط السوكها بفهم الطريقة، التي يعمل عقلنا وفقها؛ وتتوقف على الصيغة التي نفسِّر العالم من خلالها، فإن يكن من الصعب تغييره، بالمقابل، فبالإمكان تحويل الطريقة، التي نتصوره من خلالها.
خلال جلوسهم على سلّم المعبد في نيبال في فترة ما بعد الظهر، انهمر المطر بغزارة، فحول الأرض المحيطة بالمعبد إلى منطقة موحلة مليئة بالمياه، فوضعوا أحجاراً كي يتمكنوا من العبور والتنقل.
لم يعجب هذا إحدى الحاضرات، فبدأت تتنقل بنوع من الإشمئزاز، كلما دعست حجر وانتقلت لتدعس آخر.
إلى أن صرخت بإنفعال، قائلةً:
"أوف! هل تتخيلوا ما الذي سيحدث لي إن أقع في هذا الوحل؟ كل شيء في هذا البلد قذر!".
حاولوا الإيحاء بالإتفاق أو التعاطف معها، فربما يوفر لها بعض العزاء.
بمرور بعض اللحظات، صبيَّة أخرى، ظهرت على مدخل بحيرة الوحل. ألقت التحيّة عليهم وبدأت بالقفز من حجر إلى حجر وهي تدندن.
"كم هو مسلي! صرخت وتطاير من عينيها نوع من شرارات الفرح، وقالت بأنه من حسنات هذا المطر، أنه يُخلصنا من كل أنواع الغبار".
يمتلك شخصان رؤيتين مختلفتين للأشياء؛ سبعة مليارات إنسان، يعني:
سبعة مليارات عالم.
في موقف أخطر، أخبرت ذات الصبيّة بأنه حين سافرت إلى التيبيت للمرة الأولى العام 1986، تعرفتُ على شخص، قد تعرض لكثير من المضايقات خلال الغزو الصيني:
"أجلسني إلى طاولة وقدم لي الشاي من قارورة حرارية كبيرة. كانت المرة الأولى التي يقابل فيها امرأة غربية. ضحكناً كثيراً؛ بدا رائعاً جداً حقاً. عندما ظهر واختفى عدد من الأطفال بنوع من الحياء، الذين حملقوا فينا بنوع من الإندهاش، سألني عدداً لا حصر له من الأسئلة. ثمّ أخبرني بأن الغزاة الصينيين قد حبسوه لمدة اثني عشر عام، وقد حكموا عليه بتصنيع الأحجار لأجل بناء سدّ في وادي دراك ييربا، لا توجد أيّة فائدة منه، حيث كان الوادي جافاً بصورة شبه دائمة. مات كل زملائه المساجين الواحد تلو الآخر، من الجوع ومن التعب. رغم الفظائع التي تطبع قصته، كان من المستحيل عليَّ اكتشاف أدنى إشارة إلى الحقد في عينيه، المفعمتان بالطيبة. في تلك الليلة، وخلال نومي، تساءلتُ: كيف يمكن لشخص قد عانى كل تلك المعاناة، أن يبقى سعيداً لهذه الدرجة؟".
هكذا، إذاً، من يختبر السلم الداخلي لا يشعر بالتحطُّم جرّاء الفشل، ولا يسكر جرّاء النجاح!!
يعرف أن يعيش تلك الخبرات بسعة أفق وفي سياق سكينة عميقة وهائلة، يعي بأنها أشياء سريعة الزوال وأنه لا يوجد أيّ سبب يدعوه للتمسُّك بها.
لا "يضعف" عندما تسوء الأمور، بل يعرف أنّه تتوجب عليه مواجهة الملمات.
لا يغرق في الإكتئاب، حيث تتكيء سعادته على لَبِنات صلبة.
تؤكد إيتي هيلسم، في قصتها المؤثرة، قبل عام من موتها في معتقل أوشفيتز النازي الشهير، على أنّه:
"عندما تمتلك حياة داخلية، لا يهم على أيّ جانب من نافذة الشجن تقف. لقد متُّ ألف مرّة في ألف معتقل نازي. أعرف كل ما يجري. لا تُقلقني أية فكرة جديدة. بصيغة أو بأخرى، أعرف كل شيء. ومع ذلك، تبدو الحياة جميلة لي، تمتليء بالمعنى. في جميع لحظاتها وفي كل لحظة منعزلة لوحدها".
