31. الحوار الإلحاديّ الإيمانيّ
دون شكّ، الحوار الإلحاديّ الإيمانيّ هو حوار قديم قدم الإلحاد والإيمان. يحتاج الحوار بين المختلفين إلى إتقان مجموعة من المزايا الهامّة، مثل:
الإصغاء والتفهُّم وإمتلاك المعلومة والقدرة على إيصالها، والاهمّ، عدم التلطي خلف العبارات الطنّانة والرنّانة ونسيان منطقيتها وقدرتها على الإقناع.
لكي يصبج الحوار مُنتجاً، يجب تمتُّع المتحاورين، من ملحدين ومؤمنين، بالتواضع والتعامل بالمثل، حيث يتوجب عليها تفادي إستعمال أخطاء ومغالطات (خدع) منطقية شهيرة.
قبل الحديث عن تلك الخدع، نتحدث حول البرهان (الحُجّة)، الذي هو عبارة عن سلسلة من التأكيدات المتصلة فيما بينها والهادفة إلى إقرار إقتراح ما.
من بين النماذج الكثيرة للبراهين الموجودة، سأعالج، هنا، البراهين المنطقية المؤسسة على جبر بول، حيث يوجد إحتمالان عند الأخذ بعين الإعتبار لصدق قضية ما، هما:
صحيح أو خاطيء.
فهو معروف، لهذا، تحت إسم المنطق الثنائي.
يُركَّب البرهان المنطقي من مقترحات أو عبارات تُثبتُ شيئاً معيناً.
يحتوي البرهان الإستنتاجي على إقتراح أو أكثر:
تُدعى مقدمات القياس، وهي إفتراضات البرهان المُسبقة، أو ما يُعتبَرُ صحيح للتمكُّن من إستنتاج الباقي.
يسمى الإقتراح المُستنتَج من مقدمات القياس نتيجة أو خُلاصة.
مثال:
1. جميع البشر عُرضة للموت (مقدمة رقم 1)
2. سقراط هو كائن بشري (مقدمة رقم 2)
3. بالتالي، سقراط عُرضة للموت (نتيجة)
يتحقق الإستنتاج بإستعمال المقدمات لأجل إستنتاج إقتراحات جديدة:
بإتباع سلسلة من القواعد، حتى الوصول إلى النتيجة أو الخلاصة.
هذه القواعد هي الإجراءات، التي تُغيِّر نمط تعبير منطقي بآخر، أو تُوفِّق بين إثنين أو أكثر من الإقتراحات ضمن إقتراح واحد فقط.
يمكن إدراك أغلبية هذه القواعد دون الحاجة لدراسة المنطق رسمياً، لكن، سنتكلم عنها لاحقاً.
عند إختبار براهين أو حجج منطقية، يجب أخذ صلاحية برهان بالحسبان، حتى لو أن نتيجته غير مؤكدة.
ربما، تظهر الحُجّة صحيحة شكلياً، لكن، إن كانت واحدة من المقدمات غير صالحة، بالتالي، تُضحي النتيجة غير بارزة أو غير هامة.
على سبيل المثال، لدينا البرهان الكوني المشهور أو الحجة الكونية:
1. كل ما بدأ في لحظة ما محددة: له سبب.
2. بدأ الكون في لحظة محددة.
3. بالتالي، للكون سبب.
إن يكن البرهان صالح، فالنتيجة ليست كذلك، حيث أن المقدمة (2) خاطئة:
فلم يبدأ الكون بلحظة محددة؛ لأنه لم يكن هناك زمن (بعد زمني)، لكي توجد لحظات بدء كتلك.
عند ظهور الزمان والمكان كجزء من الكون، لم يمتلك الكون بدء في الزمن. هذا لا يجعل النتيجة خاطئة، لكن، نعم، فالبرهان، الذي أدى إلى إستنتاجها، غير صالح.
من البديهي عدم قيام الأشخاص، خلال المحادثات المألوفة، ببناء براهينهم عبر مقدمات ونتائج مسهبة مرسومة ومرتبة.
لذلك، هناك حاجة لتمرين تعليمي لأجل "التركيز" على هذه البراهين أو الحجج وإكتشاف جوانبها.
يوجد كمّ حقيقي من الأخطاء التي يجب تفاديها عند بناء براهين إستنتاجية.
ينتمي بعضها إلى أخطاء منطقية شكلية، بينما يُعتبر بعضها الآخر أخطاء بمفهوم أو مواقف غير مقبولة، تعرف باسم مُغالطات؛ يقال عن البرهان غير الصالح المبني على مغالطة:
بأنه "مُضلِّلْ أو مُخادع".
وإليكم مجموعه من الخدع المشتركة والمغالطات ومن مصادر مختلفة
1.31. مُغالطة أد – هوك (عبارة لاتينية، تعني "لهذا الغرض")
تقوم مُغالطة أد هوك على تقديم تفسير مُحدّد لواقعة ما بعد إقرارها، عندما تغيب إمكانية تطبيق هذا التفسير على أوضاع أخرى، وبالتالي، لا ينفع كمقدمة. يعني مُصطلح أد هوك أنه مخصص لإستعمال ووضع محددين. عموماً، تأخذ هذه الفرضية شكل برهان، يتفكك بسهولة عند مواجهته بأشياء مشابهة.
"أصابني السرطان، وقد تعالجت تلقائياً!".
"هي هدية من الله. هو لم يشأ أن أمُت".
"وهل سيموت كل الباقين من مرضى السرطان؟".
"آه، سُبُل الله مبهمة أو غامضة!".
2.31. مُغالطةُ تأكيد النتيجة
تكمن هذه المُغالطة في البنية الشكلية للبرهان. توظيف صيغة برهانية من النموذج:
"تحتاج أ إلى ب، ب حقيقي، بالتالي، أ حقيقي".
هذا تشويه مشترك لبنية صالحة معروفة باسم مودوس بونينس (قاعدة إستدلال بسيطة أو قياس إستثنائي)
"إنْ خلق الله الإنسان على صورته، إذاً، سنأمل رؤية إتجاه أخلاقي للإنسان، بعكس ما يجري مع الحيوانات والنباتات. يتضح بأن للإنسان إتجاه أخلاقي نحو الخير والشر. بالتالي، يقضي هذا بأنّ الله قد خلقه على صورته".
(الصيغة البرهانية غير صحيحة، لأنه لا أهمية لصحّة أو زيف المقدمة الأولى. في هذه الحالة، يمكن أن يصدر الإتجاه الأخلاقي للإنسان من بنيته الذاتية ككائن حي، تتضح خصوصيته ببنيته الدماغية الخاصة المتقدمة ككائن بشري مقارنة مع الحيوانات).
3.31. مُغالطة الدليل المُتناقَل
يجري الإعتماد على مقدمات ليست بالضرورة صحيحة، بل تظهر صحيحة لمن يستخدمها في البرهنة لأنه يعرف بعض الأشياء التي تبدو صحيحة (قصص مُتناقَلَة).
"الله موجود ولديه معجزات اليوم حتى. قرأت الإسبوع الماضي أخباراً حول فتاة مُصابة بالسرطان، وقد صلّت كل عائلتها لأجلها فشُفيت!".
يمكن إستعمال الخبرة الشخصية لتبيان نقطة ما، لكن، لا يمكن الإدعاء بأنها تنفع كبرهان رسمي، وحتى لو إتفق جميع المُشاركين في النقاش على هذا. يخدم الدليل المُتناقَل لتحقيق دعاية مؤسسة على ما تريد الناس الإعتقاد به سلفاً، وليس لأجل الإثبات.
4.31. مُغالطةُ إستئناف التقليد (التوسُّل بالتقاليد)
تُبنى هذه المُغالطة على وجوب إعتبار شيء صحيح أو جيد لأنه قديم أو تقليدي، أو لأنه "كما كانت الأشياء دوماً".
"جرى إضطهاد المسيحيين طوال 2000 عام، وإستمروا بإشهار إيمانهم. لا تصمد فكرة طوال هذا الوقت، إن تكن غير صحيحة، بالتالي، الايمان بيسوع هو الإيمان الحقيقي والصحيح!!".
5.31. مُغالطةُ الاستئناف القسري (التوسُّل بالقوّة أو بالعصا)
يحضر هذا الصنف من المُغالطات، عندما يلجأ أحدهم للقوة أو للتهديد لإجبار الآخر على قبول خلاصته أو نتيجته.
"يعرف غير المؤمنين في العمق بأن الله موجود. فإن إستمروا برفضه وعدم قبول وجوده، فسيُعاقبون بعد موتهم وسيذهبون إلى جحيم أبديّ".
6.31. مُغالطةُ الإحتكام إلى الغنى أو مُغالطةُ الحقيبة
تُبنى هذه الخدعة على الإعتقاد بأن النقود أو النجاح معيار مناسب لتقييم الحقيقة، ما قوله، من لديهم النقود لديهم الحقّ!
"منتجات مايكروسوفت متفوقة، ولا يمكن منافستها حتى. إن أردنا نفي هذا، كيف يمكن شرح الغنى الهائل الذي يتمتع به بيل غيتس جرّاء صناعة وبيع هذه المنتجات؟".
7.31. مُغالطة مضادة للثقة
تقوم هذه المُغالطة على شنّ هجوم غير مُبرّر مبني على التشكيك بموثوقيّة ما يُطرح. عند عدم القدرة على الدحض المباشر لمباديء البرهنة، تُحاكَمُ مشروعيته من خلال التشكيك لأجل التشكيك، وإستخدام أسئلة، من قبيل:
"كيف يمكنك تأكيد هذا؟".
8.31. مُغالطةُ استئناف السلطة (التوسُّل بالمرجعية)
تُبنى هذه المُغالطة على الدفاع عن فكرة على قاعدة إثبات صحتها من قبل مرجعية أو سلطة، بأي حقل معرفي، بما فيها كتابات مقدسة أو كتب قديمة عموماً. تتمثل المشكلة الاولى، بوجوب تمتُّع المرجعية بالموثوقية لأجل تدعيم البرهان. فيما تتمثل المشكلة الثانية، بوجوب قبول المرجعية من طرفي الجدال.
9.31. مُغالطةُ إعتماد الفقر أو البساطة أو الإحتكام إلى الفقر
يُبنى هذا البرهان على إعتبار الفقير (أو الخانع، أو البسيط) أكثر عفة من الغني ذو المال والسلطة، وبالتالي، أفكاره أصحّ. هي مُغالطة معاكسة لمُغالطة الإحتكام إلى الغنى.
"عالجت الأم تيريزا كالكوتا، أكثر من أي أحد، الفقراء المرضى، لأنها عاشت كواحدَةٍ منهم".
10.31. مُغالطة ضد المنطق أو مُغالطة المُغالطة
تُبنى هذه المُغالطة على التأكيد بأن إقتراحاً ما خاطئاً، لأنه قُدِّمَ كنتيجة لبرهان خاطيء. يتجاهل هذا واقع أن برهاناً خاطئاً، قد يصل إلى نتائج صحيحة (ولو ان الإجراء ذاته غير صالح)
11.31. مُغالطة تكرارية (إغراقية)
تظهر هذه المُغالطة، عندما يقدم أحدهم براهينه واحداً تلو الآخر مع الأمل بأن يحولها التكرار إلى شيء حقيقي أو صالح. (أحياناً، القصد من محاولة التكرار لشيء كي لا يتشجع أحد على الإجابة والمُبرهِن يمكنه إعتبار "الصمت علامة القبول" ويفرح "ببرهانه". ولو أنه يبدو غير قابل للتصديق، هناك مَنْ يفكر هكذا).
12.31. مُغالطة إستئناف الحداثة أو التوسُّل بالحداثة
هذه المُغالطة معاكسة لمغالطة إستئناف التقليد سالفة الذكر، فالشيء أفضل أو أصح لأنه حديث (جديد)، أو أكثر حداثة من شيء آخر، كما لو أنّ الحداثة فضيلة بذاتها!
"يُعتبر المُتصفح إكسبلورر الأفضل بين المُتصفحات بفضل تحديثاته الجديدة".
(تسمح هذه التحديثات لفيروس بتدمير شبكة كاملة قبل أن يتمكن المستخدم من ضغط زر واحد!!).
13.31. مُغالطةُ توسُّل بالأكثرية (مغالطة عربة الفرقة أو الحجاج الجماهيري)
تتصل هذه المُغالطة بإضفاء المصداقية على الأكثرية. أي التأكيد بأنه كلما إزداد عدد مناصري قضية أو المعتقدين بها، فالمُرجَّح أنها قضية صحيحة.
"تعتقد مليارات البشر بالله. لا يمكن أن تُخطيء الأكثرية!".
14.31. المُغالطة الشعبوية (شبيهة بالمغالطة السابقة)
تظهر هذه المُغالطة، عندما يحاول أحد ما الحصول على قبول إقتراح من قبل مجموعه كبيرة من الأشخاص.
عموماً، يستخدم لغة إنفعالية حسيّة.
"اعتقدت الناس بالله ويسوع لألفي عام، وقد ساعدهم هذا في العيش ككائنات مُثلى. ماذا تريد أكثر من هذا لتؤمن بوجود الله وبأن يسوع إبنه قد أتى ليخلصنا، هل ستقول لكل هؤلاء الملايين الذين عاشوا وماتوا لأجل عقيدتهم بأنهم كلهم قد كانوا أغبياء؟".
15.31. مُغالطة السمعة أو توسُّل بالمرجعية
تستخدم هذه المُغالطة الإعجاب بشخص أو سمعة شخص مشهور لربح تأييد قضية يشترك فيها.
"إسحق نيوتن عالم عبقري، وقد آمن بالله".
قد يصلح هذا الصنف من البراهين ببعض الأحيان. فهو مناسب وذو صلة بارزة بسلطة أو مرجعية معترف بها في حقل ما لمساعدته بشهادتها ضمن هذا الحقل.
"إستنتج هاوكينغ إصدار الثقوب السود للأشعة".
تظهر المُغالطة عند الإستشهاد بمرجعية في حقل نوعي لتقديم العون إلى نظرية أو فكرة تنتمي لحقل مختلف.
"أكّد بينروسي إستحالة صنع آلة حاسبة ذكية".
يتجلى الفرق بين هذه الأمثلة بأن ستيفن هاوكينغ هو عالم فيزيائي معروف بسبب دراساته حول الثقوب السود، بالتالي، من المنطقي أن يعرف عما يتحدث ويمكننا الإستشهاد به كمصدر. بالمقابل، روجر بينروس رياضي وليس نافذاً في دراسات إدراكية أو في الذكاء الإصطناعي أو في الانترنيت التطبيقي، لهذا، تأكيده فاقد للقيمة.
16.31. مُغالطة الجماعي الغامض
تُبنى هذه المُغالطة على إستخدام مصطلح جماعي دون تحديد واضح أو ذو معنى للعناصر المكونة له.
"نحن"، "حضراتكم"، "هم"، "الناس"، "النظام" و"كما الجميع"، هي أمثلة عامة شهيرة.
تُستخدَمُ هذه المُغالطةُ كثيراً في حقل النقاش السياسي.
17.31. مُغالطةُ أضغاث أحلام
هي مُغالطة مُبشِّرة بحدوث الكوارث والعواقب الوخيمة.
"إن لم يعتقد أحد بالله كمصدر للأخلاق وللنظام، إذاً، سينحدر المجتمع للدرك الاسفل".
يستلزم هذا الصنف من البرهنة حضور ثلاثة أشياء:
أولاً، وجود تلازم منطقي بين سقوط الفكرة المُدافَع عنها والنكبة المُبشَّر بها.
ثانياً، هذا التلازم حصري، لا تحل أيّة فكرة مكان تلك الفكرة أو أيّ شيء مكان شيء آخر.
ثالثاً، الفكرة صحيحة، لأنه من المناسب إعتبارها هكذا.
في هذه الحالة، يتفرع عن التلازم الحصري مُغالطة فرعية (إنقسام زائف: إما الدين أو الفوضى!).
18.31. مُغالطة الهر الذي يعوي أو ينبح
تقوم هذه المُغالطة على قيام أحد ما بإعداد ما ليس بإستطاعته إعداده. إن يقل شخص "أحب إقتناء هر، دوماً، سيما حين ينبح"، من الواضح أنه يطلب شيئاً مستحيلاً وليس صعباً فقط بل مناقضاً بشكل مطلق للطبيعه ولتعريف الهر ذاته.
الذين يقترحون الرأسمالية كغير مُنتِج للفقر أو الشيوعية السامحة بالنمو الإقتصادي الشخصي، يستخدمون براهين كتلك:
النظامان، في الواقع، مؤسسان على مسلمات تُدير ظهرها لهذه الاشياء.
(الرأسمالية مؤسسة على التنافس وتراكم الغنى، ووفق التعريف، لا يمكنها إنتاج متنافسين ناجحين فقط).
19.31. مصادرة المطلوب أو مُغالطة مصادرة على مطلوب
معروفة بالإنكليزية بتعبير "تسول السؤال".
حيث تستخدم النتيجة أو الخُلاصة مقدمتها على أنها حقيقية وصحيحة.
"يتوجب علينا إعتماد عقوبة الإعدام بغية تثبيط العنف الجرمي".
تُعرف هذه الصيغة من التفكير المنطقي باسم "منطق دائري أو استدلال دائري"، ومن ثم هي غير صالحة.
مثال عمومي حول المدافعين عن فكرة أو شخص:
"الكتاب المقدس هو كلمة الله. لا يمكن التشكيك بكلمة الله. بالتالي، الكتاب المقدس حقيقي وصحيح دون شكّ".
20.31. مُغالطةُ التشعُّب أو المأزق المُفتعَل
تُبنى بالبرهنة على التناوب لأشياء كما لو أنه سيوجد إثنان منها فقط، أو الحديث عن شيء مستمر، كما لو أنه مكوّن من حدين إثنين فقط.
من يستخدم هذه المُغالطة، يتبنى تقسيم الخيارات لإثنين، بينما يوجد في الواقع الكثير من النقاط وسطها أو من الخيارات الأخرى، ويحتاج أجوبة من طراز "نعم / كلا" أو "أبيض / أسود".
في المنطق التقليدي صيغة برهانية صالحة، على الشكل التالي:
1. ممكن أن يحدث أ أو حسناً يحدث ب (وليس الإثنين)
2. يحدث أ
3. بالتالي، لن يحدث ب
هذه الصيغة غير صالحة، إن تفشل مقدمتها الأولى.
21.31. البرهنة الدائرية أو الإستدلال الدائري
تظهر هذه المُغالطة، عندما يتبنى أحدهم النتيجة التي يرغب بالتوصل لها كمقدمة. يجري تركيب القضية بطريقة تظهر المُغالطة من خلالها كبرهان صالح.
"لا يجب السماح للمثليين جنسياً بشغل المناصب العامة. هذا مقبول من الجميع، بكل الأحوال، إكتشاف أي موظف مثلي جنسياً، سيؤدي إلى فقدانه منصبه. يشغل مثلي جنسي منصب، بالتالي، سيعمل ما بوسعه ليخفي وضعه، وسيتعرض مَنْ يكتشفه للتشهير. لهذا، لا يجب توظيف المثليين جنسياً في مناصب عامة".
هذا هو البرهان الدائري، المقدمة هي ذاتها النتيجة. لقد إستخدم الأمن السري البريطاني، في الواقع، مُغالطة رسمية، كالتي في المثال لمنع الإشارة للموظفين المثليين جنسياً.
22.31. المُغالطة التساؤلية أو مُغالطةُ السؤال الملغوم
هي الصيغة التساؤلية لمصادرة المطلوب، المُغالطة المذكورة أعلاه.
خذ هذه الصيغة لسؤال مضلل أو ملغوم:
"هل تواظب حضرتك على ضرب زوجتك؟".
يفترض السؤال جواباً محدداً لسؤال آخر لم يُطرح. يُستخدم هذا الصنف من الأسئلة أحياناً من قبل المحامين.
صيغة أخرى لهذه المُغالطة، تتمثل بطلب شرح شيء مزيف لم يتم التحقُّق منه للآن.
23.31. مُغالطةُ التكوين أو مُغالطةُ التركيب
تُبنى هذه المُغالطة على إستنتاج خاطيء، يعتبر تقاسم سمة ما بين عدد مؤكد من الأفراد كتقاسم جميع أولئك الأفراد لتلك السمة.
أو إعتبار خاصية محددة لأجزاء موضوع ما:
واجبة التطبيق على الموضوع كله.
"وسطياً، يُنفق صيني واحد طاقة صادرة من مصادر ملوثة أقل بكثير من إنفاق أميركي شمالي. لهذا، الصين بلد أنظف من الولايات المتحدة".
(الصين، في بعض مناطقها، أوسخ أو متلوثة أكثر من الولايات المتحدة الأميركية نظراً لضعف إمكانات التحكُّم والضبط للتلوُّث الهائل بالإضافة لوجود القليل من القوانين الحامية للبيئة. وغاز الكربون، الذي يشكل نتيجة حتمية للنشاط الإقتصادي الصيني الضخم، غير نقي ويمتزج مع الكبريت وهو ما يساهم بتدهور بيئي أكبر).
24.31. مُغالطةُ السبب – الأثر أو مُغالطة الإرتباط لا يقتضي السببية
تقوم هذه المُغالطة على التأكيد بأن حدثين قد وقعا معاً، يعني هذا وجود إرتباط سببي بينهما. بصيغة لبرهان منطقي:
"أ و ب، إذاً، يحتاج أ إلى ب".
تظهر هذه المُغالطة نتيجة جهل عوامل أخرى، ربما سببت الحوادث.
"يقرأ الأولاد أقل بكثير منذ إختراع الرائي (التلفاز). من الواضح بأن الرائي يمنع القراءة".
25.31. مُغالطةُ النفي المسبق أو مُغالطة نفي المُقدمات
تحضر هذه المُغالطة في البنية الشكلية للبرهان عبر توظيف صيغة برهانية من نموذج:
"يحتاج أ إلى ب، أ خاطيء، بالتالي، ب خاطيء".
هو تشويه شائع لبنية صالحة كقاعدة إستدلال بسيطة ("يلزم أ لـ ب، ب خاطيء، بالتالي، أ خاطيء").
"إن يظهر لي الله بهيئة شخص، فهذا، سيثبت وجوده. لكن، لم يظهر الله لي أبداً، لهذا، أعرف بأنه غير موجود".
صيغة برهانية غير صحيحة لأن الخطأ في المقدمة الأولى لا يسمح بإستنتاج شيء أكثر هناك. لزوم ("يلزم أ لـ ب")، يخدم في الحصول على معلومة تطال صحّة أ فقط.
26.31. مُغالطةُ التقسيم أو مُغالطةُ التفكيك
هي مُغالطة معاكسة لمغالطة التركيب الواردة أعلاه. تعتبر أن خاصية شيء ما، يجب تطبيقها على كل أجزاء هذا الشيء، أو أن خاصية لمجموعه تطبق على كل عناصرها.
"يتمكن النمل الأبيض من تدمير منزل كامل. بالتالي، يُمكن لهذا النمل الأبيض تدمير منزلي كليّاً".
27.31. مُغالطةُ الأربعة مصطلحات أو مُغالطةُ الشروط الأربعة
تحدث عند إستعمال كلمة رئيسية بمعنيين، أو أكثر، مختلفين في ذات البرهان. لتفادي ظهور هذه المُغالطة، يجب تقديم تعريف واضح ودقيق للمصطلحات، وتجنُّب المصطلحات المشتركة، الممتلكة لمعاني كثيرة والغامضة، قدر الإمكان.
28.31. مُغالطةُ القياس الموسّع
تظهر هذه المُغالطة عند نقاش قاعده عامة، ويعتبر أحد الأطراف أن الطرف الآخر يعرض تشابهاً بين وضعين، فقط لأنهما ذُكِرا معاً.
مُغالطة النتيجة غير البارزة أو مُغالطة تجاهل المطلوب
تقوم على تأكيد أنّ برهاناً محدداً:
يُثبت نتيجة مؤكدة، بينما في الواقع، لا مجال لمقارنته بها، ولو أنه برهان على نتيجة مختلفة.
29.31. مُغالطةُ المذهب الطبيعي
هي مُغالطة مشتركة في براهين كثيرة سياسية وإجتماعية. تشكل ترجمة متكونة من إقتراح تناظر بين نتيجة خاصة ومشهد ما من العالم الطبيعي، والتأكيد لاحقاً، بأن النتيجة حتمية، لأن هذا هو قانون طبيعي.
"تُبنى الرأسمالية على المنافسة وإستملاك الموارد. نرى في الطبيعه كيف أن الحيوانات والنباتات تتنافس على الأرض والغذاء. بالتالي، الرأسمالية هي الصيغة الطبيعية الأهمّ للتنظيم الاقتصادي!".
تبرز صيغة أخرى، تتمثل بتطبيع الكائنات البشرية، لأننا نشكل ككائنات بشرية منتجات من الطبيعه، للبرهنة على أن الكائنات البشرية، يجب أن تسلك كما تسلك الحيوانات.
"المثلي جنسياً ضد الطبيعه. لا تبحث الحيوانات في الوضع الطبيعي عن شريك جنسي من نفس الجنس!".
تتضمن النزعة التاريخية (يُعتبر هيغل من أشهر مؤيديها) مُغالطة شبيهة، تقول:
بأن التاريخ عبارة عن سلسلة من الوقائع العقلانية الثابتة المحددة سلفاً والتي تبرر إستمراريتها، بالتالي، "ما يحدث، هو ما يجب أن يحدث"!
لا يتوافق ما سيرد مع ما ورد أعلاه من هذه المُغالطات والأخطاء المنطقية، بل يتوافق مع مواقف المُجادِلْ:
التي يمكنها أن تقوده لإرتكاب تلك المغالطات؛ أو تحقيق البرهنة التي لا علاقة لها بالموضوع لا من قريب ولا من بعيد.
ففي بعض المناسبات، يستحيل إخراج الآخر من طريقته الخاطئة بالتفكير، بحيث أنه لا يتمكن من فهم في أيِّ قعر يُقيم.
30.31. ذهنية مخالفة للتصوريّة
تتعامل الذهنية المخالفة أو المناهضة للتصورية مع الأشياء التجريدية كما لو أنها أشياء حسية ملموسة. تتأمل التصوُّر (المفهوم) كما لو أنه شيء أولي وبمضمون ذاتيّ، شيء لا يحتاج إلى سياق منطقي من التكامل والتعريف. سبب هذه المتلازمة هو الرغبة بإعادة إمتلاك الميزة الآلية للتصوُّر وتفادي الإستقلالية الذهنية وبذل الجهود وإمكانية الوقوع بالخطأ، التي تقضي بحدوث التكامل التصوريّ. تُستبدَلْ عملية التكامل التصوريّ، في هذه الذهنية، بصورة كليّة تقريباً، بعملية المشاركة.
تُنتج الذهنية المخالفة للتصورية تحديداً وتبعيةً لمجموعة، تتميز، بالعموم، بالوحدة على أساس سلالة أو جنس أو قرب جغرافي. يقوم العالم الأخلاقي، لأولئك الأشخاص، على إستبدال ملموس للمباديء الأخلاقية:
عادات، تقاليد، أساطير وطقوس.
هذه الذهنية غير قادرة على التجرُّد من فكرة وجود فروقات ملموسة بين الأشخاص وإصدار الأحكام على سلوكيات أخلاقية لفرد ما.
لا يدعم العقل أو السبب رؤيتها للخير والشرّ:
بل الولاء للقبيلة وطقوسها وممارساتها.
31.31. الفيل المثير للإشمئزاز
توفير علاج لوضع إشكاليّ لا يحدث في الواقع، تبيان غياب المشاكل كدليل على فعالية العلاج:
"يتوجب على حضرتك شراء هذه الزجاجة، التي تحتوي على الفيل المثير للإشمئزاز، لي. وحال عدم قيامك بهذا الأمر، سيمتليء الحيّ بالفيلة وسيُدمّر بعضها منزلك. فيما لو يسألني أحدٌ ما، لماذا يتوجب عليك تصديق ما أقول، انظر حواليك. يستخدم كل جيرانك الفيل المثير للإشمئزاز. هل ترى أحد الفيلة، وهو يدمر منازلهم؟".
تتصل هذه السلوكية بالمغالطة الشهيرة "أضغاث أحلام في الجزء الأول".
تُستخدم كثيراً في حالات الأنظمة العسكريتارية لأجل تبرير المصروفات على شؤون الدفاع!
32.31. إدخار الزومبي
اللعب بفعالية فكرة، هو أمر قد إنتهى منذ زمن طويل.
على سبيل المثال:
"يأمل المواطنون بأن تحمل الإنتخابات القادمة التغيير نحو نمط عمل سياسيّ جديد".
لقد أمِلَ المواطنون ذات الأمر منذ أوّل إنتخابات قد حصلت!
33.31. إسقاط رائع / فرض المضمون
محاولة فرض الرؤية للعالم أو المضمون الأخلاقي والثقافي الخاص على شخص ما، عندما تجاهل أحدٌ ما الواقع وخلق خيال بديل عنه، متأملاً أو طالباً من الآخرين مشاركته هذا، قبوله وتقديم العون له للحفاظ عليه.
34.31. الإنتقائيّة أو التركيبيّة
تقوم على إنتقاء أجزاء حسنة من مجموعة من الأفكار وتستبعد الأجزاء الغير جيدة. تقضي هذه العملية بإمتلاك، مَنْ ينتقي، المعرفة بكيفية إنتقاء الأفكار، وإمتلاكه لمعيار قياسي وموضوعي لمحاكمة تلك الأفكار. فيما لو يكن هذا هو واقع الحال، بالتالي، لا توجد مشكلة، وستصير الإنتقائية أو التركيبية عملية ثقافية صالحة. لكن، فيما لو يقترب الشخص من أفكار يجهل مراميها، إذاً، ليس مُجهزاً بشكل كافي للإنتقاء من بين تلك الأفكار.
35.31. السطحيّة الفاسدة
تظهر هذه الحالة عندما يُصرّ مُحاور على إدخال عناصر غير ذات صلة إلى الموضوع، بحيث يتجاهل المنطق والأدلة المقدمة من قبل الخصم. وعلى إعتبار أنه لم يُلامس القضيّة المطروحة، أو النقاط الرئيسية فيها، يُركّز على جزء غير مهم من النقاش (يُركّز أحيانا على كلمة واحدة!) ويوجه هجومه بهذا الإتجاه غير الهام. يرى الأشياء بصورة ضبابية ويستخرج جزءاً من حقيقة فقط، حيث يرفض النظر لأبعد من هذا، يستشهد بكلام خارج السياق ولا يحمل أيّة أهمية ليوحي من خلالها أنها موقف الخصم! في حالة التعقيد والغرابة بأمر ما، ولكي يتصدى له، يستخرج ما يمكنه فهمه منه ويشوهه، وهنا، يستخدم لغة رمزية، مألوفة عادة له!
(على سبيل المثال، أكثر من مرة وجدتُ الآتي (وربما قرأ الكثيرون هذا): "في الواقع، لا يوجد ملحدون. كلنا نعبد الله، فيما يعبد الملحدون الجسد والنقود أو المادة". يُبيّن هذا بأنّ الخصم لا يمكن أن يتفهّم معنى النقص بالإيمان أو التخلي عن الإيمان ببساطة وبشكل واقعيّ!).
36.31. القلق المُفرط
يقوم على تناول فكرة غير هامة وغير مترابطة والعمل على تضخميها دون توقُّف. عندما ينزعج شخص بشدّة أو يضطرب من شيء ما، دون وجود سبب واقعي واضح، سيتعامل هذا الشخص مع شخص آخر وفق عالم قائم في ذهنه فقط، حيث لا توجد أسباب موضوعية يمكنها تهدئته.
37.31. تعقيد عاجز
هو نوع من الجمود، الذي يظهر، عندما يحضر لدى شخص عدد هائل من الوقائع الخاصة، لكن، ليس لديه المباديء العامة الضرورية لتقديم تلك الوقائع ودمجها عبر تفسير بسيط إجمالي. عند عدم التعوُّد على التفكير بالمباديء، يجد الفاعل تعدُد الوقائع بمثابة شيء مُحرج يجعله يتراجع ويقدم الأعذار:
"هذا الوضع معقد جداً، ويصعب العثور على حلّ سهل له. التبسيط، هنا، غير مناسب".
يؤدي عدم تصوُّر المباديء الأساسية إلى عدم ترتيب الوقائع بصورة متماسكة، ولكي يُدرك كل شيء سيلجأ، بشكل حذر، إلى حل هو مخصص ad hoc الذي لن ينفع إلا ببعض الحالات الخاصة. هكذا، يقوم الشخص بالتوصيف بدلاً من التحليل، حيث يعتقد بأنّ توصيفه هو عبارة عن تفسير أو شرح، فيركّز على ظواهر نوعية لا على قوانين أساسيّة.
38.31. ملاحة على الأرض المُسطّحة!
تقوم على تخصيص كثير من الوقت والطاقة لحل مشكلة غير قائمة، مثل ملاحة السفن والطائرات على سطح أرضيّ مُسطّح لا منحني. إنشاء نظرية على قاعدة غير موجودة، أو التعميم حول مفهوم مثاليّ.
علم اللاهوت، على سبيل المثال:
يتأمل، يستنبط ويشرح موضوعاً، لا يُعتبَرُ موضوع!
39.31. الصور المتغيرة
تقوم على توليد صور غير متشابهة إعتباراً من مفاهيم متشابهة، بالعموم عبر إستخدام كلمات مترادفة مع تبادلات بالغة الإختلاف.
القمح "محصود"، لكن، الأشجار "مقطوعة".
40.31. إنسداد لفظيّ
"متى قلتُ هذا؟". رَفْضُ الماضي من قبل شخص، فيعيد كتابة أقواله في ذهنه.
41.31. مُغالطات صحافية – سياسيّة
كتسمية الحروب بصيغة أخرى ("إجراءات تهدئة").
إستخدام صور ذات محتوى عاطفي (وإيراد قليل من المعلومات).
تبني مصطلحات مثيرة من قبيل ("أسلحة الدمار الشامل").
حصر النقاش بخيارات "مسؤولة".
شيطنة وجهات النظر المُخالفة.
شخصنة وقائع معقدة (صدام = العراق).
تحويل أشخاص لأغراض أو مفاهيم ("الأضرار الهامشية").
عزل حوادث عن سياقها التاريخي.
32. لنتحدث قليلاً حول المنطق
قبل كل شيء، سأحاول إلغاء خطأ على شكل مغالطة بصورة فورية:
يمتلك مُصطلح "منطق" معاني عديدة، حيث يتصل أحدها بالمسلكيات وأغراض وصيغ التفكير عند البشر.
لا يملك شخصان ذات المنطق في العشق وفي اختيار العمل أو في التفاوض.
في حال ترك شخص لأعماله ولعائلته وممتلكاته كي يختفي مع عشيقته، يمكننا القول بأنّ "الحب لا يستجيب للمنطق"، لأننا نفكّر بمصطلح "منطق" كما لو أنه "قاعدة" إجتماعية تضبط السلوك، أو كمرادف لما نعتبره "صحيح" (ما نعتقد أنه صحيح) كفعل أو واقع بعينه.
يحدث ذات الأمر مع مصطلح "عقليّ أو عقلاني"، حيث يمكننا إعتباره مرادف لما "هو مُنتظَرْ أو مقبول"، على سبيل المثال، يُقدم شخص على إرتكاب عمل "لاعقلاني" عندما يطلق النار على العامة في الشارع، وبهذا، هو أبعد ما يكون عن كلّ "منطق".
حسناً، لا أتحدث، هنا، لا عن "منطق" ولا عن "عقلانية"، بل سأتحدث عن علم شكليّ.
لنصرف النظر عن المنطق، ونرى ما الذي يحدث؟
فيما يلي، سأشرح ثلاثة قوانين أساسية للمنطق وثابت منطق (يوجد العديد منه)، ثمّ، سأحاول إيضاح ما يمكن أن يحصل في حال عدم إكمال هذه القواعد، وأشدد "على أنني سأحاول" لاستحالة تقديم مثال صحيح 100% حول تلك القواعد دون وجود إمكانية لحدوث خطأ، حيث سترون لماذا.
القانون الأوّل: قانون التطابق
يطابق كل كيان س ذاته نفسه، أو...
لهذا، لدينا س = س
مثال: 5 = 5
هل الأمر معقد؟
آمل ألّا يتسم بالتعقيد، سنقول، الآن، بأنّ هذا القانون: لا يُنفَّذ أو لا يجري إكماله "دوماً".
لكن، لا تضيعوا، يمكن للشخص إستعمال المفتاح الفرنسي لأجل طَرْقْ شيء ما، نتحدث هنا عن "كيان"، فكل ذرّة بالمطرقة موافقة لعناصر محددة متطابقة مع ذرات مختلفة بالمفتاح الفرنسي المتواجدة في أماكن مختلفة في الفضاء أو الفراغ، لكن، ذات الذرات في ذات المكان هنا.
غالباً، ما نتمكن من تخيُّل أداة كشيء بلحظة ما، ثمّ، تُصبحُ شيئاً آخر بلحظة أخرى، فيما لو نتخيل أداتين متداخلتين، فالأمر غير صحيح، بحيث تبقى كل أداة مختلفة عن الأداة الأخرى بصورة منفصلة الواحدة عن الأخرى.
لكن، ما الذي يحدث مع الضوء؟
الضوء ثنائي الموجة / الجزيء، فهو، أحياناً، عبارة عن موجة، وأحياناً أخرى، عبارة عن جزيء أو جسيم.
في الواقع، ينتمي تصنيف المادة والموجة إلى عالم المقياس العياني، فيما تتحدى الظواهر الفيزيائية كانتشار الضوء "المنطق" (نعود لتعريف المنطق بوصفه "فطرة سليمة"، ولا نتحدث هنا عن المنطق بوصفه علم شكلي).
ما يحدث هو أن الضوء مُكافيء للشيئين أو لا يكون، هل يخرق هذا قانون التطابق؟
كلا، يجري الخلط هنا بالتصنيف، فخواص العالم "العياني أو المرئي" مختلفة عن خواص العالم "غير المرئي الدقيق"، ويحدث الخلط، عندما نرغب بالتفكير في العالم "غير المرئي الدقيق" بذات خواص العالم "العياني" (مادة، طاقة، موجات)، فتظهر تلك المفارقات.
سمحت تلك المفارقات الخاصة بالعالم الكوانتيّ بظهور كثير من العلوم المزيفة، التي تعكس تفسيرات سيئة أو خاطئة للظواهر الفيزيائية.
لكن، بالنتيجة، يوجد "ثابت" منطقي، تكسره الفيزياء الكوانتية، وهذا ما سنراه بنهاية الموضوع.
بكل الأحوال، يمكنكم القول:
"لا يستطيع العقل تخيُّل إخفاق قانون التطابق، دون أن يعني هذا إمكان حصول هذا الأمر".
حسناً، ربما لا يجري إلتقاط الفكرة، بهذا المثال، حول تبعات التخلي عن أحد قوانين التفكير الأساسية، لكن، القانون الثاني أوضح.
القانون الثاني: قانون عدم التناقض
لا يمكن لاقتراح ونفيه، أن يصُّحان بذات الوقت وبذات المعنى، أو ...
"لا يمكن أن يحضر الشيء أو يغيب، بذات الوقت وذات المعنى"
سنحاول تطبيق هذا القانون على الحديث حول الألوهية، الذي دار بين الفيلسوف الغامض والشخص الغريب على الشكل التالي:
الفيلسوف الغامض: وجود يهوه مؤكد، وكذلك، عدم وجوده.
الشخص الغريب: كيف؟ يعني أنه موجود وغير موجود؟
الفيلسوف الغامض: كنتُ واضحاً للغاية، نعم ولا.
الشخص الغريب: إذاً، سيتوجب عليّ التحوُّل للمسيحية؟
الفيلسوف الغامض: نعم ولا.
الشخص الغريب: يُتمتم بصورة غير مفهومة!
الفيلسوف الغامض: يتنهّد ويُفكّر "متى ستفهم الناس بأنّ الأجوبة، هي بعيدة كثيراً عمّا يسمى منطق؟".
أحد جيران الشخص الغريب: إيه! هل أطعمت كلبك؟
الفيلسوف الغامض: نعم ولا
(ملاحظة: مات الكلب من الجوع ..... أو لا)
فيما لو يكن شيء مؤكد وغير مؤكد بذات الوقت، فلن نتمكن من إتخاذ قرارات أو قول شيء مؤكد، لكن، تعطي "نعم ولا" نغمة شعرية، حيث يمكن إستخدامها للتحوّل إلى غورو العصر الحديث، أي الجنون المؤسس للأديان الجديدة.
القانون الثالث: قانون الإحتمال الثالث المُستبعد
س حقيقيّ، أو س غير حقيقي، ليس هناك خيار ثالث
على سبيل المثال، نطرح السؤال التالي:
"هل الكلب حيوان ثديي (من الثدييات)؟".
الجواب نعم أو لا، فليس هناك خيار ثالث للإجابة، ومن المهم، هنا، إيضاح أننا لا نتحدث عن حالة، يقول الشخص فيها "لا أعرف" أو "ربما".
سنحاول كسر هذا القانون من خلال مثال الكلب والسؤال حول هويته، إن يكن حيوان ثديي.
لنعتبر أنّ الكلب، هجين زاحف / ثديي ... أوووووووووووه ملك مات منطق!!!
لكن، صنعنا فخّاً، هنا، لأننا نضع تعريف الثدييات بحالة غموض، حيث تتميز الثدييات بقيام إناثها بإرضاع صغارها، بكل بساطة، وحتى لو لدى "الكلب" حراشف، دم بارد ويضع بيوض، فيما لو يُرضع صغاره، فهو حيوان ثديي.
عملياً، آكلات النمل وخلد الماء حيوانات تضع بيوض، لكن، ترضع صغارها، لهذا، يجري تصنيفها كثدييات؛ لا طيور ولا زواحف.
بالتالي، فيما لو يُقصي مهندس قانون الإحتمال الثالث المُستبعد، عندما يسألونه:
"أستاذ مهندس: هل سيتحمل الجسر الزمن المُحدد له مسبقاً؟".
يجيب المهندس:
"إممممممممم .. تقريباً أو بزمن يقلّ أو يكبر".
لسنا بمواجهة كائن يخرق المنطق، بل بمواجهة مهنيّ مُهمل أو مُقصِّرْ.
ثابت منطق: تبعات
تشكّل التبعات "فيما بعد أو التالي" الشهيرة، أي "لهذا" تبعة "الآخر"، وعادة
رمزها هو ←
أ تبعته ب
أ ← ب
يمكن إستخدام التبعات لأجل توصيف علاقات السبب والأثر، كمثال:
"تُمطر، بالتالي، سيتبلل البيت"
في العالم الكوانتيّ، توجد ظواهر "عفوية"، مثل اضمحلال النشاط الإشعاعي أو الطاقة في النقطة صفر، حيث لا تمتلك هذه الظواهر "تبعات مؤقتة"، لكن، لا يعني هذا بأنها لا تملك سبباً من نوع آخر.
في القوانين الثلاثة التي تحدثنا عنها، فيما سبق، يوجد شيء مشترك فيما بينها، حيث تمثل إمكانيتنا "بتصوُّر" أو "تخيُّل" شيء ما، فيما لو خرجنا عن هذه القوانين، لتصاعد الدخان من أدمغتنا!
السببية أحد تلك المفاهيم، التي تملأ أدمغتنا، والتي نستخدمها في عقلنات منطقية، حيث نربط بين حدثين أو حادثين، ما الذي يحدث، في حال عدم إكمال قوانين السببية دوماً؟
عملياً، يمكن أن يظهر مبلغ 100 مليار دولار في غرفتنا، دون وجود أيّ سبب واضح، لما لا؟
تعتبر السببية أحد المباديء، الذي إستخدمه عدد كبير من الفلاسفة لإستخلاص وجود سبب أو مسبب للكون، لكن، فيما لو نقول بأنّ قاعدة السببية غير قابلة للتحقق هنا، فبإمكاننا القول بأن الكون موجود دون مسبب وبلا سبب، وهذا ما لا يروق للمؤمنين سماعه بالطبع!
لماذا سيرفض ألوهي ما فكرة عدم تشكيل السببية لقانون مطلق؟
الجواب: لأنّه سمح لقواعد منطقية "بشرية" بتحديد عقله وتفكيره ببساطة!
هل إلتقطتم المُفارقة المهزلة؟؟!!
أين تكمن مشكلة العبارة، التي تقول:
"يوجد أشياء، لا يمكن تطبيق المنطق عليها"؟.
لن أقول بأنّ المنطق، يمثّل قواعد مطلقة غير قابلة للدحض، لأنني لا أملك المعرفة الكافية حوله، رغم تأكُّدي من امتلاك القوانين المنطقية للكثير من القواعد.
بهذه الحالة، سأحدد المنطق باعتباره تمثيل لتلك القواعد فقط، لكن لماذا تتمتع هذه القواعد بكل تلك الأهميّة؟
التمثيل
تحتاج لعبة الشطرنج إلى لوحة وقطع وقواعد حركة، حيث تتنوّع كثيراً نظراً لوجود كثير من أنواع الشطرنج، لكن، عندما يلعب شخصان الشطرنج، يتوجب على كليهما اللعب وفق ذات القواعد، إلا إذا قرّر أحدهما اتباع الغشّ باللعب أو اللعب بشكل أخرق!
بذات الصيغة، تسمح قوانين المنطق لشخصين أو أكثر بالبرهنة عبر استخدام "ذات قواعد اللعبة"، لكن في حال عدم رغبة أحدهم باتباع تلك القواعد، فهو يمارس الغشّ أو يصنع أفخاخ.
تمثّل تلك الأفخاخ، عملياً، "قواعد جديدة"، يمكننا تسميتها مغالطات.
ما هو مهم بتلك المغالطات، هو أنها قواعد "مبنية بصورة خاطئة أو سيّئة"، تؤدي إلى نشوء خلل في المصفوفة، فعلى سبيل المثال:
يقول محمد:
"أشعر بإحساس داخليّ، يقول لي بأنّ أ ليس صحيحاً".
فيما يقول علي:
"أشعر بإحساس داخليّ، يقول لي بأنّ أ نعم هو صحيح".
هل يملك كلاهما الحقّ؟ لماذا يحدث هذا؟
في الواقع، الإثنان بعيدان كثيراً عن المنطق!
1.32. ما لا يُفسّره المنطق
من جديد، سنستخدم العبارة الواردة أعلاه، والتي تقول:
"هناك أشياء لا يتمكن المنطق من تفسيرها، مثل الحبّ (المحبّة) أو الفنّ".
وهنا، يجب التنويه إلى العبارة الشهيرة، لصاحبتها بياتريس ويب، والتي تقول:
"الدين محبة لا منطق، بأيّ حال".
عادةً، يستخدم بعض المؤمنين هذه العبارة، في حال مخالفة البرهان "العقليّ" أو "المنطقيّ" لطرحهم.
ما يتوجب التنويه له، بداية، هو أنّ مُصطلح "منطق"، يمكن أن يُرادِفَ مُصطلح "تفكير" أو "عقلنة"، بالتالي، يمكننا الحديث عن منطق بشريّ، منطق كِلابيّ، منطقي قططي، .......الخ.
على مستوى المعنى، ليس ذات "المنطق"، الذي يُفهَمْ على أنه علم تفكير أو معرفة شكليّ.
هذا الخلط أو المزج، هو ما دفع المخرج السينمائي الشهير وودي آلن لقول العبارة التالية:
"الحبّ هو الإحساس الأعقد. لا يمكن توقُّع ما يصدر عن الكائنات البشرية. لا يوجد منطق في أحاسيسهم. حيث لا يوجد منطق، لن يحضر تفكير عقلاني. وحيث لا يوجد تفكير عقلاني، يمكن أن يظهر الكثير من الرومانسية، لكن، سيحضر الكثير من الألم".
للمنطق، بوصفه علم شكليّ، كيانات "مجردة" (أي توجد ضمن العقل) خاضعة لقواعد وقوانين، كمثال:
الأرقام هي كيانات، أما الجمع أو الضرب فهي قواعد تطال كيفية إرتباط تلك الكيانات.
يمكن إستخدام كيانات المنطق لعقلنة الكيانات "الواقعية"، كمثال:
الأرقام التي لا يمكن لمسها، يمكن إستخدامها في تعداد أشياء ملموسة مثل عدد أفراد البطّ.
لكن، لكي نتمكن من ربط كيان "واقعي" مع كيان منطقي "مجرّد"، يجب أن يتحلى الكيان بالواقعيّة الموضوعيّة، أي لا يتوقف على وجهة نظر.
لدينا بطتين: هنا وفي الصين أو في كوكب الزهرة.
بالمقابل، لأجل تحديد أو تعريف مصطلح "حبّ، محبّة" أو فنّ، لا يحدث ذات الأمر، حيث يتوقف على وجهة نظر الشخص، الذي سيجيب على سؤال التحديد أو التعريف.
يدرس علم الفيزياء كثير من الكيانات الواقعية الموضوعية، ولهذا، يمكن تطبيق المنطق في هذا العلم، فالإلكترون، دوماً، عبارة عن إلكترون، بغضّ النظر عمّن يلاحظه أو لا يلاحظه.
لكن، مهلاً!
توجد ظواهر فيزيائية، تبدو "شخصانية غير موضوعية"، لكن، ليست هكذا، كمثال، وفق النظرية النسبية، يمكن لمُراقبين متحركين، لهما سرعتين نسبيتين بينهما، تحديد كتل مختلفة وأطوال وأزمنة مختلفة لذات الجسم، بهذه الحالة، ستنحصر الموضوعية في التفسير "الإجمالي" للظاهرة؛ وليس فيما يحدده المراقبان.
حتى الآن، هل يتضح إمكان إستخدام المنطق حول أشياء بعينها؟
لكن، ما الذي يحدث مع المشاعر أو الأحاسيس؟
توجد المشاعر أو الأحاسيس في العقل البشريّ (في الدماغ بيولوجياً).
لكن، هل نعرف كيف يعمل العقل البشريّ؟
يقدّم الأخصائيُّون بعلم الأعصاب فكرة هنا، فالمشاعر، بالنسبة لغالبيتهم، عبارة عن نتيجة لتفاعلات كيميائية وكهربائية معقدة، تحدث ضمن الخلايا الدماغية.
الأمر الذي يعني بأنّ المشاعر، فعلياً، يمكن "تفسيرها" عبر المنطق (بوصفه منطق صوريّ)، حال تحديد الظواهر المادية التي تسبّب التفكير.
بالتالي، لا يكمن الأمر بكون الحبّ أو الفنّ غير قابلين للتفسير منطقياً أو من خلال المنطق، بل لأنها تحدث وفق عمليات معقدة للغاية، يصعب تبسيطها وإختزالها بكيانات منطقية بسيطة، كالقول بأنّ:
أ + ب = فنّ جميل!
لكن، لن يحوز هذا الجواب على رضا كثير من المؤمنين، حيث يدعي بعضهم بأنّ العقل البشريّ عبارة عن ظاهرة فوق طبيعية ولا يمكن تفسيرها من خلال العلوم المادية!
القول بأنّ العقل "فوق طبيعي"، هو تأكيد، ولكي يُقبَلْ هذا التأكيد، يجب تقديم أدلة وبراهين.
وهنا، السؤال: كيف يمكن البرهنة على أن العقل فوق طبيعي؟
أم المطلوب هو عدم بحث هذا الأمر؟
بالتالي، يمكن للكثيرين الادعاء بأنّ عمل العقل مجهول أو غامض حتى الآن (وهنا أصرّ على أنّ الأمر ليس هكذا بالنسبة لي)، فالعبارة التي تقول:
"هناك أشياء لا يمكن للمنطق تفسيرها، مثل الحبّ أو الفنّ".
هي صحيحة، فقط، عندما تُقالْ على الشكل التالي:
"هناك أشياء، لم يتمكن المنطق من تفسيرها حتى الآن، بدقّة، مثل الحبّ (المحبة) أو الفنّ".
إنتهى
تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل
للإطلاع على باقي الأجزاء
الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر
الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة
الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل
الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر
الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت
الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية
الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم
الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت
الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟
الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق
الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق
الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ
الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع
الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة
الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس
الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين
الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟
الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد
الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين
الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ
الموسوعة الإلحادية (30) عبارات إلحادية وتنويرية خالدة
الموسوعة الإلحادية (31) مُقرّر دراسيّ داعم للإلحاد
الموسوعة الإلحادية (32) ما يتعلق بالآلهة
الموسوعة الإلحادية (33) ما يخصّ العالم وكائناته وما يتعلق بالأرواح وترحالها
الموسوعة الإلحادية (34) ما يتعلق بالصلوات والمعجزات والأديان
الموسوعة الإلحادية (36) كتب وشخصيات هامة، الإلحاد القاتل ونقد إلحاديّ للإسلام
الموسوعة الإلحادية (37) الحاجة الحيويّة للإعلان عن الإلحاد وتبنيه وأساطير مسؤولة عن التحوُّل للإلحاد



No comments:
Post a Comment