28. الحاجة الحيويّة للإعلان عن الإلحاد وتبنيه
نُولَدُ ضمن عائلات متدينة ونتعلم بسرعة إحترام الآخرين، كما هو مُفترض. تسود مفاهيم العالم الفوق طبيعي مناطق الكاريبي وأميركا اللاتينية بالعموم، فالأغلبية صديقة ليسوع.
في العادة، يضبط رجال الدين المدارس، يعبد الأجداد العذراء ويؤدون الصلوات، تعترف النساء للكهنة.
بالنسبة لدماغ طفولي غير ناضج، كل هذا لا يشكل إستغلال متنامي، يجري العالم بشكل عادي، حيث يسيطر السحر وتعيش حيوانات وحيد القرن في الحرش!
العصبونات (الخلايا العصبية)، ما إنْ تنضج، حتّى تُعيدك إلى أرض الواقع. فتأخذ بالحسبان بأنّك تعيش في كوكب، في حرب، تلوّث، لا عدالة وانتشار التمييز والتعصُّب، سواء عند متدينين كما هو عند غير متدينين.
وتقوم الحكومة بتمرير قوانين وصيغ، تحافظ على بقاء الشعب صامتاً، ويبدو أن الثورة ستبقى المخرج الوحيد. هل تعرف دوائر العنف المتعددة، رقصاتها، الصيغ التي تدخل وتخرج من الحياة عبرها، التلاعب بإنقاذ الآخرين من خلال قبول افكارهم.
"إما أن تفعل ما أقوله أو تموت"
استخدمت السلطة الدينية، ولسوء الحظّ، تلك العبارة الأخيرة في فرض عقائدها.
غَزَتْ، ليس جغرافياً، فقط، بل دماغياً، فجذَّرت عقائدها الجديدة مكان عقائد أقدم، وعبر استخدام العنف في كثير من الأحيان لتحقيق أسهل لما تصبو إليه.
يسمح الإطلاع على أفكار الآخرين بالتقاط القصص والأدلة والوقائع، التي بكثير من الاحيان، تجعلك ترمي كل ما علموك إيّاه عندما تبلغ، دعوني أقول لكم بأنه عبارة عن رحلة استثنائية، عملية متدرجة، تُبيِّن أن ما نمرّ به عبارة عن كذبة نعيش بظلها، ومن العظمة الخروج من هذا كلّه.
لاجل عملية النضج هذه، نقل المعلومة إجباريّ بالمُطلق أو حتميّ. حيث لا يمكن لشخص واحد التفكير بكل هذا، من الضروري إمتلاك قدرة عصبية، بمرور الزمن، لتحقيق التقدم، ومن المفترض القيام بنقله (التقدُّم).
مع هذا، فما يزال الإنسان مُكبَّلاً بأصفاد الكثير من الأمور الضارة بحيويته وبمعارف بدائيّة. تتطور التقنيات وتتحول، بهذا، لعمل آخر؛ يجب النضال لإقرار قانون مفتوح؛ يُوسِّعُ العلم المعرفة ويُبدِّد الخرافات ويُصحِّح الأخطاء، لكن، يجب النضال لأجل تبني موقف فكريّ حرّ.
فالله غير موجود .. لكن لا يجب عليك التصريح به.
في كتابها "الإحتياج للإلحاد"، تقول بيرسي بيش شيلي:
"الله عبارة عن فرضيّة، بالتالي، بوصفه هكذا، فهو بحاجة للدليل، أي كل مؤمن مضطر لتقديم الدليل أو كما يقول التعبير اللاتيني أونوس بروباندو. فيما لو نرغب بتفسير أفكارنا عن الألوهة، فنحن مضطرون للقبول بأن الإنسان، لم يتمكن من خلال كلمة الله (أو الإله) تعيين أيّ شيء، ببساطة، هو يُطلق تسمية على أكثر الأشياء الغامضة، على أكثرها بعداً وعلى الأسباب المجهولة للظواهر التي رآها، لقد استخدم هذه الكلمة عند عدم تمكنه من فهم الأسباب الطبيعية لما يلاحظه وما يجهله، وهنا، يُنهي أبحاثه ويواجه الصعوبات بتسمية الحلّ الله، آخر الأسباب، ما قوله، الأبعد من كل الأسباب المعروفة. في كلّ مرّة نقول فيها بأنّ الله هو المؤلّف لظاهرة ما، فهذا يعني أننا نجهل كيفية نشوء تلك الظاهرة عبر قوى او أسباب نعرفها في الطبيعه".
لنقل المعلومة قيمة كبرى، وتمثلت هذه القدرة بحمل وإحضار الأفكار، التي تجمعت عند الكائن البشريّ بمرور الزمن، لكن، ولسوء الحظّ، فلقد استُخْدِمَتْ هذه البُنى الفكرية بكثير من الأحيان لتكريس الجهالة. ساهم عدم نضج الكائن البشريّ بإنشداده نحو الخرافات، سواء كانت قديمة أو حديثة، المنقولة والمحفوظة في كتب وأفلام وبرامج تلفزيونية.
الآن، يوفّر الأنترنيت وسيلة أخرى لمتابعة نقل القصص والتحقيقات والتفسيرات؛ حيث تمكن متابعة إرسال الحماقات والأمور السطحية، التي تغذي متعة بعض البشر، أو تضعهم بموقف محاكمة فكرية لها. بالنسبة للبعض، الخيار الأخير، هو الوحيد الذي يمتلك القيمة، فيما يعتمد كثيرون الخيارين، وترغب الملايين بالخيار الأول فقط. مع هذا، لن تنال شيء فيما لو تقم بإلغاء أحدها، ما يجب عليك توفير الوقت والإنتظار.
لكن، طال الإنتظار كثيراً.
مع الرقابة، مع ذلك، لا شيء يستحق الإنتظار
تقول الاخصائيّة بعلم الاعصاب إيمي توبين:
"في كل مرّة أحضر بها لتناول العشاء أو الغداء، يتوجب عليّ قبول الإستماع لعبارات الحمد والشكر لله، دونما نُطق، ففيما لو أعترض فأنا الُمسيئة، عند كسر هذه القاعدة العالمية. يتشبث الأشخاص المؤمنون بهذا الإحترام، الذي يجب على الآخرين تقديمه لهم، لكن، لا يفكرون بأنّ الآخرين، كذلك، لديهم الحقوق ويمكنهم الشعور بعدم الإرتياح أمام أشياء كتلك. يبدو لي أنه من الأفضل لكل الناس، أن تُصبح الإتجاهات الإيمانية خاصة ومُلزمة لاصحابها فقط؛ فالإلحاد خاص بمتبنيه فقط ولا يفرض شيء على الآخرين".
فعلياً، ينتشر مُصطلح الله في كل الأنحاء. لكن، آثاره ليست على هذا النحو.
تحضر الكنيسة في الحكومات وعقائدها بكثير من الأحيان، تشكّل جزء من دساتيرها، دون رغبة مؤسسي تلك الأديان بهذا الأمر.
ففي النشيد الوطني لبلادي (بلد الكاتبة الأرجنتين):
الله حاضر!
على الدولار الاميركي الورقيّ:
الله حاضر!
في مختلف أنواع القَسَمْ:
الله حاضر!
إضافة لكتبه المقدسة، التي تستخدم كذلك كشهود. يوجد في كل مجتمع عدد من القادة الدينيين، الذين يُبدون الإهتمام بطقوس الزواج والولادة والوفاة.
عملياً، وفي كثير من البلدان، الإيمان بالله شرط مطلوب بمن يرغب بالوصول لمنصب الرئاسة أو منصب حكومي آخر!
في مقدمة دستور دولة الدومينيكان، يؤكّد أعضاء المؤتمر الذي أقرّه:
بأنّ القوانين الاساسيّة به "تستند إلى قدرة الله".
يُعلن دستور ولاية تينيس في الولايات المتحدة الاميركية:
"لا يجب أن يحصل أيّ مُلحِد على وظائف مدنية".
وفي الواقع: "ولا شخص يرفض الإله أو يوم الدينونة، يمكنه أن يحصل على أيّة وظيفة من خلال المكتب المدني بالولاية"، وفق تأكيد قوانين بولايات كتكساس، آركانساس، كارولينا الجنوبية، كارولينا الشمالية، وبنسلفانيا بين غيرها من الولايات.
وقبل إختيار جورج بوش الأب للرئاسة، كان قد أكّد بأنه لا يمكن اعتبار الملحد مواطن أميركي!
وقد ردّ عليه مستشار البيت الابيض القانوني بوردن غراي، حين كتب: "كُنْ على ثقة بأنّ الإدارة، ستتعامل بكل لحظة بإهتمام مع الحقوق المشروعة للملحدين كأيّة جماعة أخرى، يختلف الرئيس معها".
لكن، هناك حالات مختلفة للغاية. فالولايات المتحدة الاميركية من بين البلدان المتطورة، هي الأكثر تديناً.
وكما أثبت المختص بعلم الاعصاب والكاتب سام هاريس، فعلى الرغم من أنّ الدين والدولة بحالة إنفصال واضح، وفق دستور البلاد، فإنّ التديُّن جزء مُندمج في الحياة الأميركية وفي سياستها كذلك. ترتبط الأسباب، بأغلب الأحيان، بالخوف وإنعدام التوازن الإقتصاديّ، فهي غير واضحة.
في كتابه "المشهد الأخلاقي،، يقول سام هاريس:
"حينما نأخذ، صعود التيار الإسلاميّ في العالم الاسلاميّ والتوسع الكبير للخمسينيّة في أفريقيا والتزمُّت الزائد في الولايات المتحدة الاميركية، بعين الإعتبار، سننتبه بأنّه للدين تبعات جيوسياسيّة، على مدى زمنيّ طويل جداً".
نقل المعلومات هامّ في عالم مسكون بالهذيان وبالإيمان بالرؤى والأوهام.
فيما لو تعتبر أنّ الكائن الفضائي كسينو أو كسيمو حقيقيّ، فمن حقك هذا، لكن، لا يمكنك، لهذا السبب، الإعتقاد بأني سأومن به؛ ولن أعفيك من تفسير سبب تفكيري بأنّ الأمر محض هراء.
لما لا؟
تستحق البشرية وجود آخرين يقولونها. من الجميل إكتشاف ما تبحث عنه، وفي كثير من الأحيان، من خلال إجابات، لم تظهر خلال فترة نموك، ومع الإنتباه لوقائع، ما تزال تُشكِّل عقبات في الوقت الراهن أيضاً.
مع هذا، لا يبدو مهماً إن يتدخلوا في تعليم أبنائك وفي أعمال حكومتك وفي التوجهات الثقافية وفي الحصول على نقودك دون ضرائب. لا يهم تحكُّم التيوقراطية الدينية في بلد كامل؛ أن ينشر الفاتيكان ثقافة مناهضة لمنع الحمل وللواقي الذكري والانثوي وللخلايا الجذعيّة ويفرض أنماط حياة وهويات جنسيّة؛ في الوقت الذي يدافع فيه عن جرائم الإعتداء الجنسيّ على الأطفال من قبل بعض كهنته، فلا يهم إن تكن الكتب المقدسة ذكوريّة ولا تتفق تسمياتها مع تفسيراتها.
كل هذا لا يهم، فما يهم هو ضرورة إحترام الإلحاد وعدم إسكات هذه الأقليّة من الملحدين، وبالتالي، السماح لكل تلك الحماقات بقمع الجماعات البشرية، بالنهاية، لن نتمكن من تغيير شيء ونتصف بقلّة الإحترام والأدب فقط.
من الواضح أننا نعبد ريتشارد داوكينز!!
(في الماضي، قالوا داروين / تطور بالشتائم!!)
بعيداً عن بديهية الأهداف الحقيقية لأهميّة إعلان الملحد لإلحاده وخروجه للنور، يرغب بعض الناس بإتهام الملحدين بالتديُّن والتعصُّب، وهنا، بالضبط، نعثر على نقاط الضعف بطرح بعض المؤمنين، والتي يتوجب عليهم مراجعتها وتغييرها، فهي إتهامات غير عادلة وغير منطقيّة.
فنحن كملحدين عبارة عن مجموعة متغايرة (كل ملحد له الحق بطرح وجهة نظر خاصة ولسنا نُسخاً عن بعضنا). نحن يقظون، يوجد كثير من الملحدين غير الداعمين لداوكينز، يوجد ملحدون منخرطون بتيارات سياسية مختلفة، يوجد ملحدون يعتقدون بزيارات لكائنات فضائية لكوكبنا، يوجد ملحدون لم يقرؤوا بعمرهم لشخصيات تُعتبر رموز إلحادية؛ لكن، ولا واحد منهم يتبع إلهاً، وإعتباراً من هنا، فكل ملحد مسؤول عن حياته دون دور عبادة ودون أنبياء ودون قيادات فوق طبيعية غير موجودة ودون عقائد دينية.
لا أعبد أحداً، أحترم أفكاراً وأفعالاً تستحق هذا الإحترام.
لا يمكن لنقاط ضعف بشرية، أن تُلغي لحظات برّاقة تغييرية، وغالباً، ما تُحوّل تلك النقاط الإنسان لشيء صنميّ أو بهيميّ.
فكل الأفكار عُرضة للتغيُّر، فحاول التكيُّف ولا تخشَ المعرفة، فما اعتُبِرَ هرطقة، سيتغيّر ليُصبح مقبولاً ومعقولاً.
نجدُ في التنوّع الأصل لعلمانيّة عادلة
قبل هيتشنز، حضر ساغان، وقبل ساغان، حضر راسل
(وقبلهم، حضر أبو بكر الرازيّ وسواه)
لقد أكّدت الدكتورة إيلي إيرواي - اتصال (فيلم 1997) في أحد كتب كارل ساغان، أنّ:
"ما أقوله، هو أنّه فيما لو يُرِدْ الله إرسال خطاب لنا وكتابات قديمة، فقد تمثلت بالطريقة الوحيدة التي أمكنه التفكير بعملها، وهذا أفضل ما كان بوسعه القيام به".
كتب سلمان رشدي في آياته الشيطانيّة، وهو المُطارد حتى الآن بفتوى خُمَينيّة، أمرت بقتله، قائلاً:
"فيما لو امتلك الله العفو بقلبه، لقد استخدم كلمة عفو، فهناك 3 من اصل 360 صنم في المنزل تستحق العبادة فقط".
عبّر الفيلسوف دنيس ديدرو، قائلاً:
"لن يتحرر الإنسان أبداً، مالم يتم خنق آخر ملك بأحشاء آخر كاهن ديني!!".
أما غلوريا ستاينم، فتقول:
"واقعياً، هو عمل تدليسيّ لا يمكن تصديقه، بمجرّد التفكير به، وهنا، أعني الإيمان بنوال شيء بعد الموت. حتى النقابات بأنظمة مُنَحِها، لا تحاول القيام بهذا بعد الوفاة!".
كريستوفر هيتشنز، يقول بدوره:
"ما يمكن تأكيده دونما إثبات، كذلك، يمكن رفضه دونما إثبات".
حضور النقد الديني ليس بجديد.
فمنذ زمن طويل، تمرّس الكائن البشريّ بالتفكير، خصوصاً، حين اعترضته أفكاراً غير معقولة. وفي كثير من الأحيان، جرى إسكاته بعنف وتعصُّب، وفي أحيان أخرى، حُجِّمَ من خلال السطوة والسلطة، التي يتمتع بها المؤمنون.
ولهذا، يسعون بشكل دائم للحفاظ على هذه السلطة القهرية.
من بين أكثر الأدوات إستخداماً لتحقيق هذا، أداة القمع باعتماد العنف والحفاظ على الجهل من خلال نظام تعليم مقيّد ومُضجر.
المال والسلطة حليفان أصيلان في هذا السياق المؤسف.
الصيغة الوحيدة لإنهاء العبوديّة بتمكن الاشخاص المتعلمين من تحقيق ثورة، تُنهي هيمنة الأنظمة التيوقراطية وإقرار قضاء عادل مستقلّ.
لكن، للآن، نحن بعيدون جداً عن تحقيق ذلك.
ليس فقط بسبب امتلاء جرائد بلادي (الأرجنتين / بلاد الكاتبة) بعناوين، يظهر بها الشيطان كشخصية أساسية؛ بل لإنّه في أماكن كالولايات المتحدة الاميركية، للآن، يوجد قادة في مجال الإنتاج العلميّ، يقومون بالتهديد والقدح والذمّ بأبشع الكلمات لصبيّة ملحدة عمرها 16 عام في المدرسة الحكومية بولاية رود آيلاند.
بدأ كل شيء عندما نُشِرَ إعلان حول صلاة في إحدى قاعات المدرسة، ما سبّب انزعاج الطالبة جيسيكا أهلكيست، حيث ظهر الأمر لها بوصفه تمييزيّاً، وبهذا، طلبت منهم نزع الإعلان؛ وعندما لم يصغوا لها، أقامت دعوى أمام القضاء.
يستندُ دفاعها عن موقفها إلى علمانية الدولة، وبالتالي، دولة حريّات وهذا ينطبق على ولاية رود آيلاند بالطبع. ربحت الطالبة الدعوى وأمر القاضي بنزع الإعلان وعدم نشر أيّ إعلان لأيّ دين، كذلك، عدم نشر أيّة دعاية إلحادية؛ فالمدرسة بالنهاية عامة للجميع.
مع ذلك، فأقلّ ما واجهها به المؤمنون، التمني لها بالإحتراق بالجحيم الابديّ (شبّيحة!)، وهذا عقاب حقيقي وفق مشجعي إقامة الصلاة.
حتى أنّ أختها قامت بتهديدها!!
إنّه لأمر مُحزن أنّ كثير من المتدينين لا يفهمون العلمانيّة، ويفكرون بأنّ الإلحاد مناهضاً لهم، لا يتفهمون وجود صبيّة لا تنتمي لناديهم وترغب بالمساواة وإحترام حقوق الجميع كذلك. لا ترتكز وجهة نظر الصبيّة على مضايقة ولا على إهانة لأحد، كوجهة نظر أولئك، الذين رفعوا الإعلان دونما قصدهم إهانتها او مضايقتها.
العالم يتغيّر، وما نتمتع به من حريات ليس من حق الأغلبيّة، أيّة أغلبيّة، فقط، بل هي من حقّ الجميع.
وعندما يطلب ملحد حقوقه، فالقضية ليست هي ذاتها!
فيتحول أتوستراد الإحترام لإتجاه واحد فقط:
"لا يمكنني إهانتك عندما تطلب الإنصاف! لكن، انت لا يمكنك إبداء الإستياء من عقائدي، لأنها جزء من الواقع القائم الراهن لدى الأغلبيّة!".
لكن، يتغيّر كل شيء، وعلينا الوثوق بهذا، وكما عبّر عالم الفيزياء النظرية وعالم الكونيات ستيفين هاوكينغ:
"الذكي، هو الذي يتكيَّف".
فيتوجب عليكم التكيُّف كملحدين، من حقكم الكلام، الكتابة، النقاش والإنتقال.
نأمل ألّا نضطر لإخماد صوتنا بمواجهة العنف والتعصب والظلم؛ والحفاظ على حيواتنا .. لا شيء أكثر من هذا.
29. أساطير مسؤولة عن تبني أفراد الإلحاد
1.29. أسطورة اللامادة
أرى بأن كل شيء قد تأسَّسَ على حجم هائل من الجهل.
فواحد مثل أرسطو، لم يعرف شيئاً عن عمل الدماغ، فاعتقد بأن الكائن البشري يفكر بواسطة قلبه، بذات الصيغة قد ابتكر فكرة بسيك باللغة اليونانيّة ونسب لها (النفس أو الروح)، والتي بحسبه، هي شيء غير ماديّ وخالد. كل تلك الوظائف، التي أثبت العلم، بوقت لاحق، بأنها عبارة عن وظائف مُحققة في الدماغ، وهي مادية كلياً ويمكنها تحقيق وظائف فيزيائية – كيميائية وكهربائية معقدة لتعطي الأصل للوعي بالذات.
بكلمات أخرى، لا يوجد أيّ شبح ضمن الآلة، يفقد البسيك جميع الوظائف كلياً ويعود لأصله ككلمة جوفاء، كلمة فارغة لا معنى لها على الإطلاق. بل على الأرجح، هي ليست كلمة حتى، لانه بحسب أرسطو ذاته، الكلمة عبارة عن لفظ دلالي، أي صوت مع معنى، ونظراً لإفتقار كلمة بسيك للمعنى، فهي، إذاً، ليست كلمة حتى، بل هي مُجرّد إنبعاث صوتي فقط.
الحديث عن شيء لامادي وخالد هو استكمال لفكرة الله، التي بحسب المؤمنين، تعني كائن لامادي وخالد.
لكن، كيف يمكن لشيء غير مادي ولا طاقي أن يتواجد؟.
واقعياً، فيما لو يملك اللامادي قابليّة الوجود.
فهل يؤثر، بالتالي، على المادة؟ من خلال ماذا؟.
نلجأ إلى المثال، الذي يقول بأن المادة واللامادة يشكلان سطحين متوازيين لانهائيين ولن يتقاطعا نهائياً، وبالتالي، لا وجود لأيّة نقطة تماس بينهما.
يعني هذا بأنه لا يوجد تأثير للامادة على المادة؛ ولا تأثير للمادة على اللامادة.
واقعياً، فيما لو يملك الانسان بسيك لاماديّة، مع جميع الوظائف التي عُزيت لها، بالتالي، لماذا يتمكّن الإنسان من تغيير سلوكه ووعيه بإستهلاك المخدرات، وهي شيء ماديّ كلياً؟
في هذه الحالة، يؤثر شيء مادي على شيء لامادي، وكما رأينا، لا وجود لتماس بين المادة واللامادة، فلا يمكنهما الإلتقاء أو الإرتباط.
إذاً، يتضح لنا بأن اللامادة (الروح أو النفس أو بسيك) عبارة عن وهم ناتج عن الجهل، بلحظة ما من التاريخ البشريّ، وكذلك هو ثمرة تفسير أسطوري – ديني للعالم ينتمي لعهد الطفولة البشرية؛ وقد تولى العلم الراهن مسؤولية تعريته ووضع في حجمه الواقعيّ.
في الكون:
مادة وطاقة فقط.
ما هو لامادي أو لاطاقي، ببساطة، لا حضور له، فهو شيء أجوف فاقد للمعنى.
فيما لو نقم بإلغاء المادة والطاقة، ماذا يبقى؟.
لن يبقى شيء إطلاقاً، سيقول المؤمنون بأنه يبقى (تبقى) الروح، حيث لا يعرف واحدهم ما يعني شيء كهذا.
أثبتت الفيزياء الكوانتية وجود وقائع لا سبب لها (تخرق قانون السبب والأثر)، ففي لحظة محددة، يظهر بوزيترون وإلكترون في الفراغ، يُنهيا بعضهما البعض بالتبادل خلال فترة تواجدهما وهي فترة زمنية متناهية في الصغر قيمتها 10 قوة -20 ثانية.
لا يدعو أيّ سبب للإعتقاد، كما اعتقد أرسطو، بوجود سبب أول وهذا السبب الاول هو الله؛ فقد أثبتت الفيزياء الكوانتية، بوضوح، بأنه في الفراغ يمكن ظهور وقائع لا مُسبّب لها. بالتالي، ليس ضرورياً وجود مسبب أول لواقعة ما بعينها.
في الواقع، قد انبثق الكون من لاشيء منذ 15000 مليون عام، حيث خُلِقَت المادة والطاقة، هي واقعة غير مُسبَّبة. بكلمات أخرى، الكون عبارة عن واقعة أو حادثة دون سبب فقط.
لا يوجد أيّ كائن علوي خلق هذه الواقعة، فكرة الله ليست ضرورية لتفسير أصل الكون، ولا وجود لأيّ سبب نهائيّ أبداً. لا يمتلك الكون أيّة نهاية، لا يُوجههُ أيّ كائن علوي نحو أي هدف، وجود الكون محال كحال عدم وجوده، هو محال حال وجوده وحال عدم وجوده.
الخوف والجهل والخرافة، فقط، تدفع بعض الناس، للآن، لتواصل الإيمان بوجود الله، باعتباره كائن لامادي وخالد؛ في الوقت الذي أوضح فيه العلم ومنذ 100 عام بأنه ببساطة لا وجود لشيء اسمه لامادة، بالتالي، فكرة الله عبارة عن كذبة.
كما قال دينيس ديدروت:
بالنهاية، سيتوجب عليهم إعطاء السبب للسبب.
بالتالي، الإيمان هو البرهان للمغفّل!!!
2.29. تطوُّر أسطورة الإله
آخر الأبحاث حول مدونات العهد القديم، وبنفس الوقت المكتشفات الأثرية المحققة من قبل فريق بجامعة تل أبيب، تُمكننا اليوم من الإحاطة بتواريخ العهد القديم، وبالتالي، التوراة، كإستقبال الإسرائيليين لأرضهم كهدية من يهوه.
لفهم قواعد هذا التأكيد، يجب الرجوع بضع سنوات للوراء، و تحديداً للعام 1999، حيث أعلن الأستاذ زئيف هيرتزوغ من جامعة تل أبيب:
"الإسرائيليون لم يكونوا إطلاقا في مصر، ولا تائهين في صحراء سيناء، ولم يربحوا الأرض عبر غزو عسكري، فلم تكن تلك الأرض ممرا للقبائل الاثني عشر".
كضربة قاضية، وإضافة لعدم وجود إشارة لجهنم أو الجحيم – في العهد القديم - أكّد هرتزوغ بأنّ "الإله اليهودي لديه زوجة، وإسمها الإلاهة عشيرة".
يستنتج هرتزوغ بأن مملكة داوود وسليمان لم تكن أكثر من ممالك قبلية بالغة الصغر، في حال وُجِدَتْ، وهي أسطورة لا أكثر ولا أقلّ!
خلقت إستنتاجات هرتزوغ، تلك، الكثير من الأعداء بين المؤمنين يهود و مسيحيين، لكن، لم يتراجع هرتزوغ قيد أنملة.
قدّم هرتزوغ أدلة على أن اليهودية لم تعرف التوحيد قبل العام 600 قبل المسيح، ما يشكل تجديفاً حقيقياً تجاه قصة موسى التي تعود للعام 1200 قبل المسيح، وفق الرواية الدينية.
بالإضافة لكل ذلك، يؤكد زميله إسرائيل فلينكشتاين، بداية، بأن اليهود لم يكونوا سوى كنعانيين رُحَّلْ وقد انشغلوا بالتجارة مع سكان المدن الكنعانية، حيث تُبيّن الدراسات الأثرية مثلا أن مدينة القدس لم تمتلك أية أهمية قبل العام 722 قبل المسيح.
أن يهوه، الذي يقول أنه الإله الواحد، مع إمتلاكه لزوجة ما هي الا عشيرة، يجعل هذا الإدعاء مليئاً بالتضليل الديني.
أثار إستخدام إسم يهوه، بصفته الله، جدلاً دائماً، يهوه او جيهوفا، الذي يعني "أنا أكون" أو "أنا أكون الذي أكون"، هذا جزء من السر بأنه إسم الإله الذي لا يستطاع قوله.
عند التحقق من الربة أو الإلاهة عشيرة كزوجة للإله، يقود هذا للبحث عن الهوية الحقيقية ليهوه و يجب إيجاد الإله الذي تعتبره اليهودية، كما المسيحية، خالقاً للكون الإله الحقيقي الوحيد.
نستطيع ان نسلك درب الإلاهة عشيرة، من أجل ذلك لنرى إلاهة أخرى، هي عشتروت، يتضح معناه بمتابعة النص، في حين تبدو عشيرة كشيطانة في العهد القديم تقريباً، عشتروت إلاهة مهمة وفق أساطير شرق البحر الأبيض المتوسط:
بالنسبة للسومريين، إنانا الإلاهة التي أحبها الإله آنو، وهي صورة مهمة في الأساطير السومرية. أما بالنسبة للآشوريين و البابليين فعُرِفَت باسم عشتار.
سميت عشتروت، كذلك، من قبل الكنعانيين، وهي ذاتها أفروديت عند اليونان، وفينوس عند الرومان. بالمقابل، المكافيء الأكثر أهمية الإلاهة المصرية إيزيس زوجة الاله حورس اله الحرب ورُمِزَ لها بصورة بقرة.
عشيرة، عنى إسمها "التي تمشي على الماء"، هي قرينة الإله الأكبر إيل، والتي عرفت أيضا بالإلاهة إيلات، وبحسب التقليد هي قرينة الإله إيل و أم لحوالي 17 إله، وذات صلة بالإله بعل، ويحكى أنها عملت كوسيط بين إيل و بعل.
بحسب كتابات فينيقية في رأس شمرا – العام 1400 قبل الميلاد - الإله الأهم بين الآلهة هو الإله إيل.
زوجته عشيرة من البحر، ويأتي بعد إيل، الإله بعل، وهو إبن إيل وعشيرة والإله الأكثر أهمية، الغريب بالموضوع أنّ قرينة بعل هي أمه عشيرة، بحسب التقليد اللبناني، كافأ الإله بعل الإله جوبيتير.
في مدونات سورية عن الإلاهة عشيرة، تظهر بقبعة تشبه رأس بقرة، ظهرت بعلات كإلاهة مهمة جدا في بيبلوس – جبيل - تظهر أيضا مع قرون، بدت بعلات على شكل الإلاهة عشيرة حين كانت مع بعل.
ماذا يقول كل هذا عن شخصية يهوه؟
يعطي العهد القديم صورة غامضة عن هذا الإله، لكن، على ضوء إكتشافات هيرتزوغ، نستطيع رؤيته عن قرب أكثر.
في سفر الخروج 6: 3 "وانا ظهرت لابراهيم واسحق ويعقوب باني الاله القادر على كل شيء و اما باسمي يهوه فلم اعرف عندهم".
يعني، الساداي أحد تحولات الإله الموجودة في الكتاب المقدس، الإله الذي يخرج من الجبال.
يوجد تحولات أخرى في الكتاب المقدس مثل إيل علام، إيل إليون، إيل روي – الإله الخالد، الإله الأكبر، إله الوحي –
عبر إكتشافات هيرتزوغ وإختبارات العهد القديم، التقاليد السومرية والفينيقية و الكنعانية، نستخلص بأن الإله في العهد القديم هو:
إشكور، هو حدد، هو الساداي، هو بعل، هو يهوه – بعل الكنعاني إشتهر باسم مولوخ-
هذا يعني بان اليهودية ذهبت من الشرك إلى التوحيد، ثم من التوحيد بإله إلى مجموعة آلهة، كما كان معروفا تحت أسماء كثيرة إلى القادر على كل شيء يهوه الذي إسمه لا يمكن إذاعته.
في النهاية..... إشتقاق إسم إسرائيل هو على الشكل التالي:
- إس= إيزيس إلهة مصرية
- را= رع و هو إله مصري
- إيل = إيل و هو إله فينيقيّ
بات واضحا أن الرب، الذي من المُفترض أنّه قد وهب أرضاً موعودة لشعبه المختار:
هو إله بين مجموعة آلهة!
(3 بـ 1!)
وقد تحوّل وفق التطور الديني العجيب إلى القادر على كل شيء الوحيد خالق الكون!!!!؟؟؟؟
ملحوظة: في الواقع، لدى بحثنا عن معنى "إسرائيل" يُنسَفُ هذا التقسيم الثلاثيّ لإسم إسرائيل! فهذا الإسم، في العمق، لا يختلف عن جميع أسماء ما يسمى "ملائكة" في الكتب الإبراهيمية المقدسة والتي لها جذور فينيقيّة آراميّة سريانيةّ، ولاحقاً، عبرية!
3.29. أوائل الكائنات البشرية، الأسطورة خلف آدم وحوّاء
بحسب الأديان الإبراهيمية الثلاثة، آدم وحوّاء أوائل آباء البشر، سنعمل على نحليل هذه القصّة وتبيان علاقتها بأساطير أخرى بالإضافة إلى أثرها على الحياة الراهنة.
هناك قصتان في سفر التكوين حول كيفية وصول آدم وحواء إلى العالم.
تقول النسخة الأولى، التي تعود غالباً للفترة الممتدة بين 600 – 400 ق.م، بأن الله خلق الكائنات البشرية، بما فيها رجل وامرأة "على صورته وشبهه"، في اليوم السادس من الخلق.
فيما تقول النسخة الثانية، الأطول والأقدم بعدة قرون غالباً، بأن الله قد خلق آدم من الغبار ونفخ "نَفَس الحياة" في فتحتي أنفه. ثُمَ خلق الله الحيوانات كي لا يبقى آدم لوحده. مع ذلك، رأى الله بأن آدم قد احتاج إلى قرين بشريّ، فنوَّمَ آدم واخذ جزء منه ("ضلع" في الرواية التقليدية)، وخلق منه حوّاء.
أصل ضلع آدم ونسخته السومرية
قد تجد قصة خلق حوّاء من ضلع آدم أصلها في قصّة سومرية قديمة.
تُشير هذه القصة إلى أنه بعد أن تناول الإله إنكي ثمانية نباتات، تعود لزوجته الإلاهة ننهورساج، فاستحق لعنتها التي تسببت بمرض ثمانية أجزاء من جسده. وعندما اقترب إنكي من الموت المحقق، أقنعت الآلهة ننهورساج بمساعدته، فخلقت ثمانية إلاهات شافيات. الإلاهة التي شفت ضلع إنكي هي نينتي، والتي يعني اسمها "سيدة الضلع" و"سيدة الحياة". في الأسطورة العبرية، يُسمي آدم المرأة المخلوقة من ضلعه حوّاء، ويعني اسمها "حياة". في الغالب، أثرت القصة السومرية بالقصة العبرية، والتي تحولت إلى قاعدة لنسخة خلق حوّاء القائمة في الكتاب المقدس.
حديقة عدن والسقوط
عاش آدم وحواء في الحديقة / الجنّة المسماة عدن، التي خرج أربعة انهار منها لسقاية العالم. كجنان أرضية في أساطير المشرق ذو المناخ الجاف، كانت عدن مكاناً خصيباً قد لبّى جميع احتياجات آدم وحواء. وضع الله قاعدة واحدة للحياة في تلك الجنّة: قال لهما بألا يتناولا فاكهة "شجرة المعرفة".
أقنعت الأفعى الذكيّة حوّاء بتناول الثمرة المحرمة، وبعدها جرَّبَ آدم الثمرة كذلك. بناء على هذا، دخلت حواء، مع آدم، في مرحلة ارتكاب الخطيئة وفقدان البراءة. خجلاً من عريهما، تسترا بأوراق الشجر. طردهم الله من جنّة عدن. ومن هنا، بدأت قصّة البشرية. اشتغلا بمثابرة للبقاء على قيد الحياة. في النهاية، أدركهما الموت بعد أن أنجبا أبناء، قابيل وهابيل بداية. بحسب التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي، ينحدر كل البشر من أبناء وبنات آدم وحواء.
سياق أسطورة آدم وحواء
تمتلك الاديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام نسخها الخاصة من أسطورة آدم وحوّاء، كذلك أفكارها الخاصة حول معانيها. في الفكر والاعتقاد المسيحي، يوجد ثلاثة أجزاء هامة للقصة هي الأفعى والسقوط وفكرة الخطيئة الأصلية.
يعتقد المسيحيون بأنّ الأفعى هي تمثيل للشيطان، كملاك ساقط متمرّد والمسؤول عن كل الشرور. في التراث المسيحي، تسبب إحساس الشيطان بأنه متساوي مع الله، بقيام الأخير بطرده من السماء. ثم يُقنِعُ حوّاء بارتكاب الخطيئة المتمثلة بتناول ثمرة شجرة الحياة المحرمة.
يرمز السقوط إلى طرد آدم وحواء من جنّة عدن إلى عالم الحياة البشرية الرتيبة والناقصة، والمسمى عالم السقوط في بعض الأحيان. يُفسِّرُ بعض الأشخاص السقوط بخرق قاعدة التناغم التي حضرت في الوضع الاصلي للوجود، قبل بدء التاريخ، فقد عاشت الناس بتناغم مع الآخرين ومع الله ومع العالم الطبيعي.
ترتبط فكرة الخطيئة الأصلية بشكل كبير بفكرة السقوط. ظهرت هذه الفكرة من خلال كتابات القديس بولس، في العهد الجديد من الكتاب المقدس، وفي كتابات لاحقة لدى متأثرين ببولس. بحسب هذه الفكرة، يُعتبر كل مُتحدِّر من آدم وحواء مُرتكب للخطيئة، فلا احد يُولَدُ بريئاً ومتحرراً من هذه الخطيئة.
تُستخدمُ قضية خلق حواء من ضلع آدم لتبيان أهمية الرجال وتفوقهم على النساء. فالمرأة هي مجرّد ضلع مخلوق لرفقة آدم، وبالتالي، لا يتمتعان بالمكانة ذاتها. مع ذلك، يبدو أن هذا التفسير هو عبارة عن ترجمة خاطئة للنص العبريّ. فكلمة "ضلع" هي في الواقع كلمة عبرية تعني "جانب". يعتقد بعض حكماء الكتاب المقدس بأنّ آدم هو شخص ثنائي الجنس – أي رجل وامرأة معاً – وبالتالي خُلِقَت حواء من فصل "الجانب" الأنثوي عن أوّل كائن بشري ذكر. لا يوجد أيّ دور للأضلاع في هذه القصّة. كذلك تأثير حوّاء على آدم ومشاركته بتناول الثمرة المحرمة يكون وراء اتخاذ بعض البشر لمواقف سلبية تجاه النساء بالعموم.
الخجل والخضوع في قصّة آدم وحوّاء
يظهر الإثنان بحالة عُري في جنّة عدن، تكللهما البراءة والطهارة في عالم لا خطيئة فيه. مع ذلك، ما إن يُدخلا الخطيئة إلى هذا العالم، يشعرا بوجوب ارتدائهما لجلود حيوانات، ويُشيرا للإحساس بالخجل. يتفاقم هذا الخجل بعد صدور الاوامر الإلهية بالطرد من جنة عدن. يُشكِّل الخضوع لله موضوعاً هاماً. فعدم سماع كلام الله بعدم الاقتراب من الشجرة قد دمَّرَ حياة آدم وحواء المميزة في عدن. ما هو أسوأ، أن يُدان باقي البشر بالخطيئة والعيش في عالم معتلّ. في الأدب أو في الفنّ، تُمثّل التفاحة الثمرة التي تناولتها حوّاء، على الرغم من عدم الإشارة لنوع الثمرة في الكتاب المقدس.
آدم وحوّاء في الفنّ والادب والحياة اليومية
على مدار قرون، خلال انشغال الفنون بالأفكار الدينية، شكلت قصة آدم وحوّاء موضوعاً مفضلاً. فقد رسم ميغيل آنجل عملية خلق آدم وحواء والسقوط في كنيسة سيستينا روما في بدايات القرن السادس عشر.
رسم آخر شهير لآدم وحواء قد رسمه الفنان الالماني ألبرخت دورر العام 1504.
بالعموم، استخدم الفنّانون بجميع الحقب الثمار والأفاعي كرموز للإغواء والشر.
على هامش قصة الخلق والسقوط في سفر التكوين، يوجد القليل من المعلومات حول آدم وحوّاء في الكتاب المقدس. أضافت كتابات أخرى، مع ذلك، تفاصيل حول قصتهما.
نجد بين تلك الكتابات "حياة آدم وحواء" كسيرة ذاتية وتعود للفترة الممتدة بين 20 ق.م و70 ميلادي، وفيها رواية لافتة عن السقوط وعن آلام آدم وحواء بعد ترك عدن.
الكتابة الادبية الأشهر حول قصة آدم وحواء هي قصيدة بكتاب الفردوس المفقود، التي كتبها الشاعر الإنكليزي جون ميلتون والمنشورة العام 1667.
كذلك، خلقوا تفسيرات أخرى حديثة لأسطورة أدم وحواء، وتتأسس على المعرفة الشعبية للقصة الأصلية.
فقد كتب مارك توين كتيباً بعنوان "يوميات آدم وحواء" في العام 1906 وهو قصة ساخرة من الحوادث العائلية.
منذ العام 1940، ظهرت قصص الخيال العلمي التي انعطفت بالقصة الأصلية باتجاه جديد، حيث تحدث كارثة ما تقضي على أغلب البشر ويبقى زوج على قيد الحياة (ويسمونهم أحياناً آدم وحواء) ويتوقف عليهما مصير النوع الحيّ.
قصة آدم وحواء، هي مصدر العبارة الشائعة، التي تقول "ثمرة مُحرّمة"، وتُشير إلى شيء مُغرٍ لأنه من المفروض بألا يحصل الشخص عليه. رغم حضور الكثير من أنواع الثمار في عدن، فقد إختارت حوّاء ثمرة شجرة الحياة، بالتحديد، لأنّ الله قال لها بألا تتناولها.
4.29. رمزية الإلاهة إنانا
احتلت الإلاهة إنانا مكانة خاصة مميزة في العراق القديم.
اعتُبِرَت، تقليدياً، ملكة مجمع الآلهة السومريّ.
كذلك، هناك مَنْ اعتقد بأنها إلاهة للحبّ والخصب والوفرة والحرب.
ارتبط إسم إنانا بأسماء كثيرة أخرى، مثل نينانا (إلاهة السماء) ونينسإنانا كشخصية مجسدة لكوكب الزهرة.
عرفها البابليُّون بإسم عشتار الكبرى.
تصفها أساطير عديدة منذ أقدم العصور بأشكال متقلبة. فهناك من اعتبرها مسكونة بروح الانتقام، سيما مع عشاقها السابقين أو المُستبعدين.
كذلك، اعتبروها أنانيّة ومغرورة، حيث تظهر في ملحمة لتشرح قرب نهايتها.
فلم تعد راضية عن العالم الذي عاشت فيه.
وهو ما دفعها إلى الهبوط إلى أراضي شقيقتها في العالم السفلي:
مُحاوِلةٌ الإستيلاء على السلطة فيها.
بعد كشفها من قبل شقيقتها إرشكيغال، تحولت إنانا إلى جّثَّة. على الرغم من قيام شقيقتها بإنقاذها في النهاية، وهي المحكوم عليها بلعنة زوجها لكي تقضي 6 أشهر من كل عام في ذاك المكان البائس. ويعود هذا لأنّها لم تشعر بظهور إشارات كافية من القلق على غيابها أو إختفائها.
كذلك، لا تُعتبر إنانا إلاهة للسماء، فقط، لأنها مرتبطة بكوكب الزهرة؛ فقد أكسبها غضبها ربوبيّة الأمطار والأعاصير.
وبالتالي، لإنانا، بوصفها رمز، معنيين:
قوّة ناشرة للخوف (سلطة مثيرة للرعب) + ضعف مُعيب (نَقْصٌ مُشينٌ).
على الرغم من تنكبها لمهام الحُكّام المَهِيب الجانب، إلا أنّ ضعفها قد تمثَّلَ بسرعة مللها من عشاقها الكثيرين وهو ما قادها إلى الهاوية.
إنانا في الأسطورة
أشارت الشاعرة الأكادية إنخيدوانا، والكاهنة العُظمى، إلى رموز إنانا بإعتبارها إلاهة على رأس قائمة الآلهة السومرية.
أهم الآلهة الباكرة، هي:
إنانا، آنو، إنكي وإنليل.
آمنت الناس بحماية الآلهة للملوك زمن المعارك وفي العمل السياسيّ.
جعلت إنانا مسكنها في معابد وهياكل المدن.
لكن، مقرها الرئيسيّ في معبد إينا في الوركاء أو أوروك بالعراق القديم والشهير باسم "بيت السماء".
تحضر الإلاهة إنانا في الكثير من أساطير العراق القديم أو بلاد الرافدين.
إحداها أبكر أسطورة خلق، أسطورة إنانا وشجرة الهولوبو.
أسطورة أخرى هي إنانا وإله الحكمة.
بعد الحصول على الهدايا من إنكي، إله الحكمة، جلبت الثقافة والمعرفة لمدينة أوروك.
اشتهرت إنانا بامتلاكها لطموح شخصيّ.
يُبيِّنُ الدكتور جيريمي بلاك إرتباط رمزية إنانا بملوكها المفضلين خلال المعارك وبشهوتها تجاه السلطة.
عبادة إنانا
هي من أهم آلهة المجمع السومريّ، انتشرت معابدها في نيبور (نفر)، شوروباك، لجش، أور وزابالا (تل أبزيخ).
انتشرت عبادتها في منطقة الرافدين العليا في المملكة الآشورية، في مدن نينوى، أربيلا (أربيل) ومدينة آشور.
كذلك، أصبحت إنانا "عشتار" الأهمّ وجرى الإعتراف بها على نطاق واسع.
بل تجاوزت مكانتها مكانة الإله القومي آشور في المجمع الآشوريّ.
حدث هذا خلال فترة حكم آشوربانيبال.
أذابت الإلاهة إنانا عدد من الآلهة المحلية، في شخصيتها، جرّاء بروز دورها وهمينتها.
بين تلك الآلهة:
إلاهة النور الأكادية أنونيتو، إلاهة غابات الأرز في جبال لبنان إيريني والإلاهة المُحارِبة أغاسايام.
أولئك الذين ناهضوا التقاليد الجنسية (الذكورة والأنوثة)، اتبعوا، بصعوبة، الإلاهة إنانا.
تبنى بعض الكهنة، الذي خدموا في معابد إنانا، أسماء أنثوية.
جوانب شخصية الإلاهة إنانا
يُرافقها الأسد، دوماً، ويدل على شجاعتها.
فالمعنى الرمزي لإنانا، بركوبها على الأسد، هو إظهار لتفوقها وقوتها.
في زمن الحرب، تُظهِرُ تفوقها من خلال إرتدائها للباس رجل مُسلّح بقوس وسهام.
لجأت لتسليح نفسها ووضعت لحية لتظهر كرجل.
في الحب والسلوك الجنسيّ، تُشيرُ إنانا إلى ممارسة الجنس خارج العلاقة الزوجية.
فهي غير مرتبطة بالأمومة ولا بالزواج.
على الرغم من إسهامها في الزواج المقدس، فهي لا تأثير لها على الزواجات البشرية.
فهي تمارس حريتها بعمل ما يحلو لها، دون الإهتمام بالعواقب.
في الواقع، هي تتلاعب بالآخرين لمحاولة حلّ مشاكلها.
إنانا – الإلاهة الصامدة
حتى عندما حلَّت الآلهة العليا محل الإلاهات، خلال حكم الملك حمورابي في بابل، صمدت إنانا وبقيت.
فيما لم تصمد إلاهات أخرى، جرى تبني إنانا تحت إسم عشتار، إلاهة الجنس والحرب لدى الآشوريين، وهو ما ساعدها في الحفاظ على مكانتها.
إعترفت الناس بإنانا ومكانتها على نطاق واسع. فقد رغب كثيرون، ذكور وإناث، بخلق علاقة معها.
عمل الجميع، ذكور وإناث، في معبدها وتوزعوا بين خَدَم وكهنة وعاهرات مقدسات.
خدمها البعض لأجل عظمتها.
وهو ما حولهم لمؤمنين بها لوقت طويل حتى بعد إندثار معابدها.
القلائل الذين بقوا يتذكرون إسم إنانا:
ربطوا بينها وبين نجوم الصباح والمساء.
رمزية الإلاهة إنانا
عبدت الناس الإلاهة إنانا وهلَّلَت لها، حتى لو كانت مصدراً للذعر؛ عملوا على إستعطافها لتحقيق الخصب أو زيادة عدد المواليد.
يُشيرُ رمزها الأساسيّ إلى الزراعة.
فهي تتحكم بالوفرة والخصب.
في الواقع، أدخلتها الناس في إحتفالات الأعراس السومرية القديمة، التي أجريت في حفل رأس السنة السومرية الجديدة، الذي شمل طقساً مقدساً تمثل بالطلب من إنانا لتبارك العرسان الجُدُد بالخصب والوفرة.
بناءاً عليه، رمزها ذو الشكل الحلزوني أو على شكل عقدة متشابكة مصنوعة من القصب:
يتحدث عن هذا الإرتباط بعملية التكاثر في الطبيعة.
في مجتمعات العراق القديم، نظرت الناس إلى إنانا كرمز للألوهة ولهيمنة الطاقة الأنثوية وقدرتها على ضمان حدوث الخلق.
اعتبروا "حزمة" القصب رمزاً مقدساً لأسباب كثيرة، لكن، يعود ما يربطها بإنانا إلى أسطورة معينة.
عندما خطَّطَ إنكي لإبادة البشرية بطوفان عظيم، فبنت إنانا سفينة كبيرة بإستخدام القصب – يمكن العودة إلى سفينة نوح لتحقيق فهم أوضح!
رغم نقمتها وغضبها ونهمها، عبدت الناس إنانا لأجل إنقاذ البشر.
حيث لعبت دوراً في التسبُّب بهطول المطر وهبوب الريح وخلق الطقس الجميل، فاعتبروها نهراً للحياة.
مظهر إنانا الثقافي
دوماً، جرى إعتبار إنانا إمرأة شابّة، في العشرينيات من العُمر.
صوروها، في الغالب، كحزمة من القصب أو كبوابة مفتوحة على الخصب والوفرة والتكاثر.
شكَّلَ مظهرها العاري رمزاً للخصوبة والأنوثة.
في جميع الأحوال، عاش القصب في المياه، ويعني أنها ارتبطت برمزية النقاء والطهارة، حتى لو أنّ سلوكها لم يتسم بنقاوة كاملة على المستوى الشخصي.
كما جرى التنويه أعلاه، من خلال الإشارة إلى سفينة نوح (في المسيحية واليهودية)، طورت ثقافات قديمة عديدة قصصاً طالت الخلق وشكَّلَ انبثاقها من الماء إثر حدوث الخراب معلماً أساسياً.
ولهذا، ربما، إعتبروها إلاهة قويّة ومُهيمنة.
إضافة للحفاظ على البشرية والسفر عبر أنهار العالم الكبرى، رَمَزَت هذه الإلاهة لأشياء عمومية ونوعية أكثر، ويمكن تفسيرها جميعاً من خلال حزمة القصب.
غنَّت (أنشدت، ابتهلت) الناس للإلاهة إنانا طلباً للحماية والطهارة والخلاص والنقاء.
تتقاسم المواضيع أرضية مُشتركة، تتمثل بالمياه، كعنصر هام جداً لحياة البشر.
بالتالي، ترتبط حيواتنا (وحيوات قدماء العراق الذين خلقوا صورتها) بجميع القصص والأساطير المتصلة بالإلاهة إنانا وبالمياه.
بالإنتباه إلى رمز اللولب أو الحلزون في صورها، فإنّ من عبدوها قد اعتبروا هذا الرمز تمثيل لتدفُّق الحياة الطبيعي.
إنطلاقاً من المركز باتجاه الخارج، يجب على الناس تعلُّم النموّ والتطوُّر دون نسيان بذرة أو نواة الروح.
5.29. الإله إيل
منذ سنوات، طُرِحَتْ، في منتدى الملحدين العرب (الذي توقف عن العمل منذ زمن طويل، كان إسمي فينيق)، فكرة مبنية على معلومات واردة في تفسيرات قرآنية، تعتبر أنّ الله = إيل.
لاقت الفكرة ترحيباً وإستهجاناً واستمر النقاش طويلاً؛ بل ظهر شريط خاص للردّ على الفكرة.
بعد مضي كل هذا الوقت، وبعد قراءة الكثير من المعلومات من مصادر عربية وأجنبية متنوعة؛ والأهم العثور بالصدفة، أحياناً، على بعض المعلومات الخاصة بهذه الفكرة، تظهر فرصة للاستفاضة والتوسُّع بهذا الموضوع.
من حيث الردّ على الفكرة، الحديث عن مدلول "المُصطلح أو الكلمة"؛ بهذا، يوجد أكثر من معنى "لإيل" أي يوجد كذا "إيل" لا إيل وحيد!
هناك إيل الوثني وإيل الواحد الذي هو الله!!
طبعاً، لا يخرج هذا الطرح عن ربط الله بالغيب حيث يستحيل الإثبات؛ ولا يظهر سوى الإنشاء اللغويّ الصرف.
مما لا شكَّ فيه، يوجد اختلاف بين الإله إيل وبين الإله الإبراهيميّ سواء كان يهوه أو الله، ويُعتبر هذا "تطوُّراً أو تغيُّراً أو صيرورةً" في مسيرة الإله إيل.
أهم الإختلافات:
1. الإله إيل، وفق مصادر كثيرة، هو الإله الأعلى أو الأكبر لدى الكنعانيين، ضمن مجمع آلهة ضخم. بينما حلّ الله، كما هو مثبت في نصوص الكتاب المقدس والقرآن، محل آلهة قديمة كثيرة وثنية.
2. الإله إيل، لديه عائلة وقد تزوج ولديه أبناء مثل الآلهة يَمْ وآداد و...الخ. بينما الله لا يلد ولا يُولَد وفق القرآن؛ وهذا الأمر غير واضح كثيراً في العهد القديم على الأقلّ!
3. الإله إيل، يتجسَّد في كثير من التماثيل وربما، وكما يظهر في كثير من أساطير المشرق، تختفي الحدود بين الإله والشخص أحياناً. ولعلّ الأسماء الكثيرة المُستندة إلى الجذر "إيل" أكبر دليل؛ خلال الفترة الممتدة بين 1220 – 1210 ق.م حَكَمَ مدينة إيمار الملك إيلي على سبيل المثال لا الحصر. لا يوجد تجسيد ليهوه أو لله عبر تماثيل. لكن، تستند أسماء كثيرة لجذر "الله" وربما هذه نقطة مُشتركة ذات جذر لغوي أكثر منه ديني.
في كتابه "مغامرة العقل الأولى"، يذكر فراس سوّاح أن "إيل هو كبير الآلهة الكنعانية، إنه إله السماء ورئيس مجمع الآلهة، وهو ألوهة خالقة وحافظة لخلقها، مهيبة وجليلة، مفارقة للعالم، ولكنها في الوقت نفسه رحيمة وحنونة على مخلوقاتها". ويرى إياد يونس أنه "على الرغم من أن الكنعانيين / الفينيقيين عبدوا آلهة مختلفة، إلّا أن الإله "إيل" كان أكثر آلهتهم تقديساً. وهو، أيضاً، كما تصفه النقوش الكنعانية، المتعالي، الذي يحتجب فوق كرسيّه في السماء السابعة".
سؤال: هل تحوَّلَ الإله إيل الكنعاني، تحديداً، إلى إله لليهود؟
معلومات إضافية:
الإله "إيل" أو ملك الآلهة، وهو الوصي على عرش المعبد.
يُعتبر تحريم استهلاك لحم الخنزير أهم ميزة، قد ميزت الثقافة اليهودية ويوجد دليل أثري عليها.
برز هذا، خلال بدء عملية التحول بمفهوم الإله من "إيل" إلى "إيلوهيم"، رب الأرباب أو إله إسرائيل. حُفِظَ اسمه، أيضاً، في الأسماء العبرية مثل إسرا-إيل وإسماع-إيل. كلمة إلوهيم، بالأصل، هي جمع لكلمة إيل. إلى الجنوب من بيت إيل، في وادي بيرسبا، بدأ تحول مشابه بالظهور.
يقول نورمان كوهن في كتابه "الكون، الفوضى، والعالم الآتي - الجذور القديمة للإيمان بنهاية العالم"، التالي:
في الأساطير الأوغاريتية، كبير الآلهة إيل، يصورونه كشخص مًلتحٍ أشيب. هو أبُ الآلهة وأبُ البشرية، أي أب أدم، كذلك، هو يهوه – إلوهيم شكل من أشكال "الأب" للإنسان، وأشتبه باستعارة العبريين لهذه المفاهيم من الأوغاريتيين. يسمى الله كبديل إيل أو إلوهيم (يعني هذا الأخير "إلوهيات"). بول – إيل هو أب بعل (يسمى كبديل بعل – حدد) ويام (يسمى كبديل ياو). يُربَطُ بعل بالغيوم الجالبة للامطار التي تغذي الأرض. تسمى غيوم العاصفة "رسائل رعب حدد". صوت بعل عبارة عن رعد. شقيق بعل، الذي يُنافسه ليتحكم بالأرض، هو يام (ياو)، والذي يعني اسمه "البحر"، كبديل للاسم ناهار "نهر". يكتسب اسماً جديداً من إيل، هو ياو. أشار الأستاذ كوهن إلى اشتباه بعض الباحثين بأنّ ياو الأوغاريتي قد يكون النموذج الأصل ليهوه:
"تزداد صعوبة معرفة متى وأين وكيف عرف الاسرائيليُّون الإله يهوه باضطراد. ربما، كما يقول سفر الخروج، قد كان إله ميدياني بالأصل، دخل إلى أرض كنعان على يد مهاجرين من مصر؛ أو ربما بدأ كعضو صغير في مجمع الآلهة الكنعاني بالأصل، كان إيل الإله الاعلى للاسرائيليين مثلما كان دوماً بالنسبة للكنعانيين. فيما لو نُهمل مسألة اختيار إيل في دورة بعل، "اسم ابني هو ياو"، لا تزال اهميته قيد النقاش، لا يمكن لنا تجاهل مشهد في الكتاب المقدس يعتبر بأنّ يهوه إله فرعي من الإله إيل. نقرأ في سفر التثنية 32:8: "حين قسم العلي للامم حين فرق بني ادم نصب تخوما لشعوب حسب عدد بني إسرائيل"، العلي يعني إيل الأعلى أو الأكبر أو الأسمى.
يُفهَمُ من هذا بأنّ يهوه – إلوهيم عبارة عن صُهارة وتوحيد لإله البحر وإله النهر: ياو (بحر هو يام بالعبرية) وبعل – حدد (يرتبط البعل بالغيوم والعواصف ويظهر يهوه – إلوهيم كغيمة ضمن عاصفة على جبل سيناء)، كما هو الأمر مع شخصية إيل (بُل – إيل)، أبُ بعل ويام، والبشرية (أب – أدم الأوغاريتي). فالأدم الأوغاريتي، يعني "بشرية" وحولهُ العبريون، بوقت لاحق، إلى آدم بوصفه أوّل إنسان وأصل البشرية.
لكن، في حال كان يهوه تابعاً، بالأصل، للإله إيل، فهل إعتبره الإسرائيليون، في البدء، كإله شبيه بالإله الكنعاني بعل؟ يظهر يهوه كإله للعاصفة. أقرَّ بعل، للمرة الأولى، ملكه على العالم عبر إخضاع المياه الكونية المتمردة، ورُمِزَ لها بأفعى أو تنين. تُبيّن بعض المزامير بأن يهوه يُخضِعُ المياه إلى جانب التنين ليفياتان وراحاب. كان يهوه إلهاً، مثل بعل، وجب عليه أن يصارع المياه حتى تخضع لمشيئته. كبعل تماماً، يهوه دعم فكرة عالم منظم بثبات
حدث هذا مع يهوه كذلك: فقد وصل ليعرِّف نفسه مثل الإله إيل. كان احد الألقاب الشهيرة للإله إيل هو إيليون، والذي يعني "الأعلى". في تلك المزامير، ينادى يهوه "بالأعلى" أيضاً، وسلطانه مُطلق حاله حال إيل.
أما ألبرت ت كلاي، فيقول في كتابه "أصل تعاليم الكتاب المقدس: أساطير عبرية في بابل واسرائيل":
عشيره هي زوجة إيل، ويعني اسمها "مَنْ يدوس على مياه البحر" (هي ذاتها عشيرة أو آشيرا في مصادر أخرى). يوحي إيل بولادة أبنائه على شكل "عجول" ويتحولوا إلى "ثيران" عند البلوغ. هكذا، جرى تصوير بعل – حدد، في بعض الاحيان، وهو واقف على ثور مُحرراً للإشعاعات. أطلقوا على الغيوم التي تظهر خلال هبوب العواصف اسم "عجول آداد". عندما ظهر يهوه – إلوهيم في جبل سيناء كغيمة في عاصفة، يظهر في صور أوغاريتية "كعجل" آداد. لاحظوا بأنه يُصنَعُ عجل ذهبيّ في جبل سيناء بعد ظهور يهوه بقليل على شكل غيمة أثناء هبوب عاصفة. يصنع يربعام عجلين ذهبيين لتبريك يهوه – إلوهيم في مدينتي دان وبيت إيل. أشتبهُ بأن هذا يعود إلى واقع التعاطي مع يهوه – إلوهيم بوصفه بديل "للعجل" في تجليه على شكل غيمة خلال هبوب عاصفة. كان كتبة الأسفار المقدسة المتاخرون، خلال عصر الحديد الثاني (640 – 560 قبل الميلاد) "جهلة" بالأصول الحقيقية ليهوه – إلوهيم خلال عصر البرونز المتأخر (1560 – 1200 قبل الميلاد) ولم ينتبهوا إلى أنه في الواقع لم يكن سوى خليط وانصهار للإلهين إيل وبعل – حدد مع الإله ياو / يام في الأساطير الأوغاريتية، كذلك كما يكون الإله يا / أيّا / إنكي في الأساطير الرافدية.
يرى الخوري بولس الفغالي أن الآباء البطاركة لم يرذلوا عبادة الكنعانيين، ولكن، كل ما حدث أن الكنعانيين قد ربطوا بين آلهتهم وأماكن إقامتهم، أما العبرانيون فقد ربطوا بين آلهتهم وآبائهم، فيقول عن العبرانيين في مرحلة البداوة أنهم اكتشفوا إيمان الكنعانيين بإلههم العظيم (إيل).
نصوص الألواح الأوغاريتية من شمال سوريا، و قد ذكر فيها الإله “يهوه” كإبن للإله “إيل أو عليون” و هو كبير آلهة الكنعانيين، و النص يعود للألف الثاني قبل الميلاد.
بخصوص الله وإيل واللات
وردت المعلومات التالية في "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام – الجزء السادس – جواد علي":
ويظن بعض المستشرقين أنّ (الله) هو اسم صنم في مكة، أو انه (إلَه) أهل مكة، بدليل ما يُفهم من القرآن في مخاطبته ومجادلته أهل مكة من إقرارهم بأن الله هو خالق هذا الكون.
ص 22
بحسب رينان، فعرب الجاهلية موحدون، فاعتبر بأن الشرقيين قد عبدوا الإله إيل، وقد تحرف اسمه بين لهجات مختلفة، فأُسمي بأسماء أبعدته عن الاصل، غيرأن أصلها كلها هو إله واحد، هو الإله إيل.
ص 33
الذين اعتبروا أن كلمة "الله" ذات أصل عربي، فيرون أنها أتت من "اللات"، اسم الصنم المعروف، تحرف وتولد منه هذا الاسم.
المصدر: موسوعة الاديان باللغة الإنكليزية، الجزء الاول، ص: 661، 302
إل هو اسم الله، وكل اسم آخره إل أو إيل، فمُضاف إلى الله، ومنه جبرائيل وميكائيل، فهو (إيل) إذن، إله جميع الساميين القديمين.
تاج العروس (9/410)، (لاه)، (9/374)، (اله).
ص 115
يوجد عدة آراء حول أصل اللات ومعناه .. "أن الناس اشتقوا اللات من اسم (الله)، فقالوا (اللات)، يعنون مؤنثه منه"
ص 230
وذكر الطبري أن "اللات هي من الله، ألحقت فيه التاء، فأنثت، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة".
ص 231
يوجد معلومات مثيرة كثيرة حول اللات في هذا الكتاب المهم للدكتور جواد علي. مثل أسماء ذكور تستند إلى اللات، مثل "زيد اللات" و"وهب اللات" و"عبد اللات" بين غيرها. وأقسموا باللات كذلك.
الخُلاصة
من المثير أن يُورِدَ الدكتور جواد علي، في ذات المصدر، الآتي:
هناك أسماء مثل (إل) (إيل)، يجد الباحثون صعوبة في الاتفاق على تعيين أصولها وضبط معانيها.
ص 163
ويعني هذا بأنّ اعتبار إيل = الله، سيخلق ذات الصعوبة في تعيين أصول الله وضبط معانيه.
في الواقع، ومهما كُتِبَ حول هذا النوع من المواضيع، يبدو أننا نُراوح مكاننا لجهة التعاطي مع فرضيات لغوية غير مُثبتة: وهو ما يوجب العمل على مُراجعة الإيمان ذاته بهكذا آلهة.
6.29. دراسة مقارنة بين قصتيّ الطوفان الكونيّ البابليّة والتوراتيّة
يوجد تشابه واضح بين قصتيّ بابل والكتاب المقدس حول الطوفان الكونيّ.
تعتبر هذه القصّة حقيقية عند المتدينين، وهي ترجمة للغضب الإلهي ولأحد أشكال العقاب لديه. حيث اختار شخصاً بعينه وأمره ببناء سفينة وتحميلها بكل أنواع الحيوانات وبعض الأشخاص، الذين يختارهم هو.
لن نخوض بمسألة وجود دليل علميّ على حدوث ذاك الطوفان؛ فسنخصص هذا المقال لإجراء مقارنة بين كلا الروايتين / القصتين، وقراءة آراء من يؤمنون بواحدة منها أو بكلتيهما. كذلك، سيتضح تناقض الآراء لكل فريق بناءاً على ما نعرفه بالوقت الراهن.
تقصّ علينا رقيمات أثري، عثروا عليها في مدينة أور (الواقعة بجنوب العراق)، كيف أنّ الإله البابلي إنليل، قد انزعج جرّاء تسبُّب البشر بإحداث ضجيج متواصل، وهذا ما دفع الآلهة الأخرى لتحميل كل إنسان في الأرض مسؤولية ما يجري، وبالتالي، يجب العمل على إبادته، كذلك، وقع جزء من مسؤولية الضجيج على الحيوانات البرية والطيور، ومن هنا، وُلِدَ إقتراح إلهي لتحقيق طوفان كونيّ يلغي كل هذا الضجيج، وحده الإله إيا أو يا Ea (المكافيء للإله إنكي السومريّ .. طبعة آكادية بابلية)، قد اعترض على هذا الإقتراح / القرار الإلهي، حيث يقول لأوتو - نبشتم بأن يبني سفينة لإنقاذ بعض البشر وبعض الحيوانات.
نستعرض جزء من ملحمة جلجامش (اللوح الحادي عشر) وفق ترجمة نانسي ساندارز (مع تضمين نصوص توراتية تحتفظ بعلاقة مع هذا الجزء)، وفق الآتي:
"يا جلجامش سأفتح لك عن سرّ محجوب، سأطلعك على سر من أسرار الآلهة: شروباك .. المدينة التي تعرفها أنت والواقعة على شاطيء نهر الفرات. إنّ تلك المدينة، قد تقادم العهد عليها، والآلهة فيها، فقررت الآلهة العظام إحداث طوفان، وقد زينت قلوبهم لهم ذلك، لقد اجتمعوا ومعهم "آنو" أبوهم و"إنليل" البطل مشيرهم و" ننورتا " مساعدهم (وزيرهم) و "أنوكي" حاجبهم. وحضر معهم "نن – ايكي – كو" أي "إيا"، فنقل هذا كلامهم إلى كوخ القصب وخاطبه: يا كوخ القصب! يا كوخ القصب، يا جدار، يا جدار! اسمع يا كوخ القصب وافهم يا حائط! يا رجل شروباك، يا ابن "أوبارا – توتو"! قوِّض البيت وابن لك فلكاً (سفينة) (راجع سفر التكوين 6 / 14)، تخلّ عن مالك وانج بنفسك، انبذ الملك وخلص حياتك! واحمل في السفينة بذرة كل ذي حياة. (راجع سفر التكوين 6 / 19- 20). والسفينة التي ستبني، عليك أن تضبط قياسها: ليكن عرضها مثل طولها (راجع سفر التكوين 6/15) ولما وعيت ذلك، قلت لربي "إيا": "سمعاً يا ربي سأصدع بما أمرتني به" (مرجع 1). (هذه الترجمة من كتاب ملحمة جلجامش لطه باقر .. بتصرُّف بسيط).
يتشابه نص الطوفان بملحمة جلجامش وفي القصة العبرية بسفر التكوين كثيراً، هناك عشرين نقطة هامة مُشتركة تقريباً. ما يعني وجود إرتباط ما بينهما بوضوح وبطريقة ما.
أو بتعبير آخر:
1- قصة سفر التكوين منسوخة من قصة سابقة، هي القصة البابلية.
2- أو ملحمة جلجامش منسوخة من قصة عبرية سابقة، أي من سفر التكوين.
3- أو القصتان منسوختان من مصدر سابق مُشترك.
نجد في سفر التكوين، كما في ملحمة جلجامش، الآتي:
- لا تصف قصة سفر التكوين استياء الله من البشر فقط، بل تصف مقدار الإنحدار البشريّ نحو الشرور. وحضرت هذه الأمور، بقوّة، في القصة البابلية.
- تقرِّر الآلهة (أو الإله) تحقيق طوفان كونيّ، ساهم بإغراق الرجال، النساء، الشباب، الأطفال والصغار جداً، إضافة للقضاء على الحيوانات البرية والطيور.
- عرف الإله (أو أحد الآلهة) رجلاً حكيماً هو أوتو- نبشتيم أو نوح.
- تأمر الآلهة (أو الإله) ذاك البطل ببناء مركب خشبي مكون من عدة أقسام (يسمى سفينة أو صندوق وفق النص العبريّ الاساسيّ).
- ستُطلى السفينة بالقطران.
- تكوَّنت السفينة من مقصورات داخلية عديدة.
- لها بوابة واحدة فقط.
- لها نافذة واحدة حصراً.
- ستُحمَّلْ السفينة بالبطل وبعض الأشخاص ونماذج من حيوانات الأرض.
- ستُغرق الأمطار الأرض بالمياه.
- ستبقى قمم الجبال ظاهرة من تحت المياه.
- ستقف السفينة على إحدى قمم منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط الجبلية.
- سيرسل البطل الطيور، وبانتظام، لرؤية إمكانيّة عثورها على أراض يابسة قريبة.
- يعود طيران من ثلاثة إلى السفينة. لا يعود الطائر الثالث وكأنه قد عثر على أرض يابسة.
- يخرج البطل وعائلته من السفينة ويؤدون طقس، يقتلون أحد الحيوانات، خلاله، ويشوونه كأضحية.
- يستحب الإله (الآلهة وفق ملحمة جلجامش) الرائحة الصادرة عن الأضحية المشوية.
- مُباركٌ البطل.
- تبدو ملامح الندم جليّة عند آلهة بابل على ارتكابها هذه المجزرة المروعة (إبادة جماعية).
- يبدو إله نوح نادماً على أفعاله، ولهذا السبب، يَعِدْ بعدم العودة للقيام بمثله.
هناك بعض التفاصيل الصغيرة المُختلفة بين القصتين، هي:
- تلقّى نوح تعليماته من يهوه بصورة مباشرة، بينما تلقاها أوتو – نبشتيم بصورة غير مباشرة خلال الحلم.
- تكونت سفينة نوح من ثلاث طوابق وعلى شكل مستطيل. ويقدر الطول والعرض تقريبيا بحدود 547*91 قدم و 450*75 قدم؛ فيما تكونت سفينة ملحمة جلجامش من ستة طوابق وشكلها مربّع.
- دعا أوتو – نبشتيم أشخاصاً أكثر للسفينة: ملاَّح وبعض الحرفيين المهرة. بينما أدخل نوح عائلته (8 أشخاص). ويبدو هذا محكوما بهندسة السفينة، حيث يكفي عددهم لبناء سفينة بتلك القياسات وخلال تلك الفترة الزمنية.
- رست سفينة نوح على جبل أرارات؛ بينما رست سفينة أوتو – نبشتيم على جبل نيصير (جبل بالقرب من مدينة السليمانية في العراق اليوم). الجبلان في المشرق، ويبعدان عن بعضهما بضع مئات من الكيلومترات.
- في الكتاب المقدس، ينبثق جزء من الماء من تحت المحيطات. يدوم هطول الأمطار لأربعين يوم وأربعين ليلة، ويُعتبر تحديد المدة كأربعين يوم شاناً رمزياً كفترة الحساب الإلهي بحسب الكتابات العبرية (مرجع 2). أما في الرواية البابلية (ملحمة جلجامش) فتهطل الأمطار لمدة ستة أيام فقط.
- يُطلق نوح غراب وحمامة؛ أما أوتو – نبشتيم، فيطلق ثلاثة طيور: حمام، سنونو وغراب.
أهمية القصتين
- بالنسبة للمسيحيين المحافظين، سفر التكوين هو نص معصوم عن الزلل والخلل، نص حقيقيّ بصورة كليّة ولا وجود لأيّ خطأ بصورته الراهنة، فهو نسخة متطابقة مع النسخة القديمة الأصلية. فقد أوحى الله لموسى لكتابة الكتاب المقدس وحفظه من كل خلل. وفق ما تقدّم، حدث طوفان نوح في الواقع، وكما يصف سفر التكوين بالضبط. ربما نتج التشابه بين النص البابلي والنص العبري، في الغالب، جرّاء عاملين إثنين، هما:
الأوّل: يتحدث كلاهما عن ذات الطوفان الذي جرى في العالم.
الثاني: قصّة سفر التكوين حقيقية بالمُطلق وكُتِبَت خلال خروج اليهود من مصر. بينما جرت كتابة النص البابلي بوقت متأخِّر، وربما نسخ مؤلفه عناصر الرواية التوراتية العبرية.
كتب فرانك لوري، الباحث في معهد البحث الخلقيّ، الآتي:
"تحتوي ملحمة جلجامش على القصّة الفاسدة الساعية لتجميل الشعوب التي لم تتبع إله العبريين" (مرجع 7).
- بالنسبة للمسيحيين المُنفتحين، جرت كتابة قصة الطوفان بسفر التكوين، من قبل ثلاثة مؤلفين مجهولين، هم:
الأوّل: يهوه كإسم مستخدم للإله، وكتبها بحدود 848 إلى 722 قبل الميلاد.
الثاني: كاهن عاش قبل ذلك التاريخ بكثير، بلحظة ما بفترة 587 قبل الميلاد.
الثالث: كاتب مجهول، جمع كتابات يهوه والكاهن إضافة لكتابات كاتبين آخرين. وأضاف جملة واحدة فقط لقصته الشخصية عن الطوفان. (ربما عزرا و / أو نحميا خلال القرن الخامس قبل الميلاد).
وقد تطرقنا سابقاً لكتاب "مَنْ كتب الكتاب المقدّس؟" لمؤلفه السيّد ريتشارد إليوت فريدمان، حيث يعتبر أنّ القصة عبارة عن رواية ذات مدلول روحيّ (معنوي)، ولم يحدث أيّ طوفان كوني حقيقي.
القصة عبارة عن أسطورة قادمة بغالبيتها العظمى من قصة بابلية سابقة.
إقتبسها الإسرائيليون القدامى (الكنعانيُّون)، كتقليد شفهي، وكتبها، بوقت لاحق، يهوه والكاهن.
- بالنسبة للكثيرين من اللاأدريين والملحدين ..الخ، قصة الطوفان عبارة عن أسطورة، تصف حوادث لم تحدث قطّ؛ بغضّ النظر عمّن كتبها.
- قساوة الآلهة أو الإله، في الرواية، تجعلها / تجعله مسؤولاً عن موت الكثير من الأبرياء كأطفال حديثي الولادة وسواهم بصورة إغراق وحشيّ.
- تبيِّن الأسطورة، وفق خاصيتها الخيالية وغير المتماسكة، كيفية خلق الدماغ البشري لآلهته، وهو ما يخالف فكرة الألوهة كليّة المعرفة والعلم.
- تطورت قصة الطوفان تدريجياً، إعتباراً من الرؤية البابلية وصولاً للنسخة العبرية. فربما شكلت الرواية البابلية ذاكرة مشوّهة لطوفان قديم، قد حصل عندما طاف البحر المتوسِّط جزئياً ليصل إلى البحر الأسود منذ ما يقرب من 5600 عام قبل الميلاد.
مَنْ كان أولاً: نوح أو أوتو – نبشتيم؟
يعود تاريخ الرقيمات البابلية التي تحتوي على القصة الكاملة للطوفان لحدود 650 قبل الميلاد. مع ذلك، فقد عُثِرَ على أجزاء من القصة على رقيمات تعود لما قبل 2000 عام قبل الميلاد.
في حين تبين دراسة اللغة المستخدمة في الرقيمات، لأنّ القصة أقدم من 2000 قبل المسيح بزمن طويل (مرجع 3).
كذلك، عثروا على ترجمات متنوعة بلغات قديمة أخرى عديدة للقصة الأصلية (مرجع 4).
يرى كثير من المسيحيين المحافظين بأنّ الطوفان قد حدث بحدود العام 2349 قبل الميلاد، وأنّ رواية سفر التكوين، قد كتبها موسى بحدود العام 1450 قبل الميلاد، أي قبل موته بقليل (مراجع 5 و 8).
بالتالي، يجب أن يكون النص البابلي منحولاً ومسروقاً من قصة سفر التكوين الحقيقية والأصلية وإجراء عملية تكييف وثني لها.
وبصورة بديلة، يمكنه أن يشكّل محاولة مستقلة لتوصيف طوفان عالمي.
وهذا شيء لا يتناقض مع تأريخ الرقيمات فقط، بل يتناقض مع السجِّل الجيولوجي، وعملياً، مع كامل الدراسات العلمية التي تثبت أنّه لم يكن هناك أيّ طوفان عالمي بتلك المواصفات على الإطلاق.
يلاحظ اللاهوتيون المنفتحون الفروقات بالأسماء المستخدمة للإشارة للإله (الله)، وأنماط الكتابة المختلفة لأسفار موسى الخمسة (أوائل الأسفار الخمسة بالكتاب المقدس العبريّ)، ويعتقدون بأنّ كتابة سفر التكوين قد حصلت بمدة زمنية قاربت 4 قرون، أي منذ العام 950 وحتى العام 540 قبل الميلاد تقريباً، وعلى يد مؤلفين لمجموعة متنوعة من التقاليد العبرية (مرجع 6).
يبدو أن يهوه والكاهن، قد أسسا قصتيهما على قصتين أصليتين من مصادر بابلية، حيث حصلت مجموعة من الفيضانات بمناطق أور بحدود العام 2800 قبل الميلاد، وقد اعتبرها السكّان فيضانات هائلة؛ وربما، ظنوا أنها طالت العالم كلّه وفق تصورهم عنه بوقتها.
وكرواية بديلة، ربما أسسوا القصة على كارثة طوفان البحر المتوسط.
تضادّ
تقع الرؤية الحرفية لنص الطوفان بجملة من التناقضات، إضافة لتعارضها مع السجِّل التأريخي والأثريّ.
فلا شكّ بأسبقيّة الشعب البابلي والسومري على الشعب العبريّ (بحسب فينكلشتاين، لم يحدث أيّ عبور بأيّة لحظة تاريخية، أي لا وجود للعبريين!) بوصفه مجموعة قبائل من الرعاة وأنصاف الرعاة الموصوفين "بشرٌ لا قانون لهم، عمال وقطّاع طرق"، سواء في النصوص البابلية كما في النصوص المصرية التي أطلقت عليهم اسم عبيرو.
إضافة لأنّ الرقيمات التي تنتقد الكتاب المقدس قد ضاعت، إلى أن عثر السير هنري كريزيك رولنسون العام 1835 على أوّل نقش بتلك اللغة. وهي لغة مجهولة، ومن تلك اللحظة، وجدوا 25000 رقيماً تُشرعن النصوص التي تحتويها، وهذا ما يؤكد أن إعتبارها مزوّرة أو مسروقة عن النص العبريّ: أمراً مشكوكاً فيه.
تُعتبر الكتابة المسمارية سابقة للعبرية (القرن العاشر قبل الميلاد)، بل هي أوّل لغة جرى توثيق ظهورها حتى اللحظة، ويمكننا القول بأنّ أوّل وأقدم كتابة معروفة حتى الآن:
موجودة على رقيم سيراميكي بشكل تصويري وتعود لمدينة كيش في العراق وبعمر يعود لما قبل 3500 قبل الميلاد (دائرة الآثار بمتحف أشموليان، أكسفورد بريطانيا).
هناك نصوص سابقة للكتابة العبرية، ولا تنتمي للكتاب المقدس، وجرت تسمية لغتها عبرية قديمة بين القرنين الثامن عشر والثاني عشر قبل الميلاد (هي ذاتها اللغة الآرامية).
كذلك، اللغة المسمارية أقدم من هذه اللغة.
تتطور كل كتابة جديدة من كتابة أقدم أكثر بساطة.
نعرف بأنّ المسمارية تمتلك جذور الرسم الصوريّ. وتأتي العبرية من لغة أبسط هي اللغة العبرية القديمة، التي تمتلك، بدورها، جذوراً بفرع أفروآسيوي معروف باسم اللغات الأفروآسيوية، والتي تُعتبر إلى جانب اللغة الفينيقية كمجموعة فرعية من اللغة الأوغاريتيّة القادمة من اللغة المسمارية إضافة لمصادر أخرى.
فيما لو يتمتع الأصوليّون المؤمنون بحرفية الكتب المقدس بالصدق، لتوجب عليهم الإجابة عن سبب عدم ظهور نصوصهم، عندما تواجدت النصوص السومرية على مدار آلاف الأعوام؛ ولماذا تفتقد نصوصهم لجذور لغوية قاموسية قائمة بلغات سابقة؛ لماذا لا يقوم أيّ نظام تأريخ بوضع العبرية بتاريخ يسبق تاريخ ظهور اللغة المسمارية؛ ولماذا رغم كل هذه الوقائع الموثقة:
يدعون أنّ تلك النصوص لم تتغيّر، حيث يمكننا ملاحظة تغيرات وتطور من اللغات الأقدم وصولا للعبرية.
هل هذا سحر؟!!
الخُلاصة
لا أعرف ما هو رأي القاريء بعد إطلاعه على ما ورد أعلاه. لكني إذا طبقت مبدأ "موس أوكام" فسأجد تفسيراً بسيطاً للغاية:
لا يمكن تأكيد صحّة المصادر الخيالية طالما أنّها مؤسسة على استدلالات دائريّة مكررة.
المراجع
1. Susan M. Pojer, “El diluvio – dos versiones diferentes”, HistoryTeacher.net, en: http://www.historyteacher.net/ ةste es un archivo PDF.
2. Nْmeros 14:34. En ambas culturas coinciden a la hora de usar una determinada numerologيa. Nْmeros como 3, 6, 7, 12, 40, etc. son repetidos con frecuencia.
3. Alexander Heidel, “La Epopeya de Gilgamesh y el Antiguo Testamento Parallels”. Univ. de Chicago, IL, Chicago (1949)
4. Werner Keller, “La Biblia como Historia”, W. Morrow, New York, NY, (1956)
5. Schofield Biblia de Referencia. Génesis, capيtulos 6 a 9
6. CM Laymon, ed., “El Intérprete Un Comentario de volumen en la Biblia”, Abingdon Press, Nashville, TN (1991)
7. Frank Lorey, Impact # 285: El diluvio de Noé y el diluvio de Gilgamesh “ , Instituto para la Investigaciَn de la Creaciَn , El Cajon, CA (1997) En linea en:
http://www.icr.org/pubs/imp/imp-285 . Html
8. ” Los mitos de la inundaciَn: la narrativa del diluvio de la epopeya de Gilgamesh “,( Myths of the flood: The flood narrative from the Gilgamesh epic ) en: http://www-relg-studies.scu.edu/netcours/rs011/restrict/
9. NK Sandars, traductor, “La Epopeya de Gilgamesh”, Penguin.
7.29. بين ولادة سرجون الأكادي وولادة موسى التوراتي
ولادة سرجون – حدود العام 2250 قبل الميلاد
1. أمه وولادته سرا
أمه كاهنة على قدر عظيم من الأهمية. لم يتعرف على أبيه. خَيَّمَ أشقاء أبيه في الجبل. عاش في مدينة أزوبيرانو الواقعة على ضفاف نهر الفرات.
حبلت به أمه وولدته بصورة سرية.
2. وضعه في سلة سابحة في النهر
وضعته والدته في سلة من القصب، وغطت شقوقها بمادة القار الكتيمة. قذفتها في النهر دون أن يتمكن المولود من الخروج منها.
3. العثور عليه وتربيته
حملني النهر إلى بيت أكاي – ساقي المياه، الذي نشلني من النهر وتبناني ورباني كإبن له. علمني أكاي مهنة البَسْتَنَة.
4. اكتساب صفة الملك عند الكبر
عندما عملت كبستاني، عشقتني الربَّة عشتار، وهكذا، أضحيت ملكاً لمدة سبعين عاماً.
ولادة موسى – سفر الخروج 2: 1 – 10، بحدود القرن السابع قبل الميلاد
1. أمه وولادته سراً
إبن لبيت لاوي، حملت به امرأة من بيت لاوي وولدته، ولما رأت جماله، خبأته لثلاثة أشهر.
2. وضعه في سلة سابحة في النهر
لأنها لم تتمكن من إخفائه لمدة أكبر، قررت وضعه بسلة من القصب المغطى بالقار وتركه على ضفة النهر.
وقفت أخته ترقب ما سيحل بالسلة.
3. يعثر عليه ويتم تبنيه
نزلت إبنة الفرعون للإستحمام والتنزه على ضفة النهر، رأت السلة، فأرسلت مربيتها لاستطلاع محتواها. عندما فتحت السلة، رأت الطفل؛ الذي بدأ بالبكاء. أشفقت عليه وقالت:
هذا من أولاد العبرانيين.
ثم قالت أخته لابنة فرعون:
هل أجلب لكي مرضعة عبرانية، كي تهتم بالطفل؟
فأجابتها ابنة فرعون: اذهبي واجلبيها.
فعلاً ذهبت وأحضرت والدته؛ التي طلبت إبنة فرعون منها العناية بالطفل، مقابل أن تدفع لها ثمن تربيتها له.
أخذت الطفل وأرضعته واهتمت به.
4. عندما يكبر، يكتسب وضعاً مميزاً
عندما كبر الطفل، أحضرته إلى إبنة فرعون، التي اعتبرته ابنها وأسمته موسى، فهي التي انتشلته من المياه.
الخُلاصة
القصّة الأقدم، في الغالب الأعمّ من الحالات، ذات تأثير هائل بقصّة أحدث، وإن اختلفت ببعض التفاصيل.
8.29. رؤية أدبية "للجحيم" في ملحمتي الأوديسة وجلجامش
"قضيت الأمس بين الكبار وسهرت حتى الفجر وأنا أرقب العدالة. إفتحوا لي حجب الظلام، لأنني أحدكم".
من كتاب الموتى
1. مدخل
الأبعد، أو عالم الموتى، موضوع أدبيّ خصب، قد ظهر، في المقام الأول، كنتيجة للقلق من الموت لدى جميع الشعوب.
وساهم هذا الثابت الكوني بتجمع تكوينات متنوعة مختلفة أسطورية حوله، وتحولت أوائل الأساطير الإتنو- دينية، في بعض المناسبات، ذات الطابع الشفهي مع ظهور الكتابة إلى مواضيع ناجحة، ظهر تطورها، على وجه الخصوص، من خلال الكتابة الشعرية؛ فخلدت بمرور الزمن وأثرت بتقاليد لاحقة.
بالنهاية، هكذا، كُتب التاريخ البشري، فما نكونه يعود، بدرجة كبيرة، إلى ما كانه أسلافنا، ويساهم نسيان الماضي بمواجهة مخاطر، مثل:
الخضوع لعقيدة سلطوية لا مجال لإنتقادها.
يقترح عملنا هذا إجراء مقارنة بين نصين مؤسسين ضمن نطاقيهما الثقافي والتاريخي، والتوقف عند "الجحيم" كعنصر رئيسي في الملحمتين، ليس بسبب التركيز الكبير أو القليل عليه في كليهما، بل كعنصر بنيوي يعكس، بشكل جوهري، ماهية ومعنى الملحمة.
كذلك، نغتنم الفرصة لنثبت بأنه ليس الجحيم المسيحي، رغم وجود عناصر فيه قد تطورت بوقت لاحق، ويتجلى هذا بشكل واضح من خلال الأدب اليوناني، حيث إستمر في ثقافات متلاحقة وصولا ليومنا هذا.
يكفي التذكير، على سبيل المثال، بالتقاربات بين إركالا البابلية وبين الثقافة المشرقية، حيث سيصير الشيول الشاهد على عالم ما بعد الموت في العهد القديم.
نظراً للتبعات العديدة المتفرعة عن هدف الدراسة، سنتطرق إلى الجحيم إعتباراً من مقاربة مكانية.
ما يعني، كمكان فني – باعث على التأمُّل1 في الأوديسة وفي جلجامش، بل من الأفضل حتى، كوحدة مكانية زمانية أساسية في الملحمتين، فنحن أمام إنتقال مكاني زماني، يكتسب وزناً نوعياً خاصاً ضمن الرواية، فيتحول إلى عنصر مركزي، لا يمكن الإستغناء عنه، في بنيتها وكينونتها.
الهاديس (هيدز، في بعض الترجمات، ويعني العالم السفلي) اليوناني كما العالم السفلي الأكادي أكثر من مجرد عنصر جمالي، فيما لو يقدما لنا كنصّ مصنوع من كلمات.
تفترض هذه التحديدات وجود نطاقات معينة بجغرافية خاصة، شخصيات مرافقة، قوانين خاصة، تنظيم داخلي، ....الخ، تشكل المقصد النهائي في السفرة الحياتية وتقيم إتصالات معها مثل فكرة الإنتقال، على سبيل المثال، والطقوس الجنائزية، ....الخ.
نبدأ بعد هذه المقدمات التمهيدية المشوار، على شكل مُكمِّلْ، بحيث يتوجب عرض النصوص التي تعكس الأكوان التي تسكن تلك المنظومات الشعرية بإيجاز، بما هو أبعد من خلق مبسط للخيال، دون شكّ.
إشارات مقتضبة إلى الأوديسة وزمنها
هي الجزء الثاني من الأشعار الملحمية المنسوبة إلى هوميروس زمنياً وإنتشاراً. تتكون من 24 أغنية (أنشودة)، في واحدة منها، هي الحادية عشرة بالتحديد، توفر لنا توصيفاً مفصلا وغنياً لأرض المَرَدَة أو مملكة هاديس2 وربّتها بيرسيفوني3.
دون نسيان الإبتكارات المتنوعة الفريدة، ضمن جنسها، في هذه الملحمة، والتي تشترك مع جميع الملاحم الهندو - أوروبية السابقة واللاحقة للحقبة المسيحية بسلسلة من المزايا الشكلية والموارد الأدبية والبُنى ومنحى مأساوي مشابه:
يتلخص كل هذا بظهور مشكلة، يُبحَثْ عن حل لها، ليتم العثور أو عدم العثور عليه.
تحكي الاوديسة عن مغامرات وإنتكاسات بطلها عوليس4، الذي ما إن خرج من إيثاكا، كي يشترك في حرب طرواده، حتى واجه ظروفاً قاسيةً ومخاطر لدى محاولته العودة إلى بلدته.
بمرور أعوام كثيرة بعيداً عن منزله، يتمكن أخيراً من العودة، فيجد زوجته محاطة بسلسلة من الطامعين بالإستيلاء على العرش، الذين يحاصرون قصرها ويرغبون بالزواج منها، فيقتلهم ويستعيد سلطة الحكم بالنهاية.
إثر حدوث تغيرات مفاجئة في صراع العودة إلى وطنه، يزور عوليس أرض المردة أو منطقة الموتى، حيث يقصّ بنفسه مجريات الأمور في هذا المكان إلى الملك ألثينو. نعرف، بهذا، ومن فم البطل ذاته، كيف حصل خروجه مع رفاقه من قصر الإلاهة الساحرة كيركة5 (سيرس، في بعض الترجمات؛ كيركة باللفظ اليوناني)، التي تنصحهم بالسفر إلى مملكة هاديس، حيث تتواجد أرواح الموتى وليسألوا هناك عن تيريسياس6 (أو تيرزياس) إبن مدينة طيبة.
بمجرد الوصول إلى المكان، قدموا سلسلة من الأضاحي وأراقوا الخمور للموتى، فبدأ الموتى بالقيام من قبورهم بشكل تدريجي. قدم المعروفون منهم لعوليس ورفاقه سبب موتهم التعيس، بل وفي حالات مثل حالة ألينور، دردشوا مع الزوار حتى. ولو أن هذا قد حصل عن بعد، حيث لا يمكنهم لمس الموتى ولا السماح بأيّ تماس مع الدماء الخارجة من الأضاحي، قبل العثور على تيريسياس، الذي يمكنه أن يشير لهم بطريقة العودة الآمنة إلى إيثاكا.
بعدما أنهى عوليس كلامه عن تلك الحوادث، وعده الملك ألثينو بإيصاله، شخصياً، إلى وطنه الحبيب.
حقق الهبوط إلى الجحيم (نيكيا) رضاً هائلاً لهم، حيث يحصل البطل اليوناني على نصيحة ونبوءة قد إحتاجها، ويتحول إلى أول رجل قادر على زيارة الجحيم والرجوع منه ليحكي ما رآه فيه.
حتى هوميروس ذاته، هسيود وكتاب آخرين، قد صوروا الجحيم بوصفه مكان واسع، مظلم ومنقسم إلى عدة مناطق. بالعموم، وبتطور الثقافة والأدب الهيلينستي خلال حقب مختلفة، يمكننا تقسيم هذه المنطقة المحصورة إلى مكانين مختلفين، واحد فظيع فيه بحيرات مياهها ملوثة وموحلة ويصدر عنها أبخرة قاتلة، كذلك، يوجد نهر من النار، مجموعة من الأبراج الحديدية والنحاسية، أفران حامية، وحوش وحيزبونات تلاحق الأشرار وتعذبهم؛ وآخر بهيج وهاديء، قد جرى تخصيصه "للأخيار".
وضعت تلك الشعوب حدوداً للأرض بين صخور الأطلس وسهول إسبانيا وفكَّرت بأن السماء قد غطّت هذا الجزء من العالم فقط، فيما خيم ليل أبدي ومخيف على باقي العالم.
يضع هوميروس حدود المحيط، حيث يصل عوليس بمركبه.
كما يبين لنا الأدب اليوناني ذاته، خلال تطوره التاريخي، فقد اعتقدوا بوجود تقسيم للجحيم إلى أربعة مستويات، هي:
في المقام الأول، المستوى الأقرب إلى الأرض وأسموه الإيريبو7، وفيه قصر الليل وقصر النوم بوصفه مقر للسيربيرو8، الإيرينياس والحيزبونات والموت كذلك. يقضي التعساء، الذين لم تُكرَّمُ أجسادهم في القبر، مئة عام في هذا المستوى. ويشبه الإيريبو المكان الذي وصل عوليس إليه، حيث يظهر الموتى وربما قد تحدث إليهم.
يتشكل المستوى الثاني من جحيم الأشرار، حيث يُعاقب فيه على كل جريمة بشتى أنواع العذاب. نصل إلى المستوى الثالث، الذي يسمى التارتارو وهو عبارة عن سجن الآلهة، عدا أنه يضم الأراضي والبحار الواسعة. سُجِنَت الآلهة القديمة المطرودة من الأولمب فيه على يد المنتصرين.
وفي النهاية، وكما قلنا، اعتقدوا بوجود مكان يسوده الفرح للأرواح الفاضلة المعروفة باسم الحقول العوليسية، وكي يتم الوصول إليها، من الضروريّ عبور الإيريبو.
3. الهاديس الهوميري
يُشار، بداية، إلى الرحلة كعنصر لا يمكن الإستغناء عنه لأجل الإلتقاء بالموتى، حيث لا يظهر أولئك بأيّش مكانٍ جرّاء الإبتهال أو حضور طقوس عديدة، بل لأجل إجراء إتصال مباشر معهم، ولهذا، يتوجب على عوليس الإنتقال إلى موطنه.
يحدث هذا الإنتقال عبر البحر9 والبرّ.
تحضر المياه بكل ما له علاقة بالموت. عندما نزل عوليس وصحبه من المركب، فيما اعتبروه حدّ المياه، مشوا على الأقدام حتى وصلوا إلى المكان الذي أشارت له كيركة10 (سيرس، في بعض الترجمات).
"بوصول سفينتكم إلى الشاطيء، الذي تغطيه أشجار الحور والصفصاف المقدسة البيرسفونية (نسبة لربّة الموت بيرسفوني أو ملكة العالم السفلي)، اهبطوا إلى مثوى بلوتو (زوج بيرسفوني) السحيق، الذي يبتديء عند الصخرة الهائلة، التي تتكسر عليها أمواه أكيرون وستيكس وكوكيتوس".
الأوديسة، الأنشودة العاشرة
بهذا الشكل، سيتحدد المكان الذي ستقصده الأرواح بوضوح، في موقع جغرافي خاص، يتصل بالعالم الأرضي ولكن، بعيداً عن أرض الأحياء والحضارة، يقع على حدود العالم المعروف وقتها.
بالتالي، يتم الوصول إلى الهاديس عبر إنتقال أفقي ذو تماس مع أرض مسكونة من قبل الموتى:
"عند وصولنا إلى تخوم البحر الأعظم، حيث تنهض مدينة السمريين، التي يغطيها ضباب وسُحُب كثيف، فلا تنفذ أشعة الشمس إليها. هنا، ألقينا مراسينا، وأنزلنا الخراف إلى البرّ، ثم انطلقنا إلى حيث أشارت كيركة لنا".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
مع ذلك، وفي وقت متأخر، وبعد حفر الوهدة في الأرض، متبعاً وصايا الربة الساحرة كيركة، تظهر فكرة مكان تحت أرضي، يخرج الموتى منه، في النص:
"ذُبِحَت القرابين، فسال الدم في الوهدة، وهنا، توافدت الأشباح من كل فجٍّ".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
هكذا، تختلط مفاهيم الإنتقال الأفقي والشاقولي، على مستوى مكان الهاديس على الأرض و / أو تحتها، بحيث تتضح بشكل يقلّ أو يزيد على مدار الملحمة وبتفصيل أكبر خلال الأنشودة الحادية عشرة.
لا يهبط عوليس، بل يصعد الموتى إلى السطح، ويتطلب هذا القيام بسفرة أفقية طويلة من قبل الأحياء، فيما تبدو رحلة الموتى شاقولية وقصيرة. هذا التعاقب بين مفهومي الهبوط والإنتقال البسيط ليس واضحاً رغم وجود إشارات مباشرة إليها في النص:
"أماه، لقد هبطت إلى هاديس، كي أتحدث مع الكاهن تيرزياس".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
يوجد مثال آخر حول هذه الفكرة المزدوجة من خلال وصف حاضر في الأنشودة الرابعة والعشرين يطال الدرب الذي يسلكه الموتى للوصول إلى هاديس، يرد على لسان عوليس:
"وانطلق حبيب الآلهة، فمَخَرَ عباب المحيط، وعبرت الأرواح الهائمة في إثره، وإجتاز صخرة لوكيديا، وبوابة الشمس الخالدة، ثم انطلق والأرواح الهائمة من خلفه، في تيه الأحلام، وعبر بها في مروج آسفوديل ذات الأشباح، حيث إلتقى القتلى بأرواح ذويهم ...".
الأوديسة، الأنشودة الرابعة والعشرون
كما قلنا، نجد في كل هذه المقاطع أن الماء هو القاسم المشترك. بحيث يمكن أن يظهر إرتباط لهذا العنصر بإنبثاق الحياة ويُكمل عدد من المهام المختلفة في الملحمة:
فهو بوابة الدخول إلى الهاديس - المحيط -، ويستخدم في التضرع للآلهة، كما فعل عوليس حين صبّ الماء في الوهدة التي حفرها بيديه، وهو ما يزود الماء بقدرة تطهيرية ما، رغم أنه يوجد نوع آخر من "الماء الجحيمي"، الممسوس والآسن والبارد ....الخ، أي كل ما لا يتوافق مع الحياة ويسم مكان ذو بيئة رطبة ومستنقعية ومتعفنة دون شكّ، أي نوع ماء مرتبط بالموت قطعاً.
بما يتعلق بالأماكن، التي تعبرها السفينة ومكان الرسو ومسار عولس ورفاقه المتأثر بالتيارات البحرية ومكان الهوة التي حفرها لأجل التضرع وموقع هاديس تحت تلك الهوة:
فهي تظهر على شكل توصيفات مقتضبة في الملحمة.
يمكن أن نعثر على توصيف في الأنشودة العاشرة على لسان كيركة، حيث تتحدث عن موقع هاديس الجغرافي بالإضافة إلى ذكر بعض المعلومات حول الطريق الموصل إليه عبر المحيط والساحل الذي تكسوه الأحراش الكثيفة أو إجتماع عدة أنهار. يشير باقي كلام كيركة إلى الطقوس التي يتوجب عليهم القيام بها كي يجذبوا الموتى إلى سطح الأرض، وكي يتحدثوا مع تيرزياس على وجه الخصوص.
يظهر توصيف مقتضب آخر في الأنشودة الحادية عشرة ذاتها، عندما يقص عوليس علينا ما يراه لدى الوصول إلى نقطة الإلتقاء المحددة من قبل الإلاهة الساحرة كيركة.
ترتكز الفكرة، التي نمتلكها حول عالم الموتى، على وصفه كمكان صعب ومظلم ولا تصل أشعة الشمس إليه ومستنقعي ومياهه آسنة وذات رائحة كريهة وينتشر الضباب فيه وبارد وكئيب، فهو "غير مقبول حتى للميت" وله تسميات عديدة على مدار الملحمة، مثل:
"أرض الديجور"، "موطن الحزن"، "الأرض الباردة"، "قصور هاديس المعتمة"، ....الخ، والتي تتوافق مع ما جرى ذكره أعلاه.
وصل الأمر حد إعتبار مدخل هاديس المعقد كمكان لم يكن قد بلغه أيّ إنسان حيّ ومن المستحيل العودة منه، إن استثينا عوليس، الذي يتبع تعليمات كيركة وتيرزياس:
"عوليس. هل كيركة هي دليلنا في هذه الرحلة؟ فلم يُبحر أحد إلى هاديس سابقاً".
الأوديسة، الأنشودة العاشرة
لكن، إن يكن الأمر غير سهل على الأحياء، فهو كذلك بالنسبة للموتى، الذين يحتاجون إلى دليل يوصل أرواحهم إلى "المقصد النهائي"، وهو الدور الذي يقوم به الإله هرمز11:
"وهتف هرمز بأرواح القتلى فهَمْهَمَتْ، ثم أشار إليها بعصاه السحرية، فهرعت إليه وسارت خلفه في الدروب الممظلمة نحو المقر النهائي".
الأوديسة، الأنشودة الرابعة والعشرون
بمجرد تحديد موقع الهاديس، وباتباع عوليس لنصائح كيركة بدقة، يفتح الهوة في الأرض ويريق الخمرة ويقدم الأغذية المتنوعة. بعد ذلك، يتوسل ويتضرع إلى أرواحها ويعدها بتقديم الأضاحي لدى الوصول إلى موطنه إيثاكا.
وأخيراً، يذبح حيوان فوق الهوة، حيث ينساب دمه على الأرض وتجذب رائحته ساكني الإيريبو.
ويوجد، هنا، تفصيل مهم:
بحيث يتوجب على بطلنا عوليس عدم السماح بحدوث تماس مباشر بين الموتى والدم المراق قبل أن يتمكن من التكلم مع تيرزياس، كما تنصحه الربة كيركة.
"واحفروا عندها حفرة ذراعا في ذراع، ثم صبوا في جهتها الأولى قربانا من لبن وعسل، وفي الثانية خمراً معتقة من أحسن ما تعصرون، وفي الثالثة ماء قراحا، فإذا كانت الرابعة فانثروا الدقيق فوق الجميع، واصنعوا ذلك باسم الموتى جميعاً، ثم انذروا لهم أن تذبحوا يوم تعودون إلى إيثاكا سالمين عجلاً جسداً من أحسن قطعانكم: وانذروا، كذلك، لتيرزياس كبشاً سمورياً ليس في أغنامكم أسمن منه، ثم اذبحوه ولا تدعوا الموتى يقتربون من دمه المراق قبل الالتقاء بتيرزياس".
الأوديسة، الأنشودة العاشرة
بعد القيام بهذا الطقس، يبدأ الموتى بالظهور، يُسمَعْ هدير صوتهم، يحاولون الإقتراب من الدم. هم عبارة عن كائنات "لامادية"، نوع من "الأطياف"، التي يبدو أنها لا تحتفظ بوعيها وتفكيرها السابق، ولهذا، تتواجد في مناطق مظلمة ببساطة.
يجري وصفها على مدار الملحمة بأسماء عامة، من قبيل: "رؤوس فاقدة للحيوية"، "ظلمات عابرة" أو "رؤوس قزمة". لكن، يعرف عوليس كثيرين منهم، وأمه أنتكليا منهم أو بينهم، ويسألهم فيجيبونه بشكل لطيف، كما فعلت أمه:
"أي بُنيّ، كيف أتيح لك الضرب في دياجير هذه الدار الآخرة وأنت لا تزال حيا تدب على رجليك؟! ألا ما أشق هذا على بني الموتى من أهل الدار الأولى! هنا، أنهار من حميم يدور بعضها على بعض، وقد تطغى على شواطئها بعباب حميء، ويحيط البحر الأعظم بها، الذي لا يُمخَرُ عبابه مشياً على الأقدام، بل بسفينة جيدة التجهيز".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
ينتج، بالتالي، حالة تناقض بين طريقة توصيف الموتى والطريقة التي يسلك أولئك من خلالها.
فمن جانب، يجري الحديث عن كائنات قد فقدت فهمها وذكرياتها ووعيها السابق، لكن، من جانب آخر، تتحدث بمنطق وتتبادل الآراء مع عوليس.
يبدو أن شرب دم الأضاحي يخلق التغيير، ربما يعمل هذا كرمز للحياة ويتمكن من إعادة الذاكرة والعقل إلى الموتى بشكل مؤقت على الأقل:
"ثم أقبل نبي طيبة وكاهنها الجليل، يتوكأ على عصاه الذهبية، وما كاد يحملق فيَّ قليلاً حتى عرفني وخاطبني بقوله: لِمَ غادرت الدنيا الدافئة المشرقة أيها التعيس، وأتيت لترى هؤلاء الموتى ولتضرب في ظلمات هذا العالم الديجوريّ؟! ولكن نَحِّ هذا السيف قليلاً حتى أرشف من تلك الدماء، وإني لمحدثك حديث الصدق عما جئت من أجله. ابتعدتُ وأغمدتُ سيفي وانحنى الكاهن، فعبّ من الدماء ما شاء ....".
"وتسمرتُ مكاني، أنتظر شبح أمي، التي ما كادت تتذوق الدم حتى عرفتني، وانطلقت تكلمني برفق وحنان ...".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
ينفع شرب الدم، بصورة ما، كرابط للأرواح مع عالم الأحياء فيخلق الإتصال بينها لزمن قصير، عبر استعادة غير متوقعة للذاكرة مع حياتها السابقة.
إذا أقصينا التماس مع الدم، فهي كائنات بسيطة تهيم على وجهها دون تحديد وجهة ما.
هذا المصير مشترك بين جميع الموتى وبشكل مستقل عن أفعالهم في الحياة، على الرغم من ورود نص قصير في الأنشودة الحادية عشرة، يتحدث عن نوع من المحاكمة أو الحساب.
"فلمحت بينها مينوس سليل جوف الأكبر (الإله زيوس)، وجلس على عرش للحُكم بين الموتى، وفي يمينه صولجانه الذهبي، ومن حوله، تحلقت جموع سكان هاديس، فمنهم الواقف ومنهم الجالس ومنهم المنتصب يشرح للقاضي شكواه، ويبثه بلواه، فيما إنخفضت الرؤوس وانحبست النفوس، وينتظر الموتى دورهم عند البوابات الكبيرة ...".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
كذلك، في هذه الأنشودة، يبدو مثيراً تمكُّن كائنات لا مادية من تناول أشياء مادية كالدم، بل ويجري تخويفها بشيء مادي، لا يمكنه تحقيق الأذى لها، بناءاً على الصورة المقدمة عنها.
"ورحت أنا أُقصي الأشباح الهائمة عن دم الأضاحي بسيفي أضرب به هنا وهناك ..".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
ما يمكننا إستخلاصه من النص ذاته، بما يتصل بالموتى، هو أن "وجودهم" فاقد للقيمة، مرهق وأبديّ:
تسكُّع لا معنى له.
البشر، هناك، أشباح عمّا كانوا عليه في الحياة.
مجردون من العقل، منهكون، دون ذاكرة وبلا أهداف.
بما يخص توصيف هذه الكائنات الشبحية، يوفر النص القليل من التفاصيل فقط.
"ولكنها طبيعة الموتى هنا، لا عضل ولا لحم ولا عظم لديهم، ولا ما ذهبت به النار بعد الموت في الدار الأولى ... بل هم أرواح تشبه الظلال أو الأحلام في خفتها وسرعة إنفلاتها ... ".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
يحدث ذات الأمر مع التراتبية المحتملة أو البنية الداخلية للإيريبو. يمكننا الإستنتاج بأن الموتى قد تسكعوا في تلك الأمكنة دون وجود محطات أو أماكن محددة بعينها ودون تمييز طبقي إجتماعي أو وجود مراتب بينهم.
خلال وجوده في الهاديس، يتحدث عوليس، بالإضافة إلى والدته وتيرزياس، مع مجموعة من النسوة: ثيرو، أنتيلوب، ميرا، فيدرا، ...الخ؛ ومع بعض أبطال معركة طرواده: أجاممنون، أخيل، بتروكلوس، أجاكس ....الخ؛ كذلك، مع شخصيات أخرى تحمل أسماء معروفة في المخيال الثقافي بتلك الحقبة.
لنرى بعض الأمثلة فقط:
"بينما كنا نتحدث، أتت نسوة (مرسلات من عند بيرسفوني) قد كُنّ زوجات أو بنات لذكور بارزين ... رأيت ثيرو في البداية، ثم رأيت أنتيلوب ..، ثم التقيت بألكمينة عشيقة جوف وأم هرقل الجبار،...".
عوليس: "ويحك يا ابن أتريوس، يا ملك الدنيا العظيم ما الذي جرَّعك كأس المنايا؟ ...".
أجاممنون: "عوليس العظيم! ذبحني اللئيم إيجستوس بعد أن دبر الأمر مع زوجتي الآثمة، دعاني إلى منزله، قدَّمَ لي الطعام وذبحني كما يُذبَح الثور في مذوده".
"رأيت تانتالوس في ضعف من العذاب! رأيته يتخبط في عين حمئة من حميم، وقد غاص فيها إلى ذقنه، ويضرب الموج وجهه ويسعفه، وهو مع ذلك، يلهث من الظمأ، لا يجد ما يبل به رمقه، أو يطفيء ظمأه".
"ثم رأيت سيفوس ذو الأنياب يضنى ويشقى ويتعذب؛ يدفع أمامه حجراً جلموداً عظيماً فيجعله في رأس الجبل ...".
"ثم شهدت هرقل الحديدي القوي الجبار، وما كاد يتبينني حتى عرفني، وظل يقلب في عينيه السادرتين، ثم قال لي: لأنني أنا ابن جوف الأعظم، كُتِبَ عليّ أن أشقى هنا لأصل آلام الحياة وآهاتها، أتُصدِّق أنه يأمرني أحياناً أن أُنزِّه كلبه، رغم كل ما في هذا الأمر من سخرية وتحقير؟ ولكن، لن أنسى أني جذبته من مملكته هاديس إلى نور الحياة، ...".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
حالة أخيل، بين الشخصيات التي إلتقاها عوليس، ذات أهمية خاصة.
فخلال محادثتهما القصيرة، يقول رفيق سلاحه له في طروادة، التالي:
"عوليس ذائع الصيت، هل تظنّ أنّ عزاءاً قد يخفف من وطأة الموت؟ إني لأُفضِّل أن أعيش في الدنيا كأحقر الأُجرَاءِ الأذلاءِ، وأُرزَق بلقمات قليلات لا تقيم أود الشيخ الفاني، على أن أقيم، هنا، في وسط هذه الأشباح والتهاويل!".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
مع ذلك، قال أخيل، بوقت سابق وفي الإلياذة، الكلمات التالية:
"سأقبل حتفي بسعاده، إن تكن هذه هي رغبة زيوس وباقي الآلهة الخالدين"
الإلياذة، الأنشودة الثانية والعشرون
كانت حياة البطل قصيرة، ولكن، مجيدة، قدره أن يموت شاباً، رغم أنه فيما لو ربح الحرب، لكان قد حاز على كل ما اشتهاه. مع ذلك في الإلياذة، وهي ملحمة شعرية ذات طابع حربي، تُقبَلْ النهاية المأساوية "بفرح" وهو أمر معاكس لما يحدث في الأوديسة، ويفصل قرن من الزمان بين الملحمتين، حيث سار أخيل إلى حتفه فَرِحاً في الإلياذة؛ فيما اشتكى منه بمرارة في الأوديسة.
يبدو أن معرفة الهاديس، قد أضعفت المحارب الذي لا يُقهَرْ.
في الغالب، وباستخدام كلمات كورتيوس12، ساهم حدوث تغيرات إجتماعية مثل الهجرة والإبتعاد عن بعض التقاليد بحدوث تراجع ديني وحضور أكبر للعقلانية، وبهذا، لم تعد فكرة الحياة بعد الموت واعدة بالنسبة لكبار الأبطال.
4. ملحمة جلجامش في سياقها التاريخي – الثقافي
كُتِبَتْ ملحمة جلجامش الشعرية الرائعة، ذات الأصل السومري والتي ذاع صيتها بين شعوب الرافدين وأناتوليا منذ أواسط الألف الثالث قبل الميلاد وحتى القرن السابع قبل الميلاد، على إثني عشر رقيماً آشورياً مصنوعاً من الطين المشوي (لوحاً) ومكتوبا باللغة المسمارية وحُفِظَت في مكتبة آشور باني بال في نينوى. لكن، ترجع الأسطورة إلى ما قبل ألفي عام من ذاك التاريخ، وجرى تناقلها شفاهاً وكتابة، بعدة لغات، حيث حفظوا بقايا منها بحقب مختلفة وفي ثقافات متنوعة:
سومرية، أكادية، بابلية، حثية وآشورية.
لأجل تحقيق فهم أعمق لهذه القصة المعقدة، يُصبِحُ تحقيق مراجعة للسياق التاريخي والإجتماعي والفلسفي، لتلك اللحظة التي ظهرت وانتشرت خلالها، أمراً لا غنى عنه، وإن يكن بشكل مقتضب. ظهرت حضارة بلاد الرافدين، بوصفها الحضارة البشرية الأقدم، منذ حوالي ثمانية آلاف عام. في نهايات الألف الرابعة قبل الميلاد، ظهرت سلسلة من التجمعات السكانية التي أنشأت المدن - الدول المستقلة عن بعضها والتي شهدت فترة إزدهار إقتصادي بفضل الفائض الزراعي المتحقق وإجراء مبادلات تجارية بينية مثمرة.
منذ تلك الحقبة، وفي الفترة الممتدة بين ما قبل التأريخ والتأريخ، سيطر السومريون على تلك المنطقة. وربما قد وصلوا من الشرق في بدايات الألف الثالثة قبل الميلاد، وقد أطلقوا على أنفسهم إسم "الرؤوس السود"، فاستقروا بمنطقة صحراوية، سهلية ومستنقعية، متاخمة للخليج العربي.
تكونت لغتهم، غير السامية، من صور بدائية صغيرة، رسموها بإستخدام الطين ونوع من القصب. كذلك، يُنسَبْ لهم الإبتكار الأقدم للنظام الكتابي، والذي تمثل بما نسميه الكتابة المسمارية.
تركزت حياة المدينة وسكانها حول المعبد، الذي شكل موطن الألوهية التي يعمل الجميع لأجلها. كان الملك عبارة عن مدير لممتلكات إله المكان. عكست الإحتفالية السنوية، بالعام الجديد، تدينهم؛ وخلالها، يجسد الملك دور الإله تمُّوز إله الخصب، الذي تزوج من إلاهة المدينة إنانا13 التي تمثلها كاهنة.
بحسب النظرة الكونية السومرية، شكلت الأرض نطاقاً للإله إنليل، إله مدينة نيبور والإله الأقوى في مجمع الآلهة السومري. وبما يعاكس الأسطورة المصرية، اعتبر السومريون أنّ خلق الآلهة للبشر هي عملية مدروسة بعناية، وذلك لأجل الحصول على خبزهم اليومي. كذلك، حاز الصراع الهائل ضد قوى الشر على إهتمام كبير، كما نجد في أساطير إنانا، مردوخ (إله الحكمة) وجلجامش ذاته.
تلقى الساميون، بمرور الزمن، تلك المفاهيم، عندما جاؤوا إلى وادي الفرات على شكل موجات متتالية. لكن، بدا إسهام السومريين في ثقافة الرافدين عميقاً، سيما على صعيد الأسطورة والدين. هكذا، وبتأثير سومري، تميز فكر الرافدين بالتشاؤم المتأصّل تجاه الحياة والموت، والذي يُستشف من تصوره للإنسان بوصفه كائن تافه بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.
فيما لو يعصى الموت على الوعي، يتحول إلى شيء مأساوي، وسيكون الأفظع هو ما يُنتظَرْ في المكان الأبعد ما بعد الموت، حيث جرى تخيله كمكان تحت أرضي وضبابي ومظلم، وقد هبط بعض الآلهة، الألوهيات السماوية، إلى الجحيم حتى.
اتبعوا التقسيم الثلاثي للعالم، فكانت الآلهة السماوية التي جرى التنويه لها؛ العالم التحت أرضي مع الجحيم والآلهة الجحيمية؛ والطبقة الارضية السطحية التي يسكنها الموتى.
بعد الموت، يقع البشر تحت العالم، حيث إستحالت العودة منه وإتصف "التواجد" فيه بالتعاسة.
بالتركيز على قصة جلجامش، إثر إختفاء سومر جرّاء حلول جماعات مشرقية جديدة وتتحدث بلغات جديدة بحدود الألف الثانية قبل الميلاد:
جرى جمع التراث السومري في قصيدة ملحمية واحدة أكادية، تعود النسخة الأولى منها إلى الحقبة البابلية القديمة الغنية بالإنتاج الأدبي.
هكذا، نسخوا أناشيد الحقبة السومرية وحفظوا كل ما يتعلق بجلجامش. لكن، لم يتوقف إبداع الأدباء البابليين عند هذا الحد، بل خلقوا من الملحمة السومرية الشعرية إصداراً أدبياً جديداً، لا يقتصر على مجرد ترجمة وجمع وترتيب منطقي لها. ونتحدث، هنا، عن عمل جيد الإعداد متكون من أحد عشر رقيماً وبفكرة مركزية ذات حجم وأهمية كبيرة، تخلق التوازن، عن معرفة، ضمن مقدمة يجري تقديم شخوصها بشكل تفصيلي والوصول إلى نتيجة نهائية جرى التنويه إليها في المقدمة. وبشكل مستقل، وعلى شكل ملحق، يظهر في الرقيم الثاني عشر توصيف الهبوط إلى الجحيم أو العالم السفلي أو عالم الأرواح كما "شاهده" أنكيدو.
توفر النسخة البابلية القديمة، في السياق التشاؤمي السائد، توصيف لنوع من الهروب إلى قدر لا معنى له:
"إلى أين تتوجَّه يا جلجامش
فالحياة التي تريدها لن تجدها
إذ لما خلقت الآلهة البشر، قدَّرت الموت عليهم
وإحتفظت بالحياة الأبدية لها فقط
أما أنت يا جلجامش فاملأ بطنك
وافرح وابتهج ليل نهار
لتسكنك السعادة على مدى الأيّام
وأرقُص وإلعب ليل نهار".
يذكرنا موقف التخلي هذا، المتفائل نسبياً، بحجة معروفة بإسم "حجز اليوم"، والتي ستزول لاحقاً جراء هدم نظام القيم التقليدي الرافدي والناتج عن سقوط أول امبراطورية بابلية وتداعيات ثقافية وسياسية للحقبة الريفية. وتشكل قصائد الحكمة التي جرى تحضيرها وقتها، والتي وجدت صدى لها في نصوص الكتاب المقدس لاحقاً، تعبيرها الأدبي.
بعد وضعها بسياقها التاريخي والثقافي، خلال القرون التي شهدت ولادة هذه الملحمة المتميزة "جلجامش"، سنحاول التحدث بإيجاز عن الرقيمات الإثني عشر، لكي ننتهي إلى تفحُّص الجحيم أو العالم السفلي أو عالم الأرواح.
تنقسم الملحمة إلى أربعة مواضيع رئيسية، تدعم جميعها الفكرة المركزية فيها، ويوجد ملحق مستقل شكلا وموضوعاً.
يحتوي الرقيمان الأول والثاني على المقدمة، حيث يجري التعريف واللقاء بين جلجامش وأنكيدو. قبل أن تتحول شخصية جلجامش إلى شخصية أسطورية في المخيال الشعبي، كان جلجامش عبارة عن شخصية تاريخية، ملك قويّ ومقدام في مدينة أوروك السومرية. هو إبن للإلاهة ننسون14 وكاهنا من البشر إسمه للا. هو، إذاً، كائن نصف إلهي ولكنه يموت: تكوّن من ثلثي إله وثلث بشر، بحسب الروايات التي أعطت الأصل لسمعة هذا المحارب الشرس، المقدام، القائد المستبد، المسؤول عن تشييد سور أوروك العظيم وهيكل الإلاهة عشتار.
تبدأ الملحمة بكيل المدائح، بصورة مقتضبة، للبطل الملك جلجامش. لكن، كذلك، تلفت إنتباهنا إلى إستبداده في الحكم. لدرجة تقديم الشعب لشكوى ضده عند الإله آنو، الذي اهتم بالأمر وطلب من الإلاهة أرورو أن تخلق غريما له وشبيها به، كي يواجهه ويضع حداً لعنجهيته.
خلقت الإلاهة كائناً وحشياً، بدائياً، قوياً وأسمته أنكيدو. وعندما علم جلجامش بوجود هذه الشخصية، طلب من إحدى العاهرات المقدسات أن تغريه وتُحضِرَهُ إليه. وفعلاً حصل ما أراد وصار أنكيدو أكثر حكمة وهدوء15. عندما وصل إلى أوروك، نشأ صراع بينه وبين الملك، وكما تنبأت الإلاهة ننسون، تحولت المواجهة بينهما إلى صداقة كبرى.
تضمنت الرقيمات الثالث والرابع والخامس الموضوع الثاني والذي تركز على الإقدام والحملة إلى غابة الأرز. تضمن الرقيم السادس الصراع مع ثور السماء. كان الهدف من الحملة إلى غابة الأرز هو القضاء على العفريت الذي استفرغ ناراً، وإسمه خمبابا. يتحقق هذا بفضل مساعدة الإله شمش، ويُرمى رأسه في نهر الفرات. لكن، تظهر تداعيات لهذا الأمر، حيث تطلب الإلاهة عشتار من جلجامش أن يتزوجها، لكن، يرفض الزواج منها. تغضب عشتار وتطلب من الإله آنو إرسال الثور السماوي، الذي يتولى مهمة القضاء على جلجامش وأنكيدو. كي ينتقم منها، يهجر عبادتها ويهدي إنتصاره للإله الحامي لوكال بندا.
بعد ذكر كثير من التجسدات الإلهية، يحتوي الرقيمان السابع والثامن على قصة العقاب الإلهي. يرى أنكيدو حلماً، تشاور خلاله آنو وإنليل وأيا16 وشمش وقرروا أن أحدهما (أنكيدو أو جلجامش) يجب أن يموت كعقاب على قتل خمبابا والثور السماوي.
هكذا، يتقرر قتل أنكيدو، الذي يندم على تركه حياة الأحراش والتحول للحياة المدنية. يحاول الإله شمش تعزيته بتذكيره بالمزايا التي حصل عليها من قبل صديقه جلجامش والذي سيهتم بجنازته بالإضافة إلى المجد الذي ينتظره بعد الموت. وربما احتوت نهاية الرقيم الثامن على توصيف الجنازة، ولكن، فُقِدَت مع الأسف من النص.
يغطي الموضوع الأخير الرحلة المخصصة للبحث عن الخلود، والذي تحتويه الرقيمات التاسع والعاشر والحادي عشر. يضطرب وضع جلجامش كلياً بعد موت صديقه الحبيب أنكيدو، حيث يواجه للمرة الأولى مسألة الموت، غير القابلة للتفادي، فتسيطر عليه فكرة الحياة القصيرة الفانية. من بين القصص التي أحاطت شخصيته، واحدة تتحدث حول حملته إلى شرق الرافدين ليصارع العفريت المرعب، وهو ما يغطي رمزياً شراكة قد كان الهدف من تأسيسها جلب الخشب اللازم في تشييد أبنية الملوك الطامعين، لإظهار هيبتهم. هكذا يقرر جلجامش تخليد اسمه، أن يعصى على الموت.
أصابه الرعب من الموت فهام على وجهه، قرر الذهاب إلى الحكيم أوتو - نبشتم، الذي بقي على قيد الحياة، مع زوجته، بعد الطوفان، وربما يمتلك سرّ الحياة الأبدية. يصل إلى جبل ماشو في رحلة شاقة، الذي تتصل قمته بالسماء وقاعدته بالعالم السفلي، يحرس الرجال العقارب بوابة هذا الجبل. خاف جلجامش منهم، لكن، هدأ روعه واقترب منهم. دار حوار فيما بينه وبين أحد الرجال العقارب، فيقنعه ويدخل في نفق مظلم أسفل الجبل، درب لم يسبقه إليه أحد من قبل، هوة سحيقة لا ضوء فيها لمسافة إثني عشر فرسخاً. في الجانب الآخر، هناك حديقة غنّاء فيها أشجار إلهية ذات ثمار من أحجار كريمة، وفي العمق، يوجد بحر أزرق. تعيش سدوري هناك، صاحبة الحانة الإلاهة التي تذكرنا بكيركة في الأوديسة، والتي يخيفها مظهر جلجامش. يشرح لها جلجامش سبب رحلته وخسارته لصديقه، فترسله إلى الملاح أورشنب، ولكي يصل إلى مقصده سيتوجب عليه عبور البحر، الذي كان قد خاضه الإله شمش، وعليه إتباع بعض النصائح لأجل حمايته.
يتحاور، في النهاية، مع أوتو نبشتم، الذي يقص عليه كيف جرى إنقاذه من الطوفان، وكهدية وداع، يخبره عن وجود نبتة الخلود في قعر البحر. يتضمن خطاب أوتو نبشتم تأملات فلسفية لاهوتية، ثمّ يتحدث عن الطوفان بشكل قانوني، فقد أصدرت الآلهة قانوناً خاصا بموت الإنسان، رغم قدرتها على صياغة قانون معاكس، لم تقم بصياغته أبداً.
يعثر القائد الكبير على النبتة، لكن في طريق العودة إلى الوطن، تسرقها الأفعى، التي جذبتها رائحتها إليها.
يتقبل الهزيمة بمرارة، ويعود إلى أوروك برفقة أورشنب، فيرى السور، الذي كان أهم عمل أنجزه في حياته.
ربما، هنا، نعثر على خلاصة الملحمة، تمّ إثبات عدم جدوى البحث عن الخلود من خلال تلك الأسفار المتكررة.
يعلم جلجامش بأن إنجازه فقط، السور الكبير الذي يحيط بأوروك وسمعته، هو ما سيبقى.
5. العالم السفلي في ملحمة جلجامش
يوفر لنا الرقيم الثاني عشر، وبشكل حصري ومستقل عن باقي ألواح الملحمة، رؤية خاصة بعالم الموتى. يحتوي الرقيم على قصيدتين تتحدثان عن هذا العالم بشكل مباشر. تتحدث قصيدة منهما عن الظروف التي تحيط بموت أنكيدو، فيما تتحدث القصيدة الثانية عن موت جلجامش ذاته، الذي يقرر إنليل مصيره، لا نعرف إن كان بسبب قيام جلجامش بقتل الثور السماوي أو لسبب آخر.
يحتوي الرقيم الثاني عشر على الترجمة شبه الحرفية للقسم النهائي من الملحمة السومرية المسماة جلجامش والشجرة هولوبو، وفيه إصدار آخر مختلف عن موت أنكيدو، ففي حين مات، وفق الرقيمات السابقة، كعقاب إلهي على أفعاله مع خمبابا والثور السماوي، لكن، بحسب اللوح الثاني عشر والأخير، فقد هبط إلى "العالم السفلي" كعقاب على التقصير.
يتضرع جلجامش إلى الإلاهة إنانا، التي تطلب منه طرد ثلاثة عفاريت من شجرة قد سكنوها، لأنها تريد صنع عرش من خشبها. ينفذ جلجامش طلبها وتكافئه إنانا بتقديم طبل ومضرب مصنوعين من جذر وأغصان الشجرة له، بإعتبارهما رمزاً للقوة التي ستنفع في التحكُّم بشباب المدينة، ولو أننا نجهل بأيّة طريقة.
ما هو مؤكد أن شكاوي الناس تسبب سقوط الأداتين الخشبيتيين إلى العالم السفلي، ويتعهد أنكيدو بإرجاعهما، لكن إنتهاكه حرمة عالم "العالم الآخر" يُبقيه هناك بصورة دائمة. ثم يطلب جلجامش عون الآلهة الرئيسيين، فيتدخل أحدهم لدى الإله نرجال، ملك الجحيم، كي يسمح لصديقه بالهروب.
الأمر مستحيل، لكن، يسمح نرجال له بالخروج لوقت قصير، كي يودعونه. يصف أنكيدو في المحادثة ظروف العالم السفلي، المليء بالغبار، الظلمة والبؤس، حيث تهيم الأرواح بين الظِلال والكآبة. ويتوافق هذا مع توصيف الإيريبو اليوناني:
المظهر المظلم للمكان، الموقع تحت الأرضي البعيد عن المدن، الوضع المأساوي للأرواح الهائمة فيه.
هكذا، يتناقض هذا الملحق، المُضاف بشكل إصطناعي، مع جوهر القصيدة الأكادية.
بعد هذا العرض التاريخي والثقافي الرافدي، وبعد التطرق إلى قواعد إيضاح أولية لرؤيتهم للموت وللمكان الأبعد هناك، سنحاول إجراء تحليل عميق للملحق، أي للرقيم أو اللوح الثاني عشر، كما تتم الإشارة إلى العالم السفلي في الألواح التاسع والعاشر والحادي عشر.
يجب التنويه لأنّ الملحق أو اللوح الثاني عشر ليس له صلة مع باقي الألواح، فيما لو أنّ الألواح الحادية عشرة الأخرى عبارة عن قسم واحد من قصة ملحمية بالأكادية:
فإن اللوح الثاني عشر هو القسم الأخير من قصيدة سومرية، عبرت إلى الأكادية كذلك، ويبدأ القسم بذكر الطبل والمضرب الخشبيين دون ذكر قصة إنانا والشجرة هولوبو التي وردت أعلاه.
أول ما نتساءل حوله هو طريقة الوصول إلى الجحيم، السفر إليه وطريقة العثور عليه، ثمّ نتساءل عن الهدف من وجود هذا المكان الخطر. لا يوفر نص الملحمة أي توصيف للأماكن التي إجتازها أنكيدو في طريق هبوطه إلى الجحيم.
يظهر في النص حوار بينه وبين صديقه جلجامش، يتم التطرق خلاله للموقع الجغرافي لعالم الموتى وبشكل مقتضب جداً، وتنتقل عبر الحوار فكرة شاقولية هذا العالم.
"الآن، سقط طبلي إلى العالم السفلي (الجحيم، عالم الموتى)، سقط مضربي الخشبي إلى العالم السفلي".
"إذا (كنت نازلاً) إلى العالم السفلي اليوم، سأقول لك كلمة، فاسمع كلمتي".
"أيها البطل الفتي الإله نرجال (إسمعني)، إفتح ثقباً الآن ...".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
يُشير الفعل "يسقط" كما الفعل "يهبط" إلى النزول إلى تحت الأرض "إلى تحت الأرض بلا عوده"، إلى المستوى الثالث من الكون17، حيث تخضع الأرواح للعقاب. كذلك، تذكرنا فكرة فتح الثقب (هوّة) في الأرض المخصصة للسماح بخروج الميت بهوّة عوليس في الهاديس في ملحمة الاوديسة.
بالإضافة إلى تلك المعطيات المقتضبة، نتخيل هذا المكان من خلال مشاهد وحوارات أخرى، بوصفه مكان:
قذر، بيئة نتنة، موبوء بالديدان ومليء بالغبار.
من بين النصائح التي يقدمها جلجامش لصديقه حول العالم السفلي، نصيحة تقول بألا يدهن جسده بزيوت عطرية نظراً لجاذبيتها القوية، التي لا تُقاوَمْ، للأرواح، ما يجعلنا نستنتج أن المكان خبيث الرائحة.
بعض التفاصيل الأخرى أوضح، وإن يكن بشكل مقتضب:
"قال، يا ويلتاه، وألقى بنفسه في معمعة الغبار".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
ربما يوحي مفهوم الهبوط أو السقوط ذاته، "الهبوط أو السقوط، إلى الجحيم، بعدم وجود أيّة رحلة نحوه، فإن يسقط، بصورة حادثية أو مباشرة، فلا يوجد أيّ إنتقال وسيكون هذا التحرُّك غير مهم. لكن، يحضر هذا الأمر في الألواح التاسع، العاشر والحادي عشر، عندما يمشي جلجامش لمسافة طويلة بحثاً عن الخلود، حيث يصل لأماكن متنوعة ويُجري لقاءات مهمة.
ما نعرفه، بشكل مؤكد، هو أن سبب هبوط أنكيدو إلى العالم السفلي إستعادة أغراض صديقه. نعرف من خلال اللوح الثاني عشر، كذلك، أين تظهر أغراض جلجامش. يُعتقد أنهما الطبل والمضرب الخشبي، كما ورد سابقاً.
جرى نقاش معنى هذه الأغراض؛ فمن المرجح أنها رموز للسلطة، وربما كونها هدية من إلاهة الحب عشتار (= إنانا)، فهي تحمل معنى جنسي، حيث جرى تنصيبه ملكاً كي يُحدِّث المجتمع البشري بالأمر عام إثر عام.
فبعد سقوط الطبل والمضرب إلى الجحيم (العالم السفلي)، يفقد جلجامش رمزية الملك المُحدِّث، وبالتالي، يتهدد حكمه السياسي - الديني. في تلك اللحظة، يعرض أنكيدو عليه فكرة البحث عنهما ولو اضطر للهبوط إلى عالم مجهول وخطير لم يعد أحد منه أبداً.
بالنسبة للقواعد التي تحكم عالم الموتى، يتحدث النص عنها أكثر من حديثه حول بنيته الداخلية. يجري الحديث حول هذا الموضوع في مناسبتين.
المناسبة الأولى، حين يشرح جلجامش لصديقه القواعد الواجب إتباعها إن يرغب بالهبوط إلى الجحيم بقصد إستعادة الأغراض المشار لها سابقاً وليس "لفت إنتباه" الموتى، لوجود خطر يتمثل بالبقاء هناك. تتعدد تلك النصائح وتوفر تفاصيل متنوعة حول السلوك المناسب في هذا المكان المظلم:
"إذا هبطت إلى العالم السفلي، سأقول لك كلمة، فإسمعها، فلا تلبس ثوباً نظيفاً، كي تبدو غريباً، لا تستعمل زيوت عطرية وتدهن جسدك بها، فسيجذبهم شذاها إليك، لا تُسدِّد سهام قوسك نحو سكان العالم السفلي، فسيحدق المصابون بك، لا تُقبِّلْ زوجتك حبيبتك، لا تضرب زوجتك التي تُبغِض ...".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
كذلك، يُعلمه بالعقوبات التي يمكن أن يتعرض لها في حال عدم تطبيقه لتلك القواعد:
"وإلا سينالك غضب النائمة، غضب الأمّ ننازو، النائمة دون وضع غطاء على ظهرها ودون تزيين نهدها، تبدو عارية ككأس".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
يجب فهم القواعد الواجب تبنيها والمتصلة بالمشهد المادي الأصلي، فربما من الأفضل عدم الظهور أمام "أرواح الموتى" الخيالية، التي يصعب الوصول إليها، ولهذا، يجري لفت إنتباهها فقط وإيقاظ إرتيابها.
تشير قواعد أخرى إلى الأسلحة التي لا يجب حملها لأن الموتى سيغضبون منها:
"لا تُسدِّد سهام قوسك على (سكان) العالم السفلي، فسيُحدق المصابون بك".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
تتفق الوصايا أو القوانين التي يذكرها جلجامش - من 11 إلى 30 باللوح الثاني عشر - مع ما قد أهملت إنانا - عشتار القيام به في قصيدة أكادية أخرى مترجمة من السومرية، وحملت عنوان:
هبوط عشتار إلى العالم السفلي.
حيث يظهر مشهد يوازي، في قسم كبير منه، في هذه القصيدة ما يرد في اللوح الثاني عشر من ملحمة جلجامش، حيث تهبط الإلاهة إلى "أرض لا عودة منها" وهناك، حيث خرقت قواعد المكان ولبست أحلى الثياب، فيخلعها البوّاب عنها. بالنهاية، تتمكن من الخروج من العالم السفلي:
"عندما إجتازت البوابة الأولى، أوقفها وجردها من تاجها الكبير، أيها البواب، لماذا خلعت التاج الكبير عن رأسي؟ اعبري، سيدتي، فأنا أطبق قوانين سيدة العالم السفلي".
عشتار، الهبوط إلى العالم السفلي
يوفر لنا هذا اللوح، كذلك، توصيفات مقتضبة لهذا العالم التحت أرضي الجحيمي وقاطنيه ومن أول القصيدة:
"إلى الأرض التي لا عودة منها، إلى مملكة الإلاهة إركيجال (زوجة الإله نرجال)، توجهت روح عشتار إبنة الإله سين. إلى الدار المُظلمة، أرض إركال، إلى الدار التي لا يخرج منها من يدخلها، طريق اللاعودة، إلى الدار التي يدخلها سيجد أنها بلا أضواء، طعامه غبار وطين. حيث لا يوجد نور، وينتشر الضباب، يلبسون كالطيور، وينتشر الغبار على البوابة والمزلاج".
عشتار، الهبوط إلى العالم السفلي
في المناسبة التالية من القصيدة الأكادية، التي يُشار فيها إلى التنظيم الداخلي لمنطقة الموتى، حيث يتمكن جلجامش من رؤية صديقة في النهاية، والذي يقصّ عليه ما يحدث هناك بالطبع. لدى رؤيته لصديقه أنكيدو في العالم السفلي، يطلب جلجامش العون من عدة آلهة: إنليل، سين18 وأيا، حيث يشرح لهم وضع صديقه الشائك:
"أيها الأب الإله إنليل، اليوم، غاص طبلي في العالم السفلي؛ غاص مضربي الخشبي في العالم السفلي؛ أنكيدو، الذي نزل لرفعهما، أمسك العالم السفلي به، لم يمسكه رابيص عديم الرحمة، أمسكه العالم السفلي، لم يسقط في موضع قتال الرجال، بل أمسكه العالم السفلي!".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
لكن الإله الوحيد الذي يتعاطف معه هو الإله أيا، الذي يبدو دوماً كإله محب وعطوف، فيطلب من نرجال السماح بخروج أنكيدو لبعض الوقت:
"سمع الإله أيا هذا، فخاطب الإله نرجال، أيها البطل الفتي نرجال إسمعني، فافتح الآن هوّة: وليخرج شبح أنكيدو من الجحيم، كي يخبر صديقه ما عرفه عن قوانين الجحيم".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
يفتح نرجال الهوّة، ويلتقي الصديقان فيتعانقان والدموع تنساب على وجنتيهما. من جديد، نرى فكرة حفر الهوّة في الأرض، يبدو أن الموتى يقطنون في منطقة غير عميقة، كما يحدث في الأوديسة تماماً. رغم وجود بُعد مجازي ورمزي، يبطّن قسم هام من الملحمة.
كذلك، في الملحمتين، "يصعد" الميّت، وليس العكس.
يقصّ أنكيدو ما رآه لجلجامش، مثل "وجود" الموتى في ذاك المكان القذر.
فيشرح له، بداية، مسألة التعفن والتحلل الجسدي في الأرض:
"جسدي الذي لمسته فأبهج قلبك، صار كثوب عتيق تأكله الديدان، جسدي الذي لمسته فأبهج قلبك، صار مثل صدع في الأرض ممتليء بالتراب".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
تظهر بعض التناقضات، حيث يخبرنا بأن شبح أنكيدو هو من سيخرج من الهوّة، فنجد أنها يتعانقان ويقبّلان بعضهما. وفي المقطع الأخير المنقول، نجد أن الجسد وما فيه بحالة تحلل. وهو ما يجعلنا نستنتج بأنه بعد الموت، قد يكتسبوا "جسداً" آخراً حقيقياً، يمكن لمسه، يهيمون به إلى الأبد. أو ربما يتمتعون بحضور مادي ومرئي في لحظة معطاة، عندما يجتمع مع صديقه خارج العالم السفلي.
ما هو مؤكد أن جميع النصوص التي اطلعنا عليها - وهو ما أشرنا إليه في ملحق خاص - وتتعلق بالهبوط إلى العالم السفلي أو الجحيم، تبين إمتلاك الموتى لنوع من "الجسد الثاني" يمكن لمسه وقادر على الرؤية، رغم أنها أرواح فقط، خيالات أو أشباح، وهو ما يسمح لهم بالإنتقال وبالحديث، بالضحك أو البكاء، العناق، التقبيل وتناول الطعام والشراب حتى.
يُقارَنْ الإيتيمو، أي الموتى، مع الظلمات والرياح، لكن، كما قلنا سابقاً، توجد إشارة واضحة للبُعد الجسديّ الممكن لمسه.
يتحدث خورخي سيلبا كاستيو عن موتى في حالة نصف – روحية، لكن، دون إيراد المزيد حول هذا الأمر.
بما يتعلق بحالتهم الذهنية، فلا توجد إشارة محددة في ملحمة جلجامش تُشبه ما ورد في الأوديسة.
نعرف بأنهم يحتفظوا بالأحاسيس البشرية، حيث يبكي بعضهم ويفرح ويرضى البعض الآخر. لهذا، نميل للتفكير بأنهم يحتفظون بالذكريات:
يعون سبب بكائهم أو ضحكهم؛ يتذكروا كيف ماتوا بالضبط؛ ويعرفوا إن يهتم أحد بهم في "سطح الأرض" أو لا يقوم بهذا.
يتحدث أنكيدو ذاته مع جلجامش بشكل طبيعي، بخطاب متماسك وصادق.
تدفعنا كل تلك الإستنتاجات أو التأملات، الواضحة في النص بصورة ما، لإعتبار أنه لدى الموتى قدرة على التذكُّر والاحتفاظ بمَلَكَاتْ ذهنية، على الأقل من خلال لقاءاتهم "بزوار غير متوقعين" وفي سياق يتميز بكل تلك الكآبة.
بالإضافة إلى الأشباح والآلهة الجحيمية المُشار لها:
نمتار، رابيص نرجال، أسَكُّ، مع الأم ننازو في القيادة، أي إلاهة الجحيم إيرشكيغال، فلا تظهر كائنات أو عفاريت أخرى.
وكما ذكرنا سابقاً، يهبط الموتى، والآلهة السماوية على قدم المساواة، إلى الجحيم.
لكن، هنا، لا يظهر أيّ إله، أو لا تتم الإشارة إلى حضوره.
في قصيدة "الهبوط إلى العالم السفلي لعشتار" السومرية المُشار لها آنفاً، نجد شخصيات أخرى، مثل بوّاب الجحيم، المسؤول عن تنفيذ الداخلين إليه للقوانين الخاصة بالمكان، كذلك، يوجد مخصيّ، يهبط لأجل إثارة إلاهة - ملكة الجحيم، ولو أنه ليس شخصاً ذو حضور وعمل دائم في الجحيم، كما هو حال البوّاب.
6. تشابهات وإختلافات الجحيم في الملحمتين
التشابه الرئيسي بين ملحمتي الأوديسة وجلجامش هو إعتماد موضوع كونيّ في تاريخ الأدب، حيث يرتكز إلى السفر أو الإنتقال.
هو أحد العناصر المركزية في الملحمتين ويرتبط بعمق مع هدفنا من هذه الدراسة، الذي أشرنا له بإقتضاب سابقاً.
نرى بأنه إنطلاقاً من وجهة نظر سردية، يُستخدم السفر أو الإنتقال لأجل تثبيت مكانة البطل؛ سواء من خلال وعورة الدرب، أو عبر المصير "الجحيمي"، أو العودة الصعبة، وتسهم كلها بإظهار صور البطولة لدى الشخصيات الأساسية في الملحمة.
لن نتمكن من تخيل موقف أصعب، من الوصول إلى الجحيم وعيش التجربة، يمكن أن يمر إنسان به.
كذلك، يجب أن نأخذ عامل هام آخر بعن الإعتبار، ونقصد:
البحث عن الحكمة أو المعرفة.
برأينا المُتواضع، للسفر أو الإنتقال إلى الجحيم سببين واضحين لكي يبدأ.
فمن جانب، يتلقى عوليس نصيحة من كيركة لكي يتوجه إلى هاديس ويلتقي بتيرزياس، وبهذا، يعرف طريق العودة إلى الوطن.
من جانب آخر، ما إن يكتشف جلجامش الضعف البشري بمواجهة موت صديقه أنكيدو، حتى يقرر الذهاب إلى العالم السفلي بحثاً عن الخلود.
لكن، بعيداً عن أسباب بعينها، يُعتبر الإنتقال إلى الجحيم صيغة لإكتساب المعرفة.
فأيّ مكان أفضل منه لأجل الحصول على أجوبة؟
يكتسب البطلان، عوليس وجلجامش، حكمة أكبر مما حضر منها لديهما قبل البدء بالمغامرة الفظيعة، ولهذا، فصل "الهبوط" حيويّ في الملحمتين.
"هو الذي علم وأدرك كل شيء، مُستوعب الحكمة، الذي فهم جميع الأشياء".
ملحمة جلجامش، اللوح الأول
ربما يحدث مع البطلين شيء شبيه "بولادة شخصية جديدة" إثر قيامهما بزيارة عالم الموتى، كما يقول كامبل19.
بالنهاية، سيعكس الإنتقال إلى الجحيم، بالنسبة لنا، وظيفتين مشتركتين في الملحمتين، هما:
1. اكتساب الحكمة، ويُرمَزْ لها بالبحث عن المعرفة.
2. تجربة بطولية، تتمثل بخوض مغامرة ومواجهة صعاب هائلة.
لا يوجد شكّ، في العموم، بأنّ الألفة مع الموت، أو مع نهاية الصلاحية البشرية على الأقلّ، يمكن أن تشكل درساً حياتياً مفيداً.
ويبدو أنه يجري تجنب التطرُّق لهذه القضية بالكامل في المجتمعات الراهنة.
بمتابعة الخط البحثي، يتوجب علينا الحديث عن "الطريق" إلى الجحيم و"نقطة الدخول إليه".
في هذا المنحى، نجد تشابهاً كبيراً بين الملحمتين، بحيث تحضر فكرة الإنتقال المزدوج:
الأفقي والعمودي.
ففي الأنشودة الحادية عشرة من الأوديسة، يصل عوليس إلى الهاديس من خلال سطح الأرض، رغم حضور فكرة الهبوط إلى جانب إسترحام الموتى.
كذلك، في اللوح الثاني عشر من ملحمة جلجامش، يبدو طريق جلجامش أفقياً إلى العالم السفلي، لكن، كذلك، تحضر فكرة عمق المكان ببعده المادي.
يتميز الطريقان، سيما بمنطقة المدخل، بوجود صعوبات، وإن يكن هناك بعض الإختلافات الطفيفة التي يتوجب علينا التنويه إليها.
يتحقق إنتقال جلجامش الصعب على سطح الأرض، فيما يبدو مدخل العالم السفلي عبارة عن "نفق"20، يحرس الرجال العقارب، الذين يعملون بخدمة الإله شمش، بواباته.
في حالة عوليس، تعقَّدَ الوصول إلى الهاديس لدرجة أن الموتى إحتاجوا إلى دليل، ودليلهم الإله هرمز. ينتقل عوليس بحراً ثم على الأقدام، وهي معلومات واضحة في النص:
"وهنا، رمينا مراسينا، وهبطنا بالكبش والشاة إلى البر، وتابعنا سيرنا إلى حيث أمرتنا كيركة".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
نسبة للجحيم، هناك تشابهات مثيرة مثل الغابة الميتة في الأوديسة والغابة الحجرية في جلجامش.
ففي الملحمتين، توجد إشارات إلى عناصر طبيعية، تبدو هي ذاتها في عالم الأحياء، لكن، بصورة سلبية:
الخُضرة، الثمار، المياه، ...الخ.
ففي أحراش بيرسيفوني المقدسة، تعطي الأشجار "ثماراً ميتة".
بينما يجد جلجامش، بعد إجتياز نفق الإله شمش، حديقة غنّاء تعطي أشجارها ثماراً على شكل أحجار كريمة.
أما بالنسبة للمياه، الحاضرة في مدخل الهاديس، فهي شيء آخر مشترك في الملحمتين.
ولو أنه يجب التنويه إلى أن بحيرة إيستيجيا لا تظهر في الأنشودة الحادية عشرة من الأوديسة، ولا يصفها عوليس كجزء من المكان الذي سنحت له الفرصة الحضور فيه، لكن، تظهر في مكان آخر من الملحمة كما رأينا.
كذلك، يوجد "بحر مُهلِكْ أو بحر الموت" في العالم السفلي، الذي يزوره جلجامش، وهي مياه يجب أن يعبرها كي يُعتبر "ضيفاً جحيمياً من الطراز الأول".
تظهر، على هامش هذا العُنصر (الجحيم)، عدّة شخصيات، فمن جانب، تظهر شخصية الملاح أورشنب ورجاله المصنوعين من حجر (تماثيل حجرية) والمستخدمين في تحريك القارب، حيث يتسبب لمس تلك المياه بالموت للبشر، لكن، لا يتأثر أورشنب ورجاله من لمسها.
ومن جانب آخر، تظهر شخصية صاحبة الحانة، التي يسألها جلجامش عن طريق الوصول إلى أوتنابشتيم، فتجيبه قائلة:
"ماذا ستعمل حين تصل إلى مياه الموت؟ يا جلجامش، هناك أورشنب ملاح أوتنابشتيم وتماثيله الحجرية".
ملحمة جلجامش، اللوح العاشر
في الأوديسة، لا تظهر شخصية الملاح كارونتي، لكن، تظهر في الأدب اليوناني واللاتيني بوقت لاحق.
يمكن ملاحظة حضور فارق هام بين الملحمتين، حين يجري التدقيق في القسم الأخير من النص، لا يلتقي عوليس بأيّة شخصية "مميتة" خلال "زيارته للجحيم"؛ بينما يلتقي جلجامش بالحكيم أوتنابشتيم، وهو إنسان، ولكن، يتمتع بصفة الخلود ويعيش هناك في المكان الأبعد مع زوجته، التي تبدو إنسانة وخالدة مثله، ونعرف كيفية حدوث هذا الخلود من خلال نجاتهما من الطوفان الكوني.
نتابع الحديث عن "سكّأن" تلك العوالم العميقة، ففي محلمة هوميروس "الأوديسة"، يجري تقديم الموتى على أنهم أرواح، في كامل الملحمة وبإستخدام أوصاف مختلفة.
لكن، يبيّن النص أنها ذات ميزة غير مادية، ويمكننا رؤية مثال عن هذا من خلال حديث عوليس مع والدته:
"كنت أود أن أضمها إلى صدري، بيد أني فشلت مرة وأخرى وثالثة، إذ كانت تتحرك، في كل مرة، بين ذراعي كما يتحرك الظلّ، أو كما يسري الحلم".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
يصعب تفسير هذا الأمر في ملحمة جلجامش، ولا توفر الملحمة مثالاً واضحاً حوله لنا:
"أيها البطل نرجال، إفتح هوّة، الآن، كي يخرج شبح أنكيدو من الجحيم. رأى أحدهما الآخر وتعانقا، تناقشا إلى درجة الإنهاك".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
إن يكن بالإمكان عناق الشبح، بالتالي، نحن أمام شيء قابل للمس على أقلّ تقدير.
في هذا السياق، يعيش الميّت أنكيدو حياة "قاسية"، يقدمها لنا كإنعكاس لوجوده السابق، أي يبدو أن الموتى يستمروا بإبداء الحاجة إلى بعض الأشياء الخاصة بالأحياء، مثل الأغذية على سبيل المثال:
"هناك مدخل للبيت، لكن لا مخرج له، يُحرَمْ سكانه من الضوء وطعامه غبار وخبزه كالآجر المحروق".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
كما لاحظنا طوال الموضوع، تتضح العلاقة بين الشخصيات والمكان الذي "يحويها" بصورة جليّة. حيث يعمل الجحيم، بوضوح، ككناية لأبطال الملحمتين.
في ذاك المكان، يخضع "المقيمون" لسلسلة من القواعد أو القوانين، تراتبية معينة، ...الخ، وفي ظلّ وجود علاقة لصيقة بحيواتهم السابقة، لنضع بعض الأمثلة:
بالنسبة لعدد الأبناء:
"هل رأيت من لديه إبن واحد؟ رأيته، ووتد معلق على جداره، وهو يبكي عليه بحرقة. هل رأيت من لديه إبنين؟ رأيته، يجلس على آجرتين ويأكل الخبز. هل رأيت من لديه ثلاثة أبناء؟ رأيته، يشرب الماء من قربة معلقة على مسند. هل رأيت من لديه أربعة أبناء؟ رأيته، مثل رجل عنده حمارين، ويبتهج قلبه".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
بالنسبة للموت المُشرّف:
"هل رأيت أحداً من قتلى المعارك؟ رأيته، يسند أبوه وأمه رأسه وتبكي زوجته عليه".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
بالنسبة للموت في المنفى أو لمن لا عائلة لديه:
"هل رأيت من أُلقيَ جثمانه في البرية؟ رأيته، روحه هائمة منزعجة في العالم السفلي. هل رأيت من ليس لروحه من يتذكرها (بالقرابين الجنائزية)؟ رأيته، يأكل فتات الأرض الماخوذة من فضلات القدر الملقاة في الشارع".
ملحمة جلجامش، اللوح الثاني عشر
يتم تأكيد الإرتباط بين عالم الأحياء وعالم الموتى، عبر:
إجراء ملاحظة دقيقة تطال الطقوس الجنائزية، إمكانية الدفن من عدمها، طرق الموت التي تفرضها ظروف حياتية ما، تقدمات دورية من قبل عائلات الموتى، يؤكد كلّ هذا وجود رابط قويّ بين العالم هنا والعالم الأبعد هناك في ذهنية أولئك البشر، حيث يعكس النص الملحمي هذا الأمر بوضوح شديد.
نعثر على تشابهات واضحة في حالة العالم اليوناني، حيث يمكننا تذكر عادة دفن الموتى ووضع قطعة نقود في فمهم، كي يدفعوها للملاح كارونتي على سبيل المثال. ولو أنه لا تظهر عناصر سابقة في الأوديسة بشكل صريح، فيبدو أن الموتى المقتربين من عوليس، قد أصابهم جميعاً موت "غير عادي"، كما تظهر لنا فكرة مقتضبة عن المحاسبة على أعمال الدنيا.
من خلال متابعة بحث المقارنة هذا، يتضح إحتفاظ موتى ملحمة جلجامش بالذاكرة، بالإضافة إلى إحتفاظهم ببعض العادات والإحتياجات.
مع ذلك، لا يملك الموتى عقلاً أو إدراكاً في الهاديس الهوميري، ويجري تقديمهم ككائنات غير قابلة للمس. ولكن، كما علقنا سابقاً على هذه النقطة، يجب التدقيق في تناقضات النص على هذا الصعيد. فقد تكلم بعقل راجح كل من تحدث من أرواح مع عوليس، صحيح أن جرعة الدم قد أعادت العقل لهم، لكن، كيف لكائن روحي أن يأكل أو يتجرّع شيء؟
كذلك، إن لم يستطع عوليس لمس أولئك الموتى، كيف يمكن إخافتهم بسكين؟، فمن الصعب جرح أو قتل كائن "غير حيّ". ربما في هذه الحالة الأخيرة، يمكن تبرير خوف الأرواح من خلال إستعادتها للذكريات ويربطون ظهور السكين بآثار مُهلكة بالنسبة للإنسان.
قمنا بمقارنة بين عناصر مختلفة حاضرة في الجحيم في الملحمتين:
السفر أو الإنتقال كبحث وإختبار، خط المسير، المدخل، أوصاف المكان ومناطقه.
في النهاية وبإتباع ذات الترتيب، يتوجب علينا التحدث بإقتضاب حول الآلهة أو الكائنات الجحيمية.
ذكرنا فيما سبق غالبية ما ورد منها في جحيم ملحمة جلجامش أو في العالم السفلي.
في الأوديسة، لم يلتقِ عوليس بأيّة آلهة، رغم أنه جرت الإشارة إلى الهاديس بوصفه ملك الشياطين وملكته بيرسيفونية، لكن، لم يجتمع عوليس بهما أبداً، ولم يرَ أيّ حيوان خرافي، حيث توجد إشارة سريعة إلى الحارس والعفريت.
"بيد أن جموع الموتى المحتشدة، التي أقبلت صارخةً، قد ملأت قلبي رعباً، وخفت أكثر أن ترسل بيرسيفونية، ملكة هاديس، فتفعل الأفاعيل بي، فآسرت أن أسرع إلى مركبي، وأمرت الملاحين فأقلعوا، وجلسوا على الظهر، ومخرنا عباب البحر المحيط، بعد أن أعملنا المجاديف لوقت غير طويل".
الأوديسة، الأنشودة الحادية عشرة
7. الخاتمة
لأجل تطوير منهجي أفضل، فصلنا عالم الموتى، كمكان شعريّ، لكن، حافظنا على علاقته اللصيقة مع عناصر كونية أخرى ضمن النص.
في هذا الإتجاه، العناصر الزمانية والمكانية أساسيّة21.
وبما يخص هذه العناصر، نجد أن أهمية كبرى تحيط بكلمات عالم اللغويات الروسي باجتين، الذي يعتبر أنّ الزمن عبارة عن بُعد رابع للمكان ويشكل قياس الزمن مفهوم معمول، بشكل خاص، لأجل الإشارة إلى هذا الحشد من فضاءات الزمكان في التأليف الأدبي.
لا تبدو الإشارة إلى الزمن، في الهاديس الهوميري، بكل هذا القدر من الأهمية.
يُنفِّذ عوليس أعمالاً مختلفة خلال وجوده فيه وصولاً إلى الخروج النهائي منه، نفترض بأنه لم يستغرق زمناً طويلاً بعمل كامل رحلته.
في جميع الأحوال، لا نمتلك أيّ مؤشر زمني، بل تعاقب رؤى شبحية تصل بسرعة نحو سطح الأرض.
توفر ملحمة جلجامش معطيات أكثر حول الزمن خلال زيارته للعالم السفلي أو الجحيم، بحيث يتولد إنطباع يفيد بإمضائه لزمن أطول مقارنة بالزمن الذي أمضاه عوليس في جحيم الأوديسة.
بل حتى يظهر البُعد الزمنيّ واضحاً خلال حوار جلجامش مع أوتنابشتيم حول الخلود.
لا يبدو الزمن مهماً في إدراك كائنات العالم السفلي في الملحمتين.
فإن تكن الحياة محدودة وتنشأ كإنتقال واعي نحو الموت، فبمجرد "التواجد" في عالم الموتى، يفقد الزمن معناه؛ لأن التواجد في الجحيم "أبديّ" أو قد لا يصبح له وجود.
ربما، لهذا السبب، بالكاد نجد إشارات له.
يصل الفارق الزمني بين كتابة الملحمتين، جلجامش والأوديسة، لأكثر من عشرين قرناً.
مع ذلك، ما يدهشنا هو عثورنا على تشابهات تلغي أيّ بُعد.
لا شكّ بأن موضوع الجحيم يترافق مع القلق من الموت، بإعتباره قضية فلسفية وكونية، ولعلّ هذا الموضوع قد شكّل، ومايزال يشكّل، محرّكاً هائلاً للإبداع الفنّي وعلى مدار التاريخ.
ومهما يكن حجم التشابه بين عناصر الجحيمين على مستوى الترتيب ووضع الإنتقال والشخصيات التي تقطنهما، الوظائف الإلهية، ...الخ:
فهو يدفع إلى التأمل والتفكير بصورة طبيعية.
بذات الطريقة، وفي الملحمتين، وفي النقطة التي تهمنا في المكانين "التحت أرضيين"، يظهر عنصر آخر مرتبط بالنشاط البشريّ، هو:
الإنتقال أو السفر.
خلال تاريخه الطويل، وجب على الكائن البشري الإنتقال والسفر لأسباب مختلفة، قد ترافق، غالباً، مع فكرة البقاء على قيد الحياة:
بحثاً عن ظروف مناخية أفضل، بحثاً عن موارد أكثر، بسبب إمتلاك الفضول والحاجة لإكتساب خبرات جديدة، ...الخ.
لكن، لم يقتصر الإنتقال على البُعد المكاني، من مكان لآخر، بل قمنا بهذا الأمر دون حدوث إنتقال جسديّ.
كهروب من أنفسنا، على سبيل المثال، أو بصورة غير واعية، عبر "إنزلاق" مؤقت حتمي، يشكل جوهرنا الخاص الميّت.
بالنسبة للوعي البشري، تشكل الحياة سفراً زمكانياً، يبدأ مع لحظة الولادة وينتهي بلحظة الموت كآخر إنتقال، لا يمكن تفاديه كمصير، وهنا، يبدو "الجحيم أو العالم السفلي أو الهاديس" المقصد النهائي.
وهو مكان، وإن يتصف بالقسوة، فهو يتسم بالعدل، كذلك.
بما يخص رابط "الإنتقال" هذا إلى المكان الأبعد هناك، ننوّه إلى وجود فارق هام، بناءاً على المنطق الأرسطي المعروض في كتابه "الشعر":
تُبنى حبكة القصّة على فعل عام وحيد هو إنتقال عوليس والعودة إلى وطنه إيثاكا؛ بينما لا نجد وحدة الحبكة هذه في ملحمة جلجامش، بل نجد عدة مواضيع تدور حول مغامرات مستقلة غايتها تلميع صورة البطل الرافديّ، لكن، لا يشبه هذا ما يحضر في التركيب اليوناني، حيث يطغى حضور فعل عام معروض بوضوح بشكل صريح من أول لحظة في الملحمة.
في النهاية، توفر الملحمتان رؤية عن الشعوب التي كتبتهما وإمتلاكها لنظرة تشاؤمية مرتبطة بالزمن، وهو ما يدعونا للتفكير في إتصالات ثقافية ما بين الشرق القديم وعالم اليونان القديم.
تُقدَّمْ منطقة الموتى، بوصفها المصير الجحيمي، لكن، العام، بحيث ينتظر الجميع وبشكل مستقلّ عن أعمالهم الحياتية ويتميز "بتواجد" أبديّ ديجوري فاقد للمعنى.
وستتطور هذه الفكرة في النصوص اليونانية اللاحقة، من الفترة القديمة إلى الفترة الهيلينية، حيث تظهر قضايا واضحة صريحة مثل الحساب على السلوك البشري الحياتي، العقاب والثواب الموافق، خلود الأرواح، .....الخ.
يبحثُ الأدب الأفضل في أشكال الحياة والأفكار والمسلكيات والإعتقادات، ...الخ، أي قضايا مختلفة كثيراً عن مجرد معطيات جمالية مبسطة.
عندما يتم الحديث عن دوافع كونية، ستحضر في جميع الملاحم الشعرية الكبرى.
يتحد الأدب مع الدين بصورة جليّة في الثقافات القديمة، يشكل الإتصال بين الحياة اليومية والمستوى فوق البشريّ، أي في البعيد هناك "واقع" كوني، تنتظم فيه الإستعارة والرمزية من خلال الأسطورة.
تختبيء خلف تلك المعاني المتعددة وهذا الغنى المجتمعي:
حكمة واقعية لا يرقى إليها الشكّ، وتتجلى من خلال إنجازاتها الفنية الكبيرة، حيث تحضر خبرة القداسة بشكل أساسي فيها.
ففي الأوديسة، كما جلجامش، ومن خلال التركيز في رؤيتهما للجحيم، نقترب جداً من فهم نظرة تلك الشعوب إلى الزمن، الذي يتعمق في فكرنا نحن.
نوجز بحثنا هذا بكلمات، قد قالها هيغل، ووجهها إلى هوميروس بشكل خاص، ويمكن أن يطال معناها كثير من الأعمال الملحمية الكبرى، كما هو حال ملحمة جلجامش، على سبيل المثال:
"تقدم جميع الملاحم الأصيلة صورة عن روح وطنية في حياة عائلية أخلاقية، عن ظروف عامة من حرب وسلم، عن إحتياجات محددة، عن الفنون، عن الأعراف، عن الإهتمامات، أي صورة عن كل مرحلة وكل صيغة إدراك بالعموم. تمثل معاً تاريخ العالم في أبعاده الحيوية والإنتاجية والملحمية. بما يتعلق بالروح اليونانية، التاريخ اليوناني، أو على الأقل ما مثّله الشعب من مركز إهتمام، لا يمكن تعلُّم شيء حيّ وبسيط عنه من أيّ مصدر مقارنة بما أنتجه هوميروس في هذا المنحى".
هوامش
1. يُشير الاستاذ أنطونيو غارِّيدو دومينغيث إلى أهمية المكان في السرد القصصي، في كتابه النص القصصي، فيقول:
"يكتسب العنصر المكاني أهمية كبرى بين عناصر أساسية أخرى، في البناء القصصي، مثل الشخصيات، الأحداث والزمن".
هذا الموضوع من كتاب:
جماليّة الإنتقال. رؤية أدبيّة للجحيم في الأوديسة وفي ملحمة جلجامش - 2006
للمؤلِّف: ألبرتو فرنانديث أويا
صادر عن منشورات جامعة كومبوليتنسي - مدريد
2. نتحدث هنا عن شخصية هاديس إله الموتى، حيث يتم الخلط بينه وبين مكان الهاديس أي العالم السفلي، هو إبن كرونوس وريا وشقيق زيوس وبوسيدون وهيرا وسواهم.
3. ربّة الموت لأنها ملكة العالم السفلي. هي إبنة زيوس وديميتر وزوجة هاديس.
4. أوديسيوس، خضعت قصته إلى إجراء تعديلات عديدة، بل حملت شخصيته تفسيرات رمزية وصوفية عديدة.
5. إبنة هيليوس وبيرسي وشقيقة أيبتيس وباسيفاي. وهي ساحرة تقطن جزيرة أيايا التي وصل عوليس إليها أو أوديسيوس في جولاته ولعبت دوراً مركزياً في قصة هبوطه إلى الجحيم.
6. إبن إيفيريس والحورية خاريكلو ووالد إبنة وحيدة تدعى مانتو. كان طيبي، ومن أشهر المنجمين والعرافين ذائعي الصيت.
7. إبن خاوس ووالد أيثر وهيميرا من أخته نوكس. يمثل الإيريبو الظلمة وعلى الأخص ظلمة باطن الأرض التي لا يمكن إختراقها، ولذلك، يُستخدَم إسمه عادة إشارة إلى العالم السفلي نفسه.
8. كلب ذو ثلاثة رؤوس، حارس بوابة الهاديس وإبن طيفون والعفريت إيكيدنا.
9. تحضر المياه بشكل مكثف بكل ما له علاقة بالموت، تشكّل أحد أهم الأسباب المرافقة للموضوع قيد البحث.
10. الدخول إلى الهاديس مستحيل على كل كائن حيّ، ولكن، تدخُّل الإلاهة الساحرة كيركة هو الذي أتاح الفرصة لعوليس للقيام برحلته تلك.
11. هو ميركوريوس عند الرومان. إبن زيوس وميا وأحد آلهة الأولمب العظام. تختلف وظائفه كثيراً عن باقي الآلهة. وُلِدَ في كهف فوق جبل كولّيني. رافق بيرسيفوني في ذهابها إلى الهاديس وعودتها منه وهو المرافق لأرواح الموتى هناك.
12. إبن بان وبوفيمي، ومربّي ربّات الفنّ. عاش فوق جبل هيليكون كزميل لربات الفن.
13. الإلاهة السومرية إنانا من أهم أبطال الأسطورة الرافدية. عُرِفَتْ باسم عشتار في النصوص الأكادية، هي إلاهة شابة، عاشقة ومحاربة بآن معاً. مرغوبة وخجولة. ليست إلاهة أم للخصوبة، بل يرتبط اسمها بالشباب، الشهوانية والإنفعالات الحسية. من قاموس علم الأساطير الكوني لخايمي أبار إيثكيرا.
14. إلاهة سومرية، يعني اسمها "سيدة البقرات الوحشية"، والدة جلجامش التي ساعدته على تفسير أحلامه.
15. هنا، نجد موضوع كلاسيكي يطال المتناقضات، حيث نجد صداه في نصوص الكتاب المقدس من خلال الحديث عن الهمجية والتحضر.
16. كذلك، يسمى إنكي، واحد من ثلاثة آلهة سومرية رئيسية، هو إله المياه والمحيطات والبحار.
17. لنتذكر تقسيمه الثلاثي والشاقولي للعالم: الآلهة، البشر والعالم السفلي.
18. سين هو إله القمر، من أصل بدوي في الغالب الأعمّ من المراجع.
19. يقول جوزيف كامبل في كتابه "البطل ذو الوجوه الألف، تحليل نفسي للأسطورة": "دوماً، يرفع النداء الحجاب، الذي يغطي التجلي، طقس ما أو خطوة روحية ما، إن يتم القيام بها، فحتى تتساوى مع الموت ومع العودة إلى الحياة أو الولادة من جديد".
20. وفق الإعتقادات الرافدية، إختبأت الشمس ليلاً في نفق، لتعود وتظهر نهار اليوم التالي.
21. بحسب كلمات كانط، التي إعتمدها باجتين: "يُعرِّف كانط الزمان والمكان بوصفهما عنصرين أساسيين في كل معرفة".
9.29. ولادة أسطورة
اليوم 25 كانون أوّل/ ديسمبر، وكما في كل 25 كانون أول (منذ القرن الرابع)، يحتفل الكاثوليك بميلاد مسيحهم.
لكن كيف تمَّ التوصل لتحديد تاريخ ميلاد يسوع؟
كيف تصل المسيحية لتكون ما هي عليه؟
في البدء، سنرى ما قاله يوحنا بولس الثاني حول ذاك التاريخ:
"بما يتصل بتاريخ دقيق لميلاد يسوع، لا يوجد أي تأكيد، لا تتطابق آراء الخبراء، بالتالي، تاريخ 25 كانون أول هو أمر رمزيّ لا تأريخيّ!".
جيد، تاريخ رمزيّ، لماذا لا يحتفل بالميلاد بأي تاريخ آخر؟
فبعض التواريخ التي احتفل بها بالميلاد في الماضي، هي:
28 آذار، 2 كانون الثاني، 2 نيسان، 19 نيسان، 20 أيار، 29 أيلول و6 كانون الثاني.
يظهر الخبر الأول عن الميلاد في 25 كانون أول خلال بابوية القديس يوليوس الأول الذي استلم البابوية بين العامين 337 و352.
الآن، لماذا لم يختار القديس يوليوس الأول تاريخاً من التواريخ المستخدمة التي وردت أعلاه؟
ببساطة لأنه في يوم 25 كانون أول، في نصف الكرة الشمالي، يحدث الانقلاب الشتوي وهو اليوم الاقصر في السنة، وخلال حقب سالفة، احتفلوا بذاك اليوم كيوم لمولد الضوء، مولد الآلهة، وكصيغة أفضل للعودة إلى الوثنيات، التي يسرقون التاريخ الأهمّ لدينهم منها (التقليد بتزيين الأشجار، يعود لطقوس وثنية أيضاً، لكن هذا لا يهم الآن!!).
سنرى من هم أصحاب أعياد الميلاد الآخرين:
أوزيريس، حورس، أتيس، بوذا، كريشنا، زرادشت، ديونيس، هراقليس، ميترا، باكو، ساتورنو وهيركوليس بين آخرين، حضروا كلهم قبل المسيحية بزمن طويل، وقد وُلدوا وفق كل أسطورة في يوم 25 كانون أول.
اذاً، فالتاريخ (25 كانون أوّل / ديسمبر) منسوخ من الأديان الوثنيّة الأخرى، لكن أي أهمية يمتلك هذا؟
يملك يسوع قدرات منفردة، فقد وُلد من عذراء وضحى بنفسه لإنقاذ البشرية وهذا ما لم يفعله أحد قبله ... وُجد أشياء أخرى بالاضافة للتاريخ، قد استعارتها المسيحية، سنرى، مع تفصيل أكبر، تاريخ الألوهيات قبل اشتهارها:
- أتيس: مولود من العذراء نانا في 25 كانون اول. امتلك إلهية مضاعفة، أب و ابن إلهيين. مات مصلوباً على شجرة لانقاذ كل البشرية.قُبِرَ، لكن في اليوم الثالث، وجدت مجموعه من الكهنة قبره فارغاً. قام من بين الأموات في 25 آذار. يُمارسون في هذا الدين طقس العمادة كتعبير عن "الولادة من جديد"، لديهم أكلة مقدسة سنوية، حيث يقدم الخبز كجسد الإله والخمر دمه. اشتهر، كذلك، بأسماء"الراعي الصالح"، "الإله العالي"، "ابن الإله" و "المُخلِّص".
- بوذا: مولود لعذراء اسمها مايا في 25 كانون أول. أعلنت عن ولادته نجمة وزاره رجال علماء محملون بهدايا باهظة الثمن. غنّت الكائنات السماوية لمولده. في عامه 12 علَّم في معبد. حاولت ماره، التي مثلت الروح الشريرة، إغواءه في زمن الصوم. تعمد بالماء باسم روح الإله الحاضر. شفى أشخاص مرضى. أشبع 500 شخص من خلال توزيعه لكعكة صغيرة. أمر تابعيه بتمجيد الفقر والعيش الزهيد. تحوَّل لجبل. اشتهر بأسماء: "حامل النور"، "المعلم" و "نور العالم".
- ديونيس: مولود من عذراء يوم 25 كانون أول. حقق معجزات مختلفة. امتطى الثور وطاف بأجواء مبتهجة بالانتصارات. حوَّل الماء لنبيذ. أعطى غذاء مقدسا لمريديه واستقبلوا هكذا جسد الاله. قام من بين الاموات يوم 25 آذار. ملك الأضاحي كرمز ضأني وخاروفي. اشتهر بأسماء "ملك الملوك"، "الابن الوحيد للإله"، "الفادي"، "المُخلِّص"، "حامل كل الخطايا"، "الممسوح بالزيت أو المسيح".
- هيراقليس: ولد في 25 كانون الاول، ابن لعذراء والتي كبتت رغبتها الجنسية حتى ولادة الطفل. أسموه "المُخلِّص"، "أمير السلام"، "ابن كل العادلين" و "الابن الوحيد".
- كريشنا: وُلِدَ خلال تواجد أبيه في المدينة لدفع الضرائب للملك. أعلنت ميلاده نجمة. كريشنا ابن لعذراء اسمها ديفاكي، ولد في 25 كانون أول في مغارة، وحصلت معجزة لحظة ولادته. انحنت البقرات لعبادته. حاول الملك كانسا البحث عنه لقتله. سافر كريشنا وحقق العديد من المعجزات، أيقظ أموات، شفى الأبرص، الأصم والأعمى. مات مصلوبا ومخترقا بسهم. لكن في اليوم الثالث، صعد للسماوات. لينتظر ارتقاءاً ثانياً نحو العرش. كريشنا التجسيد الثاني لاتحاد الاقانيم (الثالوث) الهندي.
- ميترا: ولد في 25 كانون أول في مغارة، ولد لعذراء. عبدوه لقرون كرسول للحقيقة. كل عام بأواسط الشتاء، يولد ابن الاله من جديد، حيث يضع حدّاً للظلمة. هبط ميترا من السماء كإنسان، أنقذ البشرية من أخطائها، اشتهر بأسماء "المُخلِّص" ، "ابن الاله"، "الفادي" و"حمل الإله". دُفِنَ في قبر، قام من بين الاموات (يتصادف تاريخ قيامته مع عيد الفصح المسيحي!!). يُقيم تابعوه مآدب طقسية في ذكرى تلك الحادثة. ترمز الأكلات المقدسة، خبز وماء أو خبز وخمر، لجسد ودم الإله.
- زرادشت: مولود من عذراء. تعمَّدَ في نهر. في شبابه، أدهش بمعرفته العظيمة باقي الحكماء. أغواه الشيطان في الصحراء. طرد الشياطين. أرجع نظره لانسان. أظهر كل أسرار السماء، من جحيم، القيامة، الحساب، الانقاذ والحوادث المستقبلية. احتفل المؤمنون به بالقربان المقدس. اشتهر باسم "الكلمة صارت جسداً".
- أوزيريس: مولودة من العذراء ايزيس – ميري في 25 كانون أول. معروفة في روما باسم كيريستو الممسوح بالزيت! جرى إعلان ولادتها عبر نجمة وبمساعدة رجال حكماء (ملوك مجوس). سمي أبوها الأرضي "سيب". جعله آنوب يمر بطقس مشابه للمعمودية. سافرت أوزيريس طويلاً، علَّمت البشر وقامت بتهدئة الشعوب بواسطة الموسيقا. عملت معجزات، طردت الشياطين. احتفل المؤمنون بها بموتها وقيامتها كل عام في الانقلاب الشتوي (الفصح). كانت تأمل سيادتها خلال ألف عام. اشتهرت بأسماء "طريق الحقيقة والنور"، "الإلهة المتحولة لانسان"، "بنت الله" و"الفعل صار جسداً".
هل هناك حاجة للمتابعة، أم الأمور واضحة الآن؟
إذن بعد كل شيء، لم تكن قصة يسوع فريدة، على مستوى قدراته وطريقة ولادته من عذراء، بل هي قصة مشتركة أو شائعة بشكل واضح، لكن كيف جرى نسخ كل هذا من أديان أخرى، إن يظهر في الكتاب المقدس؟
جيد، لم يُكتَب "العهد الجديد" خلال فترة وقوع الاحداث، بل جرت كتابته بعدها بزمن طويل.
بحسب الأسطورة، مات يسوع في لحظة ما من العام 33 وكُتِبَ انجيل مرقس بعد العام 70، وعلى الأرجح أبعد من ذلك بكثير، يتحدد بتهديم الهيكل اليهودي الذي حدث في العام 70. هنا تحضر مشكلة صغيرة، بين الموت المفترض ليسوع وكتابة انجيل مرقس: يوجد فراغ متكون من 40 عام أو أكثر!!
تقريباً كل ما هو معروف عن تلك الحقبة، يأتي من شخص اسمه القديس بولس الطرسوسي (طرسوس مدينة تركية اليوم)، يا لها من صدفة، فهذا لا يذكر العذراء مريم، ولا أي معجزة عملها يسوع، ولا أي يوحنا المعمدان، ولا يدلل بكلمات له، ولم يذكر العشاء الأخير، ولا أي دخول للقدس، ولا شيء مما عمله المسيح.
بالتالي لم يولد في 25 كانون أول، ولم يكن ابناً لعذراء، ولم يعمل شيء من المُحتمل أنه قد عمله، لكنه موجود ... حقيقة؟ إممممممم!!
بولس الرسول من المفترض أنه قد رأى يسوع عبر رؤيا، نعم! رؤيا، اقرؤوا جيداً، هكذا مثل رائيل الذي شاهد كائنات غير أرضية (فضائيّة) واليوم لدينا الرائيليين المعتقدين بتناسخها ذاتها ومن هناك ولدت الانسانية، بنفس الصيغة التي ظهرت عبرها المسيحية.
حسناً، زبدة الموضوع، هل تعرفون التبرير الذي تعطيه الكنيسة لشبه قصة يسوع مع قصص الإلاهيات الأخرى؟
يقولون بأن الشيطان قد استعلم عن مخططات الله وقام بمحاكاتها .... قبل أن تحدث.
10.29. هل تهمُّ الحقيقة؟
في اللغة العاميّة، لا معنى لمُصطلح "حقيقة" إن لم يتصل، بشكل مباشر، مع الواقع.
إذا تواجدنا في عالم سرعة التصديق، يفقد ما تقدَّم المعنى: حيث تكمن الحقيقة فيما يُصدَّق؛ لا في حقيقة الواقع الذي جرى ويجري تصديقه.
يبدو أن ما يهمّ الزعماء المتحكمين بما يجب تصديقه، على وجه الخصوص، هو أن يُؤمن الشخص، أن يُصدِّق، ودون أن يأخذ في حسبانه إن يكن الهدف من التصديق حقيقي أو زائف.
على مستوى الأديان، يتعزز الإحساس بعدم أهمية وقائع تاريخية محددة مقابل تسليط الضوء على تلك الوقائع المزعومة المعزوّة إلى الله أو لا فقط.
ثلاثة أمثلة شهيرة:
أولاً: كفن المسيح في مدينة تورينو الإيطالية، عبارة عن قماشة من الكتّان، تعود على ما يبدو إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشر؛ رغم هذا، لا يزال يجذب السيّاح وينفع كحجّة للمُؤمنين المُصدقين.
وما الذي يهمّ، سيقولون، فيما لو حُوفِظَ على "ذكرى" يسوع من خلال إعتماد كذبة صغيرة؟
كلا، فهذا ليس بجديد: فلقد قالها بولس الطرسوسي (القديس بولس)، إن يتمجد الله من خلال كذبي، فهو أمر عظيم!
ثانياً: الجدل المُثار حول صورة عذراء مدينة غوادالوبي المكسيكية ووجود القديس خوان دييغو أو عدم وجوده.
قال رئيس أساقفة المكسيك: ليس مهماً إن وُجِدَ خوان دييغو أو لا؛ فما هو مهم أن تعتقد الناس بوجوده وهو ما يجب الحفاظ عليه!!!
كلام واضح وصريح!!
ثالثاً: سانتياغو دي كومبوستيلا عبارة عن مدينة مولودة من القصص الأسطورية، هي محجّ حقيقي للسياحة الدينية، حيث يزورها سنوياً آلاف الحجّاج – السيّاح (يمكننا قول ذات الشيء حول أمكنة أخرى شهيرة، على إعتبارها مراكز ربح من خلال إستغلال المقدس).
ألا تهم معرفة إن جرى دفن شخص اسمه سانتياغو في منطقة إيريا فلافيا؟
يحمل هذا الأمر القليل من الأهمية. فلا حضور لهذا الواقع على الأرض، لكن جرى خلقه من خلال الإيمان به!!
هذه وقائع "ليس لها أية اهمية"، فليست هكذا نظراً لدلالتها النهائية، بل لأنها تقودنا إلى طرح شيء جوهريّ أكثر، هو:
تُمثِّل كلمات رئيس أساقفة المكسيك، الواردة أعلاه، المنطق الذي يُحوِّل الوهم أو الكذب إلى "حقائق دامغة" من خلال الإيمان، بهذا، يتجسد المسيح من خلال قطعة كتّان وتحضر العذراء من خلال رؤية القديس خوان دييغو!
لماذا تبرز تلك الأشياء "تاريخياً" وغيرها لا؟
فلا يمكن دعم إعتقاد بأساطير، مزاعم، سحر والتأكيد القطعيّ بأن كل شيء حقيقيّ.
هكذا نجد أنّ جميع الطقوس، بعضها من النوع السافر، مثل زيارة الاماكن المقدسة، منح البركات، الأدعية، رسم علامات الصليب لدى الخروج من البيوت أو لدى بدء المباريات، تقديم القرابين المقرون بالطلبات؛ وبعضها الآخر ألطف، مثل القُدَّاس، طقس الاسرار، لكنها مسكونة بالخرافة أو السحر.
لا نحتاج لأكثر من إجراء مراقبة نزيهة للأماكن المقدسة، حنى نتحقق من هذا الأمر.
يُنتِجُ القرب من "المقدس" الخوف أو كما يقولون:
الإقتراب من "النور"، عند الإعتراف للكاهن، أيُّ قرفٍ هذا!
الشيء الوحيد الذي يدعم كل هذا هو المصالح الإقتصادية والفلكلورية، وهو ما تؤمن به بعض العقائد، بل تبرره على نحو مستمرّ.
أخيراً، وبرأيي المتواضع، لا شكّ أنّ السياحة الدينية أمر هام وقد شغل البشر منذ أقدم الأزمنة؛ فالهدف الإقتصادي، إلى جانب أهداف أخرى كثيرة يصعب حصرها، هو الشغل الشاغل. لا بأس من خلق ضريح هام ولو دفنا فيه كلب أو بغل ونكذب لنقل أنه أعظم شخص عرفه التاريخ! طالما أنه سيجلب الحجيج، الذين سيدفعون النقود ويحركون وسائل النقل والأسواق ....الخ.
في العُمق، ألا يحدث هذا في الحج إلى مكّة؟ إلى القدس؟ إلى المزارات الهندوسية؟ المزارات البوذية؟!
11.29. الصيام عبر التاريخ
رافق الصيام البشر بشكل شبه دائم، سيما من خلال اعتماده كطقس ديني. وقد صام الإنسان لأجل تحقيق ثلاث غايات أساسية، هي:
تنظيف الجسد، تنقية الذهن والبحث عن البعد الروحي.
صام المنجمون والسحرة من مختلف الثقافات بطول وعرض الكرة الأرضية، سيما على شكل تحضيرات احتفالية خلال العام أو لأجل الاحتفال الطقسي العلاجي أو طقوس الدخول إلى "عوالم موازية" بحثاً عن "الرؤية" وتحصيل معلومات مفيدة تساعدهم في عمليات العلاج لأفراد القبيلة أو الجماعة.
شكل الامتناع عن تناول الأغذية قسم من طقوس الخصب لدى بعض الثقافات القديمة فصاموا على مدار قرون خلال فترات الاعتدال الشمسي بين الربيع والخريف.
أثبتت الوثائق الأثرية حضور الصيام الكامل أو الجزئي لدى شعوب آشورية، بابل، الصين، اليونان، الهند، فلسطين، فارس وروما. وقد حدث سقوط وانحطاط روما خلال فترة الإسراف بتناول الأطعمة، نعرف اليوم بأنهم كانوا يستفرغون بعد تناول الطعام لكي يتمكنوا من الاستمرار في التهام الغذاء. فالاستمتاع بتناول الطعام شيء والإصابة بالتخمة شيء آخر تماماً، ومن هنا يمكن الوصول إلى الإصابة بالتخمة من الحياة ذاتها.
بحسب المعلومات التي وصلت إلينا حول الحضارات الأولى في شرق المُتوسِّط ومصر، فإن أنواع من الصيام قد حضرت كجزء من الممارسات الدينية.
كذلك، شاع الصيام بين قدماء الفرس.
في مصر، صام الأعضاء المطلعون على أسرار إيزيس وأوزيريس بشكل كلي لمدة سبعة أيام.
كذلك، تطلب الاطلاع على أسرار آلهة يونانية قديمة الصيام لمدة تراوحت بين سبعة وتسعة أيام.
صام كل من سقراط وأفلاطون، بشكل دوري، لمدة عشرة أيام خلال كل صيام.
كان الصيام أحد شروط الإنتساب إلى المدرسة الفيثاغورية.
كذلك، توجب على الكهنة التطهُّر عبر الصيام لمدة يوم كامل كي يتلقوا الوحي في المعابد اليونانية القديمة.
توجب على كل فرد كلتي، قد قرر أن يتحول إلى كاهن، أن يخضع لإعداد مديد يحضر الصيام في سياقه.
بحسب هيرودوت، حافظ الفرس على لياقتهم وحيويتهم بسبب تناولهم الطعام لمرة واحدة يومياً والامتناع عن تناول اللحوم.
صام الهنود الحمر من قبايل الهوبي، التي قطنت أميركا الشمالية، وقد شكل طقس "رقص الثعابين" مناسبة للصيام. وخلال إقامة الحفل الطقسي يضع كل شخص أفعى بين أسنانه ويرقص، في اليوم التالي، يرجعون الأفاعي إلى الطبيعة كي تخبر عن عيش الهوبي بتناغم مع العالم الطبيعي والروحي.
كذلك، صام أفراد قبائل هنود أميركا الشمالية لأجل درء المخاطر وإبعاد الملمات؛ فيما صام أفراد قبائل مكسيكة أصلية لأجل إنشاء علاقة مع آلهتهم.
كذلك، صام أفراد الإنكا والأزتيك في أميركا الجنوبية.
طبقت كثير من الأديان والفلسفات الصيام في طقوسها واحتفالاتها الخاصة، كاليهودية، المسيحية، الإسلام، الكونفوشوسية، الهندوسية، الطاوية والجاينية.
رغم أن البوذية تطلب من أتباعها الإعتدال في تناول الأغذية، فإن بعض تابعيها يصومون أيضاً.
من جانب آخر، طبق بوذا عدّة أنواع من الصيام خلال حياته.
يمتلك الصيام تاريخاً طويلاً، وقد ترافق بالقسم الأكبر منه مع الدين، حيث يمكننا العثور على حوالي 300 إشارة إلى الصيام في الكتاب المقدس. حيث يُشير العهد القديم إلى الصيام وإسهامه بالعلاج والشفاء.
يصوم اليهود في يوم كيبور عن كل طعام وشراب.
صام القديسون يوحنا الصليب، تيريزا القديسة وفرنسيس الأسيزي لفترات زمنية طويلة.
اعتبر المتصوفة الأقدمون أن الصوم لا غنى عنه لأجل النمو الروحي.
جرى إقرار الصوم الكبير المسيحي خلال القرن الرابع. يبدأ الصوم الكبير ليلة أربعاء الرماد وفق التقويم الكنسي الغربي. يقوم الصوم الكبير على تحريم تناول اللحوم والمنتجات الحيوانية طوال أربعين يوم.
حيث يشكل الصوم الكبير المسيحي ذكرى بين ذكريات قديمة أخرى.
ظهر الصيام في الفترة التي تسبق فصل الربيع، حيث تفتقر الأرض للمنتجات من خضار وفاكهة، وكذلك، حين تقل نسبة المواد المخزنة المستهلكة خلال الشتاء. ربما يُعتبر أمراً مخالفاً للمنطق، سيما منذ عدة قرون، بدء الصيام في الصيف، أي عندما تتوفر المنتجات من الخضار والفاكهة بكثرة.
كان الصيام اختيارياً في المسيحية، ثم أضحى إلزامياً. وقد حافظت الآرثوذكسية على إلزاميته؛ في حين جعلته البروتستانتية إختيارياً في بعض الأحوال.
صام المانويون بشكل أسبوعيّ. كان القديس أغوسطين الشهير مانوياً وعاش في القرن الرابع، لكن، تحول إلى المسيحية بعد إمضائه تسعة أعوام في المانوية وكتب إنتقادات حادة بحقها.
كذلك، يشتهر المسلمون بصيامهم النهاري وامتناعهم عن تناول أي شيء خلاله خلال شهر كامل اسمه رمضان.
وصف الطبيب والفيلسوف العربي الشهير ابن سينا الصيام لمرضاه من ثلاثة إلى ستة أسابيع.
مارس المهاتما غاندي فترات امتناع عن الطعام على شكل إضراب خلال الإحتجاجات السلمية بمواجهة الاحتلال البريطاني للهند. لقد استخدام الصيام "كسلاح" مقاومة سلمية وعدم التعاون مع الحكومة البريطانية وأثبت أنه "محارب سلمي" حقيقي. في العام 1932، خلال تواجده في السجن، نفذ "صيام حتى الموت" لأجل تحسين الأوضاع، وفعلاً قد حقق صيامه أهدافه، بالنهاية، والتي تمثلت بتحرر واستقلال الهند. كذلك لاحظ غاندي فائدة الصيام على حياته نفسها.
12.29. أصل الظواهر الطبيعيّة: من الميثولوجيا اليونانيّة إلى التصميم الذكي
لفتت الحوادث الطبيعيّة أنظار البشر منذ بدايات ظهورهم.
وما يميزنا عن باقي الحيوانات هو قدرتنا الدماغيّة التحليليّة.
فمنذ بدايات ظهورنا، أردنا الحصول على تفسير لكل شيء مُحيط بنا. مثل ظواهر بسيطة كطلوع الشمس، المطر أو نشوء نهر، قد فسّرها أسلافنا، لكن، إبتعدت تفسيراتهم، في أغلب الأحيان، عن الجواب المنطقيّ.
لقد إبتكر المصريون واليونانيون مجموعة من الآلهة، التي أعطت المعنى لأصلهم ولما جرى في محيطهم.
فهكذا، خضعت الرياح، الزلازل، العواصف .. الخ لسطوة الإله إيولو Eolo وهو إله الرياح اليوناني، وسطوة الإله فولكانوس وهو إله النار الروماني، وسطوة بوسيدون إله البحر والزلازل والعواصف اليوناني وبالإضافة إلى سطوة آلهة اخرى شبيهة.
كذلك، في تلك الحِقَب الزمنية، عاش أشخاصٌ مُلحدون، أشخاص قد بحثوا عن أجوبة في الطبيعه ذاتها دون الإهتمام بالآلهة؛ وقد إستخدموا الإختبار والتجربة لفهم العالم.
رغم الصورة المثالية الممكنة المتوفرة حول أصل العلم في اليونان القديم، فاللافت للإنتباه هو أنّ كثيرين من أولئك الأشخاص بقوا مجهولين (أو جرى تجاهلهم)، إضافة لتعرضهم للإضطهاد بسبب عدم إيمانهم " بالقدرة الإلهية " وقتها.
كذلك، للتراث اليهومسيحي أساطيره حول أصل الكون، يتجلى هذا الأمر في سفر التكوين من العهد القديم.
وبمرور قرون طويلة، ساهمت الفيزياء، كما الكيمياء وعلم الأرض وعلم الأحياء، في توفير تفسير منطقيّ غير أسطوريّ قصصي لأصل الكون وكوكبنا جزء منه؛ وطال هذا الإسهام تفسير وفهم التنوّع القائم لدى الأنواع الحيّة الموجودة بوقتنا الراهن.
لم يتوصل العلم، مع هذا، للآن، إلى تقديم جواب شافٍ حول أصل الحياة، رغم وجود نظريات عديدة تقترب من الموضوع. ولهذا، ما يزال يعتبر مؤمنون كثيرون الإله كحادث أوّل أو أصل للحياة.
تجدر الإشارة إلى مجموعة من الناس التي تتبنى تفسيراً حرفيّاً لسفر التكوين، حيث تؤكد على أنّ كوكبنا عمره 6000 عام وننحدر كلنا من آدم وحواء مباشرة. هذا أشبه ما يكون بقصّة، ومساوٍ لما تطرحه بعض قبائل الهنود الحمر حول اصل الكون، إنّه تفسير مدعوم من قبل الاصوليين الدينيين الاميركيين، وفي مقدمتهم السياسيين المحافظين.
فلقد قاد الضغط السياسيّ، الذي مارسه أولئك، إلى فرض تعليم نظرية الخلق (أو التصميم الذكي كتسمية عصرية) في مدارس بعض الولايات مع سعيهم لمحاولة منع تعليم نظرية التطور على مستوى الولايات المتحدة كلها.
التصميم الذكي، عبارة عن مُصطلح لا جديد فيه، فكما تعلمون، لا يعدو كونه محاولة تجميلية للخلق؛ لقد إستطاع الخلقيون من خلال طرحهم الخاص بالتصميم الذكي:
لفت الإنتباه إليهم، كما لو أنهم يطرحون تعليماً علمياً.
لكن، قالت المؤسسة العلمية رأيها فيهم بوضوح شديد. يمكنكم الإطلاع على هذه الأمور ذات الصلة:
علم، تطوُّر وخلق .. القضيّة الكاملة
من المهم التنويه لأنّ أحد أهم إختصاصات الخلقيين هو رفض الدليل وإخراج نصوص علمية من واحدة من مجلات المؤسسة الأوروبية للبيولوجيا الجزيئية مع العمل الممنهج على تشويهها!
13.29. الغول
هو عبارة عن "شيطان يعتاش على جثث الموتى البشر ويخطف الأطفال ليقتلهم ويلتهمهم" بحسب الفلكلور العربي، يعيش عادة بأماكن غير مأهولة أو في المقابر.
يجري تصنيفه كوحش لا يموت.
تعود الإشارة الأقدم إلى الغول إلى كتاب ألف ليلة وليلة، علماً أنه يوجد مُصطلح مؤنث هو غولة أو الغولة.
جرت الإشارة إلى المُصطلح في الأدب الإنكليزي العام 1786، في الرواية المتأثرة بالبيئة العربية "فاتيك (الواثق)" للروائي البريطاني ويليام بيكفورد، حيث يُشار إلى الغول بسياقها.
كذلك، يُستخدم المُصطلح، أحياناً، لتوصيف شخص يتلذذ بعذاب الآخرين، ولتوصيف شخص يعمل بمجال دفن الموتى. يُستخدم بالعربية الدارجة (اللهجات المحلية، سيما في بلاد الشام) لتوصيف أيّ شخص بليد مفرط بالجشع أو بالطموح. (تخويف الأمهات أطفالهن بالغول أمر شهير في منطقة بلاد الشام)
يمكن أن يُغيّر الغول شكله، بحيث يصير على هيئة ضبع أو هيئة أيّ حيوان صحراوي آخر.
يسعى غالباً إلى تضليل المسافرين عديمي الخبرة بالمناطق الصحراوية، فيقودهم إلى الموت المحتم.
كما جرت الإشارة أعلاه، يحاول إصطياد أطفال، يشرب الدماء، يسرق الأموال ويأكل جثث الموتى.
الغول، بحسب اللغة العربية، هو:
غُول: جمع أغوال وغِيلان
1 - نوع من الشَّياطين تزعم العرب أنَّه يظهر للنَّاس في الفلاة فيتلوّن لهم في صور شتّى ليضلّهم ويهلكهم ، حيوان خُرافيّ لا وجودَ له :- تغوّلتهم الغيلان : أضلَّتهم ، - ما شبّهتهم إلاّ بالغيلان.
• يأكل كالغول: بشراهة ونهم .
2 - كلُّ ما أخذ الإنسانَ من حيثُ لا يدري فأهلكه، أو ذهب بعقله.
• غول جبال الهملايا: حيوان أشعر شبيه بالإنسان يقال إنّه يعيش في أعالي جبال الهملايا.
المعجم: اللغة العربية المعاصر
غول: ج، أغوال وغيلان
1 - غول: حيوان وهمي. 2 - غول: داهية، مصيبة. 3 - غوله لكة. 4 - غول: و جمع: أغوال: كل ما يذهب بالعقل. 5 - غول: موت. 6 - غول: حية.
المعجم: الرائد
غُولٌ: جمع: غِيلاَنٌ . (مؤ). [غ و ل].
1 . حَكَتْ لَهُ جَدَّتُهُ قِصَّةَ الْغُولِ: حَيَوَانٌ خُرَافِيٌّ لاَ وُجُودَ لَهُ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَظْهَرُ للِنَّاسِ لَيْلاً فَيُهْلِكُهُمْ .
2 . لاَ شَيْءَ يُنْقِذُهُ مِنْ هَذَا الْغُولِ: الدَّاهِيَة، الْمُصِيبَة ، الْمَنِيَّة. ¨ غَالَتْهُ الْغُولُ: إِذَا أَهْلَكَتْهُ.
المعجم: الغني
هناك رأي يعتبر أنّ أصل "الغول" يعود إلى أحد شياطين العالم السفلي السومريين – الآشوريين – البابليين هو غالو.
للآن، لا يوجد مُصطلح إسباني مُعتمد في القاموس الاسباني الأشهر: قاموس الأكاديمية الملكية الإسبانية، يقابل المُصطلح العربيّ الغول، وقد استخدم المُصطلح الانكليزي "غول" في ترجمة إسبانية لأعمال الكاتب الأميركي الشهير هوارد فيليبس لافكرافت، حينها ظهر إسم الغول لأوّل مرة في اللغة الإسبانية.
وفي ترجمة الكاتب الإسباني رفائيل كانسينوس أسينس لكتاب ألف ليلة وليلة، إستخدم مُصطلح "الغولة" المستوحى من العربية مباشرة.
فلكياً، أصل تعبير "رأس الغول" هو المُصطلح العربي الغول.
جرى إستخدام مُصطلح الغول في روايات الخيال العلمي الحديثة وألعاب الفيديو كذلك، مثل الكاسلفينيا، الفول أوت أو الوور كرافت.
14.29. ما هو أصل النجمة السداسيّة؟
يعود أصل النجمة السداسية إلى زمن بالغ القِدَمْ من عمر البشرية، اعتباراً من أيام مصر القديمة، وهو أمر يثير الفضول. جرى استخدام هذه النجمة قديماً في السحر، التنجيمية، الشعوذة والفلك.
حديثاً، إرتبطت جرائم كثيرة بالتنجيم المرتكز على هذا الرمز السداسي، الأمر الذي دفع شرطة كاليفورنيا إلى إصدار بيانات، تنبّه العامة من خلالها، سيما أطفال المدارس، كي يتفادوا التماهي مع هذا الرمز.
كذلك، من عدّة سنوات، أنبأت الصحيفة الكندية شمس تورونتو عن تخريب كنيسة ومدفن، حيث رسم المخربون النجمة السداسية بكل الأنحاء. وقتها، لم تحدد الصحيفة نوع النجمة، كي لا تُلصَقْ التهمة باليهود.
لكن، مع ذلك، هل أمكن اشتراك بعض اليهود بهذا التخريب؟
للأسف هذا إحتمال وارد، حيث يميل قسم من اليهود للقيام بمثل هذه الأعمال، التي تخالف النصوص المقدسة. حيث يذكر الكتاب المقدس شيئاً من هذا القبيل.
الآن، لماذا تستخدم غالبية اليهود، اليوم، النجمة السداسية بوصفها رمز يهودي، ويسمونها "نجمة داوود"؟
حسناً، هو أمر مثير للدهشة!
يُشير الباحث هيرش غولدبرغ، وهو يهودي، في كتابه "الإتصال اليهودي" (صورة الغلاف أعلاه) إلى:
"أصل نجمة داوود ليس يهودياً، لم يستخدمها اليهود الأقدمون كرمز ديني، لقد إستخدموا رمز الشمعدان ذو السبع شمعات الشهير".
إذاً، لماذا تُعرَفْ النجمة السداسية بنجمة داوود؟
جرى تبني هذا الرمز بصورة واسعة، ليس لأن اليهود قد إختاروه، بل لأنّ هتلر قد أجبرهم على إستعمال نجمة صفراء سداسية خلال فترة تعذيبهم في معسكرات الإعتقال النازية الشهيرة أو عبر الهولوكوست.
معنى مُصطلح هولوكوست "الحرق بالنار كتقدمة أو قربان".
بدقّة، جرى إستعمال النجمة السداسية في الماضي، عندما جرى تقديم قرابين بشرية إلى الإله مولوخ والإلاهة عشتار خلال طقوس عبادة الإله بعل. وفي حال تأثر اليهود وقتها بهذا الرمز، فقد إستخدموه بصورة سرية غير علنية.
وبالعودة إلى هتلر، الذي أعجب بالقضايا التنجيمية ورموزها، قد رغب بالقضاء على اليهود، ولهذا، عمل على حرقهم بوصفهم "قربان" يساعده بالحفاظ على السلطة. اليوم، يعتمد الكثيرون من اليهود والمسيحيين أيضاً هذا الرمز، كخيار شخص حرّ، ودون التفكير حتى بأصله وكيفية إستخدامه قديماً.
لقد تحول إستعمال رمز النجمة السداسية لنوع من الموضة.
الإشارة الأولى إلى هذه النجمة في الأدبيات الاسرائيلية في سفر عاموس، حيث يقول يهوه لتابعيه بغضب:
5 :26 بل حملتم خيمة ملكومكم و تمثال اصنامكم نجم الهكم الذي صنعتم لنفوسكم
تُشير "النجمة" إلى كوكب زحل، وسواء كانت نجمة أو كوكب، فهما موضع عبادة وثنية، حيث جرى إعتبارهما كإلهين آشوريين.
الذين خرجوا من مصر إلى جانب أبناء اسرائيل، حملوا تلك النجمة معهم.
العام 922 قبل الميلاد، عندما تزوج سليمان من إبنة الفرعون، إنخرط بعبادة الأصنام المصرية وعمليات الشعوذة والسحر.
بنى سليمان مذبحاً لعشتار ومولوخ.
إعتباراً من وقتها، أطلقوا على النجمة السداسية – كرمز رئيسي للأضاحي البشر عبر طقوس سحرية – إسم ختم سليمان.
لم يُعر سليمان التحذيرات الإلهية، من ممارساته تلك، أيّ إهتمام. بل هدّد الله سليمان، بوقت لاحق، بتجريده من منصبه كملك لإسرائيل على يد إبنه! وفعلاً، حدث الإنقسام بتلك المملكة إثرموت سليمان، حيث تسببت وثنية سليمان بإنقسام مملكة إسرائيل إلى شطرين.
ساهمت تلك الطقوس التي أدخلها الملك سليمان بالتسبب برحيل أبناء اسرائيل، بوقت متأخر، إلى المنفى في منطقة القوقاز، فيما دخل أبناء يهودا بنطاق السيطرة البابلية. بوقت متأخر، دمّر الملك يوشيّا ذاك المذبح المحظور (بحسب سفر الملوك الثاني، الإصحاح 23).
هل كنت تعلم بأنّ الرقم 666 ذو صلة بالملك سليمان؟
نعم، فوزن الذهب الذي أتى إلى سليمان 666 وَزْنَة ذهب من ملك صور (سفر الملوك الأول، 10، 14). بعد أن تقرأ القصة في سفر الملوك الأول، إذهب إلى سفر حزقيال، الإصحاح 28، حيث يمكن الإطلاع على فنون السحر بأبهى صورها، حيث مارس سليمان تلك الطقوس المخفية!
ترك الملك سليمان الكثير من الأشياء التي تثبت وثنيته، على سبيل المثال:
مرآة الملك سليمان، مشط الملك سليمان والنجمة السداسية، والتي عُرِفَتْ باسم ختم سليمان في السحر والعالم المخفي.
كذلك، وضع سليمان أساسيات الفن الماسونيّ، الذي عُرِفَ، بوقت لاحق، بإسم الماسونية (قارنوا مع سفر دانيال 8، 25).
تظهر النجمة السداسية بصورة بارزة في الطقوس الماسونية.
الملك داوود والد سليمان. لكن، لم يكن داوود وثنياً أبداً. فقد قال بوضوح بأنّ الله قد كان الحامي له (يمكننا التأكُد من هذا في المزمور الثالث الآية 3، كذلك المزامير 28، 7. 119، 114 و144، 2).
يُعتبر كتاب النجمة السداسية، لمؤلفه أو. ج. غراهام، أول عمل أكاديمي يوثّق أصل وإستعمال هذا الرمز.
يشرح كيف وصل من مصر إلى سليمان، وأدخله العرب بوقت لاحق في السحر، ودخل ضمن ممارسات وطقوس الدرويديين والماسونيين، كذلك، يروي كيف وصل، بوقت متأخّر جداً، إلى ماير روتشيلد، الذي غيّر في القرن السابع عشر ميلادي كنيته العائلية بالإشارة إلى نجمة سداسية حمراء، علقها على لوحة ببوابة متجره في ألمانيا، وهكذا، بدأت العائلة باستخدام الكنية روتشيلد والتي تعني بالعربية "اللوحة الحمراء أو الملصق الأحمر".
أدخلت عائلة روتشيلد، بوقت لاحق، هذا الرمز على الترس ضمن أسلحتها.
يعود هذا الكتاب بالنجمة السداسية إلى القابالا، علم الفلك، ثمّ إلى هتلر، الذي أمر، كما نوهنا سابقاً، اليهود بتعليق نجمة سداسية صفراء خلال الهولوكوست – الرمز الصهيوني وعلم "دولة اسرائيل".
يحتوي الرمز على ستة ضمن ستة ضمن ستة (ما يعني: 6 نقاط، 6 مثلثات و6 جوانب سداسية داخلية)، كذلك، يتحدث الكتاب عن الرقم 666 المتنبَّأْ به في سفر دانيال، الذي يشير إلى المسيح الدجال ورقم الوحش.
أخيراً، وبرأيي المتواضع، أصل النجمة السداسية، كأصل أغلب ما يتبناه اليهود والمسيحيين والمسلمين، هو أساطير شرق المتوسط ووادي النيل، ورغم أن نجمة عشتار الأشهر فهي نجمة ثُمانيّة الرؤوس، فإنّ مصادر متنوعة تعتبر أن النجمة السداسية هي نجمة لعشتار أيضاً، وسأنقل المعلومات التالية الخاصة بتوضيح هذه النقطة:
بدأت النجمه السداسيه (المعروفة بين علماء الاثار بنجمة عشتار) كقرص شمس ورمز عباده عند السومريين، واستعملها البابليون، ووجدت في معظم الحضارات التي تلتها، نراها في حضارة أوغاريت وعند الفينقيين وعند المصريين والكنعانيين.
النجمه السداسيه موجوده في الحضارات القديمه منذ آلاف السنيين قبل أن يجعلها اليهود في القرون الوسطى نجمة داوود!!! هي من أكثر الرموز فلسفة وروحانية.
تتألف النجمة السداسية من مثلثين متقاطعين، واحد قاعدته إلى الأعلى ورأسه إلى الأسفل ويمثل سعي الإلهي للحلول في البشري.
ومثلث قاعدته الى الاسفل وراسه الى الاعلى وهو السعي البشري للفناء في الالهي.
وتقاطعهما هو المخلص... وقيل هو يرمز الى يسوع عند المسيحيين وقبله بعل وتموز وأدونيس وغيرهم . تظهر النجمة السداسية في كثير من البيوت والجوامع والكنائس في دمشق القديمة... تملك هذه النجمة حضوراً فنيا وفلسفياً راقيا في الحضارة العربية وخصوصاً في أيام الفاطميين، وعنها قيل "نجمة الحكمة" لما تحمله من دلالات فلسفية عميقة.
بحسب الحضارة الأوغاريتية، كان المثلث الذي رأسه للأسفل رمز الأنوثة والمثلث الذي رأسه للأعلى رمز الذكورة و بتداخل المثلثين تولد الحياة.
يعتقد ان اليهود عندما غادروا بابل، قد كانوا متأثرين بالحضاره والعباده البابليه وأخذوا الكثير منها (والنجمه السداسيه مثال على ذلك).
انتهى النص المنقول
نقرأ في موسوعة عالم الأديان - ديانات المجتمعات السامية - الجزء الثاني، الصفحة 121 الآتي:
عرفت عشتار بثلاثة رموز سومرية أساسية ظهرت في عصر الوركا، الرمـز الأول: هو رمزها الكتابي وهو عبارة عن قصبتين متتابعتين باتجاه واحد معقوفتين يتدلى من رقبة كل واحد منهما شريط حريري.
الرمز الثاني: عبارة عن قصبة مدببة ذات ستﹼ حلقات على جانبيها.
الرمز الثالث: هو زهرة الأقحوان المؤلفة من ثماني أوراق مدببة على شكل معينات مصفوفة بإتجاه مركز مدور.
15.29. كائنات خرافية وأسطورية في الأديان الإبراهيميّة
منذ أزمنة بالغة القِدَمْ، حاول البشر تفسير موقعهم في الكون من خلال قصص توضح العلاقات بين الآلهة، البشر والطبيعة.
ففي الحقبة اليونانية الرومانية القديمة، انشغل الفلاسفة بمحاولة تفسير أصل الإعتقادات.
رأى كريتياس (متصوّف يوناني من أقارب أفلاطون وتلامذة سقراط) بأنّ الدين (والخوف من الآلهة) قد جرى إبتكاره لفرض إحترام المجتمع على كل فرد، وذلك من خلال:
الإنضباط، الأخلاقيات، الإحساس بالخير والشرّ.
فيما رأى الفيلسوف والشاعر الروماني لوكريتيوس في قصيدته "على طبيعة الأشياء أو الكون" بأنّ البشر قد ابتكروا الآلهة لتفسير الأشياء المدهشة والغامضة في الطبيعة:
أيّ لأجل تفسير كل ما لم يتمكن البشر من التحكُّم به عملياً.
إعتمدت غالبيّةُ الأخصائيُّين بعلم الإنسان (أنتروبولوجيا) والأخصائيُّين بعلم النفس والأخصائيُّين بعلم الإجتماع هذين التفسيرين.
وبالمثل، يُجيب علم نفس الدين على الأسئلة وعلى ردود فعل الكائن البشريّ المتعلقة بالمعنى النهائي لوجوده في هذا العالم وبما هو أبعد من الموت. كما يشكّل هذا عملية بحث، تضع الإنسان بمواجهة واقع متعالي مختلف عنه، حيث يجري تصوُّر هذا، عادة، كشأن شخصيّ ومتسامي (فوق الوجود الماديّ)، يُوصَلُ إليه عبر الإيمان.
ينشغل علم نفس الدين في البحث عن أصل وطبيعة الشعور الديني، وبالتالي، في البحث عن أصل الدين ذاته.
الأديان الإبراهيمية أديان توحيدية وتعترف بالتقليد (التراث) الروحي المرتبط بشخصية إبراهيم.
لهذه الأديان أصل كنعاني، حيث عبد أوائل الاسرائيليين / اليهود يهوه الإله المتزوج من "عشيرة" أو "عشتار" وهم عديدي الآلهة لا موحدين! وسبق هذا تحولهم إلى التوحيد الديني، الذي إنتقل إلى المسيحية والإسلام بوقت لاحق.
حيث نقرأ في سفر إرميا الآتي:
44 :17 بل سنعمل كل امر خرج من فمنا فنبخر لملكة السماوات و نسكب لها سكائب كما فعلنا نحن و اباؤنا و ملوكنا و رؤساؤنا في ارض يهوذا و في شوارع اورشليم فشبعنا خبزا و كنا بخير و لم نر شرا
جرى تأصيل يهوه كإله محارب في أدوم / مديان بالقول يهوه / ربّ الجنود.
أهم الكائنات الخرافية والأسطورية في الأديان الإبراهيمية، هي:
الأقزام
وُلِدَتْ قصّة الأقزام من خيالات كتبة القبالة اليهودية. امتلكت الأقزام المعرفة المُسبقة، عرفوا أسرار الأرض وشكّلوا روحها. أكَّدَ القباليُّون بأنّ الهواء، التراب، المياه والنار، قد تحركت بفضل كائنات غير مرئية، قد شجّعت هذه العناصر. بحسب القباليين، فقد كلّف الإله اليهودي يهوه السلمندر بالتحكُّم بامبراطورية النار، فيما كلّف الروح الأنثوية سيلفوس بالتحكُّم بالهواء، وكلّف الحوريات أونديناس بالتحكُّم بالمياه وأخيراً كلّف الأقزام غنوموس بالتحكُّم بداخل الأرض – في التربة لا على سطح الأرض – حيث يمكنهم الدخول بأصغر الشقوق والحفر. حرسوا مناجم الذهب والفضة، وربما وجدت علاقة بينهم وبين الكائنات الأسطورية اليونانية القديمة. حيث وزعتهم الفلسفة الفيثاغورية في كل أرجاء الكوكب، على الرغم من حدوث عدد من التعديلات على سيرتهم، بحيث وافقوا ثقافة كل شعب، وهو ما حدث مع اليهود.
الجان أو الجنّ
يُعتبر الجنّ كائن خيالي أسطوريّ، يعود ذكره إلى أساطير المشرق القديمة في العراق القديم، حيث يترافق ذكره مع النطاق الألوهيّ، على الرغم من أنه ليس بإله، بل يمكن إعتباره حارس.
أدرج الإسلام، بصورة جزئية، الإعتقاد القديم بالجنّ ضمن عقائده، ولهذا، يحضر الجنّ في تقاليد وتراث شعوب العالم الإسلاميّ اليوم.
من المؤكد عملياً، مع هذا، بأنّ أولئك الجان يمثلون الجان المشرقيين الأصليين بصورة حصرية، حيث أنّ إنتشار رسالة القرآن، ساهم بفرض ذات الاسم على عدد من الظواهر المختلفة في بلدان قد دخلها الإسلام.
كحال الأماكن التي تواجدت بها الزرادشتية قبل الإسلام، حيث زرعت مفاهيمها الخاصة بالجان بوصفهم أبطال ممارسات متعددة سحرية بعيدة عما يطرحه الأرثوذكسيون السُّنة؛ كذلك، يرى الطوارق الجنّ بوصفهم شياطين الصحراء ولصوص الليل، كما يراهم مسلمو الهند كغزاة مزعجين للمسكن ويجب طردهم من خلال تلاوة سور قرآنية محددة! ولا يختلف، هذا، عن بعض الصلوات الكاثوليكية الخاصة بطرد الأرواح الشريرة. يشكّل الجنّ الصنف الثالث من المخلوقات الإلهية، جنباً إلى جنب الملائكة والبشر.
حيث يختلف الاعتقاد بالجنّ بين الإسلام وديني التوحيد الآخرين (اليهودية والمسيحية).
الساتير
هي كائنات مرافقة للإلهين بان (إله المراعي والصيد والأحراش) وديونيسوس (إله الخمر وملهم الابتهاج والنشوة) ضمن الأساطير الاغريقية القديمة.
حيث يُشار لها كوحوش شيطانية في سفر إشعياء 34، 14. (و تلاقي وحوش القفر بنات اوى و معز الوحش يدعو صاحبه هناك يستقر الليل و يجد لنفسه محلا ).
كخلاصة، من المرجح أن الكتاب المقدس يلجأ إلى نوع من الأوثان أو إلى قصة مُبالَغْ فيها لرحالة ما، تحكي عن ماعز متشردة في بقايا مدينة مهجورة، قد تركت هذا الإنطباع عنها.
يُشير سفر إشعياء للساتير، عندما يتحدث عن تدمير بابل وإدومية (13، 21 بل تربض هناك وحوش القفر و يملا البوم بيوتهم و تسكن هناك بنات النعام و ترقص هناك معز الوحش).
يعني مصطلح ساتير ذكر الماعز.
وربما قابله حيوان الرباح في مصر القديمة وشبه الجزيرة العربية القديمة وجرت عبادته.
لاميا
هي كائن أنثوي أسطوري ينتمي إلى الفلكلور اليوناني اللاتيني القديم، وتتصف لاميا بالقدرة على تخويف الأطفال والإغواء المُهلك. وبسياق هذا المشهد الأخير، تأتي صورة مصاصي الدماء الحديثة.
يجري تصورها كشخصية فردية، لكن، كذلك، كإسم لنوع من الوحوش.
ترتبط في الغالب مع كائنات شبيهة تنتمي للثقافة اليونانية تسمى إمبوزا أو للثقافة العبرية تسمى ليليث في الكتاب المقدس (سفر إشعياء 34، 14)، وهي عبارة عن صبية جميلة الوجه ولها جسم تنين.
بحسب روايات شعبية قديمة، لاميا هي أنثى متوحشة ومتعطشة للدماء وتلتهم الرجال والأطفال.
عمالقة (ميثولوجيا إغريقية)
يُطلَقْ عليهم، في الكتاب المقدس، تسمية نيفيليم. حيث يؤكد سفر التكوين
( 6:4 كان في الارض طغاة في تلك الايام و بعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس و ولدن لهم اولادا هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم) على وجودهم. كلمة الجبابرة (العمالقة) ما هي إلاّ ترجمة لكلمة نيفليم العبرية.
وبوقت لاحق، يعتبر التقليد الديني بأنّ نمرود قد انتمى لأولئك الجبابرة.
التنين
يُشار له في سفر رؤيا يوحنا (12 :3 و ظهرت اية اخرى في السماء هوذا تنين عظيم احمر له سبعة رؤوس و عشرة قرون و على رؤوسه سبعة تيجان. 12 :4 و ذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها الى الارض و التنين وقف امام المراة العتيدة ان تلد حتى يبتلع ولدها متى ولدت).
(ملاحظة من خارج النصّ: يرمز التنين في الشرق الأقصى إلى الحكمة والقوّة الإيجابية؛ فيما يرمز في الغرب وشرق المتوسط للشرّ .. وربما يحتاج هذا الأمر لموضوع مستقل حوله).
البهيموث
يُشار له في سفر أيوب (40 :15 هوذا بهيموث الذي صنعته معك ياكل العشب مثل البقر. 40 :16 ها هي قوته في متنيه و شدته في عضل بطنه)، وهناك من يعتبر هذا الكائن، بحسب أوصافه الواردة بسفر أيوب، عبارة عن فرس نهر.
لوياثان
يُشار لهذا الكائن الخرافي في سفر التكوين بصورة ضمنية، فيما يُشير سفر أيوب إليه بصورة واضحة (41 :1 اتصطاد لوياثان بشص او تضغط لسانه بحبل).
ويُعتبر وحش بحري ضخم تحت اسم تانينيم (التنانين العظام).
وهناك من يعتبر أنّ هناك توازي بين شخصية لوياثان وكائنات أسطورية بحرية اخرى، مثل ناغا ذات السبع رؤوس المتوفرة في الأساطير الهندوسية وأساطير شرق المتوسط.
حورية البحر السيرانة
يجب التنويه لوجود إشكال بورود إسم هذه الكائنات في النسخة الاسبانية من الكتاب المقدس، بما يوافق الإسم الاسباني للكائن الإسطوري، حيث تختلف الترجمة العربية تماماً، نجد في سفر إشعياء (13 :22 و تصيح بنات اوى في قصورهم و الذئاب في هياكل التنعم و وقتها قريب المجيء و ايامها لا تطول).
يُشار إلى هذا الكائن الأسطوري، إذاً، في سفر إشعياء، ويوافق حورية البحر في الأساطير اليونانية، وهي برأس امرأة وجسم سمكة، حيث سحرت البحارة بأغانيها الرائعة.
باسيليسك
هو حيوان خرافيّ"، حَمَلاهُ إرميا وإشعياء واعتنيا به، أطلقا هذا الاسم عليه، وتمثل مقصدهما من اقتنائه هو تطعيم رؤاهما.
الحيّات
يزودنا إشعياء، من جانبه، بالحيّة المولودة من أفعى، ويتجلى هذا في سفر إرميا (8 :17 لاني هانذا مرسل عليكم حيات افاعي لا ترقى فتلدغكم يقول الرب).
الثور الوحشي الريم
يُشار له في سفر أيوب (39 :9 ايرضى الثور الوحشي ان يخدمك ام يبيت عند معلفك. 39 :10 اتربط الثور الوحشي برباطه في التلم ام يمهد الاودية وراءك).
فيما يعتبر البعض بأنّ هذه التسمية تعود إلى حيوان وحيد القرن أو ذو قرن وحيد.
الغرفين أو الأنوق
يُشار له في سفر اللاويين (11 :13 و هذه تكرهونها من الطيور لا تؤكل
انها مكروهة النسر و الانوق و العقاب)، وفي سفر التثنية (14 :12 و هذا ما لا تاكلون منه النسر و الانوق و العقاب)، وهو طائر ضخم اسطوري مفترس.
أخيراً، يوجد كثير من الحيوانات الخرافية في الكتاب المقدس، وقد تحدّث قسم منها!
ففي سفر التكوين، نذكر منها الأفعى التي تحدثت إلى حوّاء وأقنعتها بتناول الثمرة المحرمة. كذلك نتذكر الحديث الطويل بين بلعام والأتان في سفر العدد 22، 28-30.
أخيراً، أمام الأدلة التراثية الأسطورية والخرافية القديمة الراسخة في كتب أديان التوحيد الثلاثة، يسعى بعض المؤمنين التوحيديين، بتنوع يافطاتهم، إلى افتراض أنّ تلك النصوص دينية أيضاً وصدرت عن أنبياء قدماء لا نمتلك معلومات عنهم! ولا يختلف هذا الطرح، بطبيعته الضمنية، عن محاولات الدفاع المستميت بمواجهة أيّ انتقاد لمضامين تلك الكتب.
ليست الغاية من هكذا مواضيع مكتوبة باللغة العربية أو مُترجمة من لغات أخرى، كهذا الموضوع، هدم الإيمان بل عقلنته!
إنّ الإيمان لدى أبو العلاء المعرّي، ابن عربي، الحلاج وابن رشد وكثيرين غيرهم: هو إيمان يرقى بالبشر؛ في حين تحوّل مرجعيات دينية كثيرة هذا الإيمان إلى سلاح تقسيم وعنف وموت!
ولو أنني كمُلحِدْ، لا أتفق مع مضامين هذا الإيمان لدى جميع هؤلاء!
16.29. الشيطان عبر التاريخ: مصر القديمة وبلاد الرافدين وفارس
يصف لنا الأستاذ أنطونيو بينييرو أسلاف الشيطان الذي اعتمدته اليهودية في حضارات سابقة، قد عاش في كنفها اليهود وخدمتهم في تكوين صورة شيطانهم الخاص الذي اعتمدته المسيحية كذلك.
بالكاد أثرت مصر، جارة فلسطين أرض القداسة، في تكوين التصورات المرتبطة بالشيطان في فلسطين، حيث لم تملك الديانة المصرية مفهوماً واضحاً عن الشيطان.
على الرغم من حضور تاسوع مقدس رئيسي مصري (من رع إلى نيفتيس مروراً بجب، نوت، شو، تفنوت، ست، إيزيريس وأوزيريس)، فلم يكن هذا الحضور سوى نتيجة منطقية لقصص إسطورية. لهذا يمكن القول أنه في ديانة مصر القديمة، طغى حضور الآلهة في ظلّ ألوهة عليا حصرية: رع / أتوم.
الكون عبارة عن كائن حيّ يعيش بنظام متوافق مع تحفيز تلك الألوهة الرئيسية. لا يحضر الشيطان أو الشرّ كشيء مجسّد. هو ببساطة عبارة عن خرق للنظام، شيء يمكن رؤيته في نطاق الآلهة الدنيا أو بين البشر. قد تبدو الآلهة بمظهر المتناقض: فأحياناً، تُظهر نفسها للبشر خيّرة، في حين تظهر ضارة ومؤذية بأحيان أخرى. ربما كتجسيد للشرّ، الإله الأكثر "شيطنة" بين الجميع، هو خصم أويريس - إيزيس - حورس، ست، ألوهة الصحراء، الجفاف، الحرّ والاشتعال وآلام الحمى.
يتصرف البشر ذاتهم كشياطين، عندما يكسرون النظام الكوني بإرادتهم الطائشة. بعد الموت، يوضع البشر الاشرار في مملكة ظلال تحت الأرض، حيث تفتك بهم الشياطين، في الواقع آلهة بدرجة دنيا أكثر أو بنار الإله رع.
يتابع عالم بلاد الرافدين السومري، الآكادي الآشوري البابلي التقليد الديني المشرقيّ.
استلهم الآشوريون والآكاديون من سومر الكثير من التصورات الدينية منذ الألف الثالثة قبل الميلاد.
يختلف الفكر الديني الرافدي كثيراً عن نظيره المصري: حيث لا يسود النظام بذاته في الكون، بل بواسطة تجهيز إلوهي. وبشكل معاكس، يوجد العالم بشكل تلقائي وسط فوضى عارمة؛ فيما يهتز الكون ويتعرض للمصائب باستمرار، وجرّاء تدخل الآلهة، يتم استرجاع النظام الذي انتهك على الدوام.
بالرغم من عدم وجود شخصية محددة للشيطان، كما نعرفه، في بلاد الرافدين، فإننا نجد مفهوم عالم جوي مسكون بالشياطين، كائنات شريرة. يرتبط أصل تلك الشياطين بأصل الآلهة والعالم والكون، وكان على الشكل التالي:
زوج الآلهة الأساسية الأزلية إبسو وتيامات (تعامة)، آلهة الهاوية، المياه أو الفوضى البدائية، عاشا بسعادة وسلام خلال قرون طويلة. بمرور الوقت، شعرا بالحاجة إلى خلق عدد من الآلهة. ولم تكن تلك الآلهة مسالمة وهادئة كأبويها وبدأت الصراع فيما بينها وبين أبويها.
يقرر إبسو إبادة النسل، حيث نتج الأمر مزعجاً للغاية. لهذا يطلب العون من أحد أبنائه الإله ممو. لكن اكتشفت الآلهة الشباب الخطة ودخلوا في حرب قاسية تغلبوا فيها على إبسو وتيامات اللذان ابتعدا عنهم وشيدا لأجلهما "البيت الهاديء الآمن" (الكون) حيث يحكماه وحدهما. في هذا الكون، يعطي الإله أيا الأصل للإله مردوخ إله بابل الأكبر. لكن تقرر تيامات الانتقام فتلد آلهة أبناء لينضموا إلى الإله آنو: هي كائنات ضخمة شبيهة بعمالقة اليونان، الذين خاصموا إخوانهم آلهة الجيل الأول.
بين أولئك العمالقة الإله كينغو، حيث حاولت تيامات مساعدته بتلك المهمة الانتقامية، فتعود وتلد مجموعة من الشياطين المرعبة والعقارب وكائنات أخرى مخيفة. لكن يعطي الإله الرئيس الجديد للآلهة (أبناء أبسو وتيامات)، مردوخ، إله بابل، توصيفاً جيداً لكينغو وأمه. إثر إلحاق الهزيمة بهم من جديد، تنقسم تيامات إلى جزئين مستخدمة جسدها (المياه البدئية) لخلق كون مختلف: السماء فوق؛ الأرض تحت. تسكن الآلهة القسم العلوي.
لا يجري إنهاء الشياطين كآلهة سفلى؛ بل تبقى موجودة وتحمل مهام مختلفة:
الأنوناكي، (أبناء آنو) سجّانو الجحيم للموتى الأشرار؛ الأوتوكو، يعيشون في الصحاري ويؤذون من يعبرها؛ فيما تخصص آخرون في التسبب بالآفات والأمراض أو الكوارث، كالعواصف المدمرة. لابارتو، الذي يحمل ثعبان بكل يد، يهاجم الأطفال والأمهات والمرضعات. الشيطانة الأفظع ليليتو، دون أبوين وتنشط ليلاً، محاطة بالثعالب والبوم، فتهاجم البشر وتقتل الأطفال وتشرب دمائهم.
بعض تلك الآلهة، كذلك، ذو طبيعة مؤذية، ويضطلع بقدرات تحت أرضية شريرة. كذلك يمكن اعتبار هذه الآلهة "شياطين" أو كائنات شريرة.
الأهم بينها إرشكيغال، ملكة الظلمات، إلاهة الدمار، الآفات والموت. حتى أرواح الموتى يمكنها أن تقوم بدور الشياطين. حيث يعيش الموتى بجوف الأرض حياة ظلمات، دون أية احتياجات تقريباً؛ لكنهم امتلكوا بعضها: حيث أمكنهم الظهور للاحياء والتسبب بالإزعاج وتحقيق الأذية لهم إن لم يقدموا لهم أغذية ضرورية لمتابعة وجودهم التحتاني.
على الأقل ومنذ إصلاحات زرادشت (ربما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد)، سرعان ما تطور دين بملامح محددة للغاية هندية إيرانية، امتلك القدرة على جذب الاهتمام خارج حدود تلك المنطقة.
وبالتحديد أثرت أفكار فارس المتعلقة بالروح الشريرة في اليهودية على نحو ملحوظ.
بحسب الفرس، يوجد منذ البدء ألوهة عليا اسمها آهورا مازدا (كذلك تدعى زورفان في المناطق الغربية من فارس)؛ لكنها لم تكن وحدها؛ فلقد ولدت روحين، متكافئين ومتعاكسين: سبينتا ماينويو (تسمى لاحقاً أوهرمودز)، روح الخير، وأنغرا ماينويو (تسمى لاحقاً أهيرمان)، روح الشرّ، الكذب، تمثل خلاصة الشرّ لدى الفرس. تركز كل روح من الروحين كل طاقتها الألوهية على خلق كائنات مختلفة.
بينما تخلق الروح الخيرة أشياء جيدة، يكرس أهيرمان الشرير وقته لخلق أشياء شريرة، بينها الرغبات الشريرة، الشهوات، الفوضى، حيوانات مؤذية كالعقارب والأفاعي، القوى الهدّامة كالعواصف، الجفاف، المرض والموت. كل ما هو موجود، الكون والبشر في صراع دائم بين هاتين القدرتين المتكافئتين والمتعارضتين:
الخير والشرّ؛ الحياة والموت؛ الضوء والعتمة.
لكن ستمتلك هذه المعركة نهاية مفرحة، حيث تنتهي بفرض مملكة الخير: ستتم هزيمة الشرّ؛ سيجري فصل الأخيار عن الأشرار ويعاد النظام الكوني إلى وضعه الأصليّ.
كذلك، تهمين هذه الثنائية على الفلك: حيث ينقسم الكون إلى بنية عليا وبنية سفلى، في حالة تعارض. كذلك يمكن أن تنقسم الكواكب لأشرار وأخيار. في نطاق الأخلاق، تظهر كذلك ثنائية متعارضة تنعكس من خلال معارضة الإنسان للدفع نحو أفعال خيرة أو شريرة.
يملك أهيرمان الروح الشريرة والكثير من المساعدين في صراعه ضد الخير. كذلك عندما يموت البشر الأشرار، يتحولون إلى شياطين. يمتلك أهيرمان مجلس متكون من سبعة شياطين رئيسيين، يقوده شيطان ثامن هو شيطان الغضب.
كذلك، يوجد خمسون شيطان فرعيّ، يجسدون قوى الشيطنة الحاكمة للكون والدافعة نحو الرذائل. أحدها زاهاك (أزهي داهاكا)، على شكل تنين بثلاث رؤوس وجسد أفعى وعقرب. كذلك يدفع باقي الشياطين البشر دوما نحو ارتكاب الشرور. يمكن للشياطين تبديل أشكالها، فأهريمان القائد يتبنى شكل أسد او أفعى أو أي شكل آخر. تشكل هذه القدرة الشريرة جزء من خداع قويّ، يتوافق مع طبيعتها الكاذبة.
يتبع
تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل
للإطلاع على باقي الأجزاء
الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر
الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة
الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل
الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر
الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت
الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية
الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم
الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت
الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟
الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق
الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق
الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ
الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع
الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة
الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس
الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين
الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟
الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد
الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين
الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ
الموسوعة الإلحادية (30) عبارات إلحادية وتنويرية خالدة
الموسوعة الإلحادية (31) مُقرّر دراسيّ داعم للإلحاد
الموسوعة الإلحادية (32) ما يتعلق بالآلهة
الموسوعة الإلحادية (33) ما يخصّ العالم وكائناته وما يتعلق بالأرواح وترحالها
الموسوعة الإلحادية (34) ما يتعلق بالصلوات والمعجزات والأديان
الموسوعة الإلحادية (36) كتب وشخصيات هامة، الإلحاد القاتل ونقد إلحاديّ للإسلام
الموسوعة الإلحادية (38) نقد ساخر للأديان
الموسوعة الإلحادية (الجزء الأخير) الحوار الإلحادي الإيماني والقليل حول المنطق










No comments:
Post a Comment