يرافق خبرة السوكها، فعلياً، انخفاض بنسبة الضعف بمواجهة الظروف، سواء كانت جيدة أو سيئة.
تُزيح قوة إيثارية وهادئة، في ظروف كتلك، الشعور بعدم الأمان والتشاؤم، الذي يُضعف كثيرين.
لا يثني هذا الأمر الأخصائي بعلم الإجتماع ولاديسلو تاتاركيفيك، البولوني "المختص" بدراسة السعادة، عن:
تأكيد أنّه يستحيل أن يعيش الشخص سعيداً في السجن، فبحسب وجهة نظره، السعادة التي يمكن اختبارها في ظروف شبيهة، ليست "مبرَّرة".
بناءاً على كلامه:
إن تكن أنت سعيداً في ظروف صعبة تمرّ بها، فأنت قد فقدت عقلك.
تُبرزُ تلك الرؤية للأشياء، من جديد، الأهمية الخاصة التي تحتلها الشروط الخارجية للسعادة.
نعرف إلى أيّ حد تصل بعض السجون لتشكِّل جحيماً لا يُطاق، بحيث تُنسى مفاهيم كالسعادة والطيبة تقريباً.
يفقد السجين كل قدرة على التحكُّم بالعالم الخارجي. في السجون البالغة القسوة، يتعوض هذا الفقدان، غالباً، من خلال السطوة الكاملة والعنفية، التي يمارسها قطاع الطرق وقادة العصابات والحرّاس، وهو ما يخلق سجناً داخل السجن.
تواجه غالبية المعتقلين الكره والإنتقام والقوّة، التي تُطبق بوحشية لا مثيل لها.
لا يتذكر موغاماد بنيامين، الذي أمضى القسم الأكبر من حياته وهو يعمل في سجون جنوب أفريقيا، عدد المساجين الذين ماتوا على يديه. بل وصل به الأمر إلى حدّ أكل قلب سجين بعد أن قتله بالتعذيب.
هكذا إذاً، يخلق الكره سجناً ثالثاً داخله، ولو أنه، في هذه الحالة، بالإمكان العثور على المفاتيح.
حُكِمَ على الأميركي فليت مول بالسجن لمدة 25 عام بسبب الإتجار بالمخدرات، يحكي قصته، فيقول:
"جحيم حقيقي: سجن كصندوق فواذي ضمن بناء إسمنتي. ليس له نوافذ، ولا تهوية، ولا مكان يمكن المشي فيه ولو بالحد الأدنى. كل المنفردات مشغولة بمساجين ودرجة الحرارة لا تُطاق. يُسمَع الضجيج بشكل دائم؛ هناك نوع من الفوضى. تناقش المساجين، صرخوا. شغَّلوا أربعة أو خمسة أجهزة تلفاز بذات الوقت وعلى مدار 24 ساعة. في تلك الظروف، بدأت بممارسة التأمُّل بشكل يوميّ. انتهيتُ إلى إمضاء أربعة أو خمسة ساعات تأمُّل يومياً على السرير العلوي في زنزانة مخصصة لشخصين بالأصل. تعرقتُ كثيراً، فسال العرق على جبهتي ووصل إلى عينيَّ. كان هذا الأمر صعباً في البداية، لكن ثابرتُ وصمدتُ".
بمرور ثماني سنوات على السجن، صرَّح بأنّ تلك الخبرة قد أقنعته:
"بالحقيقة المزدوجة للممارسة الروحانية، المتوحدة مع قوة الإشفاق ومع غياب "الأنا" من الواقع. هو أمر غير قابل للنقاش؛ لا يشكّل هذا مجرد فكرة رومانسية ساذجة. هي خبرتي المباشرة".
في أحد الأيام، تلقى رسالة تُخبره عن الوضع الصحي المتدهور لسجين موجود في المشفى وكان قد عمل معه.
خلال الأيام الخمسة التالية، وبين جلسات تأمل مُكثَّفة، أمضى ساعات وهو يجلس إلى جانب السجين، يرافقه في احتضاره:
"واجه صعوبات جمة في التنفُّس واستفرغ دماً ومادة صفراء صادرة من الكبد؛ لقد ساعدته على بقائه نظيفاً خلال تلك المدة. منذ تلك الأيام، شعرتُ من حين لآخر بحرية غامرة وفرح هائل. فرح، يسمو فوق شتّى الظروف، لأنه لا يأتي من الخارج، ومن البديهي أنه لا شيء يمكن أن يغذي هذا الشعور هنا في السجن. وُلِدَ هذا الفرح كنوع من الثقة المتجددة في ممارستي للتأمُّل: لقد اختبرتُ شيئاً لا يمكن إختزاله بمواجهة المعاناة والإحباط، التي تتجاوز كل ما يمكن تحمله عادة".
يوضح هذا المثال، بصورة لا لُبسَ فيها، بأن السعادة تتوقف، قبل كل شيء، على الوضع الداخلي.
إن يكن الأمر على هذه الشاكلة، ستبدو – السوكها - كسكينة شاملة غير قابلة للتصوُّر في وضع مشابه.
يُعبّر عما يعاكس السوكها من خلال المُصطلح السنسكريتي دوكها، والمُترجَم بالعموم كمعاناة، نكبة أو بصورة أدقّ "إنزعاج".
لا يعكس هذا المُصطلح مجرد إحساس بالضيق، بل يوضح حالة من الضعف الأساسية الناتجة عن المعاناة، والذي قد يصل إلى الإشمئزاز من الحياة نفسها، شعور يعتبر بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش، فيستحيل العثور على معنى للحياة.
في كتاب الغثيان، يضع سارتر الكلمات التالية على فم بطل القصة:
"فيما لو سألوني ما هو الوجود، لكان جوابي، عن قناعة، بأنه لا شيء، بالكاد هو عبارة عن شكل فارغ. لقد شكَّلنا كثيراً من أشكال الوجود المُزعج، لا نشعر بالراحة مع أنفسنا، لم نمتلك جميعاً أيّ سبب لنكون هنا، يبدو كل كائن مشوشاً، وقلقاً جداً، ويزداد هذا الشعور حدة من خلال العلاقة مع الآخرين. أنا قد شعرتُ بهذا. لقد فكرتُ بإنهاء حياتي كي أساهم بإنهاء وجود واحد لا جدوى منه على الأقلّ".
القول بأن العالم، سيكون أفضل دون حضورنا، يشكّل سبباً يؤدي لحدوث الإنتحار في الكثير من الأحيان.
في أحد الأيام، خلال لقاء شعبي في هونغ كونغ، نهض شاب من بين الحاضرين وسأل:
"هل يمكن إعطائي سبباً يدفعنا إلى الإستمرار في عيش الحياة؟".
يؤدي عدم إمتلاك أيّ سبب لمتابعة العيش إلى بلوغ هاوية "الانزعاج".
حسناً، مهما يكن تأثير الظروف الخارجية، هذا الانزعاج، حاله حال الرفاه أو الرضى، يُشكِّل وضعاً داخلياً.
فهم هذا الأمر هو أوّل شيء لا يمكن الإستغناء عنه لإمضاء حياة تستحق أن تُعاش.
في أية ظروف، سيُنغِّص العقل فرحنا بالعيش؟
أو في أية ظروف، سيعمل على تغذية هذا الفرح؟
لا يشترط تغيير النظرة إلى العالم تفاؤلاً ساذجاً ولا اغتباطاً مصطنعاً مخصصاً للتعويض عن المحن.
فطالما أن انعدام الشعور بالرضى والإحباط، الناتج عن الغموض الذي يحكم عقلنا، يُشكِّل واقع يومياتنا، سيُشكِّل ترديد عبارة "أنا سعيد!" حتى الشبع تمريناً عقيماً مكافئاً لطلاء متكرر لجدار ضمن خربة.
لا يقوم البحث عن السعادة على رؤية الحياة "بلون ورديّ" ولا بإغماض الأعين بمواجهة الألم وعيوب هذا العالم.
كذلك، السعادة ليست حالة من التمجيد الواجب حضوره بأيّ ثمن، بل تُشكِّل حالة إلغاء للسموم الذهنية مثل الكره والاستحواذ، اللذان يساهمان، حرفياً، بتسميم العقل.
لأجل هذا، من المهمّ تعلُّم المعرفة الأفضل لكيفية عمل السعادة وامتلاك تصوُّر أفضل عن الواقع.
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء
كما ورد في الجزء الأوّل، هناك من يعتبر السعادة الغاية من الوجود وأهم شيء؛ في المقابل، هناك من يعتبر بأنّ السعادة لا تهمه أبداً.
السؤال: هل المهم تعريف السعادة ووضع تسميات وتوصيفات لها؛ أم المهم هو عيشها، والأهمّ، فهم كيفية عيشها؟
من جديد، ما هي السعادة؟
يُعرِّف أخصائيُّون بعلم الإجتماع السعادة بوصفها:
"الدرجة، التي يُقيِّم شخص، بحسبها، نوعية حياته بعمومها بصورة إيجابية. بكلمات أخرى، تُعبّر السعادة عن درجة الإعجاب، التي يُبديها شخصٌ تجاه حياته على نحو ما".
يتوقف كل شيء، كما هو مفترض، على القصد من "الإعجاب بالحياة"، إن يُشِرْ إلى رضا عميق أو هو مجرد تقدير مبسط للظروف الخارجية، التي يعيشها الشخص.
بالنسبة للبعض، يبدو أن السعادة عبارة عن:
"إنطباعٍ مؤقتٍ، سريع الزوال، تتنوع حدته ومدته بحسب توفر وسائل تجعل حضوره ممكناً".
السعادة، إذاً، عبارة عن أمر يصعب الوصول إليه، بحيث يتوقف هذا، كليّاً، على ظروف لا يمكننا التحكُّم بها.
بالنسبة للفيلسوف روبرت مزراحي، وباتجاه معاكس، السعادة هي:
"مسحة فرح، تطال كليّة الوجود أو القسم الأكبر المُكلَّل بالحيوية من ماضيه النشِط وحاضره الراهن ومستقبله القابل للتصوُّر".
هل يمكنها بناء وضع مستقر دائم، إذاً؟
بحسب أندريه كونت-سبونفيل:
"يمكن أن نُطلق مُصطلح سعادة على كل فسحة زمنية، يظهر الفرح خلالها مباشرةً".
هل يبدو هذا ممكناً، بالتالي، هل يمكن زيادة مدة تلك الفسحة الزمنية؟
يوجد آلف (يصعب وضع رقم لهذه التصورات صراحةً!) تصوُّر مختلف حول السعادة، وقد حاول عدد لا يُحصى من الفلاسفة عرض رأيه حولها.
يعتبر القديس أوغسطين، على سبيل المثال، بأن السعادة عبارة عن:
"الفرح المولود من الحقيقة".
بالنسبة لإيمانويل كانط، يجب أن تبدو السعادة عقلانية ومستقلة عن كل ميل شخصي؛ فيما يرى كارل ماركس بأنها تتحقق من خلال العمل.
لا أهدفُ إلى تعداد الآراء حول السعادة، بل أرغب بالإشارة إلى الفروقات الكبيرة بين تلك الآراء، التي تصل لتتناقض في كثير من الحالات، كما أُشيرَ إلى هذا سابقاً.
حول طبيعة السعادة، كتب أرسطو:
"لا نتفق حولها، ولا تلتقي تفسيرات الحكماء مع تفسيرات الدهماء!!".
لكن، ماذا يُقال حول السعادة البسيطة:
التي تُنتِجها إبتسامة طفل، أو يُنتجها إحتساء كأس من الشاي بعد نزهة قصيرة في الغابة؟
هذه الومضات، ومهما تبلغ شدتها وقدرتها على التحفيز، لا تتمكن من إنارة حياتنا بكليتها.
لا تُختصر السعادة ببضعة أحاسيس محببة، بمتعة مكثفة، بنوبة فرح أو رفاه زائل، بمزاج رائق راهنيّ أو بلحظة ساحرة مفاجئة في متاهة الوجود.
كل تلك الجوانب، لا يمكن أن تشكّل، وحدها، صورة صادقة عن العمق، الذي يُميِّز السعادة الحقيقية.
إحساس أوّلي بالسعادة
رغم بلوغه الثلاثين عام، مرَّ الشاب بلحظات، قد اشتهى خلالها تناول الطعام بدلاً من المشي، الرقص صاعداً وهابطاً على، ومن، الرصيف، اللعب بالدولاب، رمي شيء في الهواء كي يطير، الضحك دون سبب محدد، هكذا، لا أكثر.
ما الذي يمكنك فعله إن يكن عمرك ثلاثين عام، وحين عودتك إلى الشارع الذي تعيش فيه، تشعر بأنّ إحساساً بالسعادة يجتاحك فجأة، كما لو أنك قد ابتلعت قطعة منيرة من الشمس لحظة هبوط الليل، وستحرق ما هو أكثر عمقاً في كينونتك وتنهمر أمطار من الأشعة على كل خليّة من خلايا جسدك، على كل إصبع من يديك وقدميك؟
تطلب كاترين مانسفيلد من عدة أشخاص أن يقصوا وقائع ذات صلة بما إعتبروه "سعادة كاملة":
تحدَّثَ البعضُ عن لحظات سلام عميق خلال الجلوس في محيط طبيعي متناغم، في غابة تصلها أشعة الشمس، على قمة جبل بمواجهة أفق لا حدّ له، على شاطيء بحيرة هادئة، أثناء مسير ليلي على الثلوج التي تغطي الطريق، ...الخ.
فيما أشار آخرون إلى حدث مُنتظَر، مثل النجاح في امتحان ما، الفوز في سباق رياضيّ، قضاء وقت مع شخص قد تشّوق للتعرُّف عليه، ولادة طفل ...الخ.
أخيراً، رأى آخرون بأنها لحظة حميمة مُعاشة على الصعيد العائلي أو مع شخص محبب، أو قد ساهموا، بشكل حاسم، بتحقيق السعادة لأحدٍ ما بلحظة ما.
يبدو أن القاسم المُشترك بين تلك الخبرات، الخصبة، لكن، العابرة، هو الإختفاء المؤقت للصراعات الداخلية.
يشعر الشخص بتناغم مع العالم المُحيط به ومع نفسه ذاته.
بالنسبة لمن يعيش خبرات من هذا النوع، مثل التنزُّه في مكان مغطى بالثلوج، تتلاشى النقاط التي يُشار لها عادة:
فبعيداً عن مسألة المشي، لا يُنتظَر شيء خاص.
ببساطة، هو هنا والآن، حرّ ومُنفتح.
فخلال لحظات، تفقد أفكار الماضي حضورها، تتوقف مشاريع المستقبل عن طرق باب العقل، فتبقى اللحظة الحاضرة متحررة من كل بناء ذهنيّ.
لحظة الهدنة هذه، التي يختفي خلالها كل وضع إنفعالي مُلِّح، تمتليء بسلام عميق.
عندما يُحقَّقُ هدف ما، يُنجز عمل ما أو يتحقق نصر ما:
ينتهي التوتر الحاضر خلال فترة طويلة نسبياً ويبدو الإسترخاء المتحقق كهدوء عميق ومتحرِّر من الإنتظار والصراع بشكل كليّ.
لكن، يُعتبر هذا تحسُّناً عابراً ناتجاً عن ظروف محددة.
نُطلق عليه لحظةً ساحرةً، وضعاً مريحاً، ومع ذلك، يبدو الفارق بين لحظات الفرح العابرة تلك وبين السكينة غير القابلة للتبدُّل – التي يتمتع بها الحكماء، على سبيل المثال، هائلاً جداً كالمسافة الفاصلة بين الأرض والشمس.
لا يمتلك الوضعان:
البُعد ذاته، ولا المدة ذاتها، ولا العمق ذاته.
مع هذا، يمكن استخراج بعض الفوائد من تلك اللحظات العابرة، من تلك الهدنات المُبرَمَة خلال صراعاتنا التي لا تتوقف!
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء
Matthieu Ricardo, En defensa de la felicidad, Ediciones Urano. Titulo original: Plaidoyer pour le bonheur. Editor original: Nil, edditións, Paris. Traducción: Teresa Clavel
السعادة الحقيقيّة، مارتين ي. ب. سيليغمان، 2002، ترجمة صفاء الأعسر وعلاء الدين كفافي وعزيزة السيد وفيصل يونس وفادية علوان وسهير غباشي، الطبعة الأولى 2005، دار العين للنشر
السعادة الداخليّة، فيرا بيفر، ترجمة ونشر دار مكتبة جرير للنشر، الطبعة الثالثة 2006
السعادة بإختصار، أندرو ماثيوز، ترجمة المقداد عبد الله
أنا بخير! كيف تتجاوز الأوقات الصعبه، ريوهو أوكاوا، ترجمة عمر سعيد الأيوبي، عن الدار العربية للعلوم ناشرون
إنتصار السعاده، برتراند راسل، ترجمة محمد قدري عمارة، مراجعة إلهامى جلال عمارة، الطبعة الثانية 2009، عن المركز القومي للنشر بإشراف جابر عصفور، مصر
مفاهيم فلسفية، فلسفة السعادة، مصطفى النشار، القاهرة، مكتبة الدار العربية للكتاب 2018، الطبعة الاولى
مئة سرّ بسيط من أسرار السعداء، ديفيد نيفين، ترجمة ابتسام محمد الخضراء، العبيكان 2001 الرياض السعودية
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء