في البوذية، يُشير مُصطلح سوكها (بالسنسكريتية: सुख) إلى وضع رفاه، يُولَد من العقل السليم والرائق على نحو خاص.
هي صفة، تدعم وتطبع كل خبرة وكل سلوك وتشمل جميع المباهج وكلّ الأحزان، لا ترتجّ سعادة بكل هذا العمق.
إذاً، هي عبارة عن حالة من الحكمة المتحررة من السموم الذهنية ومعرفة متحررة من العماء المرتبط بالطبيعة الحقيقية للأشياء.
ضروريّ التنويه إلى أن مُصطلحات سنسكريتية مثل سوكها وأناندا، والتي تُتَرجَم عادة إلى "سعادة" و"بهجة"، ليس لها مُعادلاً في اللغات الأوروبية.
مُصطلح "رفاه" هو المكافيء الأقرب إلى سوكها، إذا لم يفقد قوته ليعبر عن راحة خارجية وشعور سطحي بالرضى على نحو واضح.
أما مُصطلح أناندا (بالسنسكريتية: आनन्द)، فهو أكثر من بهجة، يطبع إشراق السوكها، التي تُضيء اللحظة الحاضرة وتستمر في اللحظة التالية إلى أن تشكّل إستمرارية، يمكن أن نسميها "بهجة العيش".
ترتبط السوكها بفهم الطريقة، التي يعمل عقلنا وفقها؛ وتتوقف على الصيغة التي نفسِّر العالم من خلالها، فإن يكن من الصعب تغييره، بالمقابل، فبالإمكان تحويل الطريقة، التي نتصوره من خلالها.
خلال جلوسهم على سلّم المعبد في نيبال في فترة ما بعد الظهر، انهمر المطر بغزارة، فحول الأرض المحيطة بالمعبد إلى منطقة موحلة مليئة بالمياه، فوضعوا أحجاراً كي يتمكنوا من العبور والتنقل.
لم يعجب هذا إحدى الحاضرات، فبدأت تتنقل بنوع من الإشمئزاز، كلما دعست حجر وانتقلت لتدعس آخر.
إلى أن صرخت بإنفعال، قائلةً:
"أوف! هل تتخيلوا ما الذي سيحدث لي إن أقع في هذا الوحل؟ كل شيء في هذا البلد قذر!".
حاولوا الإيحاء بالإتفاق أو التعاطف معها، فربما يوفر لها بعض العزاء.
بمرور بعض اللحظات، صبيَّة أخرى، ظهرت على مدخل بحيرة الوحل. ألقت التحيّة عليهم وبدأت بالقفز من حجر إلى حجر وهي تدندن.
"كم هو مسلي! صرخت وتطاير من عينيها نوع من شرارات الفرح، وقالت بأنه من حسنات هذا المطر، أنه يُخلصنا من كل أنواع الغبار".
يمتلك شخصان رؤيتين مختلفتين للأشياء؛ سبعة مليارات إنسان، يعني:
سبعة مليارات عالم.
في موقف أخطر، أخبرت ذات الصبيّة بأنه حين سافرت إلى التيبيت للمرة الأولى العام 1986، تعرفتُ على شخص، قد تعرض لكثير من المضايقات خلال الغزو الصيني:
"أجلسني إلى طاولة وقدم لي الشاي من قارورة حرارية كبيرة. كانت المرة الأولى التي يقابل فيها امرأة غربية. ضحكناً كثيراً؛ بدا رائعاً جداً حقاً. عندما ظهر واختفى عدد من الأطفال بنوع من الحياء، الذين حملقوا فينا بنوع من الإندهاش، سألني عدداً لا حصر له من الأسئلة. ثمّ أخبرني بأن الغزاة الصينيين قد حبسوه لمدة اثني عشر عام، وقد حكموا عليه بتصنيع الأحجار لأجل بناء سدّ في وادي دراك ييربا، لا توجد أيّة فائدة منه، حيث كان الوادي جافاً بصورة شبه دائمة. مات كل زملائه المساجين الواحد تلو الآخر، من الجوع ومن التعب. رغم الفظائع التي تطبع قصته، كان من المستحيل عليَّ اكتشاف أدنى إشارة إلى الحقد في عينيه، المفعمتان بالطيبة. في تلك الليلة، وخلال نومي، تساءلتُ: كيف يمكن لشخص قد عانى كل تلك المعاناة، أن يبقى سعيداً لهذه الدرجة؟".
هكذا، إذاً، من يختبر السلم الداخلي لا يشعر بالتحطُّم جرّاء الفشل، ولا يسكر جرّاء النجاح!!
يعرف أن يعيش تلك الخبرات بسعة أفق وفي سياق سكينة عميقة وهائلة، يعي بأنها أشياء سريعة الزوال وأنه لا يوجد أيّ سبب يدعوه للتمسُّك بها.
لا "يضعف" عندما تسوء الأمور، بل يعرف أنّه تتوجب عليه مواجهة الملمات.
لا يغرق في الإكتئاب، حيث تتكيء سعادته على لَبِنات صلبة.
تؤكد إيتي هيلسم، في قصتها المؤثرة، قبل عام من موتها في معتقل أوشفيتز النازي الشهير، على أنّه:
"عندما تمتلك حياة داخلية، لا يهم على أيّ جانب من نافذة الشجن تقف. لقد متُّ ألف مرّة في ألف معتقل نازي. أعرف كل ما يجري. لا تُقلقني أية فكرة جديدة. بصيغة أو بأخرى، أعرف كل شيء. ومع ذلك، تبدو الحياة جميلة لي، تمتليء بالمعنى. في جميع لحظاتها وفي كل لحظة منعزلة لوحدها".
يرافق خبرة السوكها، فعلياً، انخفاض بنسبة الضعف بمواجهة الظروف، سواء كانت جيدة أو سيئة.
تُزيح قوة إيثارية وهادئة، في ظروف كتلك، الشعور بعدم الأمان والتشاؤم، الذي يُضعف كثيرين.
لا يثني هذا الأمر الأخصائي بعلم الإجتماع ولاديسلو تاتاركيفيك، البولوني "المختص" بدراسة السعادة، عن:
تأكيد أنّه يستحيل أن يعيش الشخص سعيداً في السجن، فبحسب وجهة نظره، السعادة التي يمكن اختبارها في ظروف شبيهة، ليست "مبرَّرة".
بناءاً على كلامه:
إن تكن أنت سعيداً في ظروف صعبة تمرّ بها، فأنت قد فقدت عقلك.
تُبرزُ تلك الرؤية للأشياء، من جديد، الأهمية الخاصة التي تحتلها الشروط الخارجية للسعادة.
نعرف إلى أيّ حد تصل بعض السجون لتشكِّل جحيماً لا يُطاق، بحيث تُنسى مفاهيم كالسعادة والطيبة تقريباً.
يفقد السجين كل قدرة على التحكُّم بالعالم الخارجي. في السجون البالغة القسوة، يتعوض هذا الفقدان، غالباً، من خلال السطوة الكاملة والعنفية، التي يمارسها قطاع الطرق وقادة العصابات والحرّاس، وهو ما يخلق سجناً داخل السجن.
تواجه غالبية المعتقلين الكره والإنتقام والقوّة، التي تُطبق بوحشية لا مثيل لها.
لا يتذكر موغاماد بنيامين، الذي أمضى القسم الأكبر من حياته وهو يعمل في سجون جنوب أفريقيا، عدد المساجين الذين ماتوا على يديه. بل وصل به الأمر إلى حدّ أكل قلب سجين بعد أن قتله بالتعذيب.
هكذا إذاً، يخلق الكره سجناً ثالثاً داخله، ولو أنه، في هذه الحالة، بالإمكان العثور على المفاتيح.
حُكِمَ على الأميركي فليت مول بالسجن لمدة 25 عام بسبب الإتجار بالمخدرات، يحكي قصته، فيقول:
"جحيم حقيقي: سجن كصندوق فواذي ضمن بناء إسمنتي. ليس له نوافذ، ولا تهوية، ولا مكان يمكن المشي فيه ولو بالحد الأدنى. كل المنفردات مشغولة بمساجين ودرجة الحرارة لا تُطاق. يُسمَع الضجيج بشكل دائم؛ هناك نوع من الفوضى. تناقش المساجين، صرخوا. شغَّلوا أربعة أو خمسة أجهزة تلفاز بذات الوقت وعلى مدار 24 ساعة. في تلك الظروف، بدأت بممارسة التأمُّل بشكل يوميّ. انتهيتُ إلى إمضاء أربعة أو خمسة ساعات تأمُّل يومياً على السرير العلوي في زنزانة مخصصة لشخصين بالأصل. تعرقتُ كثيراً، فسال العرق على جبهتي ووصل إلى عينيَّ. كان هذا الأمر صعباً في البداية، لكن ثابرتُ وصمدتُ".
بمرور ثماني سنوات على السجن، صرَّح بأنّ تلك الخبرة قد أقنعته:
"بالحقيقة المزدوجة للممارسة الروحانية، المتوحدة مع قوة الإشفاق ومع غياب "الأنا" من الواقع. هو أمر غير قابل للنقاش؛ لا يشكّل هذا مجرد فكرة رومانسية ساذجة. هي خبرتي المباشرة".
في أحد الأيام، تلقى رسالة تُخبره عن الوضع الصحي المتدهور لسجين موجود في المشفى وكان قد عمل معه.
خلال الأيام الخمسة التالية، وبين جلسات تأمل مُكثَّفة، أمضى ساعات وهو يجلس إلى جانب السجين، يرافقه في احتضاره:
"واجه صعوبات جمة في التنفُّس واستفرغ دماً ومادة صفراء صادرة من الكبد؛ لقد ساعدته على بقائه نظيفاً خلال تلك المدة. منذ تلك الأيام، شعرتُ من حين لآخر بحرية غامرة وفرح هائل. فرح، يسمو فوق شتّى الظروف، لأنه لا يأتي من الخارج، ومن البديهي أنه لا شيء يمكن أن يغذي هذا الشعور هنا في السجن. وُلِدَ هذا الفرح كنوع من الثقة المتجددة في ممارستي للتأمُّل: لقد اختبرتُ شيئاً لا يمكن إختزاله بمواجهة المعاناة والإحباط، التي تتجاوز كل ما يمكن تحمله عادة".
يوضح هذا المثال، بصورة لا لُبسَ فيها، بأن السعادة تتوقف، قبل كل شيء، على الوضع الداخلي.
إن يكن الأمر على هذه الشاكلة، ستبدو – السوكها - كسكينة شاملة غير قابلة للتصوُّر في وضع مشابه.
يُعبّر عما يعاكس السوكها من خلال المُصطلح السنسكريتي دوكها، والمُترجَم بالعموم كمعاناة، نكبة أو بصورة أدقّ "إنزعاج".
لا يعكس هذا المُصطلح مجرد إحساس بالضيق، بل يوضح حالة من الضعف الأساسية الناتجة عن المعاناة، والذي قد يصل إلى الإشمئزاز من الحياة نفسها، شعور يعتبر بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش، فيستحيل العثور على معنى للحياة.
في كتاب الغثيان، يضع سارتر الكلمات التالية على فم بطل القصة:
"فيما لو سألوني ما هو الوجود، لكان جوابي، عن قناعة، بأنه لا شيء، بالكاد هو عبارة عن شكل فارغ. لقد شكَّلنا كثيراً من أشكال الوجود المُزعج، لا نشعر بالراحة مع أنفسنا، لم نمتلك جميعاً أيّ سبب لنكون هنا، يبدو كل كائن مشوشاً، وقلقاً جداً، ويزداد هذا الشعور حدة من خلال العلاقة مع الآخرين. أنا قد شعرتُ بهذا. لقد فكرتُ بإنهاء حياتي كي أساهم بإنهاء وجود واحد لا جدوى منه على الأقلّ".
القول بأن العالم، سيكون أفضل دون حضورنا، يشكّل سبباً يؤدي لحدوث الإنتحار في الكثير من الأحيان.
في أحد الأيام، خلال لقاء شعبي في هونغ كونغ، نهض شاب من بين الحاضرين وسأل:
"هل يمكن إعطائي سبباً يدفعنا إلى الإستمرار في عيش الحياة؟".
يؤدي عدم إمتلاك أيّ سبب لمتابعة العيش إلى بلوغ هاوية "الانزعاج".
حسناً، مهما يكن تأثير الظروف الخارجية، هذا الانزعاج، حاله حال الرفاه أو الرضى، يُشكِّل وضعاً داخلياً.
فهم هذا الأمر هو أوّل شيء لا يمكن الإستغناء عنه لإمضاء حياة تستحق أن تُعاش.
في أية ظروف، سيُنغِّص العقل فرحنا بالعيش؟
أو في أية ظروف، سيعمل على تغذية هذا الفرح؟
لا يشترط تغيير النظرة إلى العالم تفاؤلاً ساذجاً ولا اغتباطاً مصطنعاً مخصصاً للتعويض عن المحن.
فطالما أن انعدام الشعور بالرضى والإحباط، الناتج عن الغموض الذي يحكم عقلنا، يُشكِّل واقع يومياتنا، سيُشكِّل ترديد عبارة "أنا سعيد!" حتى الشبع تمريناً عقيماً مكافئاً لطلاء متكرر لجدار ضمن خربة.
لا يقوم البحث عن السعادة على رؤية الحياة "بلون ورديّ" ولا بإغماض الأعين بمواجهة الألم وعيوب هذا العالم.
كذلك، السعادة ليست حالة من التمجيد الواجب حضوره بأيّ ثمن، بل تُشكِّل حالة إلغاء للسموم الذهنية مثل الكره والاستحواذ، اللذان يساهمان، حرفياً، بتسميم العقل.
لأجل هذا، من المهمّ تعلُّم المعرفة الأفضل لكيفية عمل السعادة وامتلاك تصوُّر أفضل عن الواقع.
يتبع
المصادر في الجزء الأوّل
مواضيع ذات صلة
مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء



No comments:
Post a Comment