13. ما يتعلق بالآلهة
1.13. فرضيّة الإله
يبدو الكمّ الهائل من النقاشات المتركزة حول "أدلة" على وجود أو عدم وجود الإله الفوق طبيعي غير رصين.
مع ذلك، لا يمكن تناول تلك القضية إعتباراً من رؤية منطقيّة، وأقل بكثير، من تناولها كرؤية علميّة.
يقع الإله خارج أيّ حقل دراسي بأيّ علم، حتى لو تُطلق بعض المعاهد او المراكز الدينية أسماءاً تُوحي بعلميتها، من قبيل "مركز ... للعلوم الدينية" (يرد مصطلح علماء الدين بكثرة عند المرجعيات الاسلامية، ولكن، أيضاً، لا صلة له بالعلم المُتفق عليه حاليا في العالم). لا يتعلق الأمر بقبول الإله علمياً، حيث يختلف المفهوم، لا يمكن أن يُاقش هذا الموضوع. ما يعني، منطقيا وتجريبياً، لا يمكننا إثبات وجود أو إثبات لا وجود إله فوق طبيعي ولا بأيّ شكل.
السبب منهجي محض.
يتأسّس أيّ نظام علمي عبر اختزاليته الكبيرة ومن خلال إقرار فرضيات حول وقائع مُلاحظة.
حيث تتوجب محاولة إثبات تلك الفرضيات أو رفضها عبر نمط إختباري و رقابي لا لُبس فيه.
وهنا، يحضر المنطق:
لا يمكننا إقرار فرضية دون فتح المجال لمعارضتها ونقضها.
سنتناول مثال توضيحي لما ورد للآن:
فرضية "ظهور الانسان العاقل منذ 250000 عام في أفريقيا"، ستكون غير صالحة:
فيما لو يُعثَر على أحفور بشري بتاريخ سابق خارج قارة أفريقيا.
على العكس من هذا، يمكن إثبات صحّة فرضية "سكن الإنسان العاقل لأميركا الجنوبية منذ 15000 عام" بالعثور على بقايا أحفورية بشرية بهذا القِدَمْ. حتى دون دليل قاطع، فيما لو يمضي الزمن دون العثور على أحفوريات أقدم من 250000 عام بايّ مكان في الأرض أو 15000 عام في اميركا الجنوبية، فستكتسب الفرضية الأولى قوّة؛ فيما تفقد الفرضية الثانية قوتها.
وفي هذه الحالة الأخيرة، ستساهم صلاحية فرضيات أخرى متعلقة بها، مثل "وجود عدد أكبر من أنواع أشباه الإنسان البدائيين في أفريقيا لا في أوروبا أو آسيا":
بإعطاء وزن أكبر لها.
بالتقدم بهذا الدرب، يمكن التوصُّل لإقرار نظرية حول أصل البشرية، وفيها، يظهر قبول أو رفض للفرضيات المختلفة، التي تصوغها والتي ستعدّل بدورها النظرية العامة.
مع هذا، لا يمكن تأكيد أو نفي فرضية تقول "وُجِدَت سفينة فضائية في مدار كوكب جوبيتر في القرن السابع، لكن، اختفت دون ترك أيّ أثر" بأيّة طريقة، بالتالي، لا يمكننا إتباع منهج تجريبي معها. لا يمكننا إعطائها أيّ وزن بمرور الزمن، كذلك، لا يمكن دعمها من خلال فرضيات متصلة.
إذاً، يمكن التصدي علمياً لدراسة أصل الانسان، لكن، لا نستطيع القيام بهذا الأمر مع السفينة الفضائية بمدار جوبيتر خلال القرن السابع.
بترك كل هذا جانباً، لا يمكن الخلط بين أشياء مُثبتة أو مرفوضة (منفية) بواسطة منهج تجريبي مع نمط منهجي آخر. فلا يمكن القول:
"سرعة الضوء ليست 300.000 كيلومتر / ثانية لأنني لا أحبّ الرقم 3، وأعتقد بأنّ سرعة الضوء هي 5000.000 كيلومتر / ثانية لأنني أفضل الرقم 5".
سيضحك أيٍّ كان بشدّة على هذا النمط من البرهنة.
لكن، بشكل معاكس، لا يضحك الكثيرون بشدّة، عندما لا يتعلق الشيء برقم كهذا، بل يتعلق بإيمان بكائن فوق طبيعي!!
وهذا الاخير، هو الحاصل مع افتراض وجود إله.
لا يمكننا وضع أيّة فرضية قابلة للإثبات أو النفي، ولا حتى أن تكتسب أو تخسر قوّة الصلاحيّة من عدمها بمرور الزمن.
كنتيجة منطقية، لا يمكننا إستخدام برهان غير علمي، كهذا، لتجاوز تناقض تجريبي آخر.
تعابير مثل "التطور غير موجود لانّ إلهي يقول" هي غير منطقيّة كليّاً، وتحيلنا الى أوضاع غريبة عجيبة غير اقبلة للفهم، مثل:
رفض تقنيات التأريخ، تجاهل وجود أحفوريات أشباه البشر أو حدوث الطفرات المفيدة.
2.13. إثباتات عدم وجود الإله – يهوه – الله
"إذا كان الله غير موجود، فكل شيء مباح أو مسموح".
دوستوفسكي، هو نموذج مُثقل بالشعور بالذنب. لاحقه خلاصه الذاتي في الأدب، والذي انقلب، بنصف شخصيات أعماله، لمظاهر مختلفة لوجوده الذاتي:
الرذيل، المقامر، الشَبِقْ ... الخ. والتي جعلته يهلك أو يتوب، كشكل، لإيجاد جواب على تساؤله الدائم، أو للحصول على شكل ما للسلام الروحي.
لكنه، أخفق!
في وقت لاحق، استخدم جان بول سارتر، عبارة الكاتب الروسي تلك، لتعريف النسبوية في المجتمع والحياة. ترتكز الوجودية المادية، والتي يشيدها سارتر ذاته، على قواعد مهزوزة للغاية، إن لم تكن معدومه، سيما لدى قسم من البشر، لا يعتقد بها. بحسب سارتر، ليس للحياة معنى (قيمة) نظراً لعدم وجود آلهة ولا حياة أرضية منسجمة ولا نفس خالدة، الأمر الذي يُعتبر، بالنهاية، تصريح يطال نزاع ذاتيّ، إذاً، بحسب تفكيره الشخصيّ، هناك "ضرورة" لوجود آلهة ونفس خالدة، لكي تكتسب الحياة "معنى وقيمة".
لكنه، أخفق أيضاً!
تبنى كثير من المفكرين هذا النمط من الأفكار، لتبرير ما لا يمكن تبريره، أو للتأكيد لأنفسهم اتفاق معنى الحياة مع ميولهم الأنانية.
"في حال عدم وجود الآلهة، بالتالي، لأتحوّل أنا إلى إله!!".
هذا ما يُقرأْ بين الأسطر، حيث أن تلك النماذج، تُقدِّم نفسها "كقوى فوقية"، ليتمكنوا من قتل نظرائهم دون الإحساس بالذنب.
لكن، أليس هذا ما فعلته، وماتزال تفعله الأديان، وهو الأمر، الذي دفع فولتير للصراخ:
"إلهي، كم من الجرائم تُرتكب باسمك!"؟؟
تحتوي هذه الصيغة من التفكير على الكثير من الرياء، بل وتنطوي على الكثير من الغباء!
في مقال آخر، حيث أطرح خياراً مقتضباً حول أخلاقية إلحادية، أشرت إلى أنّ الإعتقادات غير ضرورية لوجود أخلاق حقيقية، بالتالي، يتوقف هذا على علاقات أكيدة مستقرة بحسب طبيعة الأشياء. يخضع كل فرد لبعض "البيئات أو الأجواء"، حيث يتوجب أن يأخذ على عاتقه – يتبنى – بعض "قوائم التعليمات (بنود التعاليم)".
يطلب المجتمع، العائلة، العمل، ... الخ من الفرد تحقيق صيغ تسمح له بالتطور الأفضل، كما هو مُفترض.
إكتشاف وتطبيق تلك الصيغ، هو الأهمّ، علماً بأنّ "إبتكارها" يُشكّل حالة من الإجحاف الحقيقي، لأنها صيغ، قد صدرت عن قرار فردي وتعسُّفي بلحظة معطاة ما.
يتكلّم المُوحِّدون الإلهِيُّون عن الأخلاق، بكثير من الأحيان، بصورة مناهضة للطبيعة البشريّة.
بينما تحثّ الطبيعة الإنسان على تجنب الألم واقتفاء أثر الفرح، تطرح هذه الأديان كل ما هو عكس ذلك، حيث تعتبر الفرح شيء سيء والألم صيغة للخلاص!!
من منظور نفسي، يكشف هذا عن حضور إختلال سادي مازوخي والإصابة بمرض عقلي وأخلاقي عند مؤسسي ومُشرّعي تلك الأديان!
يبحث الإلحاد عن خيار مختلف، خيار غير خاضع للإرهاب ولا للممنوعات دون تبريرات مُقنعه! هو خيار، يُحرّض الإنسان على تبني رؤية عقلانية ورصينة للحياة.
لن يفيدنا الاعتقاد بشيء، ولا النيران الخالده، ولا الوعود السماوية، إذا لم نخلق أخلاقاً متوافقة مع الواقع.
فلقد أثبت الإرهاب والتحريم والتحليل (من حلال) فشله.
النتيجة الغير مقبولة والمُناهضة للأفعال الطبيعية، هي الخضوع لتوجيهات "مبتكرة" من البعض، لتحقيق منافعهم الخاصة .. بإسم الآلهة أو بالنيابة عن قوى أخرى!
وجود الله غير معقول كلياً.
أُعلِمُ ذوي العقول القلقة!
بعيداً عن محاولة التفكير بعمق حول الله، دعونا نركِّز في بديهيتنا، عبر تحليل بارد وسريع للوقائع.
فأول ما يجب التحقق منه هو بأن هذا الكائن – الله – لا نعثر عليه ولا في أيِّ مكان.
لا يظهر على صفحات الجرائد، ولا على شاشات التلفزة، ولا نعرفه شخصياً، ولا أحد سمعه يتكلم مع أحد مباشرة. لم يقدم لأحد منا أية مساعدة في حياتنا مطلقاً، ولم يظهر ليساعدنا عند تعرضنا لأية مشكلة ... وقد وجب علينا الإهتمام بأمورنا دوماً.
حسناً مَنْ هي هذه الذات المسماة الله؟ أين يتواجد؟ هل أعرفه؟ هل يكلمني؟ أيّة هيئة لديه؟ ما هي أفكاره السياسية؟ أين يعيش؟
ببرودة، مُحال كلياً وجود شيء (كائن) قادر على كل شيء كامل. هل رأينا، مرّة ما، ذاك الكمال؟ مالذي نفهمه من الكمال؟ لكن، حتى لو لم يكن الكون بهذا الإتساع الهائل! نرى أخطاءاً وعيوباً بكل الإتجاهات، في الطبيعة، بالحيوانات وفي الكائنات البشرية. أين ذاك الكمال؟! لكن، كيف من الممكن وجود كائن كامل، في ظل تلك الحماقة والعجز الشديدين السائدين؟!
ويمكنك أن تقول لي صديقي العزيز، ألا يظهر لك بأنه مُحال أكثر وجود كائن خالق للكون؟ الكون، الذي لا حدود له .. كيف يمكن لأحد أن يخلقه بلحظة؟! وفوق ذلك، من لا شيء (مع أنه ذاته، قد استعمل الطين لصنع آدم؛ واستخدم ضلع آدم لصنع حواء)!! هذاأمر مُضحك صراحةً، بالتالي، الله، هو أحد لا نعرف عنه شيء أبداً، وُجِدَ دوماً وقد صنع كونا لا محدوداً، لأنه رغب بذلك واعتباراً من لا شيء.
وهل يظهر لك بأن الله موجود في كل الاماكن؟! يا للهول! يصحبنا إلى الحمَّام أيضاً؟
إذاً، إن لا يحترم خصوصيتي، فأنا لا أريد لا رؤيته ولا التكلم معه.
وجود الله في كل مكان هو أمر مثير للدهشة!
رغم أنني لا أجده بأيِّ مكان، ولا حتى داخل عقلي!!
أخيراً، برأيي المُتواضع، وببرودة تفكير، الله لا وجود له!
1.2.13 علمياً، لماذا الله غير موجود؟
لم يكن وجود الله مثبتاً، ولا مُشاهداً، ولا مُخَالَفاً ولا مختزلاً رياضياً أبداً.
يُناسِبُ المنهج العلمي لتحصيل معرفتنا، يتأسس على تحكيم العقل – برهنة، إستدلال – في بناء فرضيات، وفي الملاحظة والقياس لأجل إثباتها وتحقيقها. يجب تكرار التجربة العلمية في أي مكان ومع أي شخص لتعطي ذات النتائج، فتكتسب المصداقيّة والإثبات.
أولاً، لم يُلاحظ الله على الإطلاق. بالتالي، لا يمكن تحقيق إثبات علمي لشيء لا تمكن ملاحظته ... فهذا أمر غير معقول كلياً. على اعتبار أن الخطوة الأولى في المنهج العلمي، هي الملاحظة – الحسية - وفي حال عدم حصولها، فلا نستطيع الحصول على قياسات – فمن المُحال قياس أبعاد الله، الذي لم نشاهده ولا نعرف كيف هو في الواقع - ولا مع فرضيات، ولا مع إثباتات أو إختزال قوانين رياضية.
شيء، لا يُلاحظ أبداً، من حيث المبدأ:
هو غير موجود.
نعم، نضع مثالاً، أكون في غرفة فارغة وحدي؛ ويقولون لي يوجد شخص آخر بجواري، من حيث المبدأ، ذاك الشخص غير موجود، حتى يثبت العكس. تماما، كما في أيّة دولة ديموقراطية، المُتهم بريء حتى تثبت إدانته.
بل أكثر من ذلك، وحتى لو قدّم لنا العلم أثراً، يسمح لنا بالتشكيك في وجود الله.
فمما يُصنَعُ الله؟
أين يتواجد؟
الأجوبة الدينية على هذه الاسئلة، بالعموم، غير مفهومة كليّاً، إنطلاقاً من وجهة النظر العلمية.
ما هي (هو) الروح؟
الكون مصنوع من مادة و طاقة. إن لم يكن الله لا مادة ولا طاقة.
فمن أي شيء مصنوع، إذاً؟
تعبير "الله موجود في كل الجهات"، علمياً، هو غير معقول ولا مقبول، فنحن نعرف بأن المادة تملأ الفضاء كلياً تقريباً.
حاول العديدون إثبات وجود الله علمياً أو أي شيء يتعلق به، لكن، أخفقوا جميعاً.
ففي إحدى المرّات، قاسوا وزن جسم ميت حديثاً وآخر حي، لتحديد كتلة الروح أو النفس.
لم تكن الفروقات ملفتة.
الآن، للأسئلة، التي وضعوا إجابات دينية لها – من خلق العالم، لماذا نعيش، ماهي الكواكب،..الخ – أجوبة علمية واضحة، والتي من المفترض أنها قد حلّت محلّ الأجوبة الدينية. كذلك، نعرف أصل الكون ونهايته – نظرية الإنفجار الكبير المثبتة من فترة قريبة – ولهذا، يلجأ الدين دوماّ إلى المجهولات الكبرى وهي:
ما الذي حضر قبل الإنفجار الكبير ومن الذي سبَّبه؟.
ماذا يوجد خارج كوننا؟.
في التساؤلين، الجواب الديني بوضوح شديد، هو: الله.!!
لكن، يجب أن نأخذ بالحسبان، مع معرفة فيزيائية بسيطة، بأن السؤالين – وأجوبتهما، بالتالي – غير صالحين ولا يمكن قولهما تحت أيّ مفهوم. حيث يلزم السؤال الأول مفهوماً زمنياً – ما الذي وُجِدَ قبل الأصل – ويلزم السؤال الثاني مفهوماً فضائياً "فراغياً" – يقع خارج الكون -
لكوننا ثلاثة أبعاد فراغية، وعلى الأقل، بعد زمني، لذلك، للمفاهيم المتعلقة بالفراغ وبالزمن سعة ومعنى في كوننا فقط. إذا وُجِدَت أكوان أخرى، فأبعادها غير متخيلة كلياً.
هكذا، إذاً، وُلِدَ الزمن و الفراغ مع الكون، لهذا، لا يمكن التساؤل حول ما حضر قبل الأصل – لأن الزمن لم يكن موجوداً – أو ما الذي يوجد خارج الكون – حيث يوجد الفراغ، فقط، هنا ضمنه - نعرف بأن الكون متناهي في الفراغ وفي الزمن (الزمكان). نعرف كل أسرار الحياة، ولم نجد شيئاً – شاذاً – في داخلنا ... فكل شيء كيمياء .. الحب، الأحاسيس، العقل، الحركة، الأفكار .... كله:
ممكن أن يُوجز بتآلف و تفاعلات بين الذرات.
أين الغريب في الأمر؟
نعرف من أين أتينا وإلى أين نذهب.
نعرف التاريخ الطبيعي لكوكبنا وكائناته – بما فيها نحن – نتغلغل كل مرة أكثر في الفيزياء – وراهناً، في الفيزياء الكمية – ولم نعثر على شيء لا يستطيع العلم تحليله أو التصدي له، حتى في حالة عدم وجود جواب ناجز له.
أين يوجد إلهنا إذاً؟
لقد مات بطعنة خنجر العلم!!!
2.2.13. إثبات رياضي لعدم وجود الله
مدخل
قبل الدخول في الإثبات الرياضي (الرياضيّاتي)، سأعمل مداخلة فلسفية ونظرية صغيرة للمشكلة.
يُولَدُ الكائن البشري ملفوفاً بجهل مطلق للمحيط والعالم. يكتسب معرفة من الواقع إبتداءاً من الملاحظة، يمكن القول، يبدأ بالإدراك. على سبيل المثال، يُولَدُ شخص في غابة، يثبت الوجود عبر بيئته الصغيرة، الأشجار التي يراها، لكن، ولا بأيّة صيغة، يستطيع "إفتراض" وجود بحر.
فهو يتقيّد بما يراه بمحيطه، حتى لو لا يعرف كل شيء عنه، لأنه بنفس الصيغة، التي تفترض إحتمال وجود بحر ذو ماء مالح، أيضاً، يستطيع "الإعتقاد" ببحر ذو ماء حلو، بحر رصاص مصهور، أو بحر من براز.
فهو سيدخل لتشكيل جزء من واقعه، فقط، عندما يدركه بصيغة ما، على سبيل المثال، فيما لو يسافر إلى ساحل البحر. أو عندما يحوز شخصٌ قريبٌ على ثقته، ويُحدِّثَهُ عنه. ودوماً، يمكنه إستيعابه بصيغة مؤقتة، فالشواهد والإثباتات ربما هي خادعة؛ ويتوجب علينا التهيؤ، بكل لحظة، لتعديل فهمنا للواقع، لكن، وفق قاعدة إدراكات وتجارب دوماً.
دعونا نوسع هذا الواقع لأطول السنوات كأفراد، لكن، كذلك، لأكثر الأجيال، كحضارة متحققة من خلال تحصيل المعرفة العلمية.
نزيد معرفتنا "المؤكدة" عن كوننا، وشكراً للعلم، بخطى بطيئة، لكن، ثابتة. لا نستطيع إعطاء شيء قيمة الوجود ما لم يُتحقَّق منه في الواقع.
لأنّه، في حالة مُعاكسة، سنقع بتناقض ظاهري كما في قصة البحر سالفة الذكر.
يظهر جلياً أننا مجبرون على تحديد واقعنا، فقط، كما نؤكده كأفراد أو كحضارة.
عقدة
بالمقابل، وفي مناسبات عديدة، نَشَطَ الكائن البشري على نحو مُعاكس لهذه الفلسفة، مُعتبراً إفتراضاته كثوابت "حقائق ممكنة"، والتي لم يثبتها بأية صيغة واقعيّة، لكن، ناسبته جيداً لتغطية مخاوفه، وبشكل خاص، لتغطية جهله.
القضية، الأبرز، هنا، هي بنشره الفكرة المتعلقة بالإعتقاد في وجود "الله أو إله" ككائن قادر على كل شيء مع ذكاء وإرادة.
دخلت هذه الفكرة في سياق الأشياء الغير مثبتة. كما أسلفنا الذكر أعلاه، فحين نعتبر الفرضيّة حقيقة ثابتة، سنستطيع إعطاء الوجود لإله واحد، إلهين، 3 آلهة، العفاريت السحرية أو الذباب الأكبر الإعجازيّ، لكن، دون إمتلاك أيّ أساس واقعيّ.
إختار المؤمنون الله، كيقين ثابت، من بين كلّ هؤلاء مُحتملي الوجود، لكن، لم يتأكدوا ولا بأية صيغة أو طريقة. من الآن، وإلى الأمام، سنطلق إسم الفريق الأكبر على "الفريق من الأشياء، التي من الممكن وجودها، لكن، غير مثبتة".
يوجد فريقان داخل الفريق الأكبر، هما:
- أشياء غير موجودة "لاحقاً، لم تُثبَت"
- أشياء موجودة "لكن غير مثبتة"
الأشياء "الغير موجودة" فريق لانهائي – أعتقد أن هذا بديهي –
الأشياء "الموجودة" فريق نهائي محدد – أيضا بديهي –
سيُبنى البرهان على هذه البديهيات، لكن، إذا وُجِدَ إستثناء واحد:
سيفقد التعليل كل أساسه أو قاعدته.
حل العقدة
اختار المؤمنون العنصر "الله" من كل تلك العناصر، التي تشكل الفريق الأكبر، يأملون بإنضوائه ضمن فريق "الأشياء الموجودة" وخارج فريق "أشياء غير موجودة".
يستنتجون بأنهم إختاروا عنصراً من فريق مشكل من فريقين ... واحد نهائي محدد، و آخر لانهائي غير محدد.
كم هو عدد الإحتمالات، لكي يحضر العنصر المختار داخل المجموعة النهائية المحددة؟
بحسب نظرية الإحتمالات، من السهل جداً إثبات أن العنصر المختار، سينتمي للفريق اللانهائي الغير محدد مع نسبة 100 % من الإحتمالات.
إذاً، يوجد 0 % من الإحتمالات بإنضواء "الله" ضمن فريق "أشياء موجودة".
يمكن القول، حين يؤكد شخص أن "الله موجود"، سيُخطيء بكل الإحتمالات.
إذاً، الله غير موجود رياضياً.
خلاصة
لا يعالج هذا الإختبار إثبات عدم وجود الله، بل عدم وجود أي شيء مُختار بصيغة إحتمالية كلياً، بإعتباره ثمرة "حصريّة" لمخيلتنا.
وهو ما يثبت بأن إعطاء الوجود لشيء، يجب أن يتم من خلال قاعدة لتجربة ما.
في حال مُعاكِس، سيعالج عبر إنتخاب بالصدفة أو الحظ بين أشياء موجودة و أشياء غير موجودة، وفي حال إنتخاب إحتمالي كليا – وهذه هي البديهية الثالثة - بكل ثقة، ستنتمي لفريق الأشياء الغير موجودة.
سيرفض المؤمن – بين أشياء كثيرة أخرى – صدق هذه البديهية الثالثة، مؤكداً بأن إنتخاب العنصر الله، له قاعدة أو أساس ما.
إنطلاقاً من وجهة نظر المؤلف، لا يوجد أي أساس، بل هو إنتخاب أو إختيار تعسفي لشيء ناتج عن المخيلة، وينتمي بكل الإحتمالات "للأشياء الغير موجودة".
بكل الأحوال، لا يمكن ترجمة هذا المقال إلى إثبات، ينتمي لعدم وجود الله؛ بل كمقال عجيب، يساعد برؤية الموضوع من وجهة نظر مختلفة وجديدة، يحاول نقل النقاش حول وجود الله إلى النقاش حول صدق البديهيات.
فإذا اعتُبِرَت هذه البديهيات مؤكدة، فسيصير التعليل مُنزَّهاً عن الخطأ!!!
3.2.13. إثبات خلق الزمن
1. في حال وجود لحظة، فهذا يعني وجود زمن بتلك اللحظة.
2. الخلق، هي عملية يمكن ان تُوصف بالصيغة التالية: يُسبِّبُ خالق ظهور مخلوق، من اللاوجود إلى الوجود.
3. بناءاً على البند 2، إذا جرت عملية خلق س، فلدينا خطوة (بين خطوات أخرى) من "اللاوجود" إلى "الوجود"، من جانب س.
4. بناءاً على البند 3، في حال كان هناك خلق س، فهناك لحظة لم تتواجد س خلالها.
5. بناءاً على البند 4، يعني في حال حدوث خلق للزمن، فهناك لحظة، لم يحضر الزمن خلالها.
6. بناءاً على البندين 1 و5، بالتالي، في حالة خلق الزمن، فهناك لحظة زمنية، لم يتواجد الزمن خلالها .
7. بناءاً على البند 6، فيما لو حدث خلق للزمن، تظهر استحالة، فقد حضرت لحظة، وبذات الوقت، لم تتواجد تلك اللحظة!
8. بناءاً على البند 7، يستحيل حدوث خلق للزمن، فهذا يستلزم وجود شيء غير موجود ليحدث.
9. بناءاً على البند1، في حال وجود كون بلحظة ما، فيوجد زمن، ببساطة، لأنه في حال وجود لحظة، فيوجد زمن .
10. يحتوي الكون على كل ما نلاحظه منطقياً .
11. بناءاً على البند 10، يحتوي الكون على الزمن .
12. بناءاً على البند 11، في حال عدم وجود الكون لا وجود للزمن.
13. بناءاً على البندين 9 و12، يقتضي خلق الكون خلق الزمن، حيث لا يمكن وجود لحظة للكون دون زمن، ولا حتى للزمن دون الكون.
14. بناءاً على البندين 8 و 13، بإعتبار خلق الزمن مستحيل، فلا يمكن حدوث خلق للكون.
15. بناءاً على البند 14، لا يمكن وجود خالق للكون .
16. يُعرَّفُ الله كخالقٍ للكون .
17. بناءاً على البندين 15 و16، لا يمكن لله التواجد.
18. بناءاً على البند 17، الله غير موجود.
4.2.13. هل يُثبِتُ حجم الكون عدم وجود الله؟
يعرف الأخصائيُّون علمياً، الآن، بأن الكون يضمُّ بليوني مجرّة بين جنباته على الأقلّ.
بحجم لا يُصدَّق، يختلف جذرياً عن الحجم المبني على التصورات الدينية التقليدية للكون.
بالتالي، هل تركت الإكتشافات الفلكية، خلال القرون الأخيرة، أثرها على الدين؟
خلال العقود القليلة الأخيرة، ظهرت صيغة إثبات جديدة بصالح الإلحاد.
فقد طلب فلاسفة دين مثل مايكل مارتين ونيكولاس إيفريت منّا أخذ نوع الكون الذي خلقه الإله المسيحي بعين الإعتبار، ثمّ مقارنته بالكون الراهن الذي نعيش فيه.
يرون حضور مشكلة عدم تماثل.
يُركِّزُ إيفريت على حجم الكون الهائل، ويرى بأنه يزودنا بسبب للإعتقاد بعدم وجود الإله المسيحي التقليدي.
لتوضيح سبب هذا، فنحن نحتاج إلى القليل من اللاهوت.
على نحو تقليدي، جرى إعتبار الإله المسيحي مهتم بعمق بالكائنات البشرية.
نقرأ بسفر التكوين:
1 :27 فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا و انثى خلقهم.
كذلك نقرأ في المزامير:
8 :1 ايها الرب سيدنا ما امجد اسمك في كل الأرض حيث جعلت جلالك فوق السماوات
8 :2 من افواه الاطفال و الرضع اسست حمدا بسبب اضدادك لتسكيت عدو و منتقم
8 :3 إذا ارى سماواتك عمل اصابعك القمر و النجوم التي كونتها
8 :4 فمن هو الانسان حتى تذكره و ابن ادم حتى تفتقده
8 :5 و تنقصه قليلا عن الملائكة و بمجد و بهاء تكلله
كذلك نقرأ في إنجيل يوحنا:
16:3 لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.
تبين هذه النصوص بأن الله يتوجه للبشر، الذين يشبهونه، وهو يعطينا قيمة كبرى.
رغم تركيزنا على المسيحيّة، هنا، فيمكن لنا أن نعثر على ذات المضمون بأديان توحيدية أخرى.
كون غير مُوجَّه للبشر
إن يتوجه الله للبشر، ألا تتوقع بأن يخلق كوناً يشغل البشر مكانة مميزة فيه؟
يمكن التوقع بأن يشغل البشر القسم الأكبر من الكون القائم بمرور الوقت. لكن، لا يتفق هذا مع الكون الذي نعيش فيه.
فنحن نشغل مكانة ضئيلة للغاية في مكان "هائل الحجم حقاً، إنه هائل حقاً" بحسب كلمات دوغلاس آدامز.
يُقدَّرُ حجم الكون القابل للملاحظة، أي الجزء الذي يمكننا رؤيته من الكون فعلياً، بحدود 93 بليون سنة ضوئية.
يشغل الكون الكامل حجماً يبلغ 250 ضعف حجم الجزء القابل للملاحظة على الأقلّ.
تبعد الأرض عن الشمس 150 مليون كيلومتر. تُعتبر نجوم رجل القنطور الأقرب إلى الأرض وتبعد مقدار 4 سنوات ضوئية أي حوالي 40 بليون كيلومتر، تحتوي مجرتنا، درب التبانة، على حوالي (300 . 1036) نجم.
يشغل البشر القسم الأصغر من هذه المجرة.
تشكل الكتلة الأرضية في هذه المجرّة ما تشكله قطرة مياه في محيط.
كذلك، بحسب كلمات آدامز، الكون قديم فعلاً، إنه قديم جداً.
ربما، عمره أكثر من 13 بليون عام.
عمر الأرض بحدود 4 بلايين عام، فيما أننا كبشر قد تطورنا منذ 200000 عام.
فيما لو نتحدث، وفق مصطلحات زمنية، فيُكافيء وجودنا في الكون لرفّة عين.
إذاً، يوجد تباين واضح بين كون الإله والكون الذي نعيش فيه.
كيف يمكننا تفسير هذا الأمر؟
بكل تأكيد، يقول التفسير الأبسط بأن هذا الإله لا وجود له.
يعطي كلٌّ من حجم وعمر الكون سبباً إضافياً يُقوّي موقف الملحدين.
كما يقول إيفريت:
تساهم الإكتشافات العلمية الحديثة، بشكل هام، بتقليص إحتمالات صوابية التوجُّه الألوهي، لأنّ الكون، ببساطة، لا يشبه أبداً نوع الكون الذي يُقدمه لنا هذا التوجُّه بإعتباره الحقيقة المُطلقة.
هل ثمّة تفسيرات أخرى؟
لا يعني رد الإلحاد هذا بأنه لا يوجد تفسيرات أخرى ممكنة. فربما يتواجد الله، ولكن، تُحاط دوافعه بالألغاز والسريّة، لناحية عدم خلقه البشر بزمن أبكر وشغلهم لحيِّز أكبر في هذا الكون.
ربما، تنفع تلك الفراغات الكونية الهائلة الحجم كشأن جمالي على درجة لا بشرية. أو، ربما، يحضر الإله، لكن، لا يتوجه للبشر، كما فكَّرنا نحن. لعلّ الله يُقدِّر الصخور والغبار الكوني أكثر من تقديره للبشر. تكمن مشكلة هذه التفسيرات المنافسة بأنها غير مقنعة للأسف!
فهي تحاول تبرير خلق الإله لبشر أقزام في مكان هائل الحجم، دون تقديم سبب لحدوث هذا الأمر. يبدو أن وزن المجرات وضغط السنوات:
يدفعنا باتجاه الإلحاد!
5.2.13. أربعة قرون على محاولة إثبات وجود الله أو الإله
بحسب لويد ستريكلاند، أستاذ الفلسفة والتاريخ الفكري، جامعة مانشستر متروبوليتان ، سواء كان الله موجوداً أو لا، فهو ما زال يُشكّلُ شأناً فلسفياً هاماً. وتاريخ تقديم الادلة على هذا الوجود هو تاريخ طويل وغنيّ، وقد ظهرت فترته الذهبية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر – أي خلال الحقبة الحديثة الباكرة.
تستمر محاولات إثبات وجود الله حتى اللحظة. لكن بشكل مختلف عمّا حدث في الماضي قبل مئات السنين، فمع ظهور العلمانية انتشر النقاش بين الفلاسفة وبين العامة سواء بسواء. ولا يُشكِّلُ هذا الفارق الوحيد الذي حدث منذ تلك الفترة الذهبية سالفة الذكر، وهو محور كتابي الجديد، الأدلة على وجود الله في أوروبة الحديثة الباكرة. يوجد ثلاثة أشياء أخرى قد اختلفت أو تغيرت بمرور تلك القرون:
أولاً: الأهداف أو المقاصد
عندما يحاولُ المفكرون المعاصرون إثبات وجود الله، فهم يسعون، عادةً، إلى إظهار أنّ الإيمان بالله، في الواقع، هو أمر معقول.
على سبيل المثال، في كتابه "الأدلة الجديدة على وجود الله"، يُقدِّمُ روبرت ج سبيتزر سلسلة من البراهين التي تشكل، مجتمعة، دليلاً "قادراً على خلق أرضية معقولة وإيمان مسؤول بقوّة فائقة الذكاء متسامية وخلّاقة".
ربما يُعتبَرُ طرحٌ، كهذا، بالنسبة لفلاسفة العصر الحديث الباكر شاذاً أو غريباً، لأنّه في ذاك الوقت، قد شكَّلَ الإيمان بالله الأمر المألوف الطبيعي.
علاوة على ذلك، في الحقبة الحديثة الباكرة، طغى حضور الإيمان الديني في أوروبة لدرجة اعتبار قيام شخص بنفي وجود الله صراحة كنوع من السخافة - إن لم يكن أمراً غير قابل للتصوُّر.
لكن، يوجد سؤال هام: لماذا أحسَّ فلاسفة الحقبة الحديثة الباكرة بالحاجة إلى وضع أدلة على شيء جرى الإعتقاد به على نطاق واسع؟
في الغالب، سعوا لإثبات وجود الله نظراً للدور التفسيري المركزي أو النظريّ الذي لعبه الله في فكرهم الفلسفيّ.
اعتبر رينيه ديكارت (1596 – 1650) بأنّ إثبات وجود إله كامل، قد شكَّلَ الطريقة الوحيدة للتأكُّد من واقعية العالم الخارجي. رأى أنّ ما بدا له حقيقة فقد شكَّلَ حقيقة فعلاً، حيث ينعدم الشكّ بقيام الله الكامل بخداعه أو إعطائه حواساً لا يُعتمَدُ عليها.
بالنسبة لباروخ سبينوزا (1632 – 1677)، فإنّ تعيين وجود الإله قد امتلك تداعيات هامة؛ لا تقتصر على ما يمكننا معرفته حول العالم، بل كذلك حول كيفية عيشنا.
اعتبر بأنّ الرضا الأكبر الذي يمكننا اختباره في هذه الحياة، يأتي من معرفتنا لجوهر الأشياء – والتي تأتي بدورها من فهم صفات الله. كلما فهمنا الأمور بهذه الطريقة، كلما قلَّت خيباتنا وقلَّ خوفنا من الموت.
شكَّلَ وجود الله بالنسبة لكبار مفكري الحداثة الباكرة أمراً مهماً.
ثانياً: الثقة
يتمثل الفارق الكبير الآخر بين فلاسفة الحقبة الحديثة الباكرة وفلاسفة اليوم بثقتهم في الأدلة التي قدموها. حتى أكثر الفلاسفة المعاصرين ثقة بالنفس يمكنهم القول بأنّ أدلتهم تجعل وجود الله مُحتملاً فقط.
على سبيل المثال، في كتابه "وجود الله"، يعرض ريتشارد سوينبورن مجموعة من الأدلة التي يتناولها معاً لإظهار أنّ وجود الله أكثر إحتمالاً من عدمه.
ربما بدت هذه الطروحات "خالية من أيّة نكهة" بالنسبة لمفكري الحقبة الحديثة الباكرة، الذين اعتبروا أدلتهم كافية لإثبات وجود الله بما لا يدع مجالاً لأيّ نوع من الشكوك.
علاوة على هذا، نحا بعض المفكرين، مثل جون لوك (1632 – 1704)، على تقديم أدلة مستندة إلى الرياضيات، بحيث أنّ أيّ شخص يطلع على هذه الأدلة، فلن يعجز عن الإقتناع بها طالما أنّ قدراته العقلانية سليمة.
ثالثاً: المُعترضون أو المُعارضون
لكن، ربما يتشكل الفارق الأكبر بين محاولات حديثة باكرة ومعاصرة لإثبات وجود الله من خلال الاعتراض على تلك المحاولات والأدلة. تكون غالبية المناهضين لإثبات وجود الله من الملحدين، الذين يُصرِّحون بعدم إيمانهم بالله ويطرح قسم منهم فكرة "عدم وجود الله"، او اللاأدريين، الحياديين تجاه فكرة وجود الله من عدمه.
لدى كليهما مصلحة في تقويض الأدلة المقدمة على وجود الله.
خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مع ذلك، اتسم حضور الملحدين واللاأدريين بالندرة (حتى أن البعض يقول بأنه لم يكن هناك عدد كبير منهم وقتها)، ولم تحضر أصوات كثيرة علنية مُجاهرة بالإلحاد واللاأدرية.
لم يعنِ هذا بأنّ الأدلة على وجود الله قد مرَّت مرور الكرام. فقد تمرَّنَ مفكرو الحقبة الحديثة الباكرة على وضع اعتراضات على رؤاهِم الخاصة. حتى لدى غياب معارضين حقيقيين لطروحاتهم، فقد تشجعوا على اختراع اعتراضات، قد يطرحها مُعارضون خياليُّون.
البعض مثل فولتير (1694 – 1778)، ذهب إلى ما هو أبعد من خلال اهتمامه أكثر بالاعتراضات على تلك الأدلة لا بالأدلة بذاتها.
ظهر هذا التوجُّه، بشكل أساسيّ، لأنّ الألوهيين تمكنوا من دحض جميع الاعتراضات الممكنة – ووضع طروحاتهم على أرضية ثابتة.
ربما تمتلك هذه الممارسات معنى أكاديمياً جيداً، إلا أنها تؤدي إلى ظهور نتيجة غير متوقعة.
فقد اعتمد مفكرون معاصرون تلك الاعتراضات الصالحة، التي طرحها أولئك الألوهيين الحديثين الباكرين على أدلتهم الخاصة ذاتها، والتي تبناها مُفكرون مُلحدون، بوقت لاحق، فطوروها وعززوا هذه الإعتراضات في محاولة لوضع الإلحاد على أرضية عقلانية راسخة.
بالتالي، من خلال إختراع إعتراضات على أدلتهم، ساهم الفلاسفةُ الحديثون الباكرون، دون قصد، بسطوع شمس الإلحاد بقوّة – وجعلوه موقفاً فكرياً يحظى بالمزيد من الإحترام.
6.2.13. الله موجود في الدماغ
يُعتبر كتاب "الله موجودٌ في الدماغ" لمؤلفه ماثيو ألبر، محاولة إكتشاف للروحانيّة البشريّة، وهي محاولة مؤسسة على علوم طبيعية وإجتماعية.
يتوجّه الكتاب لكل الأشخاص الذين قد تساءلوا، ذات مرّة، حول وجود الله وسبب إجتماع ثقافات عالمية كثيرة على إقرار الإيمان بإله واحد أو بعدّة آلهة، بالإضافة لوجود تشابه هائل بكثير من الطقوس والممارسات الدينية، رغم وجود فروقات واضحة بين تلك الثقافات.
تمكنوا من العثور على "جين للحماس ديني"، فقرّرت مجموعة من الباحثين بجامعة كومونولث فرجينيا، العام 1999، دراسة 30000 زوج من التوائم المتشابهة والمختلفة بالشكل. بحيث سمح ظهور سلوك ما أو مرض ما بين أزواج التوائم، للباحثين، بإستخلاص وجود سبب بيولوجي لذاك السلوك أو المرض.
يقدّم ماثيو في كتابه "الله موجودٌ في الدماغ "، كما نوهنا أعلاه، كشفاً روحانياً بشرياً مؤسساً على علوم طبيعية وإجتماعية.
حيث تخدم كل العلوم الكاتب بإتجاه إعتبار النوع البشريّ كنوع وحيد واعٍ لوجوده، وبالتالي، الوحيد الواعي لموته.
هكذا، يقدّم ماثيو برهاناً رائعاً لإثبات وجود برمجة مسبقة دماغية لحضور إمكانية الإيمان بإله.
تتأسس برهنته على توفير تفسير منطقي لكيفية وراثتنا، من خلال التطوُّر، لآلية تسمح لنا بالتغلُّب على الخوف الأعظم، ألا وهو الخوف من الموت.
بالنهاية، يقدم الكاتب التفاصيل الداعية للتفكير بإمتلاك الإنسان قدرة معرفية إدراكية خاصة باللغة والرياضيات أو الموسيقى والروحانية والتديُّن بوصفها جزءاً من هذا التطوُّر المعرفيّ الإدراكيّ.
دارة الله - دارة التديُّن
توضّح النتائج التي عرضها الكاتب، بأنّ الخبرة الدينية ما هي إلا مًنتَجْ للنشاط الدماغيّ للكائن البشريّ.
هكذا، إختبر الدكتوران أندرو نيوبرغ وإوجين داكيلي من قسم الطبّ النووي بجامعة بنسلفانيا، الأمر ليؤكدان العثور على ما يسميانه "دارة التديُّن".
إثر قيامهما بالتجارب على مجموعة من رجال دين بوذيين من التيبيت ومجموعة رهبان فرنسيسكان، وأخذ صور مقطعية بإصدار بوزيتروني خلال فترة تأمُّل دينيّ، وجدوا حصول تغيُّر ملحوظ بنشاط الفصّ الجبهيّ والفصّ الجداريّ – كمراكز عاطفية مشاعرية بالشخصية – إضافة لحصول تغيُّرات في نشاط اللوزة الدماغيّة – المسؤولة عن تخزين التفاعلات -.
أكّد هذا الإكتشاف للباحثين شكوكهم، حيث تنتج الخبرات الصوفيّة ضمن الدماغ.
وهنا، أصروا على أنّ الله لم يخلق الإنسان على صورته وشبهه، بل حدث العكس تماماً.
يختم ماثيو كلامه، قائلاً:
"الإنسان مبرمجٌ، بصورة ما، حين يقوم بتنفيذ نشاطات محددة كالتأمُل والصلوات والطقوس واليوغا..الخ، وتساهم كلها بخلق تصورات أو أحاسيس، تُستخدم كدليل على واقع إلهي مُفترض ما".
7.2.13. هل الله حاضر في الجينات؟
في الأواني المنزلية، في آهاتِ المتألمين، في متاهات الشبكة العنكبوتيّة؟
موجود بكل مكان، يُبحَثْ عن الله في كل الأرجاء. يبدو أن ازدهار التفكير العلمي، قد ساهم بانحسار الإيمان وانحسار الروحانيّة المتسامية.
لا يتمكن الله من تبرير وتفسير الوقائع غير المفهومة في الطبيعه، لأنّ العلم عثر ويعثر على هذه التفسيرات والأسباب. لقد مضى قرنين وللآن 98% من البشر، يؤكدون على إيمانهم بقوّة عليا، وتحدده نسبة 50% منهم تحت اسم الله.
بالتالي، لم يعد من خيار أمام العلم سوى البحث عن الله بين الجزيئات.
يُركّز بعض الباحثين على الشبكة الخليوية للدماغ المعقد العاقل؛ فيما يُركّز آخرون في الشريط المضاعف للحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين.
أين يقع المعبد الكبير على مستوى الكيمياء الحيوية؟
لماذا نؤمن؟
يؤكّد الباحث أندرو ب. نيوبرغ بجامعة بنسلفانيا، والذي حمل كتابه الأخير عنوان "لماذا نؤمن بما نؤمن به؟"، على أنّ دماغنا "عبارة عن آلة مؤمنة بشكل أساسيّ، حيث لا يوجد خيار آخر".
من جانبه، يؤكّد إختصاصي الجينات والوراثة دين هامر في المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الاميركية، بأنّ جين الله "وأنّ الروحانية عبارة عن وراثة أساسية لدينا. هي في الواقع عبارة عن غريزة، فلدينا استعداد مُسبق جيني وراثي للإيمان الروحي".
وهذا الإدعاء، لا يظهر في أبحاثهم فقط، بل، كذلك، في إحصائية محققة من قبل المؤسسات التي ينتمون لها.
أكّد أكثر من ثلث المشتركين بحصول إتصال مع قوى روحيّة. وجدير بالذكر، بأنه وبذات الوقت، حين تمّ تسجيل إزدياد بالايمان، فقد تسجّل، كذلك، تراجعاً بالممارسات الطقسية الدينية، وهذا يؤكد مرة أخرى، بأنّ تحديدها بالغالب، سيوصلنا لأنّ الدين شيء والروحانيّة شيء آخر.
العلم، الذي تنكّب البحث عن مسكن مُحتمل لله، هو علم الأعصاب، وفي الواقع، ومنذ سنوات، يجري الحديث عن فرع علمي إسمه يعبر عن الأمر، علم أعصاب اللاهوت أو إلهيات عصبية.
بالطبع، يعتمد هذا على العيون التي تنظر، لأن نتائج الإختبارات تخدم بعض الأشخاص لإثبات وجود الله، وتخدم آخرين لتأكيد أنّ:
الملأ الأعلى ما هو إلا مُنتج ذهني فقط!
ومن يتمتعون بالحكمة سيقولون:
"نحن محدودون بيولوجيا كي نعثر على معنى لحيواتنا. مع ذلك، فيما لو يكن الله مجرد مخلوق دماغيّ أو لا، فهو، للآن، غير مُثبت علمياً".
هكذا ردّ نيوبرغ على بريد إلكتروني قد وصله.
لدى نيوبرغ خبرة في استكشاف الألوهي في البشريّ.
لقد أخذ صوراً كثيرةً لأدمغة رجال دين بمختلف الأديان ولمتطوعين بحالة تأمُّل أو صلاة عميقة. بهذا الشكل، فقد لوحظ بأنّه في لحظات محددة، تنتج ظواهر عصبية عديدة متزامنة. يزداد النشاط في المناطق الجبهية المسؤولة عن تركيز الانتباه، وهذا ما يتفق مع التركيز الذاتيّ بحالات التأمُّل العميق، كذلك، لوحظ نشاط متزايد في الجهاز النطاقيّ، وهو عبارة عن مجموعة من البُنى المرتبطة بالمشاعر والذاكرة.
لكن، اللقية الأكثر إثارة والمُفاجئة، تمثلت بأنه وبذات الوقت يتم تثبيط الفصوص الجدارية، وهي المناطق الواقعة أسفل التاج في نصفي الكرة الدماغيّة تقريباً. بحيث يمكن القول، بأنّ هذه المنطقة هي مكان إقامة الشعور بالأنا، حيث يقيم مفهوم الذاتيّة الفرديّة. ينتج عن الإنخفاض في النشاط، خلال التأمُّل أو الصلاة:
إنحلال الحدود بين الأنا والمحيط ويقود للشعور بالتواصل مع الكون، لإنتماء كليّ شامل. وهو فعلياً ما يصفه الأشخاص الذين يبلغون وضعاً عميقاً من التساميّ الروحيّ، أو من التصوّف.
أحد أهم الباحثين عن الله في المتاهة العصبيّة، هو مايكل بيرزنغر كإختصاصي أعصاب بجامعة لورانس الكندية، والذي كتب، منذ 20 عام، كتاباً عنوانه "القاعدة العصبية الفيزيولوجية للإيمان بالله". إهتم بيرزنغر بإكتشاف سبب إختبار أشخاص من مختلف الثقافات والأديان والأوضاع الإجتماعية الثقافية لحالات متشابهة بهذا السياق.
لقد بدأ بتطبيق حقول كهرومغناطيسية خفيفة، لكنها دقيقة جداً، على دماغ المتقدمين للإختبارات. الهدف من الإختبارات هو العثور على المنطقة الدماغية والشكل الكهرومغناطيسي، الذي يسمح لبعض الأشخاص بإختبار حضور كائنات فوق طبيعية.
وصفت نسبة 80% من الأشخاص المتعرضين للإختبار كيف التقوا بالألوهة. وأولئك، الذين لديهم خبرة مُسبقة، قد أكدوا بأن الأحاسيس المتولدة بالإختبار عفوية.
بيرزنغر غير مؤمن، وقد إختبر تماساً مع الله، في الوقت الذي طبّق الحقول المغناطيسية على آخر. بالنسبة لإختصاصي الأعصاب هذا، يقع مسكن الله في الفصوص الصدغية، أي في مناطق الدماغ الواقعة حول الأذنين. وقد تمّ الطعن بنتائج بيرزنغر من قبل فريق بحث سويديّ، لم يتمكن من إستخراج ذات النتائج لذات الإختبار، وانتهى الجدل دون إتفاق واضح حول نتيجة قاطعة.
السؤال لدى مختصي التطور، هو:
أيّة أهمية تطورية لقدرة الكائن البشريّ على إمتلاك خبرات صوفيّة؟.
يقول نيوبرغ: "يؤدي الدماغ، لدينا، وظيفتين أساسيتين، هما:
صيانة ذاتيّة والشعور الكونيّ.
يساعدنا على التكيّف والتغير طوال الحياة.
كذلك، يوفر لنا الدين والروحانيات تلك الوظائف الأساسية، فهي توفر فوائد جوهرية للفرد".
يشاركه دين هامر الرأي، فيقول:
"أرى بأن أحد اهم أدوار جينات الله عبر الإنتقاء الطبيعي، هو توفير إتجاه فطري تفاؤلي، حيث يساهم التفاؤل بتحسين صحة الانسان ويُطيل عمره".
في الواقع تقول أغلبية الأشخاص، الذين عاشوا تجربة صوفية، بأنّ حيواتهم قد تحسنت وتصورهم للعالم قد تغير. وبحسب دين هامر، فإنّ أولئك الأشخاص مجبورين على الإدلاء بهذا الرأي:
"فالقضية أهمّ من الحياة، إنه الوعي، وبدونه لن نعرف من نكون وأين نذهب. مع هذا، لا نفكّر به أبداً".
تجدر الإشارة للدراسات التي تشير لأنّ التأمُّل والعقائد الدينية ذات أثر ايجابي على الصحة وإطالة العمر.
تستند أعمال هامر، التي تبحث عن جينات الله، إلى دراسات على التوائم.
تشير تلك الأبحاث لأنّ التوائم تتوافق في معتقداتها الروحية أكثر من الإخوة غير التوائم.
وبدراسة مقاطع الحمض النووي الريبي منقوص الاوكسجين، حدّد الباحث جين معروف باسم ناقل أحادي الأمين الحويصلي 2. وككل الجينات، يُبرز بضعة متغيرات تختلف فيما بينها عبر بعض الأحرف التي تكونها.
يعتبر هامر بأنّ الاشخاص، الذين يحتوي جينومهم على هذا الجين، فهم ذوو اتجاه روحيّ أكبر وأكثر ميلا لامتلاك الشعور الكونيّ المذكور أعلاه.
من المثير أنّ جين الله المزعوم، يُعيدنا من جديد إلى الدماغ، لأنّ الجين ناقل أحادي الأمين الحويصلي 2، يتحكم بمجموعة من النواقل العصبية الهامة جداً. من بينها، الدوبامين والسيروتونين، هما جزيئان مرتبطان بالفرح والسعادة؛ وكذلك، مع معاكساتها أي الإدمان والإكتئاب.
هامر ليس الخبير الوحيد، الذي يربط الخيط المزدوج للحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين بالألوهة.
فعالم معروف هو فرانسيس كولينز قد قام بسَلْسَلَة الجينوم البشريّ، ويؤكد بأنّه درس الشيفرة الوراثية وعثر على الله! لأنّ تعقيد كهذا، هو من عمل خالق فقط (إجترار طرح جماعة التصميم الذكي .. هم يفترضون ضرورة وجود إله ولا يُثبتون أيّ شيء .. يمكننا إفتراض وجود أيّ شيء آخر وراء التعقيد، لكن، نبقى بإطار الإفتراض البعيد عن أيّ إثباتات). ويوضح العالم ذاته، أنه لا يعترض على التطور، وأنّ نظرية داروين لا تتعارض مع وجود ذكاء علويّ.
لقد عمل المهندس غريغ برادن في الميدان الجوي الفضائيّ (قريب من الله!) وفي الأنترنيت، وهو باحث آخر عن الألوهيّ، وعمل توحيد أنيق للعلم مع التقاليد الروحية، والذي عثر على بصمة للخالق في الخيط المزدوج، أي في الدي إن إي، كذلك. يعرض في كتابه "شيفرة الله" أبحاثه حول القبالا واللغة العبرية وتوازيها مع العناصر الكيميائية، التي تشكّل الشيفرة الجينية. يقترح برادنبأن إسم الله مكتوب في الحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين، الحاضر بكل خليّة من خلايانا، الله في داخلنا!!
لا ترغب النسبة الأكبر، من العاملين في المؤسسة العلمية، بالإستماع لكلام عن الله، لأن بعضهم يعتبر أنهم يبحثون في حقول مختلفة جذرياً، فيما يعتبرها بعضهم الآخر غير متوافقة أصلاً.
بين أولئك الأخيرين ريتشارد داوكينز الملحد الشهير. ينشر عالم الأحياء البريطاني أسلحته لمواجهة الله والدفاع عن نظرية التطور، والتي بحسبه:
تفسّر الحياة – آخر كتبه هو وهم الإله – يتحدث داوكينز عن الدين بشكل خاص، وليس عن الروحانيات، وقد إعتبرها تهديداً للعلم وللروحانيات العقلانية.
لقد ذكره هامر بعدة فصول من كتابه، حيث يصفه ساخراً، بالنهاية "يؤمنُ داوكينز بدين هو العلم، ويبقى هذا إيمان أكثر منه منطق".
من جانبه، يؤكد نيوبرغ بأنّه:
"ننجذبُ جميعاً لدماغنا، كلنا، من أكثر الناس تديناً حتى أكثرهم إلحاداً، كلنا لدينا عقائد، لكنها مختلفة ببساطة".
بمراجعة البحث العلمي حول الألوهة، نجد أنفسنا مُجبرين على الإشارة لعلم الفيزياء.
فلقد قال مايكل فاراداي مكتشف نظرية المحاثة والنفاذية المغناطيسية:
"تبقى المادة في مكانها بفضل القوّة. يجب أن نأخذ بعين الإعتبار وجود عقل واعي وذكي خلف تلك القوة".
بعد مرور قرنين تقريباً على هذا الكلام، تتابع الفيزياء ملاحقتها للجسيم المسمى الله، ما قوله:
بوزون هيغز.
يأتي هذا الإسم من الجزيء المنزلق الظاهر خلال عشر ثواني إثر حدوث الإنفجار الكبير، لكن، خلال وجوده القصير، ربما، قد أعطى أصل كل المادة. على الرغم من بحث علماء الفيزياء عنه منذ ستينيات القرن المنصرم، إلا أنه، للآن، غير مُكتشف.
يتمنّع الله عن الظهور!!!
يقترح بعض الميتافيزيقيين بأنّ الله قد سقط من السماء وهو حاضر بكل فرد، لأجل خلق نفسه ذاته من خلال مخلوقه نفسه.
ربما بصيغة ما، سيتحول البحث عن الله، عبرها، في الأعمال لا في المواد.
8.2.13. أين يتواجد اللهْ؟
في خيال الأشخاص.
في تمنياتهم أو في رغباتهم.
آه، يعني برأيك: لا يوجد شيء إسمه الله؟!
تؤمن غالبية البشر في هذا العالم بوجود إله قويّ، قد خلق الشمس والنجوم وكامل الكواكب. كذلك، قد خلق الأرض بما عليها وفيها من بحار وجبال وأنهار وأشجار ونباتات وحيوانات وبشر.
برأيي المُتواضع، الواقع هو عكس هذا الطرح تماماً.
فلا يتعلق الأمر بإله قد خلق هذا العالم وهذه البشرية. بل يرتبط بمخيلتنا البشرية التي خلقت وابتكرت كل تلك الآلهة المتراكمة تاريخياً، وذلك لأننا رغبنا بوجودها ببساطة.
هنا، أشدّد على أهمية التمييز بين فعلي:
يفكّر ويعتقد أو يؤمن وإلى أيّ مدى أعتبرهما، شخصياً، مختلفين.
في كثير من المناسبات، لا يقودنا التفكير والتأمُّل إلى تحقيق معرفة صحيحة موثوقة، بل قد يدفعنا للإستمرار بطرح الشكوك.
في المقابل، يُهدِّيء الإعتقاد بحرارة وإمتلاك الإيمان كل الشكوك، بل ويُعتبَرُ مريحاً أكثر.
حيث يحرّك الإيمان الجبال؛ فيما تشكلها الشكوك.
حسناً، لا يعني الإيمان بشيء ما، بالضرورة، بأنّ ما يُعتقَدْ به صحيحاً.
بل ربما الصحيح ما هو معاكس:
فكل يقين يُولَدْ إثر حضور شكوك سابقة.
"يُعتبَرُ العقل، دون إيمان، فارغاً"، بحسب تصريح القديس توما الأكويني.
"الإيمان، بلا عقلنة، عبارة عن حالة من العماء"، يمكننا الردّ عليه بهذا.
لأنه في الواقع، لا يقدم الإيمان أجوبة، بل يحتجز التساؤلات أو الأسئلة فقط.
يرى المؤمنون دينياً بأنّ الله قد خلق الإنسان على صورته وشبهه من اللاشيء، وحدث ذلك وفق خطة إلهية مُحْكَمَة.
أرى شخصياً بأنه قد حصل العكس:
لقد تخيلنا كبشر إلهاً مثالياً كليّ القوّة، زودناه بكل الصفات التي نحب نحنُ التحلي بها (لكن، بذات الوقت، ربما زوَّدهُ مبتكروه بكثير من الجوانب النفسية السلبية التي طبعتهم وقتها، وهو ما سنبينه لاحقاً).
فعلى اعتبار أننا نستصعب طلب العذر، يجب أن يبدو الإله كليّ الرحمة.
على اعتبار أننا نشعر بمحدوديتنا في أجسادنا، نتصور الله كروح نقيّة غير محدودة.
على اعتبار أننا نموت، وجب أن يصير الإله أبديّ الخلود.
نرتكب أفعالاً حمقاء، يبدو الإله بعيداً عنها.
نحن نخطيء، فيما يصبح الله كليّ الحكمة والعلم.
نحن صغار، فيما يصير الله هو الأكبر دوماً.
نتميز بالنقص بمناحي عديدة، فيما يبدو الله كاملاً.
لكن، وبصيغة لا يمكن تفاديها، إكتسبت شخصية الإله جوانب شخصية بشرية حضرت لدى مبتكريه.
ففي كتابه "رسائل فارسيّة"، قال مونتسكيو:
"فيما لو تخلق المثلثات إلهاً، فدون أدنى شكّ، سيعطونه ثلاثة جوانب".
وقد استخدم سبينوزا ذات الصورة قبل ذاك التاريخ بخمسين عام، حين قال:
"فيما لو يتمكن المثلث من الحديث، ربما لانتهى إلى القول بأنّ إلهه مثلث الشكل؛ وفي حالة الدائرة، فستقول بأنّ إلهها دائريّ حُكماً".
عندما نعبد الآلهة، فنحن نعبد أنفسنا وإن يكن عبر صور تجميلية.
وعلى قدر ما عمل المؤمنون بكل الأديان على جعل صورة الله مثاليّة، على قدر ما امتلكت تلك الصورة القليل من المثاليّة، بحيث تعكس بشريتها بشكل فاقع.
لقد عزوا إليه مزايا وأفعال تميّزنا كبشر ولا تميّز أيّة ألوهة. ويُطلق على هذا التجسيم:
أي آلهة بصيغة بشرية.
فعلى سبيل المثال، يصفون الله بكليّ الرحمة، لكن، هو ذاته قادر على إنزال عقاب بالجحيم الأبديّ ولأسباب لا حصر لها. إنّ عقوبات، كتلك، تليق بكائن منتقم قاسٍ - صفتان بشريتان بإمتياز - لا بكائن مثالي، كما جرى ويجري وصفه، ومثال للرحمة، يحمل الخير والحب لكل الناس.
يشرح كثير من المتدينين المختلفين لأبنائهم بأنّ الله خيّرٌ مطلق، ويعلموهم بأنه يعاقب، كل من لا يعتقد بوجوده، بالنار الأبدية. هذا الغرور، هذه الرغبة بأن يؤكد كل العالم وجوده ويبشّر به، هي مسيطرة لدى غالبية الآلهة وهي خصيصة بشرية في المقام الأوّل.
في حال وجود الله، يسرُّني ألاَّ يتسم بكل هذا الإعتداد بالنفس والهوس بالإخلاص، والذي يميزنا كبشر.
قال نيتشه:
"لا يمكنني الإعتقاد بإله يرغب بأن يُعبَدَ طوال الوقت".
وهو ما أوضحه أندريه كونت - سبونفيل جيداً في كتابه "روح الإلحاد"، حين أشار إلى كيفية تخيُّل البشر للآلهة، بحيث يصعب كثيراً إخفاء الإستقطاب بين ما هو مجهول (لا تستطيع بعض الأديان تصوُّر كيف يبدو إلهها وتتحدث عنه كذات غير قابلة للكشف، غير قابلة للفهم، غامضة، يتعذر نطقها، لا يمكن معرفتها، لا يمكن إيضاحها، لامادية ...الخ) وبين ما هو تجسيميّ (يتصور آخرون آلهتهم بشكل أكثر من مفهوم وبملامح بشرية فاقعة يصعب معها تمييز ما هو ألوهي!).
ما هو أقرب للحد الأول، حيث تحضر الآلهة اللامادية والغير مفهومة، يمكننا اعتبار إله اليهود، إلهي المسيحيين والمسلمين نماذج في سياقه.
كتب بلزاك:
"أعتقد بعدم إمكانية فهم الله".
يمكن قراءة التالي في الأناجيل المسيحية:
"الله عبارة عن روح، حيث تجب عبادة هذه الروح".
أو كما تصوره أحد الصوفيين المؤمنين، الذي لم يسجل التاريخ إسمه:
"طبيعة الله عبارة عن دائرة، مركزها في كل الأنحاء ومحيطها غير قابل للرؤية بأيّ مكان!".
وبشكل معاكس، يُشكّل أيّ إله، يعود للحقبة اليونانية - الرومانية القديمة أو ينتمي للأساطير النوردية الشمالية:
خير مثال عن آلهة بمزايا بشرية كاملة.
فما حدث مع الآلهة اليونانية والرومانية والنوردية يحدث مع أيّ رجل ناجح أو إمرأة ناجحة:
اعتدُّوا بأنفسهم كثيراً وأبرزوا إنجازاتهم. دون شكّ، وعلى اعتبار أنهم قد تواجدوا، فقد كُتِبَتْ سيرهم الذاتية.
نتذكر كلمات عالم الوراثة ألبير جاكار، هنا:
"تتميز الأديان بعدد من الجوانب الطفولية والتجسيمية. في عجزنا على تصوُّر الإله، نلجأ إلى تمثيلات كاريكاتورية ونُلبسه سمات بشرية، على سبيل المثال، نتخيله كأب رؤوف حنون".
من جانب آخر، وبناءاً على المزايا البشرية الممنوحة للإله، ينتهي المؤمنون المتنوعون للتعاطي مع إلههم كما يتعاطون مع شخص نافذ ذو سلطة، فكما نحب تلقي الهدايا، جرى تقديمها للإله - جميع الآلهة عبر التاريخ - كأغذية، شموع، ورود ، أضاحي من الحيوانات بل وحتى من البشر. كذلك، يطلبون تحقيق بعض الطلبات من تلك لآلهة، وفي المقابل، يمارسون طقوساً نفترض أنها لشكر آلهتهم، إضافة إلى صلوات مديح وتعظيم ووعود بالتراجع عن الخطايا وعهد على القيام بالأعمال الخيّرة.
في ذات الصورة المثالية التي يقدمها المؤمنون عن إلههم، يفترضون الكمال به، لكن، بذات الوقت رأينا كيف يعزون لهم مسلكيات عنفية وإمتعاضية وغاضبة وأخرى تتسم بالغرور، وتبدو كلها كملامح بشرية بعيدة عن أيّ كمال، وهو ما يجعلنا نبتعد عن أيّ تأمُّل بنَسَبْ تلك الآلهة.
سيبدو خلق الدوائر لآلهة دائرية أمراً مفهوماً:
ليس غريباً أن يمتلك إله مخلوق من الإنسان مزايا بشرية.
من الطبيعيّ أن تمتلك منتجات بضعة كائنات أرضيّة القليل من المزايا السماوية!
3.13. لماذا نتخيل الآلهة؟
كي نشعر بحزن أقلّ بمواجهة الموت ومصاعب كثيرة أخرى في هذا العالم.
دعونا نتمعن بالأمر.
عندما يموت الشخص، يشعر كل من يحبه بالحزن العميق. ننتبه إلى أننا لن نراه ثانية. لكن، إن نعتقد بخلود روحه، بأنها تسافر عبر السماء للقاء الله، فسيتغير وضعنا النفسيّ، بالحال، نحو الأفضل.
الشيء التالي الذي نتخيله هو أن روحنا، عندما نموت، ستذهب إلى السماء أيضاً، وهناك لن نتمكن من رؤية هذا الشخص ورؤية الله فقط، بل يمكن أن نرى أجدادنا وآباءنا وكل من مات قبلنا.
يشكل الإيمان بالله طريقة بسيطة، وإن يفكّر الكثيرون منّا بأنها طريقة خاطئة لتفسير هذا العالم بما فيه ربطاً بالخلق الألوهي.
كما أنّ تخيُّل وجود أب رؤوف في السماء، يفتح لنا أبواب الفردوس بعد موتنا وينفع بتخفيف المخاوف من الموت.
بطول تاريخ البشرية، لعب الإعتقاد الديني دوراً حيوياً في تحقيق اللحمة الإجتماعية وخلق روابط الوحدة بين أبناء القبائل والبلدان والحضارات.
تساهم العقيدة الواحدة الدينية بتوحيد وتماسك معتنقيها وتمييزهم عن الغرباء.
لكن، في هذا القسم، سأركّز على الإجابات الممكنة على التساؤل التالي:
لماذا نتخيل الآلهة؟
حسناً، بين أسباب أخرى، لتحقيق أربع وظائف أساسيّة، هي:
تخفيف المخاوف الذاتية؛ لتحقيق العزاء لأشخاص آخرين؛ لإمتلاك سلطة على الأشياء وتفسير العالم.
اسمحوا لي أن أصف بإقتضاب كل وظيفة من تلك الوظائف الأربع، التي يعكسها الإيمان بالآلهة برأيي.
الوظيفة الأولى: يقلّل الإيمان بالآلهة المخاوف
عدم وجود شيء بعد الموت هو الأكثر ترجيحاً، برأيي المتواضع.
كما قال الفيلسوف برتراند راسل:
"ما هو محتمل، في الممارسة العملية، هو اليقين بالنسبة لي".
فبرأيي، عندما يموت شخص، فكل ما يتبقى منه هو الذكرى التي يتركها لدى كل من عرفه. كذلك، تبقى الأشياء التي عملها - أعماله - التي يمكن أن تستمر حيّة (ولو أنّ هذا الأخير لا يشكّل للكثيرين الكثير من العزاء. كما عبّر وودي آلن: "لا أريد أن أعبر إلى الخلود من خلال أعمالي، أرغب بالخلود دون أن أموت!".).
وتتمثل الصيغة الأخرى، التي يستمر بها الأشخاص بالحياة، بتوريث جيناتهم إلى أبنائهم ومتحدريهم على السواء.
لكن، لا شيء أكثر من هذا، يدمر الموت الدماغ ويساهم بتبديد الطاقة التي يحتويها. يتلاشى الدماغ، ذاك المكان الذي يحدث لنا فيه كل ما هو سلبي وإيجابي، إلى جانب باقي الجسم، بالنهاية. حيث يمكننا ملاحظة كلّ هذا دون الحاجة إلى تخيُّل أيّ شيء.
سأموت بذات الوقت الذي يموت به جسدي، وبالنتيجة، لا تكمن القصة بامتلاكنا لجسد بل لأننا نحن عبارة عن جسد. ربما يبدو هذا مخيفاً عندما نحاول التأمُّل به أحياناً، ولكن، كما كتب ألبير كامو:
"تكمن حرية الإنسان في معرفته لنفسه. بُعد النظر، الذي قد يبدو عذاباً له، هو إنتصار له في الواقع".
ليست الطريقة الأفضل لتهدئة مخاوفنا، برأيي المتواضع، هي خلق كائنات مثالية، بل هي مواجهة تلك المخاوف بدل الهروب منها.
مع ذلك، لا يكفي بُعد النظر بالنسبة لكثير من الأشخاص كي يهديء من روعهم، حيث تنتج فكرة الإنتهاء الأبديّ أو الإبادة النهائية، التي يمثلها الموت، بوصفها أمراً مزعجاً للغاية.
"للذعر بضعة عيون كبيرة للغاية"، كما يقول مثل روسيّ.
ولهذا، يزرع الإعتقاد بإله كليّ القدرة فينا الأمل بأننا نعيش بعد الموت فيُخفِّف من حدّة تلك المخاوف.
فلكي نتجنب ما يرعبنا، من النظرة الأولى، يجب أن نتخلى عن مخاوفنا وهي الطريقة الأسهل. عندما يفزع أحدنا من شيء ما، وهذا الشيء هو الموت هنا، يعمل كل ما في إستطاعته لتفاديه. نرفض الموت ونعوض عن ذلك بإفتراض أننا سنعيش بصيغة أخرى وفي عوالم أخرى.
فالأسهل، هنا، هو التخيُّل وعدم مواجهة الواقع.
الوظيفة الثانية: يُعزّينا الإعتقاد بالآلهة، يعطي الآمال
منذ عدّة سنوات، ذهبتُ إلى حضور مأتم صبيّة. خلال السهر حول جسدها، سمعت أمها تقول باكية:
"لماذا يتصف الله بكل هذه القساوة، بحيث لم يسمح لي حتى بمكالمتها هاتفياً؟"، لقد كانت كلماتها مؤثرة جداً.
من المؤكد أنه قد تواجد بالقرب من تلك المرأة شخص متدين قد عرف كيف يعزيها من خلال إستخدام بعض الكلمات المناسبة.
فعلى سبيل المثال، أمكنه أن يقول لها بأنها ومن خلال الصلاة يمكنها التحدث معها. فلم تقتصر الصلاة على طلب السلام من الله لروح إبنتها، بل شكلت وسيلة للتواصل معها. فالهواتف غير ضرورية للتواصل بين الجنّة والأرض، طالما أنّ هناك صلوات.
إحدى مزايا آثار الأبوّة، لدى موت أحد أفراد العائلة، تخفيف الوجع.
هنا، ندرك بأنّ توماس مان، قد جانبه الصواب، عندما قال:
"قضية موت شخص هامة بالنسبة للباقين على قيد الحياة أكثر من أهميتها للميت نفسه!".
فلم يعد مرعباً أن تموت، بل المرعب أن يُحبُّ الأموات!.
وعندما يموت شخص نحبه، ما الذي يمكن أن نرغب به أكثر؟ أن يبقى حياً، ولو كان بصيغة أخرى - كروح - وفي مكان آخر - في الجنّة -. في مكان نأمل أن نلتقيه فيه مجدداً بعد موتنا نحن. في مكان آخر حيث يخضع فيه للعناية الإلهية ويصبح بين يدي الله.
أحد أفضل الأشياء التي يمكن أن نتمناها لأحد ما، نجده في كلمات أغنية تقول:
"هناك في العالم الآخر، سنجد الفردوس بدلاً من الجحيم".
من جديد، نرى أنّ الجنّة أو الفردوس وإلهها عاكسة لرغباتنا أو صدى لها.
بإحدى المناسبات، عبّر مارتن لوثر مُستخدماً تلك الكلمات:
"نظراً للحزن المحيق بالموت، يتمثل العزاء الوحيد بالأمل بحياة أخرى. فيبدو كل شيء في الأسفل (القبر، القصد)، هنا، وهو أمر غير قابل للفهم".
لديَّ إنطباع، يقول بأنّ كثيرين من الأشخاص المتدينين وبمختلف العقائد الدينية يشعرون بحتمية الحاجة لوجود الإله، ويعتمدون على فكرة حيوية تتصل بالشأن الألوهي، لكن، برأيي المتواضع، هم لا يؤمنون بعمق بالله بصورة واقعية.
شخصياً وكمُلحِدْ، وعلى إعتبار أنني قد اتخذت قراراً بعدم خداع نفسي:
لا يوفر لي الإيمان بالله أيّ نوع من العزاء أمام موت شخص عزيز. سأشعر كما يعبر هذا المثل الشعبي الصيني:
"عندما تحكك قدمك داخل الحذاء، فمحاولتك الحكّ من خارج الحذاء، ستوفّر القليل من الشعور بالرضى أو الراحة!".
الوظيفة الثالثة: يهب الإيمان بالآلهة القوّة
يُشعرنا هذا الكون، وهذا الكوكب الأرضيّ، بالذهول. وكلنا قد اختبرنا هذا الشعور ذات مرّة حين نظرنا إلى السماء في ليلة مقمرة، في لحظات كتلك، أو لدى سماع خبر يتعلق بعدد ضحايا كوارث طبيعية، نُدرك كم نحن صغار وضعفاء إزاء قوى الطبيعة.
لكن، إن نفكر بأنّ أحداً ما هناك في الأعالي يراقبنا، ينشغل بنا ويحمينا، ستشعرنا هذه الفكرة بنوع من الإرتياح.
(قال فيكتور هيغو: "تهبنا السعادة العلوية القناعة بكوننا أشخاص محبوبين!").
بهذا، لا نبدو كائنات تافهة. سنتحول إلى أمراء في مملكة فيها ملايين النجوم؛ أو على الأقل إلى رعايا، يستمع لها ملكها ويحبها. وفيما لو نؤمن بأنّ هذا الكائن سيهبنا ما نحتاجه مقابل الإلتزام بوعود سنحققها وتُرضيه، فسيجعلنا هذا أقوياء.
فإن يشفي أمي، سأصلي له كل يوم!
إن يحلّ مشاكلي فسأشعل له الشموع!
إن تُمطر بعد جفاف، سأذبح له عجلاً!
إن ينقذني من ورطة، سأسافر إلى أبعد محجّ له!
ولو أنه بصورة غير مباشرة، من خلال الألوهيات، يكتسب الكائن البشري الصغير الضعيف القوّة، بل ويتقاوى على هذا العالم!
لم نعد معزولين، يوجد أبّ كليّ القدرة يمكنه تقديم العون لنا.
الإيمان بالإلاهيات أكثر راحة من التأمُّل بحضور إمكانية أخرى (إمكانية صحة ما أفكّر به) بأنّه لا يوجد آباء إسمهم آلهة، ولا يوجد أصدقاء إسمهم قديسين.
ما يواجهنا من مشاكل حياتية، يتوجب علينا حلها بمساعدة بشر آخرين؛ أو قبولها حال عدم وجود حل آني، كما يحدث مع الموت.
الوظيفة الرابعة: يشكل الإيمان بالله وسيلة لتفسير العالم
دون تعقيدات، دون إنشغال بالإكتشاف والفهم. يقول الأشخاص المؤمنون بالله الخالق لكل شيء بأنه فيما لو نعثر على ساعة، فمن غير المعقول أن نستنتج أن الساعة وُجِدَتْ من لاشيء.
هو قياس شهير قد أسماه غوتفريد لايبنتس "الخلق مع الساعة".
سيقولون لنا، دون كلل، بأنّه قد توجب حدوث تصميم وتصنيع لتلك الساعة من أحد ما، وستتوجب علينا معرفة هوية ذاك الصانع. ويقولون فيما لو نعتمد هذا مع ساعة، فكيف هو الحال مع الكائنات الحية بهذا الكوكب؟ وهي كائنات أعقد من الساعة.
فيقول اللاهوتيون الكبار لا يمكن تصوّر الكون بوصفه ساعة هائلة دون وجود ساعاتي كبير قد خلقها وجعلها تعمل. يقول المتدينون لا يمكن لساعة بناء ساعاتي، بل يجب أن يحدث العكس.
لقد بدا التماسك على هذا البرهان خلال قرون طويلة واضحاً.
في الواقع، قد شكّل البرهان الصلب الوحيد لتبرير الإيمان بإله خالق.
لكن، تشرح نظرية التطور - التي سنتحدث عنها لاحقاً - بشكل أنيق ودقيق وصادق وعبر إستخدام كل التقنيات المتاحة علمياً، كيف يمكن أن يظهر شيء بالغ التعقيد كالكائن البشريّ دون الحاجة لإله خالق.
عندما نبدأ بالتأمُّل بالأديان والتدقيق بمسألة الإيمان بالآلهة كإحتياج عاطفي مؤسس على الخوف من الموت وعلى عجزنا إزاء غالبية ما يحدث في محيطنا، يمكننا أن نفهم، بالتالي، الصيغة البسيطة التي تحتله عبرها الرغبات والتخرصات في المكان الذي يجب أن تشغله الوقائع.
منذ قرون طويلة، يمكن تفهُّم بحث البشر عن تفسيرات تطال الكون وما فيه من خلال إستخدام الأساطير والقصص.
في يومنا هذا، وبفضل أشخاص كثيرين رغبوا بالبحث عن تفسيرات واقعية، يمكننا فهم الكثير من الأشياء التي لم يفهمها البشر منذ أربعة آلاف عام، بل من ألفي عام وربما من مئتي عام حتّى!.
لكن، رغم هذا، ورغم التطور الإستثنائي بالمعارف البشرية، ربما لا نتميز عن أولئك الذين سكنوا الكهوف ونظروا إلى السماء، من الجانب الإنفعالي الحسيّ.
برأيي المتواضع، قد جانب الصواب ديزموند موريس، حين قال:
"يفضّل الكثير من الأشخاص عدم التأمُّل في طبيعتهم الحيوانية".
ففي العام 1967، نشر ديزموند كتابه الشهير "القرد العاري"، حيث يصف في مقدمة طبعة العام 1994 الكثير من ردود الأفعال السلبية على نشره الكتاب قبل عقدين، حيث تركز الإعتراض الرئيسي على إعتباره الإنسان نوع إضافي من الحيوانات.
لقد تبين لي بأنّ الحيوان البشري يجد صعوبة بالغة في تقبُّل طبيعته البيولوجية. ويتابع هذا الرأي حضوره اليوم بالطبع وسنتحدث عن هذا في فصل قادم عند تحليل التعارض بين المُحدِّدْ البيولوجي والإعتقاد بالإرادة الحرّة. فإحدى الوظائف الممكنة للإيمان بالآلهة هي تصليب رأينا الجيد بأنفسنا.
مركزية الإنسان، الفكرة التي تتمسك بها أديان كثيرة، ستقوم بإكمال، فيما لو أكن مصيباً هنا، وظيفة بيولوجية، حيث يساعد التقدير الذاتي في البقاء على قيد الحياة.
ترغب الآلهة، التي خلقناها نحن، بنقل فكرة من خلال تعاليمها تعتبرنا الكائنات الأفضل بين كل مخلوقاتها.
4.13. لماذا يؤمن كثيرون بالآلهة حتى الآن؟
يُلقِّنُ الكبارُ صغارَهُم، ويشكِّل هذا الأمر:
سبب الإستمرار بالإيمان بتلك الآلهة حتى اللحظة.
مَنْ هم أولئك الكبار؟
هل هم الآباء؟
نعم الآباء، لكن، كذلك، هم الأجداد والأعمام والأخوال والكهنة.
منذ أن يُولَدْ الطفل، يقصّ الكبار المحيطون به ذات الحكايات. ولا يخبرونه بأنّ ما يحكونه قد يحتمل الصواب أو الخطأ.
يقولون له بأن الله، يقبع في السماء. كذلك، يقولون له بأن الله، هو في قلب كل شخص.
يخبرونه بأن الله يتواجد أينما كان وأنه قادر على رؤية كل شيء على مدار اللحظة.
وحين يتساءل هذا الطفل، فيقول:
"كيف تعرفون هذا؟"، يجيبونه:
"ببساطة لأنّ كل الناس تعرف هذا الشيء!".
يقصُّون على الصغير ما قصُّوه عليهم خلال صغرهم، وهو ذاته ما قصّه آباؤهم وأساتذتُهُم.
عادةً، لا يخبرونهم بأنّه في كل زاوية من هذا العالم يُعبَدْ إله مختلف، وأنه يُعتقد، في كثير من الأماكن، بعدد من الآلهة لا بإله واحد، كما أنه يوجد بشر لا يؤمنون بأيّ إله.
كذلك، لا يقولون لهم بأنه لا أحد يعرف من معه الحق بالضبط.
"لكن، في حال كون الآلهة خيالية بالنسبة لك، كيف تفسر استمرار الغالبية العظمى بالإيمان بها رغم حضور كل تلك المعارف التي توصلنا إليها؟"، ربما يتوجه لي أحد القرّاء بهذا السؤال بعد قراءة كل ما ورد حتى الآن، وإجابتي هي:
حسناً، فمن جانب، على الرغم من تزويد العلوم لنا بشروحات تزداد دقتها بإضطراد – تُظهِرُ هذه الشروحات تفسيرات النصوص المقدسة كأساطير بسيطة - حول الحياة والكون والأحياء في هذا الكوكب، لا يزال هناك أسئلة لا أجوبة مباشرة لها، من قبيل:
"لماذا ظهرت الحياة في الأرض؟" أو "لماذا يتواجد هذا الكون؟".
عندما نتساءل ولا نجد أجوبة، تبقى الآلهة البديل بالنسبة لكثير من الأشخاص، ولو أنه يبدو لبعضنا بديل ساذج، إلا أنه لا يفقد المشروعية.
بديل، يفضله كثيرون على خيارات أخرى، كخيار ما نكونه، ببساطة، كثمرة لسلسلة من الإحتمالات الرائعة.
الكائن البشري هو الحيوان الوحيد ذو المؤهلات الثقافية الكافية لطرح تساؤلات حول جنسه ومحيطه، وبالتالي، لطرح أسئلة ذات طبيعة ميتافيزيقية، وهو لا يملك كل الموارد الكافية كي يجيب عليها كلها،.بل ربما لن يصل إلى تلك الموارد أبداً!
ومن الجانب الآخر، وإلى جانب الأجوبة المعروضة فيما سبق (يقلّل الإيمان بالآلهة المخاوف. يُعزّي الإعتقاد بالآلهة، يعطي الآمال. يهب الإيمان بالآلهة القوّة. يشكل الإيمان بالله وسيلة لتفسير العالم)، التي ما تزال سارية المفعول حتى يومنا هذا، أرى بأن الجواب المركزيّ على السؤال المطروح أعلاه يكمن في تربية الأطفال.
5.13. لماذا ماتزال الناس تؤمن بالآلهة؟
ينتهي الكثير من الأشخاص إلى الإيمان بحرارة وصدق وهو ما يُكرّر أمامهم خلال أوائل سنين حيواتهم، سيما حين يحدث هذا بنوع من الإصرار الكافي.
بالنسبة للطفل الصغير، يمكن تعليمه أيّ شيء تقريباً، لسوء الحظّ، بالطبع، أن يحدث هذا مع أيّ طفل ويسهل تعليمه أيّ شيء (غرس أيّة فكرة في ذهنه بسهولة)، وهنا، يحضر قول لينين:
"سلمونا أيّ طفل لمدة ثماني أعوام، وسيصير بلشفيّاً إلى الأبد!".
ستحدد القيم والإعتقادات التي يتربى عليها الطفل مستقبله.
ويحدث هذا بصعوبة بالغة مع بالغ بالسنّ.
يواصل كثير من الأشخاص الأذكياء وذوي الكفاءات الإعتقاد بما لقنتهم أمهاتهم وأشخاص آخرين بمحيطهم خلال الصغر.
(بالمناسبة والحديث عن أشخاص أذكياء، ليس صحيحاً كما قرأت وسمعت في عدد من المرات عن قصة إيمان آينشتاين بأيّ إله. حيث يوضح هذا الأمر هو ذاته، حينما قال: "هي عبارة عن كذبة متكررة. لا أومن بأيّ إله شخصيّ ولم أتنكر لهذا أبداً. بل على العكس، عبرت عن هذا بوضوح دوماً، كما أنني لا أعتقد بأنّ أحداً يبقى حياً بعد موت جسده، هي عقائد ناشئة عن الخوف، إنها عقائد متهافتة. في حال وجود شيء "ديني" داخليّ، فهو إعجابي اللامتناهي ببنية هذا العالم الذي كشفته العلوم حتى اللحظة").
يشرح التلمود - كتاب اليهود المقدس - بشكل ممتاز الفكرة الخاصة بأهمية البيئة العائلية لعقدنة الشبّان، وفق الآتي:
"سينقل الطفل إلى الشارع ما يقوله أبواه له في المنزل".
وفي الغالب، سيتابع فعل هذا عند البلوغ برأيي.
أرى بأن نمط التربية والتعليم، الذي يتلقاه الصغار، لا يجب أن يهدف بشكل أساسيّ إلى خلق أطفال متعلمين جداً فقط، بل أن يهدف إلى خلق أطفال يتمتعون بالحكمة، فلا يتعلق الأمر بحجم معلومات كبير يجب تخزينه في الذاكرة، بل يرتبط بأهمية التمييز بين ما يعرفونه وما لا يعرفونه، سيما ما يُعتبر مجرّد تخمينات.
لسوء الحظ، لا تسمح الأديان عادة للصغار بامتلاك آراء شخصية خاصة تطال وجود أو عدم وجود الله، بالإضافة إلى منعهم من الوصول إلى أيّة صيغة لتحليل ونقاش هذه القضية، بل حتى يتفادون أن يكتشف أولئك الصغار وجود عقائد أخرى شبيهة ولا تقلّ غرابة عن عقيدتهم.
ومع ذلك، يجب أن يتركز ما نطلق عليه إسم تعليم أو ثقافة على تعلُّم الإحترام (فبدون إحترام، يجري تبرير تقاليد مهينة كتحقير النساء بحجة الإنتماء إلى ثقافات أخرى)؛ تعلُّم وجود شعوب أخرى مختلفة، وجود تقاليد أخرى، بصيغ حياة أخرى، وجود أديان أخرى كالأديان المتوفرة في منطقتنا.
في مقاله حول الفهم البشريّ، يكتب جون لوك:
"فيما لو يُحتجَزْ طفل بمكان لا يرى فيه سوى الأبيض والأسود حتى عمر البلوغ، فلن يمتلك أيّة فكرة عن اللونين الأحمر والأخضر، حاله بهذا حال طعم الأناناس والمحار لمن لم يتذوقهما أبداً".
للأسف البالغ، تحاول الأديان التركيز في تعليم الصغار على الحفظ الغيبيّ للعقائد كلمة كلمة بصورة ببغائية إجترارية، حيث لا يفهم أولئك الصغار أغلب ما يُقال لهم. كما أن الأصوليّة والدوغمائية ترافق أغلب العقائد الدينية في هذا العالم، مما يؤدي لنشوء جيل متطرف، سيتحول خلال أعوام عديدة إلى جيل متشدّد.
لا أتفق مع تعليم العقائد الدينية في المدارس للصغار بالطبع. لكن، أن يحصل الطفل على تثقيف يطال الظواهر الدينية، فأعتبره أمر أساسيّ في تكوينه. فدون هذا الفهم، لن يصبح العيش في هذا العالم سهلاً.
أعتبر بأن أطفالي سيتعرضون لعملية إعاقة إجتماعية إن لم يفهموا، بالحدّ الأدنى، العقائد والتعاليم والعادات والطقوس الدينية. سيبدو ممتازاً، بالنسبة لي، تعليمهم الدين - جميع الأديان - كي يفهموا أهميتها كظاهرة إجتماعية، قد صمدت خلال آلاف الأعوام، وبوصفها جزء أساسي في جميع الثقافات وكجزء رئيسيّ في تكوين الحضارات على مرّ التاريخ.
لكن، هذا لا يحدث للأسف.
فللآن، لا يتم تدريس الأديان من منطلق عِلمَيْ الإنسان (أنتروبولوجي) والإجتماع (سوسيولوجي) في المدارس.
بل يظهر الوضع القائم في القطب المعاكس، فما يزال الدين السائد في كل بلد مدعوماً من قبل الحكومات التي تطبع عقائدها بأذهان الناشئة بصورة تتحول فيها تلك العقائد إلى أفكار فطرية تقريباً.
في كثير من الأماكن في هذا العالم، يتحالف قادة دينيون متطرفون مع قادة سياسيين. يساهمون سوياً بغرس تلك العقائد بأذهان الناشئة، وهنا نتذكر كلمات جان جاك روسو:
"لأجل تسليحهم ببعض الأدوات الباطلة، والتي ربما لا يجري إستخدام غالبيتها أصلاً، يتم تجريد الإنسان من الأداة الأكثر كونية ألا وهي البصيرة والقدرة على التمييز، لقد تعودتم على الإسترشاد بهم دوماً، وبالتالي، حولتم أنفسكم إلى أداة طيّعة يتحكمون بها كيفما يشاؤون في الواقع".
لقد خلقت البشرية الآلهة التي حكمتها بوقت لاحق، أو بتعبير آخر أوضح، أصبحت البشرية خاضعة لحكم أولئك البشر الذين تمكنوا من إقناع الآخرين بالإيمان بتلك الآلهة وعلى دراية تامة برغباتها.
إنها مفارقة فارقة، أن يخلق البشر آلهة تنتهي إلى فرض سلطة هائلة عليهم.
وما هي الوسيلة التي جعلتها تصل إلى هذا الوضع؟
هي تلقين العقائد من جيل إلى جيل من خلال التكرار الذي لا ينتهي. من الإنتقال العقائدي بين أجيال المؤمنين بكل عقيدة. جرى توريث عادة الإيمان بالآلهة.
وكما كتب الملتزم بالكنيسة الأنغليكانية صموئيل جونسون (ولو أنه لم يرغب بالإشارة إلى الإعتقادات الألوهية طبعاَ):
"بالعموم، سلسلة العادات صغيرة لدرجة لا يمكننا فيها ملاحظتها، لكن، يأتي وقت تصبح فيه كبيرة جداً، بحيث سيصعب علينا تحطيمها".
حسناً، ربما يقول ذات المحاور الخيالي الذي أطلق سؤاله أعلاه، بأنه في النهاية سيتحول الصغار إلى بالغين قادرين على المحاكمة الذهنية، ففي حال عدم وجود تلك الآلهة، سينتهي أولئك الصغار، عاجلاً أم آجلاً، إلى ترك الإيمان بها. فعندما يكبرون سيتوقفون عن الإيمان بمنتجات أخرى للمخيلة البشرية مثل الملوك المجوس الثلاثة والغول وغيرها، وبالتالي، سيهجرون الإعتقاد بالله.
حسناً، وأنا سأجيبه من جديد، قائلاً:
بأنّ قسماً كبيراً من الصغار حتى لو تلقى تعليم ديني، فعندما يكبر، يهجر الإيمان بالآلهة فعلياً. سيما في بلدان لا يتمكن الدين فيها من الولوج إلى كل شيء وتبدو أنظمة التعليم فيها بعيدة عن العقائد غير القابلة للجدل والمحاكمة.
(في كل مرة نبدي فيها النقد الصارم لأيّة عقيدة دينية، حتى لو امتلكنا الأسباب الكافية، فنتذكر أنّ هذا يحدث بفضل تمتع قليل من البشر بالعيش في أنظمة حكم مدنية علمانية).
من جانب آخر، سأقول له بأنّ الخداع الذاتي:
عبارة عن فنّ نتقنه كبشر جيداً، بل نحن خبراء فيه.
رغم أنه قد يبدو لنا بأن كلام الرئيس الأميركي لينكولن صحيحاً، حين قال:
"يمكن خداع بعض الأشخاص طوال الوقت، ويمكن خداع كل الأشخاص بعض الأحيان، لكن لا يمكن خداع كل الأشخاص طوال الوقت وفي كل حين"، فإنّ الخداع الأكبر هو خداع الذات.
على الرغم من إزعاج الشكوك لكثير من المؤمنين، وهو ما يُطلقون عليه تسمية "أزمة إيمان"، فهم يفضلون الإستمرار بالإيمان.
الإيمان بالخرافات أسهل من التأمُّل في الدليل على ما نحن عليه.
يمكن تطبيق القول المأثور الشهير، الذي يعود إلى فرنسوا دو لا روشفوكو على كثير من الناس:
"يوجد شيئان، لا يمكن النظر لهما بثبات، هما: الشمس والموت".
كذلك، كما عبّر الأديب مارك توين ببراعة، حين قال:
"تحصل الناس على عقائدها الدينية دون إجراء أيّة محاكمة ذهنية لها، وتأتيهم من رجال دين لم يسألوا أنفسهم أيّ شيء حول تلك العقائد، وهم بدورهم تلقوها من آخرين لم يحققوا أيّة محاكمة لها".
بقيت هذه السلسلة العقائدية مستمرة خلال آلاف السنين كما هي، إلاّ لدى بعض البشر، الذين تصدوا لها وأخضعوها لمراجعات ذهنية.
بالتالي، لماذا يتابع الكثيرون إيمانهم الديني حتى اليوم؟
رغم إمكانية حضور عدّة إجابات - صحيحة - فالجواب الأفضل لديّ، هو:
أولاً، لأنّ أولئك البالغين كانوا صغاراً ولم يجدوا الفرصة لرؤية العالم بطريقة أخرى.
وثانياً، كما قال كارل ساغان في كتابه "العالم وشياطينه":
"أحد أكثر الدروس المحزنة تاريخياً هو الخضوع للخداع لوقت طويل ودون العثور على دليل على هذا الخداع. لم تعد معرفة الواقع تهمنا كثيراً، لقد أنهكنا الخداع. حيث يصعب كثيراً الإعتراف، حتى أمام أنفسنا، بأننا كنا ضحية الخداع لوقت طويل. فبمجرد إعطاء السلطة لثرثار، سيصبح من المستحيل إستردادها".
6.13. مَنْ هم أوائل المؤمنين بالآلهة تاريخياً؟
برأيي المتواضع، هم أوائل البشر الذين تمكنوا من إستخدام الكلام.
هل تعني بشر ما قبل التأريخ؟
نعم، بشر ما قبل التأريخ، بالضبط.
يرى أغلب العلماء بأنّ أوّل مَنْ تخيل الآلهة هم أوائل البشر. ويستلزم هذا إمتلاك بعض الخيال، لكن، حاولوا التفكير في أمّ تبكي في حقب ما قبل تأريخية، وهي في حالة ركوع، حيث هاجم وحش كاسر إبنها، وعندما وصل آخرون لنجدتها في القبيلة، كان قد فات الأوان.
لقد مات الصغير. لم ترغب الأم بالإبتعاد عن الجثّة. لم يُدرك رجال القبيلة ما الذي يمكن فعله بتلك اللحظة ولا حتى ما يمكن قوله.
لكن، إمرأة مراقبة للحدث، قد لاحظت تحرُّك طائر في الجوّ بتلك اللحظة، الأمر الذي دفعها لمخاطبة الأمّ قائلة لها بأنّ ما تحتضن الآن ليس سوى جسد، فالإبن الذي كان يلعب منذ قليل، كان يضحك ويبكي، يطير الآن باتجاه مكان آخر.
فتتوقف الأمّ عن البكاء في الحال. يوجه الجميع أنظارهم نحو السماء. وبحلول المساء، يحلم الجميع؛ بحيث يتمكنوا من رؤية موتاهم خلال الحلم من جديد، لأنهم يحلمون بما يرغبون برؤيته. لكن، هم لا يفهمون ما معنى الحلم ويعتقدون أنهم رؤوا فعلاً موتاهم. فأطلقوا على أولئك الذين رؤوهم في أحلامهم إسم "أرواح" أو "أنفس".
من المؤكد أن ولادة الآلهة قد حصلت إثر تمكُّن أوائل البشر من إستخدام أوائل الكلمات. كما يتجرأ الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري على التصريح بالآتي:
"وُلِدَت الآلهة من صلابة جثث أفراد القبيلة".
وكحال أيّ نوع من الحيوانات، نحن مبرمجون، من قبل الطبيعة، على إختبار الخوف بمواجهة أوضاع معينة، حيث يمكن لمخاوفنا أن تشكّل بوابة النجاة لنا.
يملك الإنسان إستعداداً مسبقاً طبيعياً للخوف من كلّ ما هو غامض، من أيّ شيء لا يفهمه لدرجة العبادة.
وبإستخدام كلمات الكاتب الفرنسي ميشيل بيكيمال:
"هو عبارة عن موقف يرد من فجر التاريخ البشريّ، في زمن لم نمتلك أدوات معرفية خلاله تُمكننا من معرفة أصل ونهاية الأشياء. بدا كل شيء مقدساً ومصدراً للخوف، مثل الينابيع والبراكين والأمطار والشمس والرياح والقمر والبرق والبحيرات والعواصف".
تحمل القليل من الأشياء الخوف الذي يحمله الموت.
يبدو الشعور بالخوف إزاء مخاطر محددة مفيداً في عملية البقاء على قيد الحياة.
لكن، الخوف من الموت، بوصفه نهاية مؤرّقة لا يمكن تفاديها، هو خوف نموذجي يصوغ، دون أن يضيف، حسرة لا معنى لها.
تصدى أسلافنا لهذا الخوف بإستخدام قدرتهم على التخيُّل.
فالفرضيات التي تطرحها غالبية الأديان - الخاصة بوجود إله أو عدّة آلهة وعقائد خلود النفس - غير قابلة للتصديق من قبل كثيرين.
لكن، ومن أقدم الأزمنة، جرى تزيين تلك الفرضيات بكلمات مختارة بعناية وذات وقع لطيف على المسامع، فجرى قبولها وإعتبارها صحيحة بدلاً من الإنتباه إلى أنها عبارة عن نتاج لمخيلتنا فقط.
يعلمنا التاريخ بأنه في جميع الحقب، بما فيها حقبتنا، وفي كل الأماكن:
قد خلق البشر الأساطير كي يتفادوا رؤية الواقع والتعامل معه!
نحبّذ جميعنا الإستماع إلى القصص الظريفة، حيث تتحول رغباتنا من خلالها إلى وقائع.
ففي الأساطير اليونانية، شربت الآلهة المشروبات، حيث أسموها نيبينت، وقد مزجوها مع الرحيق. تمكَّنَ هذا المشروب من شفاء جميع أنواع الجروح والآلام، وكذلك، أسهم بإنتاج النسيان.
امتلكت آلهة اليونان - كالقسم الأكبر من الآلهة البشرية - رغبات بشرية واضحة، مثل ألا يصيبها مكروه وآلام ولا أن تمتلك ذكريات بشعة. ولو إنها قد إمتلكت قدرات إلهية، فقد حصلت على جرعة سحرية، قد سمحت لها بتفادي الآلام الجسدية ومنحتها ذاكرة إنتقائية.
بمرور آلاف الأعوام والأجيال التي عاشت خلالها، طوّر البشر عقائدهم بالأرواح وبالجِنان وبعوالم أخرى أفضل تنتظرنا بعد موتنا وبقادة هذه العوالم المتنوعين:
الآلهة.
سيحاول القادة الفوز بالأضاحي والتقدمات المتنوعة والصلوات والمواكب وسواها.
لديهم بضع قدرات فوق طبيعية خارقة نتوق لإمتلاكها نحن البشر، مثل ألّا نشعر بأيّة آلام بمجرد تجرعنا لمشروب ساحر ما.
لكن، وفوق كل شيء، تمتلك الآلهة القدرة الأعظم، التي تتمثل بجعلنا نعيش في جنانها بعد الموت إلى الأبد.
ستتنوع تفاصيل المعتقدات المختلفة؛ الرموز المختلفة، الطقوس والممنوعات لدى كل منها؛ مزايا آلهتها، من حقبة إلى أخرى ومن مكان لآخر، لكن، ستقوم كلها بمهمة حصرية وحيدة، هي:
تحويل الرغبات إلى حقائق مطلقة.
ورغم أنه ليس السبب الوحيد لقيام أسلافنا باختراع عقائد فوق طبيعية. يزودنا أخصائيُّو علم الإنسان بالمزيد من التفسيرات التي تغرينا وتعلمنا بأنّ الأديان القديمة قد عبّرت عن إحتياجات بشرية أساسية أخرى.
عندما تألفت الجماعات البشرية القديمة من عدد قليل من الأعضاء، لم يكن هناك حاجة ملحة إلى سنّ قواعد أخلاقية معقدة.
فبدا كافياً إحترام قائد الجماعة وهو ما يكافيء الذكر المهيمن لدى جماعات أخرى من الثدييات.
مع ذلك، وبزيادة حجم تلك المجموعات الصغيرة التي تحولت إلى قبائل، سيما حين استقروا في مناطق كبيرة بشكل دائم، أضحى من الضروريّ وضع قواعد أخلاقية صارمة.
فبنموّ حجم الجماعات، إزدادت المشاكل الداخلية، وأضحى وضع معايير واضحة تأخذ مصالح الجماعة، لا مصالح شخص بعينه، بعين الإعتبار ضرورة لا غنى عنها.
هنا، تدخل العلاقة بين الآلهة والاخلاق حيز التهديد. فيما لو يتمكن أيّ فرد من القيام بالسرقة أو القتل، سيتعرض مصير الجماعة لخطر داهم. فإلى جانب العقوبات المحددة ضمن الجماعة، واجه المخالفون عقوبات مفروضة من الآلهة، حيث تساهم تلك العقوبات الإلهية بزيادة إحترام قواعد السلوك في الجماعة. ربما دون ظهور تلك القواعد، لم تكن لتتجاوز الإعتقادات الدينية والقواعد الأخلاقية، التي رافقت البشرية، مرحلة القبلية نحو إنشاء الحضارات.
بإختصار، يبدو أنّ فولتير، قد جانبه الصواب، حينما قال:
"في حال عدم وجود الإله، سيتوجب على الإنسان إختراعه".
7.13. هل يمكن إثبات عدم وجود الله؟
كلا. لا يمكن إثبات عدم وجود شيء.
إذاً، توجد إمكانية ما لوجود الآلهة؟
نظرياً، نعم.
لكن، لا أؤمن بوجودها شخصياً.
سترون ما أعنيه بقولي هذا.
الأشياء الغير موجودة لانهائية.
حيث يمكن لأيّ منّا، الآن، بهذه اللحظة:
تخيُّل مئات الحيوانات الأسطورية الجديدة.
على سبيل المثال:
لنتخيل حيواناً بجذع وأطراف غزال، رأس دب، لديه قرن في منتصف الظهر، لديه أربعة أجنحة ويغطي الريش كامل جسده.
نظرياً، وإن إنتهينا إلى هذا الإبتكار الخيالي، فإنه من الممكن أن يتواجد في مكان ما قصيّ أو في جزيرة عذراء ما. ومن الصحيح القول، أنه ربما قد عاش منذ آلاف وآلاف الأعوام في مكان ما.
لكن، بالنسبة لي، الأمر ليس على هذه الشاكلة.
رغم صحّة القول أنه لا يمكن إثبات عدم وجود الإلهة، كذلك، صحيح:
أنه لا يمكن إثبات وجودها.
فيما لو يُصرّح أحدهم بوجود هذا الإله أو ذاك، ففي الواقع، سيبني إيمانه على معرفة، ما يعني، بكلمات أخرى، أنه يخلط بين الإيمان والمعرفة.
فيما لو نتحدث عن المسيحية بالتحديد، حاول لاهوتيون ومفكرون عرض أدلة إفتراضية حول وجود الله، تُذكَرْ في الكثير من الكتب ويجري شرحها أيضاً.
فعلى سبيل المثال، أحد تلك الأدلة الإفتراضية الشهيرة هو "الدليل الأنطولوجي"، الذي حضَّره القديس أنسلم في بدايات القرن الثاني عشر، وركز الدليل على طرح الآتي:
تحضر فكرة كائن كامل إسمه الله في عقول كل البشر.
لكن، كيف يمكن إعتبار كائن غير موجود كاملاً؟
بالتالي، ليتصف كائن بالكمال (مثل الله)، يجب أن يتواجد (الله).
كتمرين ذهني على تلك الكلمات، لا شك أنه موفق!
لكن، بالنسبة لقيمته كدليل، فقد جرى الردّ عليه وأُقصيَ من قبل الكثير من الفلاسفة في قرون لاحقة، منهم ملحدين مثل دافيد هيوم وبرتراند رسل، ومنهم غير ملحدين مثل أوكام، القديس توما الاكويني وإيمانويل كانط بالإضافة إلى إستبعاد باقي الأدلة الإفتراضية المرتبطة بوجود الله.
تحاول كل تلك الطروحات دخول نطاق الواقع الموضوعي، في حين أنها تُشكّل تلاعبات لفظية لا أكثر.
في يومنا هذا، لا يمكن إعتبار أيّ منها دليل بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث يفضل أغلب المفكرين المسيحيين إستخدام خطاب مساعد أكثر يعتبر أن الإقتراب من الله، لا يتم من خلال الدليل بل من خلال الإيمان فقط.
وأرى أنه على الرغم من من عدم إتفاقهم على هذا الأمر، عندما يتبنى المؤمنون تلك الفكرة، فإنهم يقولون، في الواقع، بالضبط ما قاله لودفيغ فيورباخ من خلال إستخدام كلمات أخرى:
"يتصرف المؤمن كما لو أنه يملك اليقين بوجود الله، كم هي قدرته على التخيُّل قويّة!".
إن نتكلم بصورة مناسبة، سنتمكن، حصرياً، من تاكيد صحّة شيء إذا كان بالإمكان التحقق منه وتفحصه؛ ويمكننا نفي صحّة شيء، فقط، فيما لو نتمكن من دحضه.
في حالة وجود الإله، لا يمكننا تحقيق الأمرين.
بالتالي، لا يمكن لفرضية وجود الآلهة أن تصل لمرحلة الإثبات ولا حتى النفي.
حسناً، عملياً، من يؤكد وجود شيء، سيقع عبء إثبات الوجود عليه.
وفي حالة الآلهة المختلفة، فالأمر بالغ السهولة، يكفي أنها غير قابلة للرؤية ولا يمكن الإستماع إليها.
يؤكد المؤمنون بالأديان الكبرى الثلاثة الشهيرة وجود إله واحد فقط، يقولون لنا دوماً بأنّ إلههم يحبنا وأننا جميعاً أخوة.
لكن، حتى آباء البشر، رغم كل عيوبنا ومحدوديتنا، نتمكن من قضاء بعض الوقت مع أبنائنا نحادثهم ونستمع لهم كل يوم فما بالنا مع أب لجميع البشر؟! كما يقدمه المؤمنون.
نحدثهم مباشرة لا من خلال نصوص مكتوبة من أشخاص لا يعرفوننا أو من خلال أنبياء موتى منذ قرون.
ليست قضيّة حبّ كَميّ:
بل قضية وجود أو لا وجود.
حسناً، أرى بأنه حال وجود أيّ إله من تلك الآلهة، فلسنا بحاجة لطلب أدلة على وجوده. نكرر بأنّ عبء الإثبات يقع على من يؤكد شيئاً ما، وليس العكس، كما عبّر كريستوفر هيتشنز:
"ما يمكن تأكيده دون تقديم أدلة، يمكن نفيه دون تقديم أدلة أيضاَ".
بإعتبار أنه لا يوجد أيّ دليل على وجود أيّ إله من تلك الآلهة في التاريخ البشريّ، يمكننا إستبعاد وجودهم جميعاً دون الحاجة لتقديم أيّ دليل.
كلما حاول أحدهم إقناعي بوجود إلهه، نظرتُ للأمر بوصفه شيئاً يسهل القيام به.
لم أحاول القيام بهذا الدور، لكن، في كل مناسبة شبيهة، كنت أقول له بأنّ ما عليه فعله هو تقديم إلهه لي أو أن يُعرِّفني عليه شخصياً أو على الأقل أن يريني صورة له، وربما شكّل هذا الردّ إهانة للبعض أحياناً، لكن، لم يكن هدفي من الردّ جرح مشاعره بل النظر للامر بواقعية فقط.
ببساطة، سأفعل ذات الشيء مع أيّ إفتراض للوجود:
كرغبة في المعرفة.
نظراً لإستحالة تقديمهم لآلهتهم، عادةً ما يقول لنا المؤمنون أن ما بوسعهم تقديمه هو عجائب هذا العالم.
وكما سأبين لاحقاً، يقدم تعقيد العالم والكون دليلاً على وجود الكون والعالم لا على وجود خالق يلفه الغموض.
على الرغم من أننا لا نستطيع إثبات عدم وجود الآلهة، يُشير لنا كل شيء إلى عدم وجودها.
لا ينحصر الأمر بإمضاء تلك الآلهة للوقت بلعبة الغميضة والإختباء عنا، نحنُ البشر أبناؤها فقط، بل كذلك، يثير واقع تشابهها مع رغباتنا الشبهات.
لا أؤمن بالآلهة، ويُسعدني أن أكون على خطأ! وأتمنى من قلبي أن تحضر أو تتواجد.
أفتقدها الآن، منذ أن رافقتني خلال طفولتي ككائنات خيالية، ثم طلَّقتها وهو مؤشر آخر على عدم وجودها، في شبهها الهائل بالبشر.
تتوافق ملامحها مع عنوان أحد كتب نيتشه "إنسان مفرط في إنسانيته".
بالنسبة لي شخصياً، كذلك، لا يدعوني ذاك الحماس، الذي يوجد لدى بعض المؤمينن الراغبين بتحولنا إلى إعتناق عقائدهم، لأؤمن بهم.
عادةً، يُشير فائض العاطفة إلى نقص بالقناعة جرّاء فقدان الأساس المكين.
مع ذلك، فالإنسان عبارة عن حيوان مؤمن.
فلدى غياب أشياء متماسكة تعمل كقاعدة للإيمان، يحدث إيمان بأشياء أخرى دون حضور أيّة قاعدة، كما لو أنّ كلّ شيء سيء جرّاء رؤية قطّ أسود أو المرور من تحت الدرج؛ أو توفَّقَ بشيء ما جرّاء إشعال شمعة لقديس متفانٍ.
غالبية البشر، بطبيعتها، ليست من النوع المتشائم. نحتاج للإيمان بشيء ما، سواء بأنفسنا، أو بآخرين، بالمستقبل، بالآلهة، بقوى فوق طبيعية أو بقوّة صنم.
لكن، وكما قال هيوم:
"وُجِدَتْ الأمثلة العديدة عن المعجزات المخترعة وعن النبوءات وعن حوادث خارقة للطبيعة في كل الحقب وجرى التصدي لها وإثبات خطئها بأدلة واضحة. هي تثبت ميل البشر إلى التعلق بكل ما هو إستثنائي وأنه يجب تسليط الضوء على الشكوك المنطقية المناهضة لكل تلك القصص".
ولو انه بالنسبة لي، بين كثير من غير المؤمنين بالآلهة:
الدليل الأهم على أننا في الطريق الصحيح هو وجود الشرّ وإنعدام العدالة وإنتشار الأمراض والقسوة والآلام والكوارث.
فإما أن الآلهة ترغب بالقضاء على كل تلك الأشياء السلبية ولكنها لا تستطيع تحقيق هذه الرغبة، أي أنها ليست مطلقة القوّة ولا تمتلك السلطة؛ أو يمكنها القيام بهذا ولكنها لا تريد، وبالتالي، هي آلهة شريرة بالطبيعة.
وكما عبرت الراقصة إيزادورا دانكن:
"في الوقت الذي يُسمَحْ فيه بحدوث معاناة للأطفال، فلا يوجد أيّ حبّ حقيقيّ في هذا العالم".
إذاً، لا يمكن أن يملك الإله الخالق شيئين بذات الوقت، هما:
أنّه خيّر ومُطلق القدرة.
ومع ذلك، تسم الاديان الثلاثة الكبرى إلهها بالقدرة المطلقة والخير المطلق.
على مدار القرون، باءت كل محاولات المؤمنين الترقيعية لتجاوز هذا التناقض:
بالفشل الذريع.
كما قال أحدهم ذات مرّة، الأمر الوحيد الذي يدفعنا لمسامحة الآلهة:
هو أنها غير موجودة!!
أو كما عبر الفيلسوف الروماني لوكريتيوس:
"الحياة صعبة للغاية، فالملذات قليلة، يسود الألم البشع والحظ عاثر، وبالتالي، يصعب تصديق أنّ عالم بكل هذا النقص ذو أصل إلهي".
يُعتبَرُ حضور كل تلك الشرور في العالم مجرّد مشكلة نظرية بالنسبة للمؤمنين، بحيث يتفق الشرّ مع إله مطلق الخير.
يقودهم هذا إلى التلاعب بالكلمات والأفكار.
يفضل بعضهم إرجاع الشرور إلى الشيطان / إبليس، ما يعني بأن الله غير قادر على ردعه، وبالتالي، ليس مطلق القدرة من جديد.
فيما ينظّر آخرون حول الحرية التي يمنحها الله لكل إنسان، عبر مفهوم الإرادة الحرّة، الذي سأتكلم بإستفاضة حوله بوقت لاحق.
فيما تعتبر قلّة منهم بأنه من غير اللائق القيام بعبادة إله يوافق على حضور كل تلك الشرور في هذا العالم دون تحريك ساكن.
بالنسبة لنا غير المؤمنين بالآلهة، يشكل وجود الشر مشكلة بحد ذاتها، لكن، ينسجم مع مخططنا الذهني المتعلق بماهية الأشياء.
عندما يتم قبول كون الآلهة مخلوقات بشرية، نعثر، وقتها، على القطع الناقصة في اللوحة.
فليس قابلاً للفهم أو للتفسير:
بأنّ إلهاً كليّ الرحمة وخيّر مطلق قد سمح أن يُستخدم إسمه لتبرير كثير من الحروب الدينية، وتبرير التعذيب والقتل بصيغ مختلفة، تبرير الدعوة إلى إبادة الكفار - مؤمنين بأديان أخرى غير ديننا - حملات صليبية، تبرير حرق الهراطقة وغيرها الكثير من الممارسات التي يشمئز الشيطان ذاته منها.
بإقتضاب، وجود الآلهة وعدمه:
غير قابلين للإثبات؛ كحال وجود أيّ مُنتَجْ خيالي بشريّ مثل الحوريات أو السنافر.
ولا يجعل هذا، أيّ من الخيارين، معقولاً بالنسبة لي.
فمصداقية وجود العالم مكافئة لمصداقية عدم وجوده.
تبين لي كل المؤشرات على أن الآلهة ما هي إلا ثمرة إضافية للمخيلة البشرية؛ ولم يحد دورها، بمرور السنين، عن إستخدامها كأجوبة على أسئلة ماورائية لدى كل مؤمن يها.
فيما يفضل كثيرون بذل الجهود لفهم أسرار هذا العالم وأسرارنا نحن ذاتنا.
8.13. تنين في المرآب – كارل ساغان
يعيش تنين، ينفخ النار، في مرآب منزلي.
أؤكّد (باتباع المنهج العلاجي لمجموعة العالم النفسي ريتشارد فرانكلين) لك المعلومة أعلاه. وبناء عليه، ستطلب مني الإثبات على وجود التنين في المرآب، أو ربما ترغب برؤيته. علماً أنّه وعلى مر التاريخ، رأينا أنواعاً كثيرة من هذا التنين، لكن، دون تقديم أي إثبات حقيقي.
أيَّةُ فرصة هذه!!!
- أظهره لي – ستقول لي حضرتك.
أنا سآخذك إلى المرآب. أنظر حضرتك وشاهد فهناك سُلَّمْ، علب ألوان فارغة و عربة بثلاث عجلات، لكن، لا يوجد تنين.
- ستسألني: هل التنين موجود وأين هو؟
- آه، طبعاً، التنين هنا – أجيب مُحرِّكاً يدي ببطء -. نسيت أن أقول لحضرتك، بأنه تنين غير مرئي!
- طيّب أقترح تغطية أرضية المرآب بالطحين، لكي تبقى آثار دالة على وجوده.
- فكرة جيدة – أُجيب - لكن، يَخْفِق هذا التنين بجناحيه في الهواء ولا يطأ الأرض. لهذا، أقترح إستخدام مؤشر حساس لكشف النار الغير مرئية، التي ينفخها التنين.
- فكرة جيدة، لكن، ربما هو تنين لا مادي، بالتالي، أنا أُبْطِلُ أيَّ إثبات فيزيائي مادي تقترحه حضرتك، مع تمكني من توفير شرح خاص للسبب.
حسناً، ما هو الفرق بين تنين غير مرئي، لا مادي ويخفق بجناحيه في الهواء، وينفث النار الغير حارقة من فمه، وبين تنين غير موجود؟
لدى غياب طريقة لدحض هذا، في حال انعدام حضور أيّ اختبار صالح ضده، ما معنى القول بأن تنيني موجود؟
هل يُشكّل عجزه على إبطال فرضيتي "حول وجود التنين في المرآب" بالمطلق، الإثبات على صحّة هذه الفرضيّة ويقينيتها؟
ما أطلبه، ببساطة، إنهاء القبول عند غياب الإثباتات.
ربما، الشي الوحيد، الذي فهمته حضرتك من إلحاحي على وجود التنين في المرآب، هو بأنني ذو تفكير سقيم وفاقد للإقناع!!
ستتساءل، إذا لم نستطع تطبيق أيّ إختبار مادي لإثبات وجود التنين الغير مرئيّ، أيّة قيمة وجديّة يمتلك طرحي؟
هل هناك إمكانيّة لاعتبار فرضيتي بعيدة عن الحِلمْ أو الهذيان الخالص؟
لكن، لماذا أتكلم بكل تلك الجدية؟
ربما، أحتاج مساعدة كائن مُتخيّل. على الأقل، يحضر عدم تقييم لعدم العصمة الانسانية (قابلية الخطأ).
في حال عدم نجاحي بتقديم أيّ إثبات أو دليل على وجود التنين في المرآب، ستظلّ مهتماً بالعثور على دليل. لن ترفض فرضيتي، فهي ستضعك بحالة حيرة ببساطة. ربما ستنتظر أيّة مستجدات تخصّ فرضيتي، وسترى إنْ تكن مقنعه أو لا. ومن غير المعقول، أن أستاء من موقفك المتشكك وغير المُسلِّمْ بفرضيتي.
تخيّل وجود عدّة أشخاص مثلي، ويقولون كلهم بأنه لديهم "تنِّين في المرآب"، ويسوقون لك ذات الأفكار والتبريرات، فهل ستعتبرهم أشخاصاً لا عقل لهم؟!
بالنهاية، وفيما لو تُدقِّقْ حضرتك بكل المؤمنين بكل الآلهة "الغير مرئيّة"، فستتأكّد بأن آلهتهم هي بوضع مُكافيء لوضع "تنين المرآب" ببساطة!!
9.13. الخضوعُ لله
لدى مراجعة تاريخ الأديان، يمكننا ملاحظة واقع مُشترك، لافت للانتباه، قائم لدى جميع المؤمنين.
يتجلى هذا الواقع من خلال إحساس المؤمن بالدونية تجاه الآلهة والأرواح، وتُترجَمُ هذه الدونية إلى خضوع يفرضه المؤمن على ذاته.
لكن، لماذا يستدعي الاعتقاد بكائنات فوقية: التقليل من كرامة الإنسان وإذلاله؟
نعثر على السبب في الخوف والجهل المُتأصِّل لدى الإنسان القديم، وربما، جزئياً، بسبب غريزة البقاء على قيد الحياة.
منذ أزمنة مُغرورقة في القِدَم، ترافق ظهور القادة – كحُرّاس على تنظيم وانضباط القبيلة – مع ذات الخضوع.
مع ذلك، امتثلت الناس للسلطة بسبب حاجة المجتمع لتنظيم نفسه، عبر التحلُّق حول مُدير ينتمي له، درءاً للفوضى.
شيئاً فشيئاً، امتلك القادة ذراعاً رادعاً: الجيوش وقوى الأمن بمختلف تسمياتها، والتي عاقبت المواطنين، بشكل أعمى، في حالات التمرُّد والعصيان.
بمرور الوقت، تجاوزت الحاجة للإخضاع – من قبل قوى الأمن والجيوش – كل الحدود المعقولة لتصير آلة قمع عمياء، لا ترحم، إرضاءاً لنزوات السلطات وبعيداً عن الحاجة إلى فرض النظام أو القانون.، فخضعت الناس للقوة الصرفة.
في عملية التجسيد، عزا البشر البدائيون للآلهة خصائص البشر الأقوياء أي صفات قادتهم، فإن قامت علاقات السلطة بين البشر على خضوع الأدنى للأقوى بسبب الخوف من الاقتصاص أو الانتقام، هكذا، فهموا علاقتهم بسلطات السماء.
خضع الإنسان بسبب الخوف وتحول الخضوع إلى آلية نفسية قد استرضت غضب السلطات السماوية.
وهي آلية ستتجذر، خلال آلاف الأعوام، في أعماق الإنسان القديم لتتحول إلى "ميم" حقيقي بحسب ريتشارد داوكينز.
هذا الخضوع، فيما لو خضع، في البداية، للخوف من تبعات العصيان أو التمرُّد، فإنه قد تحوَّلَ إلى تخلٍّ عن الكرامة الشخصية للشخص نفسه – بعيداً عن الحاجة للخضوع – فقد رأى القائد ككائن فوقيّ على المستوى الوجودي.
القيصر والامبراطور والملك "كائنات خاصة" من مرتبة عليا، استحقوا الثناء والتمجيد والتشريفات؛ لكن، لو تساءل الإنسان عن سبب استحقاق تلك السلطات لتلك التمجيدات والتشريفات، فلن يُجيب بأكثر من: "كائنات فوقية أو عليا".
هكذا، كرَّسَ الإنسان القديم نبذ نفسه باعتباره أمر فطريّ طبيعي؛ فألبس السلطة هالة صوفية فوق الوصف ووجب عليه الخضوع لها لأنها متفوقة أو علوية فقط.
في يومنا هذا، تُوجِزُ هذا الموقف الخاضع، عبارة: "نعم، أبانا"!
(هناك عبارات شبيهة في أديان أخرى .. مثل سيدنا ومولانا وإمام الزمان!! في الإسلام).
في غضون ذلك، وُجِدَ أفراد لم ينخرطوا في هذه العملية لعدم قبولهم الخضوع، لكن، لم تُوفِّر السلطات لهم أيّ خيار بديل؛ وصولاً إلى العصور الحديثة، عندما بدأ الإنسان باستعادة الكرامة المهدورة من قبل أسلافه، ووضع المجتمع الملوك والأباطرة في مكانهم؛ وبالطبع وضع الآلهة في مكانها كذلك!
خضعت السلطات لإرادة الشعب، ففقدت إمتيازاتها المُجحفة المكتسبة بالقوة. لكن، رغم كل هذا، توجد كتل بشرية ضخمة عاجزة عن فهم عدم وجود مبررات للخضوع للآلهة، ولا للتذلُّل لها والتخلي عن الكرامة.
يمتلك الكائن البشري مزايا كافية ليستحق صفة فرد مستقلّ، كشرط لا غنى عنه، للتعبير الجسدي والحسي على صعيد العلاقات الإجتماعية وطوال فترة التعلُّم اللازمة ليتمتع بالنضوج والبلوغ.
لا يتحقق هذا الأمر في مجتمع مُهَيْمَن عليه من قبل سلطات مزاجية سواء كانت بشرية أو إلهية.
فهم المعنى الحقيقي لهذه الإستقلالية:
هو بوابة الدخول إلى عالم الكرامة، التي لا يُستغنى عنها بمواجهة القوى الخُرافية الناشئة عن المخيلة البشرية.
لا مبرّر للخضوع بإستثناء الحاجة للتنظيم والإنضباط، التي يطلبها المجتمع بسبب ضعف بنيته الإجتماعية والنفسية ككيان مسكون بالنقص في الواقع.
فالسلطة الممثلة للمجتمع الحديث متكونة من أعضاء هذا المجتمع، جرى تجريدهم من صلاحيات قميئة حضرت لدى الأسلاف.
لا تسمح أيّة قوة جسدية ولا ميزة فكرية أو نفسية لأيّ كائن بإخضاع آخرين على أنهم أدنى مكانة، فهذا، قد حدث دوماً من خلال إستعمال القوة المُفرطة لحظة تصنيف من هو "أدنى" أو "أعلى".
فعلياً، شكَّلت الإساءة في إستعمال السلطة، وما تزال تُشكِّل، السبب الوحيد المُؤسِّس للفوقية والإستعلاء.
إن لم يكن للآلهة قدرات إلهية؛ وإن لم تحظَ السلطات البشرية بالسطوة الدائمة المُهدِّدة للأفراد، كسيف دموقليس:
لم نكن لنرى تماثيل كل أولئك من آلهة ومن أباطرة.
لا وجود لأيّ واقع وجوديّ يسمح بإعتبار أحد ما مُتفوّق أو علويّ كتبرير لهدر الكرامة الإنسانية على يد بشر.
الفوقية (العلوية) نسبة للدونية (السفلية)، هو نظام قياس أو مقارنة بمزايا معينة – جسدية أو نفسية – تنفعنا في لحظة ما لأجل تمييز مقادير دون الدخول في تقييمات وإطلاق أحكام مُهينة.
إنّ الكرامة البشرية هي فوق أيّ إله؛ وفوق من يظنّ أنه إله من البشر!
(هذه العبارة هي ردّ مُباشَر على كل مرجع ديني إبراهيمي (يهودي ومسيحي ومسلم)، يعتبر أن طاعة الحاكم من طاعة الله!)
10.13. ويليام هاميلتون: لاهوتيّ، قد طرح فكرة موت الله
يُستشهد من بين طروحات الفلاسفة الذين أعلنوا موت الله، على وجه الخصوص، بطروحات نيتشه، وكذلك هيغل.
ولكن، يُجافي هذا الواقع.
فهذه الفكرة (موت الله)، قد حضرت في منطق التقليد اللوثري، كذلك حضرت عند القديس أوغسطين والقديس بولس.
فإلى جانب هيغل، شدّد القديس بولس على أن موت الله في المسيح، قد شكّل مشهداً لا يمكن حجبُه في بشرية الله. وقد استند بتأكيده هذا للصرخة "الله ذاته، قد مات"، وهي جملة موجودة ضمن نشيد لوثريّ، لحًّنهُ الموسيقار باخ، وحوّله المؤلف الموسيقي برامز لمقدمة موسيقية بعنوان (حسرة في القلب .. آه !!).
قام نيشته، ببساطة، بتحويل منطق التقليد البابويّ، لانه اعتبر بأنّ تحولات المسيح على الجلجلة، لم تضع الله محطّ تهمة فقط، بل أُدِينَ ونُفِّذَ حكم الإعدام به.
هذا على مستوى فلاسفة.
لكن، الامر مأساويّ أكثر بالنسبة لرجال اللاهوت.
علم اللاهوت، هو لغة تتصل بالله، بالتالي، لن نجد أغرب من رؤية لاهوتي، يقول:
بأنّ الله قد مات، بأنّ الله لم يكن موجوداً على الدوام، أو أن اللاهوتي ذاته، لم يعثر على الله.
بشكل طبيعي، فيما لو يُورِّطْ اللاهوتي الكائن البشريّ في هذا العالم، فستتضاعف المشكلة عند المؤمنين.
يتركز النقاش، هنا، حول عدم التوافق بين صفتين مميزتين لله، لإلهه:
جانب الرحمة والقدرة المُطلقة (السلطة المُطلقة).
أوّل من طرح التناقض أبيقور، باطروحته الشهيرة حول الشرّ، والتي سمّاها غوتفريد لايبنتس (نظرية العدل الإلهي):
الله بمواجهة الشرّ، إما أنه يريد إزالته ولكنه لا يستطيع، أو لا يريد، أو لا يستطيع ولا يريد، أو يستطيع وكذلك يريد.
في الحالة الاولى، الله ليس كليّ القدرة؛ وفي الحالة الثانية، ليس رحيم أو غير كامل أخلاقياً؛ أما في الحالة الثالثة، فهو ليس كليّ القدرة ولا رحيم ولا كامل أخلاقياً؛ يطرح أبيقور في الحالة الرابعة السؤال المرتبط بأصل الشرّ وسبب عدم إلغائه من قبل الله.
تساءل فولتير حول ذات التساؤلات، إثر وقوع زلزال لشبونة العام 1755، ومن وقتها لا نتوقف عن طرح التساؤلات بخصوص هذه الأمور على اللاهوتيين، سيما بمواجهة مآسي كثيرة بكل الأرجاء.
ويليام هاميلتون، واحد من اللاهوتيين الذين امتلكوا إجابات حاسمة، منذ ظهور الحركة المثيرة للجدل بلاهوت موت الله، فهو ممثل بارز (إلى جانب توماس التيزر، باول فان بيرن وغابرييل فاهانيان) لهذه الحركة.
فقد وقّع ويليام هاميلتون، إلى جانب توماس التيزر، كتابه الناجح "علم اللاهوت الجذريّ لموت الله" العام 1966.
وقبله بأربع سنوات، نشر وحيداً عمله "الجوهر الجديد للمسيحية"، والذي تُرجِمَ إلى الإسبانية بوقت مبكر، الى جانب سلسلة من الأعمال الفلسفية او اللاهوتية الأخرى. توفي هاميلتون يوم 13 مارس / آذار 2012 عن عمر ناهز 87 عام.
يعطي مقال له، نُشِرَ على غلاف مجلة التايم، منذ 4 عقود، الانطباع عن انتشار تلك الحركة.
فقد صرّح هاميلتون بأنّه قد استعاد سؤال أبيقور، إثر وفاة إثنين من أصدقائه نتيجة إنفجار قنبلة (أحدهما أسقفي والآخر كاثوليكي)، في حين أن رجل ثالث (ملحد) قد نجا ولم يُصَبْ بأذى من انفجار القنبلة.
لقد تساءل عن سبب آلام الأبرياء، وفيما لو يتدخّل الله في حيوات الأشخاص.
أجاب، قائلاً:
"القول بموت الله، يعني القول ببطلان وجوده ككائن متسام، وبهذا يفقد أيّة أهمية للعالم. لقد حلّت التفسيرات الغير إيمانيّة مكان التفسيرات الإيمانية. إنه اتجاه غير قابل للإنعكاس، يجب التعود على فكرة الوفاة التاريخية – الثقافية لله. يجب قبول أنّ الله قد ولّى، ويجب النظر للعالم العلماني (الذي يهرف المؤمن المتطرف حوله بما لا يعرف)، كنموذج يُحتذى على المستويين الثقافي والأخلاقي".
11.13. مجموعة أسئلة حول الإعتقاد بالله
عزيزي القاريء، إختر إجابة واحدة فقط على كل سؤال من الأسئلة الآتية:
1. هل الله موجود في الواقع، وهل وجود الله مستقل عن وجود الإنسان؟
نعم كلا لا أعرف
2. هل إخترع الإنسان الله، بالتالي، يوجد الله في مخيلة الناس فقط؟
نعم كلا لا أعرف
3. من خلال تصنيف الكائنات، فهل الإنسان حيوان، فهو ليس معدناً ولا نباتاً؟
نعم كلا لا أعرف
4. هل يعتقد الأشخاص بالله، هكذا، كتقليد عائلي موروث؟
نعم كلا لا أعرف
5. هل يوجد إله واحد حقيقي فقط؟
نعم كلا لا أعرف
6. هل التوراة والأناجيل والقرآن مقدسة، وبالتساوي، تُثبِتُ وجود الله؟
نعم كلا لا أعرف
7. هل البنية المعقدة لكائن حي: إثبات على وجود الله؟
نعم كلا لا أعرف
8. بين الانسان والحيوانات فروقات واضحة، لكن، هل ثمّة تشابه بينهم أيضاً؟
نعم كلا لا أعرف
9. هل الله محبة؟
نعم كلا لا أعرف
10. عند موت الفراشات والصراصير، فلن تعيش بأية صيغة، بمعنى لن تعود للحياة، ببساطة، لماذا لا توجد حياة للحيوانات كالحشرات هناك في البعيد؟
نعم كلا لا أعرف
11. هل هناك أمراض، لا يستطيع الله علاجها؟
نعم كلا لا أعرف
12. هل يشعر الله بالكره؟
نعم كلا لا أعرف
13. هل الكون إنعكاس لفوضوية المادة والطاقة؟
نعم كلا لا أعرف
14. هل الله عبارة عن ذات منفصلة ومختلفة عن الكون؟
نعم كلا لا أعرف
15. هل الله والكون ذات الشيء؟
نعم كلا لا أعرف
16. هل تحدث المعجزات عندما يستخدم الله قدرته لتغيير المجرى الطبيعي للأشياء؟
نعم كلا لا أعرف
17. هل إكتشف الانسان وجود الله بذكائه أو إستنتجه فقط؟
نعم كلا لا أعرف
18. هل يعرف الاإسان بوجود الله لان الله نفسه حضر أمامه؟
نعم كلا لا أعرف
19. زيوس الإله اليوناني، جوبيتر الإله الروماني، تلاتوك إله الآزتيك: هل كل تلك الآلهة، بالنتيجة، مزيفة، علماً أنّ البشر الأوائل قد آمنوا بها؟
نعم كلا لا أعرف
20. هل نحتاج للإعتقاد لأجل إثبات وجود الله فقط؟
نعم كلا لا أعرف
21. هل وُجِدَتْ الحياة والأحياء، هكذا، طبيعياً ودون تدخُّل أيّ إله؟
نعم كلا لا أعرف
22. هل للكون أيّة فرادة؟
نعم كلا لا أعرف
23. هل الإعتقاد بالله، كعاده أو كتقليد عائلي، دليل مُقنِع (كافٍ) لإثبات وجود الله؟
نعم كلا لا أعرف
24. هل الله كلي القدرة، أي قادر على عمل كل شيء وأيّ شيء؟
نعم كلا لا أعرف
25. هل يمنع الله تعدد الزوجات أو الأزواج؟
نعم كلا لا أعرف
26. هل ترتبط روايات الكتاب المقدس والقرآن بآلهة مختلفة، تطلب من الانسان نمط من السلوك مختلف، وبالعموم، توضح طرقاً مختلفة للنجاة أو لعلاقة جيدة مع الله؟
نعم كلا لا أعرف
27. هل يصل الإبتهال أو الصلاة لأسماع الله؟
نعم كلا لا أعرف
28.بالنسبة لك، يسهل التمييز بين ما هو خيالي وما هو واقعي، بين المُتخيل والحقيقي؟
نعم كلا لا أعرف
29. هل بالإمكان إثبات وجود مصاصي دم بشر في العالم الذي نعيش فيه؟
نعم كلا لا أعرف
30. هل تتمنى لقريبك السير ضد المشيئة الإلهية؟
نعم كلا لا أعرف
31. ما هو رأيك بالأحفوريات الخاصة بأشباه البشر وهي كثيرة ومتنوعة وخصوصا في القارة الأفريقية؟
نعم كلا لا أعرف
32. يتأثَّرُ الله إن إعتقدت الكائنات البشرية أو لم تعتقد فيه؟
نعم كلا لا أعرف
33. هل يقوم الإنسان بعد الموت، وهل يعيش بطريقة ما، بمعنى هل توجد حياة أخرى للكائنات البشرية هناك في البعيد؟
نعم كلا لا أعرف
34. هل قرأت الكتاب المقدس أو على الأقل جزءاً منه؟
نعم كلا لا أعرف
35. هل قرأت القرآن أو على الأقل جزءاً منه؟
نعم كلا لا أعرف
36. هل أنت كاثوليكي؟
نعم كلا لا أعرف
37. هل الله خالد؟
نعم كلا لا أعرف
38. هل لدى غاليلة الصواب، عندما أكد دوران الأرض حول الشمس وأنها ليست مركز الكون؛ وهل أخطأ من دعم العكس؟
نعم كلا لا أعرف
39. هل الأخلاق الإنسانية، بالعمق، ظاهرة ذات جذور بيولوجية عميقة، وتنتج بصيغتها البدئية من السلوك التعاوني للحيوانات الإجتماعية؟
نعم كلا لا أعرف
40. هل الله كائن مجهز بالوعي والإرادة والذكاء والأخلاق والمشاعر؟
نعم كلا لا أعرف
41. هل الله إله حقيقي؟
نعم كلا لا أعرف
42. هل يسوع المسيح إله حقيقيّ؟
نعم كلا لا أعرف
43. هل يوجد إله حقيقي واحد بين آلاف الآلهة التي عبدها البشر منذ ظهورهم؟
نعم كلا لا أعرف
44. هل كل الآلهة، التي آمن الكائن البشري بها، حقيقية؟
نعم كلا لا أعرف
45. هل كل الآلهة، التي آمن الانسان بها، مزيفة؟
نعم كلا لا أعرف
46. هل خلق الله الكون من اللا شيء؟
نعم كلا لا أعرف
47. ألا يشكّل الإعتقاد، وحده، إثباتاً على وجود أي إله؟
نعم كلا لا أعرف
48. من بين الكتب المقدسة، يُثبت الكتاب المقدس وجود الله فقط؟
نعم كلا لا أعرف
49. بدون إله، هل تختفي الأخلاق؟
نعم كلا لا أعرف
50. هل لما نسميه معجزات شرحاً منطقياً أو طبيعياً، أو تكن المعجزات غير موجودة؟
نعم كلا لا أعرف
51. من يُشبه الكائن البشري، أكثر، الحيوانات أم لله؟
نعم كلا لا أعرف
52. قبل 100 مليون عام، لم يتواجد الإنسان على حاله الراهن، فهل تواجد أسلافه على شكل حيوانات أولية؟
نعم كلا لا أعرف
53. هل توجد الغرائز ويوجد الذكاء عند البشر كما هي عند الحيوانات؟
نعم كلا لا أعرف
54. هل أكل لحم الخنزير مخالف لمشيئة الله؟
نعم كلا لا أعرف
55. هل أكل اللحم البشري مخالف للمشيئة الإلهية؟
نعم كلا لا أعرف
56. هل عمل الله الإنسان على صورته ومثاله؟
نعم كلا لا أعرف
57. هل يمكن لله أن يُنهي وجوده من العالم؟
نعم كلا لا أعرف
58.هل يجب أن نؤمن بالله بعيداً عن القيم التي يمثلها؟
نعم كلا لا أعرف
59. هل الإيمان بالله هو إيمان بـ: الحب، الخير، العدالة، الرحمة ...الخ بغضّ النظر عن كون الله كائن حقيقي أو مُخادع؟
نعم كلا لا أعرف
60. هل يُدين الله عبادة الأوثان والآلهة المزيفة؟
نعم كلا لا أعرف
61. يشجب الله الفسق، يعيد إنتاج الكائنات البشرية في مختبر، فهل يذهب هذا ضد المشيئة الإلهية؟
نعم كلا لا أعرف
62. هل الله كامل؟
نعم كلا لا أعرف
63. لدى غياب الشيطان، يختفي الشرّ، لكن، ألن يتمكن الإنسان من القيام بسلوك منحرف؟
نعم كلا لا أعرف
64. هل الكون أزليّ، خالد أو غير مخلوق؟
نعم كلا لا أعرف
65. هل يخلق إله كامل عالم مليء بالنقائص؟
نعم كلا لا أعرف
66. هل الإنفعالات حالة غريزيّة، حيث يُلاحظ الخوف والغضب بسهولة عند كثير من الحيوانات؟
نعم كلا لا أعرف
67. هل خلق الإنسان الله على صورته ومثاله؟
نعم كلا لا أعرف
68. هل يشبه الكائن البشري الله أكثر من شبهه مع الحيوانات؟
نعم كلا لا أعرف
69. الله مسامح، فهل هو رحيم؟
نعم كلا لا أعرف
70. هل تتبع كل الأديان نفس الإله؟
نعم كلا لا أعرف
71. إن شابه الإنسان الله؛ وشابهت الحيوانات الانسان، بالتالي، هل من المرجح بأن تشبه الحيوانات الله أو أن يشبه الله الحيوانات؟
نعم كلا لا أعرف
72. إن يتواجد إله ما، فلا توجد أية تجربة مثبتة لإتصال الإنسان معه، بالتالي، لا أحد قد توصل ليعرف شيئاً من مزاياه الشخصية أو من نواياه تجاه خلقه أم عرف أحد شيئاً من هذا القبيل؟
نعم كلا لا أعرف
73. لدى داروين الحق حين إعتبر بأن الأنواع ليست ثابتة، وبأنها تتطور، في حين يرى الخلقيون بأنّ كل شي من صنع الله، وحديثاً، إعتذرت الكنيسة الأنغليكانية من داروين بعد موته بأكثر من 150 عام، فهل إكتشف الخلقيون خطأهم؟
نعم كلا لا أعرف
74. هل الله قادر على خلق إله آخر مثله؟
نعم كلا لا أعرف
75. الشمبانزي، وراثياً وأدبياً، هو النوع الحي الأكثر قرباً إلى الإنسان، فهل يشبهنا كثيراً؟
نعم كلا لا أعرف
76. هل غضب الله فظيع ضد هؤلاء المشككين برسله؟
نعم كلا لا أعرف
77. الله عالم بكل شيء، فهل يعني أنه يعرف كل شيء؟
نعم كلا لا أعرف
78. هل تسمح الكاثوليكية لمعتنقيها بالتفسير الحر للكتاب المقدس؟
نعم كلا لا أعرف
79. هل يرتكب الله، أحياناً، خطأً ما؟
نعم كلا لا أعرف
80. الإعتقاد بالله هو بمثابة سفر بهذه الحياة بجواز سفر يحمل فيزا نحو حياة خالدة في البعيد هناك، يسافر المُلحِدُ بلا جواز سفر! ويشرح هذا، في جزء منه، لماذا يوجد كثير من المؤمنين والقليل من الملحدين؟
نعم كلا لا أعرف
81. هل الإعتقاد بالله = بطاقة تأمين تحمي من الأخطار الدنيوية؛ بينما يفتقد الملحد تلك البطاقة، ويشرح هذا، في جزء منه، لماذا هناك مؤمنين أكثر وملحدين أقل؟
نعم كلا لا أعرف
82. هل يُعتبر الكون الذي نعيش به مجرّد جزء بسيط، وربما يوجد الكثير من "الإنفجارات الكبرى" في "ملايين الأكوان" كذرة رمل واحدة على الشواطيء؟
نعم كلا لا أعرف
83. هل الله ضد حسرة الموت؟
نعم كلا لا أعرف
84. في مجتمع يقتات على الصيد، هل يستطيع الله التدخل لصالح الصياد الإنسان ليقتل فريسته، وهكذا، يستطيع تغذية أسرته؟
نعم كلا لا أعرف
85. هل يساعد الله تمساحاً جائعاً لإفتراس شخص ما؟
نعم كلا لا أعرف
86. ألا يُبالي الله بإحتياجات الكائنات البشرية؟
نعم كلا لا أعرف
87. هل للحياة معنى، بدون وجود الله، بالنسبة للكائن البشري؟
نعم كلا لا أعرف
88. آلهة القبائل البشرية مثل إله الأشعة أو إله الشمس، حقيقية منذ القديم، فهل هي خرافية برأيك اليوم؟
نعم كلا لا أعرف
89. هل آلهة الأديان الكبرى كيهوه، يسوع المسيح أو الله، مزيفة أيضاً كإله الأشعه أو الإله شمس؟
نعم كلا لا أعرف
90. يعلم الله الكثير من الأشياء، لكن، لعل هناك أشياء لا يعرفها؟
نعم كلا لا أعرف
91. الله منتقم جبّار، فهل ستقع لعنته على الكفرة؟
نعم كلا لا أعرف
92. هل تُكذِّبُ الأعمال المنفذة عن طريق العلم والعقائد التي تفرضها الأديان بعضها البعض؟
نعم كلا لا أعرف
93. إن وجد إله ما، يجب على العلم تعريفه، لأن المعارف، التي يزودنا بها العلم، هي الموثوقة حصرياً؟
نعم كلا لا أعرف
94. في الصيد، لا يساعد الله، أبداً، أي صياد إنسان، ولا يقدم العون لأي تمساح. في هذه الحياة، للبقاء على قيد الحياة أو البحث عن وضع خاص أفضل، فلا أحد يحصل عليه من مصادر فوق طبيعية، فهل يجب عليه الإعتماد على مصادره الخاصة؟
نعم كلا لا أعرف
95. هل وجود كائنات ذكية مختلفة عنا في كواكب أخرى وفي أنظمة شمسية أخرى ممكن؟ إن يكن الأمر كذلك، فهل يبقى الكائن البشري المفضَّلْ عند الله؟
نعم كلا لا أعرف
96. وهب الله الإنسان نفساً أو روحاً تفتقر إليها بقية الحيوانات، هل تمتلك الشمبانزي الروح، وكذلك، هل إمتلك الإنسان المنتصب روح؟
نعم كلا لا أعرف
97. تقع القاعده الفيزيائية للذكاء والمشاعر في الجهاز العصبي، فما نسميه نفساً لا وجود له؟
نعم كلا لا أعرف
98. هل "التأكيد على أن الله قد خلق الكون = التأكيد بأن الكون قد خلق الله" هو صحيح أو صالح؟
نعم كلا لا أعرف
99. للكون القدرة، في ظلّ ظروف مؤكدة وزمن كافي، على تحويل المادة الغير عضوية لحياة وكائنات متطورة كالإنسان، حيث يعمل الكون أو الطبيعة خبط عشواء، على قاعده إختبار وخطأ؟
نعم كلا لا أعرف
100. لأجل شرح وجود الحياة والإنسان، التطور البطيء والغير منتظم للمادة:
فهل يمكن إعتباره خياراً صائباً أكثر مقارنة بما يجري مع وجود إله خالق لكل شيء جاهز و بشكل آني لحظي؟
نعم كلا لا أعرف
12.13. عالم بلا آلهة
لا تستطيع ملايين البشر، إلى الآن، العيش بلا آلهة.
تُقدّم الآلهة العون لهم بجعلهم متفائلين بمواجهة مصائب الحياة، وتوفر لهم تفسيرات مختلفة حول الموت وحول كثير من الألغاز، التي لا تفسير علمي لها للآن.
هذا النوع من التفكير غير جديد، فقد إستخدمه البشر منذ بدايات ظهورهم.
شكّل إبتكار الآلهة إجراءاً ضرورياً لمكافحة الجهل الشديد.
مع ذلك، لم يستمر الوضع على هذا النحو فيما بعد!
لكن، تموتُ الآلهةُ.
يمتليء التاريخ الإنساني بالآلهة الميِّتة، التي سقطت في حقب مختلفة، في أماكن ولأجل أشخاص مختلفين.
الآلهة، التي قُدِّمَت لها القرابين يوما، هي اليوم عبارة عن تماثيل في المتاحف ومضامين لأسئلة في إمتحانات علم الآثار وتاريخ الثقافات القديمة.
آلهة، قد إستمتعت بأكثر الأمور حلاوة وسكنت بأعجب الهياكل في الماضي؛ ليقتصر وجودها اليوم على صفحات الكتب التي تحكي قصصها!
تلك الآلهة القادرة، التي وجَّهت، زمجرت ونظمت عالم البشر الضعفاء الجهلة الذين إبتكروها، اليوم، لديها قدرة أقلّ من تلك المُتوفرة لدى قديس أو أغلبية المجتمع المدني الحديث و لو حتى لا تعرفها.
نقترح في هذه الصفحة (الموقع المنشور هذا الموضوع فيه) عالماً دون آلهة.
نفكر بأنه كما حصل بأسلاف الآلهة القديمة، سيحصل مع الآلهة الحاضرة، أيضا، والتي ستهلك يوما ما.
بالنسبة لنا، لا يوجد نزاعات بين العلم ولا الدين؛ لأن الدين لم يفسِّر شيئاً قابلاً للإثبات.
فمن خلال العلم وإستخدام النظرية العلمية، نجح الإنسان بفهم العالم الذي يسكنه وإكتشف القوانين التي تسيِّره.
لم يشرح أيُّ إله الحضور الغامض للثقوب السوداء أو التقدم بتطوير سيارات تمشي على الطاقة الشمسية، لنذكر مثالين.
المثال الأول
لا يحوي أيّ كتاب من الكتب "المعتبرة مقدسة"، الآن، وفي أزمنة أخرى، على أي تعريف للخلايا العصبية أو تقديم أيّة صيغة فعالة لمكافحة السرطان.
كلا، لم تقل الآلهة شيئاً حول هذا.
فقد انكبّت الآلهة، على:
خوض الصراعات، إصدار الأوامر، صنع الطغاة مرات كثيرة أو خَدَم مرات أخرى.
طلبت الآلهة التضحية بالأطفال وعائلات بأكملها عندما تعطشت للدماء، لقد أعطت الآلهة الأديان لكي تذبح وتعذب الهراطقة، الذين تجرؤوا على الإعتقاد بآلهة أخرى؛ فيما ماتت آلهة، لاحقاً، وجرى إستبدالها بآلهة اخرى، وإن تكن أكثر قدرة.
المثال الثاني
آلهة اليوم ذات فعالية أقلّ. فقد ساهمت الشروحات الدينية، التي تعتبرها أفضل مقارنة بالإكتشافات العلمية، بالحدّ من قدرتها عملياً.
هي آلهة غير قادرة ومعجزاتها شحيحة، فلا تسبب، ولاتمنع، ولا تساعد، ولا تُفني.
آلهة مستكينة، كما يُرى، فهي لا تملك أي إرتباط مباشر مع الإنسانية ولا تهتم بمستقبلنا.
بناءاً عليه، من الأنسب أن نعتقد بمستقبل بلا آلهة.
هكذا، نتفادى كل ذاك التدخل المزعوم والغير ضروري؛ ونتفرغ لفهم الكون من خلال النظرية العلمية.
لا سلطات ولا مذاهب، ولا حقائق مطلقة:
كتاب مفتوح، فقط، حيث تحضر النظريات المُحسِّنة أو المُستبدَلَة بنظريات أفضل عند الحاجة لأجل إحراز التقدم السريع على المستوى المعرفي بشكل عام.
13.13. هل هناك شيء إسمه "فوق طبيعيّ"؟
فيما لو تكن الشياطين، الأرواح، الملائكة،....الخ موجودة، فهي بالتالي، ليست فوق طبيعية، إذاً، هل يوجد ما هو "فوق طبيعي"؟
برأيي المتواضع: كلا، فهو المجهول أو الغامض فقط.
عادةً، يُستخدم مصطلح "فوق طبيعي" على الشكل التالي:
"آمِنْ به (صدِّقه) بلا أدلّة، هو فوق طبيعي، وبالتالي، لا يمكن التحقُّق منه أو فحصه".
رأيي
إن كنت لا تراه، فلا يعني أنّه غير موجود! (دفاع مشروع .. إلى أيّ حدّ يصمد؟)
ربما تعرف غالبيتنا قصّة بوزون هيغز، الذي لا يمكن لأحد رؤيته ولم يصدق كثير من العلماء بوجوده، لكن، بالنهاية، أقرّوا بوجوده بعد تقديم أدلة مُقنعة ناشئة عن إختبارات كثيرة.
سنأخذ الأشباح كمثال. يمتليء التاريخ البشريّ بقصص الأرواح "الطائرة"، حتى يومنا هذا، هناك مَنْ يؤكد أنه قد إمتلك خبرة ما مع تلك الأشباح.
فيما لو يظهر الشبح أمام أعين شخص ما أو أمام آلة تصوير، فيتحدث أو يُنتج تغيُرات كهرومغناطيسيّة ما، فهذا يعني بأنه متصل أو مرتبط بعالمنا الماديّ أو الطبيعيّ.
فيما لو يتحدث الشبح مع شخص واحد أو سيراه شخص واحد فقط، وقتها يمكن لأجهزة كشف النشاط الذهنيّ تقدير وضع هذه الظاهرة. ما يعني، أنه لكي ينتقل الشبح من حالة نظرية (كما كان البوزون هيغز في البداية)، يتوجب عليه التواجد في العالم الماديّ على الأقلّ، وبهذه الحالة، سيتحول إلى كائن طبيعي لا كائن فوق طبيعيّ.
بمواجهة التأكيد:
"حين لا ترى شيئاً ما، لا يعني أنّه غير موجود"، يمكننا القول: "صحيح"، لكن، دون حضور ماديّ أو تقديم دليل قويّ، لا يوجد سبب يدعو لتصديق شيء، لا يمتلك خصوصية أمام الكثير من الأشياء التي يمكننا تخيلها وهي غير موجودة ظاهراً (الساحر أوز، على سبيل المثال).
يوجد أشياء لا يتمكن العلم من تفسيرها
يجب تقسيم "الأشياء التي لا يتمكن العلم من تفسيرها" إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: ظواهر لم تُفسَّرْ حتى الآن بصورة مُرضية، مثل أصل الكون أو تركيب المادة والطاقة.
هنا، نُواجِهُ برهان "إله الفراغات"، ما يعني أنّ أيّة ظاهرة ليس لها تفسير حالياً:
فخلفها كائن فوق طبيعي!
لا يُساوي جهلنا لظاهرة ما:
الدليل على صحّة إفتراض أو إقتراح يمكن تقديمه كتفسير لها!
وهنا، يظهر الطرح التقليديّ، في حال عدم قبول التفسير الفوق طبيعي، حيث يُعتبر الرافض ذو "عقل مغلق" وهو خلط تقليدي مريب بين سرعة التصديق والتشكيك.
فيما لو يُحدَّد سبب ظاهرة ما كسبب فوق طبيعي، فهذا يعني تدخله في الواقع وتجليه ليشكّل السبب ويتفاعل، الأمر الذي يجعله جزءاً من الواقع، بالتالي، هو طبيعي.
على سبيل المثال، فيما لو نرتفع ونستقر في الغيوم ونجد الإله اليوناني ثور المُتسبّبْ بنشوء العواصف:
فهذا الإله ليس كائناً فوق طبيعي بل هو كائن طبيعي وجزء من الواقع!
المجموعة الثانية: المعجزات، القوى الخارقة، النبوءات، السحر ...الخ.
القاسم المُشترك بين هذه الأشياء هو أنها تحدث عندما تغيب أجهزة التصوير والتسجيل!
فيما لو نتمكن من دراسة شخص ما يمكنه إعادة الأموات إلى الحياة، المشي على المياه، رؤية المستقبل، فهي ليست ظواهر فوق طبيعية وقتها، بل هي ظواهر مادية غير مفهومة حتى الآن (إن لم تكن نوع من الخداع!)، ما يعني أنها ستشكّل ظواهر طبيعية وستنتمي للمجموعة الأولى.
يتصل العالم الفوق طبيعي مع العالم الطبيعي، لكنه منفصل عنه
هل ثمَّة تناقض هنا؟
هذا هو حال دليل الظواهر المادية "الملموسة" مقابل الظواهر التي تُعزى إلى أصل فوق طبيعي، كمثال:
المشاعر، العواطف والذكاء (لنتجاهل معطيات علم الأعصاب والتحليل النفسيّ للحظات).
قضيّة "حريّة الإرادة" مثال تقليديّ، حيث لا يمكن لهذه الصفة الوجود في عالم "ماديّ" ذو قوانين محددة، بالتالي، تُعزى إلى عالم فوق طبيعي.
في الواقع، وعلى الرغم من وجود الإرادة الحرّة، العواطف والذكاء في بُعد آخر، متحرر من القوانين الطبيعية، فهذا لا يحولها إلى فوق طبيعية، لأنها يجب أن تستجيب (ولو بدا الأمر غريباً) لقوانين فوق طبيعية (لا نعرف شيئاً عنها)، وبهذه الحالة هي تنتمي إلى العالم "الماديّ" أو "الطبيعيّ".
وأنتم ما هو رأيكم؟!
ملحوظة: يجب التنوية بداية لأنّ مُصطلح Sobrenatural يمكن ترجمته، غالباً، إلى "ماوراء الطبيعة" ولكن، كذلك، يمكننا ترجمته إلى "فوق طبيعيّ". وهنا، لا يقتصر الأمر على مفهوم الإله الغيبيّ بل على كثير من المفاهيم القديمة كالأرواح، الشياطين، الملائكة سواء كانت منفصلة عن فكرة الإله أو منسجمة معها كما في أديان التوحيد الحديثة نسبياً.
لقد انتبه المتصوفة، على وجه الخصوص، إلى إشكاليّة الفصل بين الطبيعي والفوق طبيعي، وحاولوا التوفيق عبر فكرة "وحدة العالم والإله" التي تُعيد تلك الأفكار إلى أرضيتها "الطبيعية"، وهو ذات الأمر الذي قاد فلاسفة ألمان في بدايات القرن العشرين للحديث عن فلسفة مادية روحية (تبناها أنطون سعادة وأطلق عليها باللغة العربية ولأوّل مرّة مُصطلح "مدرحية" ولم يتمكن من إكمال شروحاته حولها لاعدامه العام 1949 من قبل السلطات اللبنانية إثرإعلانه الثورة عليها) .. كذلك، بمراجعة أهم الصفات والمفاهيم والنصوص الدينية القداسية في أديان التوحيد الثلاث: سنجد بصمات "التجسيدات الطبيعية" قائمة بأبهى صورة! بالنهاية، نقاش هذا الموضوع قديم، جديد، مُتجدّدْ ولا بأس من خوضه.
يتبع
تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل
للإطلاع على باقي الأجزاء
الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر
الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة
الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل
الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر
الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت
الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية
الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم
الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت
الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟
الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق
الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق
الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ
الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع
الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة
الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس
الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين
الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟
الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد
الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين
الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ

No comments:
Post a Comment