2026/05/27

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (4)

صيغ السخرية البشرية هي أكثر تعقيداً، تتأسس على قدرتنا اللغوية والإدراكية (المعرفية) الأكثر تقدُّماً وعلى مهارتنا بتخيُّل وقائع بديلة، من خلال اللغة. 

ففي السخرية البشرية، يلعب الإنسان بقدرات إدراكية معرفية ولغوية "جديّة"، فعلياً، ليحولها إلى مصدر للتسلية والمُتعة الخالصة. 

تحضر السخرية لدى جميع الثقافات البشرية، بين سكان أوستراليا الأصليين حتى، الذين بقوا منعزلين منذ عشرات آلاف الأعوام، وهو ما يؤكد على كونيّة السخرية، ويجب تأريخ ظهورها إلى ما قبل 35000 عام على الأقلّ.

الضحك، على جميع المستويات، ليس حالة متجانسة وموحدة. 

تحققت الأستاذة ديانا ب. سزامايتات (جامعة توبنغن الألمانية) وآخرون، وبإستخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، مما يُحدِّده المُستمِع كضحك ناتج عن الدغدغة والمُترافق مع تحفيز التلفيف الصدغي العلوي، فيما حفزت الضحكة المؤثرة المرتبطة بالفرح أو السخرية منطقة القشرة الجبهية الوسطى.

 يُفسِّرُ الباحثون هذا الإختلاف الشكلي – الوظيفيّ كإشارة لإمتلاك الضحك الناجم عن الدغدغة لتعقيد صوتي أكبر، فيما يعكس الضحك "الإنفعالي الحسي" إسهام جوانب إدراكيّة أعقد مرتبطة بمزاياها الإجتماعية. 

بالتالي، الضحك الناتج عن الدغدغة هو ضحك بدائي أولي قائم لدى رئيسيّات أخرى.
يمكننا ملاحظة تمايز الضحك بتقدُّم العمر وصولاً للبلوغ لدى الكائن البشري.

 يُقدِّرُ الأطفال الدغدغة كثيراً، بل ويطلبوها حتّى.

 يستمتعون بألعاب الإختفاء والظهور المُفاجيء لأشخاص يعرفونهم (وهو ما يُشبه "الغميضة" بالللغة العربية)، يُقهقهون مع مشاهد ساخرة كضربات قوية ووقوع على الأرض، وذلك لأنهم غير قادرين على تقييم وتقدير السخرية اللفظية.
 
في المقابل، يتمتع البالغون، بسبب حضور نموّ كامل باللغة الرمزية، بالسخرية الثقافية (الفكرية) أكثر من إستمتاعهم بسخرية مُتكررة ذات عنصر معرفي إدراكي واضح للعيان. 

فيما لو نأخذ سنوات السينما الأولى بالحسبان، فسنجد الكوميديا التهريجية المُعتمدة على النشاط الجسدي بالإضحاك (نتذكر كلنا شارلي شابلن مثلاً)؛ لننتقل بعد ذلك إلى ظهور الأعمال الصوتية (التي تعتمد على اللغة المحكية) المُعبِّرة بسخريةً.

 يساهم تاريخ السينما، بما ظهر من أعمال ساخرة هزلية خلاله، بتبيان أصل وفصل وتطوُّر هذه الأعمال الساخرة الهامة.

نظريات حول السخرية والضحك

جذبت السخرية إهتمام الباحثين منذ زمن طويل جداً. فقد خصص كانط جهداً ووقتاً واضعاً فرضيّة تُرجِعُ السخرية إلى قاعدة التناقض وخرق المنطق السائد. 

ففي كتابه الأشهر "نقد العقل الخالص"، يعتبر كانط بأنّ:

 كل ما يمكنه تحرير "قهقهات ضحك كبيرة"، يجب إمتلاكه لعنصر عبثيّ، وهو شيء لا يحقق ذات المفعول، بذاته، لدى عزله عن سياقه. 

يخرق هذا الضحك قواعد المنطق المألوفة، بل يخدع ويُضلِّل الفهم، لكن، يُسبِّب ظهور لحظات فرح لا تُنسى. 

من ناحيته، يعتبر آرثر شوبنهاور التناقض كقاعدة لظاهرة السخرية الفكاهية، ويؤكد على ظهور السخرية جرّاء إخفاق مفهوم ما بتقديم تفسير فكريّ. 

عندما يُفرَضُ الخاص على العام، فسنواجه تناقضاً مُتضمناً لعنصر مفاجأة. 

كلما زاد التناقض وعدم التوقُّع، كلما زاد حجم المفاجأة:

وهو ما يقود لتحرير ضحك أكثف وأقوى.

من جانبه، إعتبر برغسون (1899-2008) بأنّ الضحك عبارة عن إشارة إجتماعية تُعاقِبُ كل قسوة على المستويين الفكري كما الجسديّ. 

يظهر الضحك، بالنسبة للفيلسوف الفرنسي نوبل، عندما يُفرَضُ الشكل على المضمون (الظاهر على الباطن)، حينها تظهر القسوة، التي تُعتبر نوعاً من التناقض عندها. 

السخرية عبارة عن شيء عقلاني تماماً؛ بحسب كلماته:

"لكي يُنتِجُ العُنصر الفُكاهي أثره، يستلزم حدوث لحظات من الخَدَر، فهو يُوقِظُ أعلى درجات الذكاء".

لهذا، لا نجده، بهذه الصيغة، خارج النطاق البشريّ. 

هو آلية مفيدة كمُصحِّح إجتماعي، لأنه يُساعد الأشخاص بتحديد السلوكيات غير المحبذة ليتم تجاوزها وتحقيق نموّ بالشخصية بإتجاه الأفضل. 

كل ما يُحوِّل الشخص إلى شيء (حيوان أو شيء آلي) هو مادة خلّاقة لتحقيق السخرية وتوليد الضحك. 

يتبع

No comments: