2026/05/07

Evolutionary issues قضايا تطوريّة (2)

 

الحدودُ الحيويّةُ (البيولوجيّة) للتعلُّمِ: أثر غارسيّا

في هذا الموضوع، سيجري بحث التعليم المُعدّ (الآتي مع الكائن الحيّ عند ولادته بالضبط)، والذي بحسبه تبدو الكائنات الحيّة مُعدّة تطورياً للربط بين مُحفزات معينة وإستجابات مؤكدة.

 سنرى أثر غارسيّا، بالتحديد، والذي يُشير إلى إكتشاف أنّ الفئران تربط الغثيان بالغذاء وليس بالأضواء أو الأصوات. 

قد يحدث هذا الأثر لدى الفئران، لأنها قد عانت من الغثيان في بيئتها وطوال تاريخها التطوري بسبب السموم ومسببات الأمراض؛ لا بسبب الأضواء أو الأصوات.

 تُثبِتُ هذه الظاهرة بأنّ الفئران (وجميع الكائنات الحيّة) قد تطورت، لكي:

 تتعلم أشياءاً بسهولة أكبر من أشياءٍ أخرى. 

بإختصار، ستُشكِّلُ هذه الظاهرة مثالاً على أننا لسنا صفحات بيضاء (ولا ألواح فارغة). 

بدايةً، تذكير طفيف بالإشراط الكلاسيكي الذي بدأ مع بافلوف وتجربته الشهيرة على الطعام والكلب والجرس.

 الغذاء هو المُحفِّز غير المشروط المُنتِج، بصورة طبيعية، للعاب الكلب. 

الجرس هو المُحفِّز المشروط ، الذي يُسبِّب، حين يترافق مع الغذاء، إفراز اللعاب لدى الكلب أيضاً. 

خلال زمن هذا الإكتشاف، فكَّرَ كثيرون بإمكانية ربط أيّ مُحفِّز بأيّة إستجابة. 

ما سنعرضه فيما سيلي،  سيُبيِّن أن الأمر ليس هكذا، بل يحتاج التعلُّم لآليات تطورية تعلُّمية وأن أدمغة الحيوانات المختلفة مزودة بآليات تعلُّمية مختلفة. 

نقول بأنّ التعلُّم ليس عملية عامة بل خاضعة لمحددات:

 تُصعِّب إرتباطات وتُسهِّل أخرى. 

تعود دراسات النفور المشروط بالتذوُّق إلى أربعينيات القرن المُنصرم، عندما إستعملوا السموم للقضاء على آفتي الفئران والجرذان. 

فقد لاحظوا بأنّ الجرذان قد جرَّبت وأكلت كميات صغيرة من الطُعم المسموم. 

بفضل هذا التعامل الحذر، لم تمت الجرذان رغم معاناتها من السمّ المُستهلك. 

لكن، بمجرد شفائها من السمّ، توقفت عن تجريب الطُعُم أو الأكل منه تماماً.

لكن، جون غارسيّا، هو الذي أثبت:

 وجود "النفور المشروط بالتذوُّق" خلال عقد الخمسينيات من القرن المُنصرم. 

فقد درس غارسيّا بجامعة كاليفورنيا، بريكلي، وعمل لصالح البحرية في سان فرانسيسكو دارساً آثار الإشعاع على الجرذان (الذي يتسبب بظهور إزعاج هضمي بين أشياء أخرى).

 لاحظ غارسيّا أنه عندما أعطى الجرذان الماء بعلب بلاستيكية قبل التسبب بظهور مرض بواسطة الإشعاع لهم قد شربوه، لكن، فيما بعد، تجنبوا شرب المياه من تلك العلب. 

وعندما قدَّمَ لهم الماء في علب زجاجية قد تناولوه.

 إعتبر غارسيّا وزملاؤه بأنّ علب البلاستيك تعطي طعماً خاصا للماء، قد ربطته الجرذان بالمرض اللاحق الناتج عن التعرُّض للإشعاع.

 إختبر غارسيّا هذه الفكرة بإعطاء الجرذان لسائل مُحلى قبل التعرُّض للإشعاع. 

كما توقَّعَ، عندما عرض عليهم ذات السائل المُحلى بعد التعرض للإشعاع:

 قد تجنبوه. 

إستمر نفورها من هذا السائل المُحلى لأكثر من شهر، رغم أنّ هذه الموقف قد ظهر بعد تعرُّض وحيد رابط للسائل المُحلى بالتعرُّض للإشعاع. 

لفت إنتباه غارسيّا بأنّ الجرذان لم تتجنب المرور بمكان تلقي الجرعة الإشعاعية، وإن حدث، فقد تطلب زمناً كبيراً ليحدث هذا التجنُّب وإن بشكل قليل الإستقرار مقارنة بتجنُّب مبني على التذوُّق لطعم معين.

 أهم نتيجة لهذه المُلاحظة، هي:

 لا يترافق كل مُحفِّز (في هذه الحالة، البيئة الخارجية مقابل الطَعْم) بذات القدر مع الإنزعاج من الإشعاع. 

بوقت لاحق، حقق غارسيّا وزميله روبرت كولينغ إختبارات شهيرة، عُرِفَت بإسمهما، حيث إستخدما صنبوراً شربت الجرذان منه وقد ترافق الشرب مع إشعال ضوء لامع وإصدار صوت، بعد ذلك، عرضوها للأشعة.

 الجرذان التي خضعت للإختبار، قد تجنبت شرب السائل المُحلى رغم عدم ترافقه بصوت ولا ضوء. 

مع ذلك، لم يكن لدى ذات الجرذان مشكلة بشرب سائل غير مُحلى رغم إشعال الأضواء وإصدار الأصوات. 

بينت تلك النتائج، بوضوح، بأنّ الطعم الحلو قد إرتبط بشكل أقوى مع الأشعة منه مع الأضواء والأصوات رغم إرتباط المحفزات الثلاثة بالإنزعاج الناشيء عن التعرض للأشعة.

عندما ترافقت هذه المحفزات (الطعم / الضوء / الصوت) بصدمة كهربائية لمجموعة أخرى من الجرذان، ربطت الجرذان المحفزات الصوتية والبصرية مع الصدمة الكهربائية لا الطعم الحلو.

 إعتباراً من هذه النتائج، طرح غارسيّا فكرته القائلة بوجود إنتقاء في التعلُّم، ولهذا، إرتبط الطعم، تفضيلياً، بوعكة هضمية؛ فيما إرتبطت المحفزات الصوتية والبصرية بالصدمة الكهربائية.

 تعارضت هذه الخُلاصة مع أفكار سائدة خلال تلك الحقبة، والتي إعتبرت بأنّ أيّ نوع من المحفزات أمكنه الإرتباط بأيّ عاقبة أو إستجابة.

لكن، أثبت غارسيّا وزملاؤه شيئاً إضافياً متجاوزاً للنفور المشروط بالذوق. 

ففيما لو شربت الجرذان سائلاً مُحلّى، وبوقت لاحق، قد تسبب دواء ما بمرضهم (إستفراغ ناشيء عن حقنة آبومورفين)، فقد إكتسبت الجرذان نفوراً حتى لو تأخر الحقن بالآبومورفين لمدة 75 دقيقة. 

تناقض هذا مع معارف الحقبة المؤسسة على دراسة المحفزات الصوتية والبصرية التي وجدت بأنّ التعليم لم يحدث فيما لو زاد التأخير عن بضع ثواني فقط. 

تعارض كل ما توصَّل غارسيّا إليه مع قوانين التعلُّم السائدة بتلك الحقبة، وقُوبِلَت نتائجه بالتشكيك وبمعارضة واضحة، فقد رفضت مجلات عديدة نشر مقالاته (مزح غارسيّا قائلاً بأنّ مُحرِّري ومُراجعي المواضيع في المجلات قد أصابهم "رُهاب من كل شيء جديد!").

بدقّة، لم يتم إستقبال أفكار غارسيّا جيداً لأنّه قد إعتبر بأنّ لنتائج إختباراته تفسيراً تطورياً، فإقترح بأنّ التطور قد صاغ هذه الميزات.

 تحديداً، شكَّلَت القدرة على ربط طعم بأثر سُميّ إثر تعرُّض وحيد تكيفاً فائقاً، قد سمح للحيوانات بتفادي تبعات قاتلة جرّاء تناول السموم. 

بإعتبار أنه غالباً ما يظهر المرض بسبب التعرُّض لسموم نباتية أو لحوم سيِّئة، فالحيوانات التي تمكنت من ربط الذوق بالأمراض، قد إمتلكت:

 فائدةً تطوريةً.

بوقت لاحق، تضاعف عدد تلك الإختبارات وقُبِلَت وجهة النظر حول وجود مُحدِّدات حيويّة (بيولوجية) للتعلُّم. 

تقترح هذه الرؤية بأنه رغم عمومية ظاهرة التعلُّم، يمكن أن تصبح محدودة أو مُتاحة على قاعدة التاريخ الطبيعي للحيوان؛ وأنه على نظرية التعلُّم الحيواني والإشراط أخذ التاريخ الطبيعي للنوع الحيّ بعين الإعتبار. 

 

كذلك، معروف ما حدث مع الأخصائي النفسي مارتن سيليغمان وقد أسماه "متلازمة صلصة البيارنيز":

 ففي أحد الأيام، شعر سيليغمان بنوع من التوعُّك الصحي إثر خروجه للعشاء مع بعض الأصدقاء، وفي الغالب، وعكة معدية أمعائية ذات منشأ فيروسي، وقد تناول خلال العشاء تلك الصلصة، ورغم علمه بأنها غير مسؤولة عن وعكته تلك، فقد إمتنع عن تناول الصلصة خلال سنوات كثيرة.

بعيداً عن النفور من الطعم، كذلك، هناك أمثلة حول التعلّم الجاهز بتطوير رُهابات، والذي يُلاحَظ لدى القرود من خلال تطويرها للخوف من الأفاعي بسهولة بالغة، حتى بعد التعرُّض لمرة واحدة فقط لها، لكن، لا تُطوِّرُ هذا الموقف مع الأرانب ولا مع الأزهار.

 لم تُطوِّر أنواع حيّة، لم تتحول لفرائس أو ضحايا لهجمات الأفاعي، على سبيل المثال، آليات التعلُّم من خوف مُحدّد. 

كما قلتُ في البداية، يوحي كل هذا بأنّ آليات تعلُّم نوع حيّ مُعين يمكن أن تختلف بإختلاف الإحتياجات، التي حضرت لدى هذه الأنواع الحية خلال ماضيها التطوريّ وأننا لسنا ألواحاً بيضاء، بل نأتي إلى العالم مع جهوزية ما مُسبقة لتعلُّم أشياء بسهولة أكبر من أشياء أخرى.

المصدر الأساسيّ ومصادره الخاصة

Límites biológicos al aprendizaje: el Efecto García, Evolución y Neurociencias Blog, Pablo Malo, psiquiatra, miembro de la Txori-Herri Medical Association y del grupo de psicorock The Beautiful Brains. Interesado en Psicología y Biología Evolucionista

https://evolucionyneurociencias.blogspot.com/2019/07/limites-biologicos-al-aprendizaje-el.html

Terry Davidson y Anthony Riley.(2015) Taste, Sickness and Learning American Scientist vol 103 number 3: 204

Garcia, J. 1981. Tilting at the paper mills of academe. American Psychologist 36:149–158.

Garcia, J., D. J. Kimeldorf, and R. A. Koelling. 1955. Conditioned aversion to saccharin resulting from exposure to gamma radiation. Science 122:157–158.

Garcia, J., and R. A. Koelling. 1966. Relation of cue to consequence in avoidance learning. Psychonomic Science 4:123–124.

Garcia, J., F. R. Ervin, and R. A. Koelling. 1966. Learning with prolonged delay of reinforcement. Psychonomic Science 5:121–122.

مواضيع ذات صلة

قضايا تطوريّة (1) الآلات الداروينية وطبيعة المعرفة

No comments: