2026/06/04

On happiness بخصوص السعادة (4)

الواقع والمعرفة والسعاده

في هذا الجزء، يُطرَحُ سؤالٌ:

هل تُبنى سعادتنا على تفسيرنا للوقائع عقلياً ومنطقياً؛ أم مزاجياً وعاطفياً؟

في كتابه "العالم ليس عقلاً"، يقول عبد الله القصيمي:

"الأخلاق، بالتعريف، هي اللذّة (السعاده) والألم والسرور (السعاده) والحزن. فلا يمكن أن ينفكّ الإحساس باللذّة والألم عن الإحساس الأخلاقي، كما لا يمكن أن تتألف أخلاق من غير لذّة وألم".

بناءاً على الكلام الوارد أعلاه، يصبح التحريم (المنع، الحظر)، ديني أو غير ديني، الغير مستند لقاعده علمية متماسكه، على سبيل المثال لا الحصر، مصدراً للتعاسه؛ أي تصبح العقائد، دينية أو غير دينية (أنظمة حكم دكتاتورية ذات بُعد سياسيّ غالباً)، مصدراً لتعاسة المخالفين لها غالباً؛ ولبعض المؤمنين بها أحياناً، وبحسب الزمكان.

بالنسبة للبوذية، الواقع، بالتعريف، هو:

  طبيعة الأشياء كما هي في الواقع، والتي لا تتعدَّل بعمليات ذهنية، نطبقها نحن عليها. 

حيث تفتح، هذه الأخيرة، هُوّة كبيرة بين تصوراتنا وبين الواقع، وهو ما يتسبب بظهور نزاع دائم مع العالم.

لعلَّ عبارة "مُنفصِلْ(ة) عن الواقع" المُستخدَمَة في جميع الثقافات البشريّة خير مثال على هذا الأمر.

المُضحك المُبكي أنّ كثيرين ممن يستعملون هذا التعبير مع الآخرين:

يتجاهلون حضور هذا الإنفصال لديهم، وهو ما يعني إنفصال مُضاعف عن الواقع!

 فبحسب طاغور:

 "نفسر العالم بشكل سيء، ونقول بأنه يخدعنا!".

أهم مثال على هذا النوع من الخداع، هو قول العظيمة آين راند:

"ما معنى أن يغفر لك الإله، الذي إخترعته!".

 نعتبر ما يبدو "زائلاً" بوصفه مستمراً أو ثابتاً، وبالنسبة للسعادة، فما ليست عليه؛ بل ما يشكِّل ألماً، هو: 

الإنشغال بتحصيل الثروات؛ التمسُّك بالسلطة؛ الإهتمام بالسمعة؛ الهوس بالإستحواذ أو التملُّك. 

فبحسب كامفورت: 

"يمكن بناء المتعة على الوهم، لكن، تتأسَّسُ السعادةُ على الواقعِ القائمِ".

 فيما قال ستاندال:

 "ما سأثبته لاحقاً، هو أن كل بؤس يصدر عن الخطأ؛ في حين يوفر الواقع المُعاش، المُدرَك جيداً، السعادة". 

معرفة الواقع، بالتالي، عبارة عن:

 مُكوِّنٍ أساسيٍّ للسعاده.

نفهم بالمعرفة:

 وليس بإمتلاك كمّ من المعلومات؛ بل بفهم طبيعة الأشياء كما هي عليه في الواقع. 

نتصور، عادةً، العالم الخارجي كمجموعة وحدات مستقلة لما نعتبره مزايا، تبدو لنا خاصة به. 

بناءاً على خبراتنا اليومية، نرى الأشياء "محببةً" أو "غيرَ محببةٍ" بذاتها، ونرى الأشخاصَ "أخياراً" أو "أشراراً".

 "الأنا" التي تتصورهم، تبدو لنا واقعية ومحددة.

 يُولِّدُ هذا الخداع – الذي تسميه البوذيةُ جهلاً - تعلُّقاً ونفوراً هائلين.

 يقود هذا، بالعموم، إلى ظهور الآلام.

 كما عبَّرت إيتي هيليزوم ، حين قالت: 

"العقبة الكبرى، دوماً، هي مسألة تمثيل الواقع، لا الواقع ذاته". 

مفهوم "السامسارا" البوذيّ

السامسارا، بالتعريف، هي: 

عالم الجهل والألم، وهو ليس شرطاً أساسياً للوجود، بل يُشكِّل كوناً ذهنياً مؤسساً على فكرة خاطئة، تعتبر بأننا نصنع الواقع.

بحسب البوذية، ينشأ عالم المظاهر عن تراكم عدد لا نهائي من الأسباب والظروف المتغيرة بإستمرار. 

مثل قوس قزح، الذي يتشكل إثر تعرُّض قطرات المطر لأشعة الشمس، ويختفي بإختفاء أحد العناصر المُشاركة بظهوره.

 توجد الظواهر في عالم تعتمد فيه أشياء على أشياء أخرى بشكل أساسيّ، حيث لا توجد بصورة مستقلة ودائمة. 

يملك كل شيء علاقة / إرتباط، لا يوجد شيء من ذاته وبذاته. 

عندما يُفهَم هذا المفهوم الأساسيّ جيِّداً:

 سيتراجع التصوُّرُ الخاطيءُ حول العالم؛ ويتقدمُ الفهمُ الصحيحُ لطبيعة الأشياء والكائنات.

المعرفة ليست مجرّد بناء فلسفيّ بسيط؛ بل هي عبارة عن:

 عملية أساسيّة تسمح بتحقيق إلغاء متدرج للعمى الذهني وللإنفعالات المؤرقة، التي تنتج عنه، ما يعني، إلغاء الأسباب الرئيسية المُنتِجة "لإنزعاجاتنا".

إنطلاقاً من وجهة نظر بوذية، يحمل كل كائن، بذاته:

 قوّةَ كمالٍ، بذات الصيغة التي تتشبَّع فيها كل حبّة فستق بزيتها.

 في هذا المنحى، يقوم الجهل على عدم  وعي هذا الأمر، مثل المُتسوِّل، الذي يبدو غنياً وفقيراً بذات الوقت، والذي يجهل وجود كنز مطمور تحت أرضيّة كوخه. 

يسمح تحديث طبيعتنا الواقعية، إمتلاك ذاك الغنى المنسيّ، لنا:

 بعيش حياة مسكونة بالمعنى. 

هذه هي الوسيلة الأكثر أمناً للعثور على السكينة ولتطوير الإيثارية في عقلنا.

اختتم هذا الجزء بكلام الأخصائي النفسيّ رافائيل سانتاندر والوارد في كتابه "نظارات السعاده"، والذي يقول: 

"نحن ككائنات بشرية، بشكل رئيسيّ، كائنات مُفكّرة، حيث نغربل عبر الدماغ كل الواقع الذي يدخل ضمن نطاق عمل حواسنا".

وهو ما يعيدنا إلى مصدر التعاسة والسعادة بالضبط؛ ويذكرنا بأهميّة المعرفة.

يتبع

المصادر في الجزء الأوّل

مواضيع ذات صلة

بخصوص السعادة (1)

بخصوص السعادة (2)

بخصوص السعادة (3)

مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء

No comments: