2026/04/15

The Atheist Encyclopedia الموسوعة الإلحادية (31)

12. دروس إلحادية

مُقرّر دراسيّ داعم للإلحاد

أعدّهُ الملحدان الإسبانيّان أنطونيو لوبيث كامبيُّو وخوان إغناثيو بيريراس.

يتكوَّن المقرر من سبعة دروس؛ يلي كل درس تمرين محادثة أو حوار بين مؤمن وملحد بالإضافة إلى المسوغات وخاتمة.

هو رأي شخصيّ بالنتيجة، يمكن توسيعه وإدراج دروس كثيرة أخرى، أي هو عمل مفتوح على التطوير.

مسوغات

ربما تسمح قوانين إدارية مستقبلية بإدراج مادة تعليم ديني كمادة صالحة على الصعيد الأكاديمي، ويُفضي هذا الأمر، عند حدوثه، إلى السماح بحضور مواد أخرى بديلة للأبناء القادمين من عائلات 

غير متدينة، حيث يدفع التسامح الدستوري بهذا الإتجاه، وعلى إعتبار أنّ أفضل بديل للدين، إذا وُضِعَت الأمور في نصابها الصحيح، هو الإلحاد، يجب السماح بمادة خاصة بالإلحاد كمقرر تدريسي، تدخل ضمن مُقرَر الطالب المدرسيّ فيما بعد.

لأجل هذا، نرى بأنه يجب أن يتميز، كنصّ، بالبساطة قدر الإمكان، يعرض جميع عناصر التفكير الإلحادي؛ والذي سيعادل، رغم الفروقات، أيّ كتاب تعليم ديني مدرسي.

يكمن الفارق، وتكمن الصعوبة، بعدم وجود عقائد خاصة بالملحدين وعدم حضور حقائق مطلقة لديهم

سيتألَّف الكتاب من مجموعة من التأملات والمُحاكمات الذهنية المنطقية، التي تقود إلى بناء أخلاقية مؤسسة على الإنسان وعلاقاته بباقي الكون فقط.

يشكّل الإلحاد "منهجاً" لا عقيدة خاصة له؛ يعتاش على إكتشافات آخرين كالفيزيائيين والكيميائيين وأخصائيي علم الأحياء وعلم طبقات الأرض وعلم الإجتماع وعلم الإنسان والمؤرخين وغيرهم من الباحثين في جميع أنحاء العالم.

يمنع هذا الإقتراض الثقافي، إذا جاز التعبير، ظهور جسم عقائدي مبني جيداً، وبفضل هذا الأمر، يختفي إتجاه العقدنة من تفكير الملحد. فما يشكّل خاصية إلحادية هو إمتلاك أخلاق علمانية، والتي تعني بأصلها اللغوي:

أخلاق شعبية لا أخلاق طبقية أو طائفية أو عرقية.

يُضاف إلى هذه الفروقات الجوهرية القائمة بين الإلحاد والإيمان واقع:

عدم إنتظام الملحدين على شكل كنيسة ولا جماعة، وهو ما يفسر عدم وجود نصوص خاصة موجهة لنشر أفكارهم وآرائهم.

بالتالي، يفتقر الإلحاد لحضور منظمة يمكنها توفير بنية داعمة لأجل تحضير ونشر كتاب تعليم من هذا النوع على أقل تقدير.

لهذا، ظهرت هذه المبادرة الشخصية الخاصة المستندة إلى توجه حكومي متحرِّر في هذا البلد (إسبانيا).

لا تواجه الكنائس هذه الصعوبات، فلديها مؤسسات دينية قوية تنشر كثيراً من الكتب والنشرات بصورة دورية نشطة.

وهذا يحصل منذ قرون ودون توقف.

لا يحدث هذا مع الملحدين (أو مع اللاأدريين أو مع غير المتدينين بالعموم).

ولا يعود هذا لعدم وجود تنظيم صفوف فقط. حيث يعتبر الملحدون بأن الإلحاد عبارة عن لحظة حضور الكائن البشري إلى الحياة، كل كائن بشريّ، وبالتالي، يبدو حدثاً طبيعياً (لا يمكن تفاديه، ولهذا، هو طبيعي) لا يحتاج إلى أيّ كتاب تعاليم "للإعتقاد"، وبصورة أقلّ، للتصريح بالإيمان.

لأجل هذا، لم تظهر كتب تعاليم إلحادية، لم يحتاجونها، فقد اكتفوا بقراءة الكتب التقليدية وراهنوا على حسن تفكير المواطنين.

فيما احتاجت الكنائس إلى كتب تعليم بالإضافة إلى كتبها المقدسة، لأنها وَعَتْ بكون "حقائقها" لا تمثل حدثاً طبيعياً، ولهذا، يقول المؤمنون بتأسيس إيمانهم على ما وراء الطبيعة أي على ما هو خارج هذا العالم الواقعيّ المُعاش!

إن تدخل الحكومة الحرّة في قضية التعليم الديني وإدراج مواده في التعليم الرسمي، يُجبرنا كملحدين، أحرار وأحياناً متهتكين، على محاولة تحضير ونشر شيء شبيه بالنصوص الدينية سالفة الذكر بصورة رسمية.

لهذا، قمنا بتحضير مُقرّر التعاليم الإلحادي هذا، الذي يدفع نحو التأمل بالإلحاد.

وعلى إعتبار أننا لسنا من دكاترة الكنيسة ولا من تلاميذها، نرى بأن هذا المُقرّر قد يحمل الفائدة، من ناحية تعليمية على الأقلّ، بصورة مؤقتة "بإنتظار نصوص أفضل"، ولهذا، أسميناه "مُقرراً دراسياً داعماً للإلحاد".

لا ننتظر بأن يتحول أحدٌ إلى الإلحاد، فلم يُحولنا أحد إليه، بل نحثُّ على إجراء التأمل النقديّ في التعاطي مع العقائد الدينية وأيّة عقائد أخرى لها ذات الطبيعة.

يشكل هذا الأمر هدفاً رئيسياً، وربما وحيداً، من نشر هذا المُقرّر الدراسيّفي النهاية، ليقرِّر القاريء ما يرغب به، فهو حرّ.

على اعتبار أن الحكومة تشجعنا على القيام بالكتابة، فهي تشجعنا على محاولة إضفاء الصفة الوطنية أو القومية على العقائد الدينية وغير الدينية للمواطنين.

وشكراً

المؤلفان

1.12. الدرس الأول

الإيمان بعدم الإيمان

هل الله موجود؟

هو سؤال الإنسان الأوّل.

وإعتباراً منه وعبر التاريخ، سيظهر التفكير النقديّ والفلسفة وربما جميع العلوم.

يبدو أن هذا السؤال قد حصل على الإجابة بطريقتين:

فسيقول الألوهي: نعم، يؤمن بالله؛ فيما سيقول المُلحد: لا أعرف، لا أومن به.

تتأسس إجابة الألوهي على الإيمان، لا توجد مشكلة بالنسبة له؛ لكن، تتأسس إجابة الملحد على العقل، يجب أن يقدم إجابة منطقية لأن الإيمان بعدم الإيمان يستلزم بعض التأمل.

يقوم هذا التأمل على اعتبار أنه يستحيل إثبات عدم وجود شيء.

بالطبع إن يُثبَتْ وجود شيء، سينهار الإيمان بعدم وجوده.

هنا، تظهر مشكلة كبرى لدى المؤمنين، الذين أسميناهم ألوهيين كتبسيط.

لأنه إن تصح إستحالة إثبات عدم وجود شيء، فبالإمكان، وما يُنصَح به، إثبات وجوده.

لقد كرس الكثير من الألوهيين الكثير من الوقت، على مدار قرون، لمحاولة إثبات وجود الإله أو الله.

الحديث عن وجود الكثير من "الأدلة" على وجود الله، في المقام الأول، بأنه ولا دليل منها قطعيّ أو حاسم. أي أنه ولا دليل منها قد بلغ غايته النهائية، ألا وهي:

إثبات وجود الله.

فعلياً، وإنطلاقاً من العقل، ليس هناك أية إمكانية لإثبات وجود شيء، لا يتعدى كونه فرضية لا أساس لها في الواقع، حيث لا توجد طريقة للتحقق من هذا الوجود المزعوم.

لا تتأخر ردود المؤمنين على نقص الأدلة المنطقية، حيث يقولون:

الأمر بالنسبة للألوهيين هو قضية إيمان وقضية وحي.

يقوم الوحي على الإيمان بنصوص لا يمكن نقاشها، وأظهرها الله أو أوحاها للإنسان بنفسه. بصورة أخرى، الوحي هو فعل يكشف الله من خلاله وجوده للبشر، فكما هو مفترض لا يتمكن الإنسان 

بالإعتماد على عقله، فقط، من الوصول إلى نداءات الوحي الحقيقية.

نلاحظ، من النظرة الأولى، بأنه فصل للإنسان عن عقله وعن حسه النقدي وعن فكره قبل كل شيء، حيث لا يُطلَب منه أن يفكر بل أن يصدق ويعتقد، يتفهم الإله أو الصانع الأعلى القيود، التي تشكل محرمات بشرية، فيقرر الكشف عن نفسه.

تكشف الآلهة عن نفسها من خلال كتب مكتوبة من قبل نورانيين أو أنبياء، حيث وجب على من وجهت لهم تلك الكتب الإيمان، وليس الإيمان بوجود الله فقط، حيث يُثبَتُ وجوده من خلال تلك الكتب "المحررة" على يد أولئك المختارين.

يصبح العقل النقدي الإنساني، فكره بالمختصر، في خبر كان أمام واقع عدم الإحتياج للعقل، حيث يحتاج إلى المراهنة على تصديق وإيمان الإنسان فقط.

للأسف، فعل الإيمان ليس فعلاً عقليّاً بالنسبة للمؤمنين، حيث يوجد بشر، وقد وُجدوا دائماً، قد رفضوا الإيمان بإسم عقولهم حصراً. وقد أطلقوا عليهم تسميات، من قبيل:

وثنيين، هراطقة، ملحدين، لاأدريين ونعوت مختلفة أخرى.

عدم كفاية الإيمان لأجل التصديق والإعتقاد بالنسبة للإنسان عبارة عن واقع يُثبته وجود الوحي الضروري. فهمت الأديان، بصورة شبه فورية، بأن الإنسان لا يخضع للإيمان المُبشر به بكل تلك السهولة، لهذا، إعتمدت على فكرة الوحي، أي التأكيد من خلال الكتابة للإيمان البشريّ.

يُثبت وجود وحي إلهي بأنه ليس بسبب العقل فقط، بل ليس بسبب الإيمان حتى، يمكن الإعتقاد بوجود كائن أعلى.

إن يُكتفى بالإيمان:

فليس هناك حاجة لأي وحي.

على ما يبدو لم يسمح، إنشغال الله الهائل بنقص إيمان البشر، له إلا بالكتابة عن وجوده نفسه.

هو "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ"، سفر الخروج 3، 14، المُعلن عن نفسه كإله واحد لا شريك له في غالبية النصوص القداسية المتعددة لدى الأديان.

بالمراهنة على العقل البشري، ليس ممكناً إثبات وجود الله، لهذا، يُستعَان بالإيمان والوحي.

ما أمكنهم إثباته، في وقت متأخر، من خلال العقل هو أن الوحي ليس عملاً بشرياً، قد أجبر الأديان على التحصُّن في الإيمان، حيث لا يمكن إثبات شيء عبر الإيمان، لكن، يمكن الإعتقاد بوجود شيء لا يمكن إثبات وجوده.

لسوء الحظ، لا يمكن للملحد تصديق الإيمان، لهذا، يتأسس عمله الفكري على الإيمان بعدم الإيمان.

بالنسبة لسؤال وجود الله، يُجيب المُلحد المنطقي والناقد والإنسانوي، للوهلة الاولى، بأنه لا يعرف، يعتقد بالنفي. لكن، إن يتم الحديث عن مُلحد مثقف جيداً، أي لا يتعاطى مع المؤمن بقساوة، سيُجيب بالآتي:

لا اعلم، أعتقد بالنفي، رغم أنه من الأفضل، كمراعاة للمؤمن، أن يُثبَتْ وجوده في يوم من الأيام.

بيومنا هذا، ورغم أن المؤمن يتابع "إثبات" وجود الله منذ قرون، فلم يصل الأمر ليصير مثبتاً فعلاً

سيرد المؤمن، بنبرة غاضبة، قائلاً: أتفق معكم بأنني لا أستطيع إثبات وجود الله، لكن، أنتم كملحدين، لا يمكنكم إثبات عدم وجوده. هذا صحيح.

بالعودة إلى البداية، إن يكن لا وجود شيء غير قابل للإثبات، بالتعريف، سيتمكن الملحد من الرد على هذا السؤال الكبير بلا أعرف. هذا الرد، من النظرة الاولى، حياديّ ويحمل القليل من الإستفزاز، لكن، إن يتم التأمل فيه، فهو تصريح عقلاني يليق بالإنسان.

وهنا، نتذكر قول أبيقور:

يجب إحترام الآلهة رغم عدم الإيمان بها.

لهذا، الملحد ليس مجدفاً ولا وثنيّاً / كيف يمكن لعن شيء غير موجود؟ / بل هو إنسان يرغب بالتفكير على نحو مستمرّ.

1.1.12. أول تمرين عملي على المحادثة

- وتقول حضرتك بأنك لا تؤمن بالخلاص أو عذاب الروح.

- لديّ شكوكي، لأنك لم تتمكن من إثبات وجود الروح حتى الآن.

- لكن، يا عزيزي ....

- كلا، لم تثبته لي حضرتك. كذلك، تفترض بأن الروح لا تموت وأنَّ هناك ثواب وعقاب على السلوك في الأرض. كما هو واضح، أحتاج إلى ثلاثة إثباتات على الأقل، كي أتابع محاورتك.

- أنتَ عبارة عن شخص ماديّ.

- وأنت عبارة عن شخص مثالي او تعيش في الخيال لا في الواقع.

- هل ستتحفظ على حاجة الإنسان إلى عدالة إلهية؟

- سأتحفظ، نعم، لأنني لا أرى حاجة لهذا الأمر.

- لا يحتاج الإنسان للإيمان بالخلود وعدم موت الروح، فحسب، بل هو بحاجة إلى هذه العدالة الإلهية أيضاً.

- لماذا هناك حاجة إلى الإيمان بكل هذا؟

- لكي يضبط الإنسان سلوكه بناءاً على هذه العدالة، يصير أخلاقياً، أي يصبح أحسن.

- بإختصار، أنت تبشر بالإيمان.

- الإيمان الذي يُحسِّن الإنسان.

- الإنسان غير مصنوع من مشاعر وأحاسيس، فقط، بل لديه عقل أيضاً، هل تتفق معي؟

- نعم، أتفق معك.

- إذاً، كل إعتقاد، أو كل شعور، مناهض للعقل عبارة عن شرّ لا خير بالنسبة للإنسان.

- لكن، هكذا، أنت ترفض كل شيء جملة وتفصيلاً.

- بالعكس تماماً، أنا أدافع عن وجود العقل البشري، كشيء وحيد يسمح لنا بالفهم، العيش، ....

- لا يُشكل العقل شيئاً، بل الإيمان هو كل شيء.

- يمكنني قول ما هو معاكس تماماً، لأنه يصعب التحقق من التأكيدين. بالنهاية أؤكد: لا يُشكل الإيمان شيئاً، بل العقل هو كل شيء.

- إذا صار النقاش هكذا، يمكن أن نتوصل لنوع من التوافق، فأنا شخص عقلاني وأومن بوجود لحظة للإيمان وأخرى للعقل.

- خطأ، صديقي، خطأ فادح، وجب التصدي لكل لحظة مخصصة للإيمان من قبل عقل الإنسان، ولهذا، ليس هناك لحظة للإيمان وأخرى للعقل.

- أنتَ لا تُوافق على الأسباب الداعية للإيمان.

- تريد القول بأنني لا أتفق مع الإيمان، لأنني أقدم الأسباب الداعية لعدم الإتفاق.

- بالإجمال، أنتَ عبارة عن مُلحد كامل.

- اسحب كلمة كامل، من فضلك، فأنا لا أحب الادعاء ولستُ مغروراً، بل أقدم رأياً، قد يحتمل الخطأ، ولهذا نتناقش.

2.12. الدرس الثاني

يتأسس أول إلتزام للملحد على الإيمان بجميع الآلهة

ربما يُظهر عنوان الدرس الثاني شيئاً من التناقض، مع ذلك، يتوجب التفكير بأنه من خلال الإيمان بوجود جميع الآلهة، ستظهر إمكانية تبني الإلحاد. وجود تلك الآلهة، الذي يؤمن المُلحد به، هو أمر منطقي، من ناحية وجودها التاريخي الواقعي. امتلكت جميع الآلهة، التي نعرفها تاريخاً وزماناً ومكاناً، ومهما انزعج المؤمنون من هذا الأمر، فلها بداية ظهور تأريخيّ.

يعتقد المؤمن، بثبات، بأن الحاجة هي التي قادت الإنسان إلى خلق الآلهة. أو بصيغة أخرى، لا يُشكِّلُ وجود أي إله وجوداً حرّاً. يشكل البحث عن الأسباب المولدة للتزود بالآلهة قاعدة تاريخ أو هو قصة جميع الأديان.

قاد الإحتياج لأول تفسير للكون السومريين، منذ ستة آلاف عام تقريباً، إلى خلق مجمع آلهة. حدث ذات الأمر مع المصريين بوقت لاحق. فقد عاش الإنسان الذي لم يعد بدائياُ، في مدن، احتاج إلى تفسير يطال أصل ونشوء الكون، الذي عرفه وعاش فيه.

بالنسبة للسومريين، الذين عاشوا من صنع الطين، خلقت آلهتهم الإنسان من الطين.

بالنسبة لأوائل المصريين الذين عاشوا من تربية المواشي، امتلكت آلهتهم الأولى ملامح حيوانية.

مع تعقد الحياة الإجتماعية والإدارية والسياسية، تعقدت صور الآلهة أكثر، كي تلبي إحتياجات أكبر للإنسان.

لهذا، ظهر إله مسؤول عن كل نشاط بشري وعن كل مهنة وعن كل طموح وأمل.

الحاجة إلى الكفاح ضد وسط معادي، قادت العبريين إلى خلق يهوه، أولاً، وياهفي لاحقاً، كإلهين جزارين وحاقدين وقادرين على إرتكاب أفظع المجازر، فقد إحتاج الشعب العبري إلى أراضي، بناءاً على عادات الحقبة، وهو ما دفعهم للقضاء على شاغليها.

ربما قاد الإحتياج لإنهاء هذا الحقد المتولد من هذا الإله العبري بأواخر اليهود إلى خلق أب رحيم، وصل الأمر به حد التضحية بإبنه الوحيد يسوع للتبشير بالمحبة الكونية.

قادت الحاجة إلى توحيد الكل بشعب واحد وخلق دين سياسي – كوني محمداً إلى خلق الله الأكبر من جميع الآلهة الأخرى، الرحيم، وقاد محمد كل جيوشه.

قادت الحاجة للهروب من آلام الحياة، التي لا يمكن تفاديها، القديس بوذا إلى خلق نيرفانا كحالة خلاص من المعاناة بعد عملية تأمل عميق.

أجبرت المعرفة، أولاً، والحاجة، تالياً، بعد تصنيف كل قوى الكون والبشر، الهنود على خلق مجمع هندوسي، يعكس في تنوعه تنوع طبقات المجتمع.

ابتكر لاوتسو مادة أزلية، يستحيل فهم كنهها، مجددة للكون وللإنسان، أسماها الطاو، وإحدى فضائلها، هي تجاوز كل التناقضات المرئية والواقعية.

ساهم نبات الذرة بحل جميع مشاكل الشعب، فابتكر شعب المايا الإله خالق الذرة بوقت لاحق.

أجبرت إلاهات اليونان وروما، بشرية الطابع، شعب البلدين على خلق آلهة ذكور، كذلك، بشرية الطابع بشكل فاقع، وشكل هذا ذروة تطلعات الإنسان.

وهكذا دواليك.

فكلما يظهر إله في تاريخ الإنسان، سيوجد سمة بشرية في جوهره، وتتمثل تلك السمة بالحاجة أو الإحتياج.

فمنذ ظهور أوائل الكهنة بأقدم الأديان إلى أواخر "العلماء" المؤمنين، قد ولدت الحاجة تلك الآلهة.

يعني فهم وقبول جميع الآلهة، أي الإيمان بوجودها الإجتماعي والتاريخي، فيما يعنيه فهم وقبول وجود سلسلة من الإحتياجات البشرية.

لم يولد الخوف الآلهة، كما اعتقد الأبيقوريون، في البداية، وكذلك، اعتقد الفيلسوف والشاعر الروماني لوكريتيوس، أو على الأقل ليس الخوف وحده، قد خلق الآلهة، فقد ساهم شيء أنبل بخلقها، كالحاجة إلى تفسير نشوء الكون وعقلنته.

ليس عبثياً إرتباط فكرة جميع الآلهة بنشأة الكون، حيث وجب على كل إله تفسير خلق العالم؛ بل أكثر من هذا، وجب على كل إله خلق الكون، وشكل هذا الأمر الطريقة الوحيدة لإثبات ألوهيته. تاريخياً، وبازدياد حجم المعرفة الخاصة بالكون، تعقدت صور الآلهة، لكن، ارتبط وجودها بنشأة الكون دوماً، بأصول العالم، وبالتالي، بخلق الإنسان.

فيما لو تشكل كل الآلهة، التي نعرفها، أو التي يمكن أن نتعرف عليها، حاجة بشرية، فسنستنتج، بنوع من الرضى، بأن الآلهة ضرورية.

وهي كذلك، فعلياً، طالما تُرضي تطلعات الإنسان، لكن، كما سنرى في دروس لاحقة، فقد ساهم تقدم البشر المعرفي، راهناً، أو منذ قرنين تقريباً، بجعل الآلهة غير ضرورية.

تجدر الإشارة إلى أن فكرة الإله الواحد الأحد، أو المبدأ الكوني، لها قصتها الخاصة، أي زمانها ومكانها.

حتى في الكتاب المقدس، الكتاب الذي نعرفه جيداً لتشكيله جزءاً من قاعدة الحضارة الغربية، نجد صراعاً بين الإله العبري وباقي الآلهة، وُجدت محاولة توحيد ستُترجم، لاحقاً، من خلال خلق إله واحد.

للآلهة المخلوقة من قبل الإنسان تاريخها أيضاً، والتي تتنازع فيما بينها، كي يفرض كل إله منها نفسه.

يمكن أن نرى بوضوح، الآن، بأن بابل حينما سيطرت سياسياً، قد فرضت عبادة إلهها مردوك دون باقي الآلهة الكثيرة الموجودة في المجمع السومري – البابلي.

فيما سيُعتمَد الإله آشور في الامبراطورية الآشورية، وهلم جرا.

بذات الطريقة، أتت فكرة الإله يسوع وصراعه ضد الألوهة العبرية القديمة، وفي وقت متأخر، فرض الإله الرحيم، ولكن، المحارب دوماً، نفسه على الآلهة الموروثة.

إضافة إلى إحتياجات الإنسان القديمة، كالحاجة لرؤية كونية وللأمل ولتفسير الظواهر الطبيعية، ظهرت إحتياجات أخرى ذات طابع إجتماعي وسياسي غالب، فحدثت، كما كان متوقعا، الحروب الدينية، التي لم نتخلص منها نهائياً حتى الآن.

باختصار:

يؤمن الملحد بجميع الآلهة لأنه يؤمن بجميع الإحتياجات، التي عانى منها الإنسان طوال تاريخه.

1.2.12. ثاني تمرين عملي على المحادثة

- اسمع يا سيد، مهما قلت وعملت، سيتوجب عليك ذكر الله لدى سرد تاريخ الإنسان.

- ليس مع الله فقط، بل سيتم ذكر جميع الآلهة، وهو أمر مختلف عما تطرح تماماً.

- مختلف تماماً!!

- بالطبع، فلكل إله مزاياه الخاصة المختلفة، له مكان وزمان.

- لكن، فكرة الإله هي ذاتها دوماً.

- الأمر ليس هكذا، قارن فكرة الطاو، أو فكرة النيرفانا، مع فكرة الإله اليهومسيحي، فستلاحظ الفارق.

- لكن، يجري الحديث عن إله بشكل دائم.

- تجري محاولة الحديث، أو التحديد، عن شيء غير معروف، حيث يتجسد ما هو غير معروف بطرق كثيرة مختلفة، حسب الزمان والمكان والشعب ...الخ.

- بالنهاية، هو ذاته.

- بالنهاية، يختلف، يتوقف هذا على الفكرة التي صنع الإنسان الإله منها، هكذا، ستظهر النتيجة 

الأخلاقية. يحتاج الإله اليهومسيحي إلى الفعل، فيما يُعلن الإله البوذي أو الهندوسي عن الرغبة بعدم الحركة، أي عدم الفعل. وكما ترى، الأمور متناقضة تقريباً.

- ذات الشيء، تحضر فكرة الإله بشكل مستمر.

- كما أخبرتني، واجه الإنسان أشياءاً مجهولةً بصورة دائمة.

- نعم، وستقول لي بأن فكرة الآلهة ترد من المخاوف الآن.

- هذا ما افترضه لوكريتيوس دون الذهاب بعيداً، تُولَد الآلهة من الخوف ومن المجهول، لكن، كذلك، يمكن إضافة التالي: تُولَد الآلهة من الحاجة إلى السيطرة على المجهول بصورة ما. وما هو مجهول، أو لغًز، لا يُنتج الخوف دوماً.

- آه، لا؟ وما الذي يُمكن أن يُنتجه المجهول إذاً؟

- حسناً، ودون الذهاب بعيداً، يمكنه إنتاج الفضول. تخيل إنساناً حديثاً وهو يواجه لغزاً غامضاً، فما يرغب به هو كشف هذا الغموض ومعرفة كنهه، فلا معنى للشعور بالخوف هنا.

- أسمه ما شئت، ستظهر فكرة الإله دوماً.

- كما تسميه أنت يعني.

- وبأي طريقة أخرى يمكنك تسميته؟

- غامض، مجهول والأهم غير معروف حتى الآن، لم تنكشف أوراقه بعد، لم يخضع للعقلنة حتى الآن..

- رغم هذا، بالنهاية، ما الذي تريد أن أقوله لك؟ انظر حواليك، تأمل بالطبيعة، لا تقل لي أن كل هذا لم يأتِ من مصدر معين.

- من مصدر ما، من المؤكد أنه أتى.

- بالنهاية، أمام هذا الكون الشاسع، في حال عدم وجود إله، أقول لك بأنه يتوجب إختراعه.

- لا تنفعل وتُزعج نفسك، فلقد قاموا بهذا الأمر تماماً.

3.12. الدرس الثالث

لا يصمد الخلق البشري للآلهة، تاريخياً، دون خلق الأديان بالنتيجة (كنائس، مدارس، مؤسسات 

متنوعةمع القليل من الإستثناءات، إن حضرت، تبع خلق كل إله خلق منظمة، نسميها "دين" لأجل التبسيط.

إله، ومهما كانت قوته وبحسب ما يمكن التحقق منه، لا يمكن أن يعيش وحيداً، من نفسه بنفسه، يحتاج إلى دعم تنظيمي يتمثل بالهيكل أو المعبد، وهو بحاجة إلى العبادات والطقوس المتنوعة.

بالنسبة للإنسان خالق الآلهة، تبدو فكرة إله منعزل، سيفكر بنفسه فقط، غير مفهومة ولا معنى لها

فبالنسبة للإنسان الخالق للآلهة، يجب أن يهتم الإله بالبشر، ليس على صعيد خلقه لهم، فحسب، بل برعايتهم والإهتمام بشؤونهم كذلك.

لهذا، تطلبت الحاجة لخلق الإله، بالضرورة، خلق دين، لأنه وهنا أطرح سؤالاً، لا يطرحه أي مؤمن، ما قيمة الإله إذا تواجد منعزلاً لوحده؟

لا نتفق مع مقولة فولتير "وُجدَ الدين مع أول منافق، قد إلتقى بأول غبي"، بل نرى، من جديد، بأن الإنسان إبناً لإحتياجاته التاريخية بعيداً عن النفاق والغباء.

في حال عدم إمكان وجود إله دون دين، تاريخيا وبظل حضور إستثناءات، سيدخل التاريخ، الكبير والمعقد، ليصبح في صلب تاريخ الأديان. سيبدأ هذا التاريخ، الكبير، تاريخ الجميع، بالسير إلى جانب تاريخ الأديان بتسامياته، تطلعاته، آماله ومبرراته، ...الخ. وهكذا، سيصبح الدين غازياً أو لا، حسب اللحظة التاريخية في المجتمع الذي يتواجد فيه.

تاريخياً، في المجتمع الذي ظهر الدين فيه، خلق ما يشبه الدولة أيضاً، وبالنتيجة، فورياً، قد ظهر صراع بين المؤسستين الدينية والسياسية أو المؤسسة الخاصة بالحكم، بين الدينية والعلمانية بوصفهما قوتين إجتماعيتين. ظهر هذا الصراع منذ أقدم اللحظات التاريخية / كالصراع بين الهيكل والقصر في سومر، بين الفرعون والهيكل في مصر، ..الخ /.

انتصر الهيكل في لحظات تاريخية معينة، فيما انتصرت الدولة في لحظات تاريخية أخرى. انضمت تلك الحرب إلى الحرب القائمة بين مختلف الآلهة وأديانها، وستتكوّن لدينا فكرة، بهذا، عما امتلكه التاريخ من معنى.

ربما وُجدت، وفي الواقع، قد وُجدت لحظات تاريخية، قد امتلك الدين قوة جارفة خلالها، قد جعلته يهيمن على الدولة، هنا، ظهر ما أُسمي بالدولة الدينية، وخير معبر عنها اليهود التوراتيين وخلق هيكل  دولة بناءاً على ما كتبه الحاخامات في سفر اللاويين.

ربما يحدث العكس في حالة المدن اليونانية، حيث توجد كنيسة كمؤسسة دينية لا مؤسسة دولة، بالرغم من حضور معابد مع أشخاص ثابتي العمل فيها. طبعت السلطة المدنية، التي شكلت كل شيء في اليونان التقليدي، الحاكم المنتخب بصورة مؤقتة، الذي عمل ككاهن أو وسيط بين البشر والآلهة.

يجب التنويه إلى إختلاف آثار الحكم الديني الإجتماعية، بصورة كبيرة، عما أنجزه الإنسان الذي يعيش في مجتمع مدني. هذا ما يقوله لنا تاريخ اليونان وتاريخ الجماعة اليهودية. حيث يكمن الفارق بين ضيق أفق المجتمع الديني وبين تنوع وسعة أفق المجتمع المدني.

لكن، إذا وضعنا أية مقارنة تاريخية جانباً، الآن، لنتفق بصورة عمومية على أن خلق الإله، قد تبعه خلق دين منظم في كنيسة، كنيس، جامع، مرجعية للمؤمنين، كاهن اعلى، ...الخ.

وهكذا، تظهر، بسبب الحاجة / الإدارية تقريباً / كذلك، السلطوية والدوغمائية. يظهر لاهوت أيضاً، وبالتالي، سيظهر جسم إجتماعي منافح عنه.

اتسم خلق الجسم الكهنوتي بالتناقض مع الواقع والحدث التاريخي من خلال خلق الإله والدفاع عنه

حيث يتطور المجتمع دون توقف، فيما يتأسس الدين، المخلوق بلحظة تاريخية معينة، على حقائق ثابتة لا تقبل النقاش.

بصيغة أخرى: يتجاوز الحدث التاريخي الواقعي الدين المخلوق في لحظة من أوائل لحظاته. بالتالي، يقوم عمل الجسم الكهنوتي على حماية لاتاريخية لخلق قد إتسم بالتاريخانيّة.

وهنا، يظهر ما جرت العادة على تسميته "الإغتراب الديني".

يتابع المدافعون عن الدين المهمة عبر بناء لاهوت ثابت وفلسفة دائمة وحقائق أبدية. وبهذا، يعتمدون ذهنية تمنع عقلنة التحولات الجارية في العالم. فلقد تكلم الله وما قاله لا يخضع للتشكيك.

بشكل عام، لا يمكن لأي دين أن يبقى على قيد الحياة طوال التاريخ وبمواجهة هذا التاريخ. مع ذلك، دام حضور الدين السومري حوالي خمسة آلاف عام، ولفترة أقل، استمر الدين المصري القديم، تستمر اليهودية من ألفين إلى ثلاث آلاف عام، فيما تستمر المسيحية لحوالي ألفي عام، تستمر الهندوسية لأكثر من ألفي عام، فيما تستمر البوذية لحوالي ألفين وخمسمائة عام.

يُفترض أن التسارع التاريخي، الذي نعاني منه أو نتنعم به، راهناً، جرّاء إزدياد المعرفة العلمية وإمتلاك معلومات أكبر، سيساهم بتسريع سقوط الأديان الموجودة، أو هل يجب أن نقول المتبقية على قيد الحياة؟

تأخذ الآلهة وقتها، مع الوقت الذي وُلدَت خلاله، حيث خضع وجودها للحاجة لهذا الوقت، لكن، لا يمكن للاديان الثبات مع زمن خلق الآلهة المُؤسسة، فقد وجب عليها البقاء على قيد الحياة، وجب عليها الصراع على سلطة تفلت منها.

والسلطة التي تفلت منها هي الوقت. هذا الخطر الداهم هو موضع معرفة تامة لدى ممثلي الأديان بالوقت الراهن، لهذا، يظهر أو على وشك الظهور ما يسمى بالأصوليين أو المتطرفين.

يمكن تعريف الأصولية كدفاع لاعقلاني عن الدين، الذي لا يصمد أمام سيل التاريخ الجارف. يوجد متطرفون أصوليون في جميع الأديان المعروفة لأنها كلها في خطر.

هكذا، يمكن للإله أن يصمد في تاريخه، خلال زمن خلقه، لكن، الدين الذي يفرز هذا الإله، سيصاب بالعجز بمرور الزمن. تظهر الأصولية ويسعى المؤمنون بكل جهدهم كي يتجاوزا الواقع المُحدق بهم، الذي يخنقهم ويقتلهم.

فيما لو لم تتأسس الأديان على الدوغمائية والسلطوية ولم تشكل لاهوتها الخاص، فالزمن، أو التاريخ سيحترمها إلى حد ما. لكن، الصحيح هو أنه كلما إتصف تكوين الدين بالكمال، كلما إزداد خطر تلاشيه

يُشبه هذا ما حدث مع الديناصورات، التي انقرضت، لأنها لم تتمكن من التكيف من تغيرات البيئة بمرور الزمن.

لكن، من جانب آخر، الصحيح أيضاً أنه ولا دين يبقى على قيد الحياة دون تقديم نفسه كإلهي، كامل، كاشف، ...الخ.

في الوقت الراهن، لا تُصارع الأديان، الكنائس أو الكُنُس أو الجوامع، في سبيل فكرة الإله بل في سبيل بقائها على قيد الحياة. لهذا، ليس هناك صراعات لاهوتية، بل نزاع على السلطة بين الدولة العلمانية، بالتعريف، والكنيسة الدينية، بالتعريف أيضاَ.

يتركز الدفاع عن سلطة الأديان الراهنة على أخلاقياتها الدينية المنتمية لكل عقيدة دينية، لكن، تحتاج تلك الأخلاقيات فصلاً خاصاً بها.

1.3.12. ثالث تمرين عملي على المحادثة

- ربما أنا على خطأ، لكن، يُحزنني بأن يؤدي إختفاء الكنائس إلى عدم إيمان أحد بالله.

- حسناً، لهذا، تُعتبر الكنائس ضرورية.

- أيُّ بربرية هذه! كما لو أنك تدافع عن إعتبار الحاجة إلى قتل شخص ضرورية للحفاظ على فكرة القتل.

- دون كنيسة، دون دين، كيف سنتقرب من الله؟

- الأمر سيان بالنسبة لي، فدون شد الحبل، كيف سنتقرب من المشنوق؟

- أنت تخرج عن طورك.

- أحاول التفكير منطقياً بصورة متواضعة، الحقيقة أنه دون كنائس تدافع عنه، سيهيم إلهها المسكين على وجهه في الشوارع.

- لا تصدق بأنني سادافع عن الكنيسة، أعرف بأنها مسكونة بالكثير من العيوب.

- العفو، هل تسمح لي بالدفاع عن الكنيسة، التي تنتمي لها أنت؟

- أستغرب جداً هذا الأمر، لكن، تقدَّمْ.

- حسناً، كما سترى، تقوم الكنيسة، وباقي المؤسسات الشبيهة، بما يجب القيام به إنسجاماً مع أصلها وأساسها. يجب أن تدافع عن نفسها لأنها الوسيط بين فكرة الإله، أو الإله، وبين البشر. فإن يستغني البشر عن الكنيسة، بل حتى لو اتجهوا لوحدهم إلى الإله مباشرة، فلن يقوم الوسطاء السماويين بأي شيء. هذا هو ما يحدث في الواقع، لهذا، تدافع الكنيسة عن نفسها بكل الطرق، تقوي عقائدها، بل تعتبر نفسها المدافع الحصري عن أخلاق بارزة، يعتقد القلائل فيها.

- يجب أن يدافعوا عن أنفسهم في جميع الأحوال.

- نعم، لا يقبل أي كائن الموت أو الإنتحار، بل حتى البكتريا العصوية تدافع عن نفسها بوجه الموت

أمكن حدوث الأسوأ مع الأديان، فالأخلاق التي تحاول فرضها، فارضوها آخر من يطبقها في الواقع، إن طبقوها أصلاً.

- لكن، الأخلاق، التي يفرضوها، جيدة.

- قسم منها جيّد، لأنه ينسجم مع أخلاقيات جميع البشر، أي ينسجم مع قواعد التعايش المدني والحضاري. لكن، هناك قسم آخر يجب أن يختفي، قسم يركز على الفرادة والعنصرية الدينية، قسم يتوخى تشريع الضمائر بالإضافة إلى المسلكيات.

- لن تفصل بين الضمير والسلوك، أليس كذلك؟

- بالطبع، سأقوله لك، لقد استحوذ الدين على الوعي، بل أكثر من هذا، يفضل الوعي على المسلكيات، بالنسبة لكنيستك، تعشق العفو عن الخطأة، أي عن المسلكيات، لكن، لا تسمح للوعي بتجاهل الكنيسة الأم المقدسة، بل لا تغفر هذا الأمر حتى.

- دون وعي أخلاقي لا يوجد سلوك أخلاقي.

- كلام جميل يطال أمر مبدئي، لكن، ما الذي يحدث عندما يبدو السلوك جيداً ولا يتفق مع الوعي الديني؟

- هذا صعب.

- هذا سهل جداً كما هو ما يعاكسه، توجد ذات الصعوبة بالنسبة للإنسان، لدى ضبط قواعد السلوك مع الوعي العلماني منه مع الوعي الديني. وهو ما يحدث في الواقع.

- لكن، سيشكل هذا عملية تخلّ عن الإله.

- نعم، بالضبط، كما تقول.

4.12. الدرس الرابع

لا ضرورة لكي تصبح الأخلاق "دينية"، كي تصير أخلاق

تصرح كل الأديان البارزة، وبالصوت العالي، بأهمية أخلاقياتها وضرورتها لحياة جميع البشر.

قبل المتابعة في هذا الموضوع، يجدر التنويه، من قبل مُلحد، إلى ملاحظة دقيقة:

لا ضرورة للإيمان بالله لأجل تقديم طعام لجائع.

عندما ولدت الآلهة الأديان، سارعت الأخيرة إلى إملاء سلسلة قواعد مسلكية مؤثرة على الإيمان وعلى الأخلاق. بكلمات أخرى، لا يوجد دين دون أخلاقيات. هي أخلاق حصرية وشاملة، يمليها الدين كمصدر وحيد مرخص، ويجب أن يطبقه كل البشر.

دوماً، يُفهم بداعي الحاجة، بأن الكهنة السومريين قد تقاسموا الأراضي مع القصر الملكي لأجل تفادي حدوث مجاعة بين السكان.

لكن، إلى جانب سلسلة القواعد التي يمكن أن نسميها "مُحسنة"، توجد سلسلة أخرى من القواعد، التي لا يمكن أن نُطلق عليها ذات الإسم. تُجبِرُ هذه القواعد المؤمن على الإعتقاد الحصري بإله الدين، الذي يُبشر به وتُحرم عليه الإقتراب من عقائد أخرى بالإضافة إلى فرض مسلكيات مؤيدة للجسم الكهنوتي المسؤول عن التحكم بإدارة الإله فعلياً...الخ.

مهما يكن الحال، وبمرور القرون، تفهم البشرية المتمدنة مجريات الأمور أكثر ولا تحتاج للإيمان، ويتجلى هذا من خلال سلسلة قواعد، لا يُمليها أي إله، لا يفرضها أي دين، لكن، تساهم بتيسير شؤون الحياة وتطوير ذات البشرية المتمدنة.

نعرف جميعاً، على سبيل المثال، بأن السير ناحية اليمين أو اليسار، بأن التوقف على إشارات المرور، تشكل قواعد تعايش لم يوحيها أي إله، مع ذلك، نقبلها باسم التعايش وتيسير الأمور الحياتية اليومية.بذات الطريقة، لا يحتاج إحترام الآخر، الذي يشكل خلاصة الأخلاق الكونية بالنهاية، لأي دين، وبصورة أقل، لأي إله، قد أوحى ذاك الدين. ويعاكس هذا ما سببته العقائد الدينية وأخلاقياتها، فلقد تسبب بنشوب حروب مدمرة أدخلت البشر بدوامات وإضطهادات ومحاكم تفتيش وهولوكست وسواها.

تقتل الأخلاق الدينية الحصرية باسم آلهتها، لن تجد أية أخلاقيات علمانية سبباً للقتل. لهذا، جرى إستبعاد عقوبة الإعدام من غالبية البلدان المتمدنة بإستثناء الولايات المتحدة الأميركية والفاتيكان.

ربما هناك أديان لم ترق الكثير من الدماء، كما هو حال البوذية، لكن، لم يظهر دين على وجه الأرض، لم يحاول فرض نفسه بالحديد والنار.

بالنسبة للمُلحد، الأخلاق الصادرة عن دين هي موضع شك دائم، لأنها تستطيع توليد الشرور بأيّة لحظة.

يكرر المؤمنون، بصورة دائمة، قولهم بأنه لا يمكن أن تظهر أخلاق دون إله، وإن يمت الإله، سيصبح كل شيء مباحاً. يمكن تعرية هذا الخطأ المزدوج بسهولة. فالأخلاق أو مجموعة قواعد التعايش، قد ظهرت قبل ظهور الآلهة والأديان، لو حدث العكس، لكنا قد انقرضنا، فلقد بقينا على قيد الحياة، لأن أسلافنا الأوائل قد اتبعوا قواعد، قد ساهمت بتفادي حدوث ذاك الإنقراض.

جرى توقع موت الإله بصيغة شبه "إلهية"، حيث يوجد لاهوت خاص بموت الإله. لم يمت الإله، نؤكد كملحدين، لأنه لا يمكن أن يموت شيء غير موجود، كذلك، إذا تأسست الأخلاق، بصورة مصطنعة، على شيء غير موجود، فستصمد هذه الأخلاق دون أي دعم إلهي.

مؤخراً، ظهر مثقفون، فيما لو يجوز وصفهم هكذا، يبحثون عن أخلاق تتماهى مع الأخلاق الدينية، كما لو انهم يبحثون عن إله جراء اختفاء إله مماثل واستبداله به. لكن، لا تحتاج الأخلاق لأي دعم ديني، بل لا تحتاج لدين لكي تتواجد، يؤسس البشر الأخلاق ويضعوا قواعدها ويتوافقوا عليها ويخضعون لها طوعياً دون خشية أيّ عقاب سماوي.

ولأولئك الباحثين والمدافعين عن الأخلاق، يمكن توجيه بعض الأسئلة، من قبيل:

هل احتاج القانون لإله كي يظهر؟

ألا يستطيع البشر التعايش في ظل القانون، دون حاجة لأيّة كنيسة تُملي عليهم ما يتوجب عليهم فعله؟

ما هو متناقض بالنسبة للمُلحد، الذي يحاول التفكير بشكل منطقي، هو أن شخص آخر ينتمي لذات النوع الحي، وبإسم إله لا وجود له، يقول له بأن ذاك الإله غير الموجود قد قال له، بإعتباره وسيط سماوي، ما وجب على المُلحد، الذي يُصغي بتأن، القيام به أو ما لا يجب القيام به.

بالنهاية، تتحول كل أخلاقية دينية، وإن ظهرت مع الرغبة بتحسين الحياة البشرية، سريعاً إلى اداة سلطوية. وعندما يدافع دين، من الأديان المعروفة، عن أخلاقياته، فهو يُدافع عن سلطته وقدرته. لا يتعدى الأمر هذا مع الأسف.

1.4.12. رابع تمرين عملي على المحادثة

- بالطبع، حين يسهل عدم الإيمان بالإله، يمكن للشخص القيام بكل ما يحلو له دون قيود.

- آه، بالنسبة لك لا يوجد أخلاق دون إله، بل لا توجد عادات حسنة دونه أيضاً.

- صحيح، إن يُستغنى عن الإله، سيصبح كل شيء مباحاً.

- يحدث هذا إن يكن الإله حارساً على الأخلاق أو واضعاً لها كلها.

- هكذا، هو الإله.

- لكن، حتى في غياب الإله، يجب أن يتابع البشر حيواتهم، تعايشهم، سيخلقون منظومة قوانين إجتماعية، تسمح لهم بإستمرار التعايش.

- دون إله، يُحكَمُ على المجتمعات بالإختفاء.

- لا أتفق مع هذا الطرح، حيث تواجدت مجتمعات لم تتبنَ أي إله ولم تختفِ. تكفي إدارة جيدة للقوانين، كي تتطور قواعد التعايش وتستمر. بل أكثر من هذا، ليس هناك غرامة أو عقوبة لأحد، إن يرتكب خطيئة ترتبط بالتفكير، فلا يحتمل إشتهاء امرأة القريب، بذاته، أي نوع من العقوبات.

- أمر طبيعي، لهذا، تسمى خطيئة، خطأ أخلاقي.

- آها، لكن، تبدو لي تلك الرغبة طبيعية إن تكن امرأة القريب مثيرة ويقتصر الأمر على محض رغبة أو شهوة فقط، فيما لو يتحول الأمر إلى التطبيق، وقتها، يمكن الحديث عن قانون جنائي وتطبيق عقوباته المستحقة.

- لا أفهمك.

- مع أن الأمر يسير جداً على الفهم، فالخطيئة المُتخيلة عليها عقوبة متخيلة، أما الخطايا الواقعية، التي ترقى لإعتداءات وجرائم عليها عقوبات واقعية حقيقية. هل تتفهم هذا الآن؟

- لكن، أين دور الإله بالموضوع؟

- لا يحدث شيء، ينتمي الإيمان أو عدم الإيمان بالإله إلى مملكة المُتخيل، ليس أمراً مُعاقَباً أو مُثاباً.

- سيسلك المؤمن بصورة حسنة، ولو أن هذا يحدث جراء خشية العقاب الإلهي فقط.

- حسناً، وسيسلك المُلحد بصورة حسنة، ولو أن هذا يحدث نظراً لإحترامه الأخلاق الجمعية، المدنية والعلمانية. وأجد وضع المُلحد أفضل، لأن عمل الخير او السلوك الحسن لا ينتظر أي إذن، ينحصر بالإيمان بالبشرية، إحترام الآخر، إنسان بإسم الإنسان وليس تحت أي إسم لشيء لا يقبله.

- لكن، ما تريده أنت هو إستبدال فكرة الإله بالقانون الجنائي للعقوبات.

- لا يحتاج الأمر لإرادتي ورغبتي، فهذا ما يحدث في الواقع. فما تطلقوا عليه أعمال الرحمة، على سبيل المثال، هي أشياء تقوم منظمات علمانية، لا تتبنى أية فكرة دينية، بتنفيذها. لا ينطوي الأمر على إستبدال فكرة الإله بقانون مسلكي، فهذه المسلكية، فعل الخير هذا، يحدث دون أية حاجة للدين.

- لك،ن لن تتمكن من إنكار عمل المبشرين الدينيين، على سبيل المثال.

- طبيب من منظمة أطباء عالميين، على سبيل المثال، سيكون أفضل من المبشر الديني، لأنه سيقوم بذات العمل الإنساني دون أن يفرض أية فكرة دينية أو غير دينية، سيحترم الدين الموجود. وأتمنى أن تنتبه لأمر بالغ الأهمية، فسيقوم ما يقوم به دونإانتظار أيّة مكافأة سماوية.

- لكن، هذا أمر سيء بالنسبة له.

- أكيد! لكن، هذا أفضل للمريض.

5.12. الدرس الخامس

تاريخياً، جرى خلق الآلهة أولاً، ثم ظهرت أديانها الموافقة لكل إله منها، سمح هذا بحدوث تقدم ثقافي 

وتحضر في المجتمع البشري

على ذات المنوال، فكما وجب على الملحدين الإيمان بتاريخ جميع الآلهة، وجب عليهم الإيمان بالفعل الحضاري لهم أيضاً. لأنه دون آلهة، دون خلق، فلن تظهر الحضارة تاريخياً.

ينطوي خلق الإله على عملية توليف، يعبر عن تفسير للواقع المجهول. هو عبارة عن أول درجة من العقلنة: لا يتردد الإنسان عن سبر غور المجهول، يحاول إلتقاطه، يعترف به ويحدده.

بل ما هو أبعد من هذا، هو أن الإنسان الذي خلق أول توليف، كذلك، حاول أن يرتبط به. لا يمكن للإله أن يبقى منعزلاً وحيداً كما نعرف، لهذا، يظهر الدين، أو تظهر المؤسسة الدينية، كي يتواصل الإله المخلوق مع الإنسان.

إن ينقسم مفهوم الكون، بصورة دائمة، بين ما هو معروف وما هو مجهول، فسيسمح التوليف الإلهي، للوهلة الأولى، وبشكل لحظي عابر دوماً، بدمج الواقعي مع غير الواقعي، المعروف مع المجهول، ما هو قابل للفهم وما هو غير قابل للفهم. من هنا، لم يكن ليظهر الإله، ولا الدين، دون علم أصل الكون، دون ظهور أول تفسير أو محاولة تفسير، أصل الكون وأصل الإنسان. لسوء الحظ بالنسبة للآلهة وأكوانها، جرى صقل المعرفة الواقعية للكون، بمرور القرون، فانفصلت عن قاعدة الإلهام الإلهي.

لكن، إلى أن تمكن الإنسان من الإستغناء عن التفسيرات الدينية، تنظمت المجتمعات، تقدمت، تحضرت بفضل خلق الآلهة وأديانها المُوافقة.

ولدت الحاجة إلى تمثيل التوليف الإلهي:

الأساطير والقصص وقسم كبير من الآداب والفن بصورة عامة.

خلق التجسيد الفني لفكرة الإله ولتوليفة الإله، الهياكل أو المعابد، التماثيل وأوائل الإرهاصات الادبية

أناشيداً، قصائداً، ملاحماً بالعموم.

على ذات المنوال، ولد تشييد المعابد دراسة علم الفلك بين السومريين والبابليين، الهندسة بين المصريين، التناسب بين اليونانيين، ...الخ.

بصورة عمومية، ستقترن مأسسة الدين بما نفهمه كحضارة وثقافة، لأنه لا توجد حضارة ولا ثقافة لم تُبنَ على أفكار دينية، رغم عدم حصرية الأمر وإطلاقه في هذا المنحى.

لم تظهر مؤسسات حضارية أو ثقافية، قد انحصرت مهامها بالإقتصاد، لأنه حتى إزاء الإحتياجات الإقتصادية، عمل الإنسان بطريقة دينية. بالطبع، حاول السومريون والمصريون، منذ أوائل اللحظات، الفصل بين دائرتي السلطة / الهيكل أو المعبد والقصر /، لكن، رغم هذا، لم يقدم أي تأريخ لحضارتنا أي دليل على عملية الإستغناء عن العمل الديني، عن الإله وعن الدين.

تُثبت الأصول الدينية، شبه الدائمة، للفنون وبعض العلوم حاجة الإنسان إلى التجسيد والتفسير والعقلنة، والأهم، الحاجة إلى تفسير ما هو غير عقلاني وغير قابل للتفسير وغير قابل للإختزال بمصطلحات عقلانية.

شكل ظهور أوائل الأديان محركاً حقيقياً للتاريخ الإجتماعي، لكن، بمجرد إقصاء الحدث التاريخي لأوائل المحركات تلك، بدأ تدهور المقدس أو ظهور أول حداثة. بدا نزع القداسة هاماً بذات درجة الأهمية، التي إكتسبتها القداسة لحظة تفسير العالم للمرة الأولى.

تقوم عملية نزع القداسة، أو الحداثة، كما تسمى اليوم، على التفكير الذي يعتبر أنه لأجل متابعة التفكير، وجب تطبيق العلمنة على كل ما هو إلهي. ظهرت هذه المحاولة لمتابعة التفكير وفق العقل النقدي، للمرة الاولى، مع اليونانيين (في الواقع، لقد أخذ اليونانيون العقل النقدي من الفينيقيين، كما أخذوا الكثير من الأمور الأخرى)، ثم مع عصر النهضة والتنوير، وربما يتواصل هذا الأمر مع أواخر الإكتشافات العلمية بيومنا هذا.

بدايةً، واجهت الحداثة صعوبات بالغة على الصعيد الإجتماعي، فلم يُقبَل التشكيك، أولاً، ونفي كل أصل إلهي، لاحقاً، حيث تأسست كل المعارف على ما هو إلهي وديني. فقد سُحِقَت الحركة السفسطائية 

اليونانية من قبل المدافعين عن النظام، وكان أفلاطون على رأس القائمة، كذلك، هُزم التفكير الحر والعلمي، حتى المتمثل بطروحات الحركة السفسطائية الثانية، على يد المسيحية المنتصرة. تلوح الحداثة في الأفق، من جديد، عبر عصر النهضة ومن خلال العلوم، ومن النهضة، قد ظهر التنوير. إعتباراً من تلك اللحظة، لم تتمكن القوى الدينية من إنكار المحاولة، وبصورة أقل، من تدميرها.

إزاء العقلنة التي تتقدم، أمام الحداثة كي نُبسط، انحدرت المقاومة المؤمنة إلى الأصولية والتطرف. أدى عدم تقديم أسباب مُقنعة بمواجهة العقل إلى الاستنجاد باللاعقلانية، أي بالإيمان.

فيما لو نتمكن من إختزال هذا الطريق التاريخي الطويل، سيتوجب علينا التأكيد على أن الأديان وآلهتها على رأس القائمة، قد نفعت بتثقيف وتحضير الإنسان، لكن، دون نسيان أن تلك المحركات الثقافية والحضارية، بكل عظمتها ومجدها، تنتمي إلى الماضي. فالمجتمع الجديد إما أن يصبح مجتمعاً مدنياً أو لن يصير مجتمعاً.

1.5.12 خامس تمرين عملي على المحادثة

- لتقل ما تقله، فدون فكرة الإله، ليس لدينا لا نحت ولا رسم ولا موسيقى حتى.

- نعم، بلا آلهة، ليس لدينا إرث ثقافي وفني، لكن، دون آلهة، ربما حضرت فنون وثقافات أخرى لدينا أيضاً.

- يُثبت هذا أن الإله حاضر في العالم.

- لحظة! لن تحدثني عن العناية الإلهية، أليس كذلك؟

- نعم، أتحدث عن العناية الإلهية، عن حضور الإله في عالمنا، وهو من صنعه كما نحن مخلوقاته من صنعه.

- حسناً، وبصدد العناية الإلهية، وإن تسمح لي، فسأشير إلى كلمات أبيقور.

- إشارات دائمة!

- فكر أبيقور من موروثنا الثقافي كذلك، بل والفني حتى. حسناً، توصل أبيقور إلى القول: فيما لو تنشغل الآلهة بنا، فهي ليست آلهة كاملة، لأنه لا يجب على الإله أن يملك هكذا إنشغال. في المقام الثاني، توصل إلى القول: فيما لو تنشغل الآلهة بنا، ربما يصبح وضع العالم أفضل بقليل، ألا ترى هذا منطقياً؟

- لا يمكن سبر غور أهداف الإله.

- تماماً، لا يمكن سبر غور أهداف الآلهة، لأنه يصعب سبر غور فكرة الإله ذاته. فيما لو تعجز أنت عن إثبات وجود الإله لي، كيف ستثبت عنايته؟

- يكفيني الإيمان به.

- بالنسبة لي، يكفيني التفكير.

- لا يمكن نفي العناية الإلهية.

- حسناً، يبدو أن حُجج أبيقور لم تقنعك، اسمح لي أن أقص عليك قصة قصيرة جميلة.

- لا بأس، إن تكن قصيرة.

- سأختصر على قدر المُستطاع. في يوم من الأيام، تأمَّل الصانع الأعلى بالكون: أعداد هائلة من النجوم في الفضاء الذي لا حد له، ظهور المستعر أو الطارف، تشكل تجمعات للنجوم، كثير من التيارات الطاقية التي تشكل ملايين المجرات، عوالم جديدة، كواكب وأقمار جديدة، تحول الطاقة إلى مادة، المادة إلى طاقة، وهنا، ظهر ملاك فجأةً، فاقترب من الصانع الأعلى وقال له: "أيها السيد، أيها السيد، يوجد شمس في مجرة تائهة ويدور كوكب إسمه الأرض بفلكها، وفي تلك الأرض، هناك مدينة إسمها كاستروكونتريغو، وتعيش فيها صبية إسمها ماروجيتا، وماروجيتا مع خطيبها على بوابة ساحة البلدة، إنها على وشك أن تفقد عذريتها، ما الذي يمكننا فعله أيها السيد؟"، فاجابه الصانع الأعلى، قائلاً: "ليفعلوا ما يحلو لهم!". ما رأيك؟

- لا أجد أية فكاهة في القصة.

- هذا ما تخوفت منه، يساهم الإيمان بقتل الإحساس بالفكاهة لدى الإنسان.

6.12. الدرس السادس

فكرة الإله ليست ضرورية الآن

قادت الحاجة إلى خلق أوائل الآلهة إلى ظهور أوائل الاديان. وأشبعت تلك الآلهة والأديان الحاجة في اللحظات الأولى من التاريخ، لكن، بمرور الزمن، تطورت الملاحظات وتطور الفكر بالعموم، فظهرت آلهة جديدة وأديان جديدة لتلبية إحتياجات جديدة.

يوجد تدرج في الإجابات، يمكن ملاحظته، بسهولة، إعتباراً من النصوص اليهومسيحية؛ ففي البداية، الكتاب المقدس أو العهد القديم البدائي، ثم الأناجيل الأحدث، ثم القرآن الذي يعود إلى الماضي، إلى إبراهيم، ثم بوقت لاحق، التفسيرات البروتستانتية وصولاً إلى كتاب المورمون أو منشورات شهود يهوه، التي لا تُطاق. بالتدقيق بتلك الإجابات، على الرغم من التقلبات والتمسك بالماضي في تلك النصوص، فهي تحاول عصرنة الدين، وبالتالي، عصرنة إله الدين.

كذلك، تتعرض الآلهة للتغيرات بمرور الزمن، الدين المصري، مجمع الآلهة السومري وصولاً للإله مردوك، الإله الغيور والجزار الذي يتحول إلى أب حنون، ..الخ. يبدو الأمر، كما يجب أن يبدو، عبارة عن عملية عصرنة، أي محاولة تلبية الإحتياجات الجديدة. / يمكن القول، بين قوسين، بأن كل عمل بشري، يُولَد، يتطور أو ينمو ثم يموت /.

بصيغة ما، شكل التاريخ جبهتين: جبهة الدين وجبهة الفكر النقدي، الحر، الذي نسميه علماً بأبسط المصطلحات. حيث وجب على الدين والعلم أن يتصارعا على مدار قرون.

توخى العلم، بشكل دائم، تقديم أجوبة مُتحقق منها على المشاكل وعلى الإحتياجات، التي تواجه الإنسان

فيما يحدث العكس مع الدين، فرغم أنه قد وفر أجوبة، فلم يتمكن من إثبات صحة أي منها.

بصورة عامة، حينما هيمن الدين على المجتمع، تربع علم اللاهوت على رأس هرم كل العلوم. عندما حدث العكس، لكن، قد حدث لمرات قليلة جداً، إزدهرت العلوم وتطور التفكير العقلاني.

حاولت الاديان، كما نعلم، تقديم إجابة كونية، تفسير أصل الإنسان ومآله. مع بزوغ فجر التفكير العلمي، فقدت كل الكونيات الدينية قيمتها. وما هو أسوأ بالنسبة للمؤمنين بتلك الاديان، هو أن فكرة الإله لم تعد ضرورية لحظة التفكير بأصل الكون. لا يمكن البحث عن أجوبة على الأسئلة الجديدة عند أديان الوحي، بل يجب أن تُصاغ بفرضيات يتم التحقق منها وفق مناهج علمية معروفة.

فيما لو تكن فكرة الإله غير كافية لأنها غير ضرورية، فإن أخلاقياتها وأديانها غير ضرورية وغير كافية كذلك، حيث توجد أخلاق للسلوك، يمكن أن تتأسس على مباديء أو قواعد إنسانية صافية، للتعايش، للتآخي وللعدالة الإجتماعية.

لكي يتواجد العلم، وجب أن يُفصل عن الدين، لا يمكن التفكير بظل الإيمان، حيث يمكن التصديق والإعتقاد بظل الإيمان فقط، لم يساهم صعود العلم بإلحاق الهزيمة بالدين فقط، بل ساهم صعود الفكر الحر والنقدي والعقلاني بتحقيق هذا الأمر أيضاً.

حاول سفسطائيو اليونان القيام بهذا، ثم قام التنويريون بالمحاولة وحققوها تقريباً، بالنهاية، أحرز التفكير الحديث، الذي لا يمكن كبح جماحه، هذا الأمر دون بذل جهود كبرى. لا يحارب العلم والفكر الحديث الإله، بل يتجاوزانه ببساطة.

لقد عشنا لحظات مؤرقة، قد استخدم المتطرفون شتى أنواع الأوصاف ذات الصلة بالكفر والردة وغيرها، بالإضافة للحديث عن حرب صليبية جديدة، خلالها. لا يتمكنوا من التفكير بأنه لا حاجة للهجوم على قيم معينة، عندما تموت تلك القيم لوحدها، بذاتها، تصبح غير ضرورية.

وجب فصل العلم والتفكير العقلاني عن الدين وعن الإيمان، كي تتحقق كينونتهما. بذات الطريقة بيومنا هذا، وجب فصل الأخلاق عن الدين، كي تتحقق كينونتها. رغم قساوة الأمر، محبة القريب، كمثال إنجيلي، ليست أمراً إلهياً بل قناعةً وتقليداً إجتماعياً.

نتج عن هبوط شعبية الأديان، تاريخياً، صعود للاتجاه المدني، للمجتمع المدني، العلمانية، التوجه الإجتماعي عالمياً، ...الخ.

شكل العلم الشرارة، التي أحدثت تلك الثورة، التي لم تكن سوى تطوراً طبيعياً، قد سار المجتمع المدني في ركابه.

شكل وصول الحداثة نصراً للعقلانية، لهذا، تحولت المقاومة الدينية إلى دفاع عن اللاعقلانية، عن الأدلجة، عن التطرف أو الأصولية أو سواها من مسميات.

لأنه في النهاية، لا توجد حاجة لفكرة الإله، بل هي غير كافية لا للعلم ولا للفكر، كما أنها كذلك بالنسبة لمجتمعات المستقبل.

1.6.12. سادس تمرين عملي على المحادثة

- كما ترى كيف يكون حال العالم، شبيبة ضائعة ومصروعة لا قيم لديها ولا مثال.

- ربما هي مصروعة، نعم.

- دون قيم، يضيع العالم.

- كلا، ما يضيع هو القيم. حيث تُولَد القيمة أو المثال أو العقيدة، تتطور أو لا وتموت، وهو ما يحدث ببساطة.

- يسقطون من يدي الإله، وهو سبب ما يحدث لهم.

- يجب أن تُثبت امتلاك الإله ليدين، لكن، هم يبتعدون عن قيمة، تسميها أنت إله، كما أنهم يبتعدون عن قيمة أخرى، قد كلفت الكثير من الضحايا، يسمونها الوطن.

- لا يؤمنون بأي شيء.

- لكن، لن تصدق بأنهم لا يؤمنون بأي شيء، فالقيم التي آمن أهلهم بها، هي لا شيء ، صفر.

- طبعاً لن تُدافع عنهم أنت، أليس كذلك؟

- أكتفي بتفسير الأشياء فقط. تسقط القيم لوحدها، يُنهيها الزمن، بالتالي، ما الذي تريد أن يقوموا به؟ تمارين روحية؟

- هكذا، ليس هناك مستقبل.

- دوماً، هناك مستقبل، جيد أو سيء، لكن، سيظهر المستقبل دوماً، لأنه يلي الحاضر مباشرة.

- حسناً، لا أعرف ما الذي يمكنهم القيام به في الحياة.

- هذا شأن آخر، فمن المؤكد أنهم لن يمتلكوا حياة سهلة، بل ستصير أصعب، حينما يتم إخضاعهم، لأنه وكما قلت أنت ومعك كل الحق، لا يعتقدون بالقيم الموروثة.

- سابقاً ...

- سابقاً، اعتقدوا بالإله وبالوطن وبالعائلة، لكن، كما ترى، لم يبقَ شيء من تلك القيم على حاله، بالتالي، لا توجد إمكانية للتلاعب.

- لماذا تقول تلاعب؟

- لأنها قيم قد خضعت للتلاعب، قيم منحرفة، شبيبة وطنية، عاشقة لأهلها ومؤمنه بالإله، هي شبيبة مثالية بالنسبة للحكام: خاضعة ومؤدبة وتخاف من السيّد. كما ترى، أمر في غاية الروعة. وبالطبع، فقد لعبوا بهذا الوضع وترى النتيجة الآن، غير مؤدبين وغير خاضعين وغير مؤمنين حتى.

- لا يوجد حل.

- لا يوجد حل قديم، فقد ثبت الأمر للأبد. لا توجد طريقة، الآن، لإقناعهم باتباع أيّة راية أو السير بأيّ موكب. لقد انتهت القيم، وتعرف أنت لماذا، أليس كذلك؟

- ستقول لي أنت.

- لأنها ماتت موتاً طبيعياً. لم يقتلها أحد. أو بطريقة أخرى، لم يقتل أحد الإله، ما حدث أنه أصيب بمرض عُضال ومات.

- هو تجديف واضح.

- لا يُجدف المُلحد أبداً، سيما حين يبدو مُلحداً خاضعاً لتربية جيدة مثلي.

7.12. الدرس السابع

يبدو العلم ضرورياً حتى لو أنّه غير كاف

لا توفر الأفكار، التي تروجها الأديان وتُدافع عنها، أية أجوبة، فيما يحضر العلم عند الحديث حول أجوبة.

يمكن للعلم، فقط، بناء نظرة كونية، دراسة وإثبات أصل الإنسان، بل وحتى بحث ولادة توجهات محددة تسمى أخلاقيات بشكل خاطيء.

مع ذلك، فيما يستمر حضور أشياء مجهولة أو غامضة أو لاعقلانية لا تُختزَل بالعقل أو العلم، سيحضر توجه لتفسير تلك الأشياء بعيداً عن العلم وعن العقل.

من هنا تستمر فكرة الإله بالحضور لدى من يرفض عقلنة عقائده، رغم معرفتنا بعدم الحاجة إليها.

لا يكفي العلم للإجابة على الألغاز أو الأشياء غير القابلة للإختزال رغم ضرورته، ليس كافياً لأنه لا يتوجب عليه الإجابة على أشياء مزيفة، أسئلة أو مشاكل لاعقلانية. مع هذا، تحضر التساؤلات الغير عقلانية وهي حقيقية.

لا تُحل المشكلة عن طريق العلم، لكن، لن تحل عن طريق جميع الأديان المعروفة والكاشفة، بشكل دائم، كما هو طبيعي. هكذا، هي الأمور، فمشكلة الإيمان عبارة عن مشكلة شخصية، ليست جماعية أبداً، بل ليست مشكلة إجتماعية حتى، هي مشكلة فردية دوماً.

يرفض الكهنة والأساتذة الكهنة، كما هو معتاد، إعتبار العلم حاجةً أو ضرورةً، مع ذلك، سيتمكن الشخص، الممتلك لمعرفة علمية كافية، من الإشارة إلى الحدود القائمة بين العقلانية الجماعية واللاعقلانية الفردية دوماً على الأقل.

رغم الطابع العلماني للدول الحديثة، فهي لا تقبل اللاأدرية ولا الإلحاد كتوجه، لأنها تعرف بأن أي دين عبارة عن جهاز إخضاع ممتاز، وليس نقص الإيمان الديني بالطبع. فالمجتمع المتكون من لاأدريين وملحدين، سيصير أقل عرضة للتلاعب مقارنة بمجتمع متدين. لا يُساهم العلم بالإنحراف، فيما يُساهم أي دين بالانحراف دوماً.

إن عدم كفاية العلم في بعض الأحيان، لا يعني أن الدين يحل محله لتفسير ما هو مجهول.

1.7.12 سابع تمرين عملي على المحادثة

- والآن، ستقول لي أنت ...

- بعض مُضي هذا الوقت في الحوار، سأطلب منك ذكر بعض الكتب، التي ربما قد قرأتها.

- ماذا تقول؟

- حسناً، يكفي ما ورد كحوار مع مؤمنين، لم يقرؤوا ما وجب عليهم قراءته حتى. يصبح من غير المقبول، أن يُمضي الملحدون حيواتهم في شرح معلومات، يرفض المؤمنون الإطلاع عليها، لهذا، أطلب منك عرض قائمة كتب. على سبيل المثال، ما الذي قرأته حول الميكانيك الكمي؟

- يا سيد، أنا ...

- لا شيء، هذا هو الواقع. بالتالي، وبكل أسف، لا تمتلك أيّة مشروعية للحديث حول أصل الإنسان أو أصل الكون. أو يفتقد كل ما يمكن أن تقوله بهذا الصدد للمرجعية بحدها الأدنى.

- لكن، ألن نتمكن من الحديث كمؤمنين؟

- لن تقدم شيئاً، طالما أنّك لا تعرف شيئاً، حيث يعرف المؤمن القليل من الأشياء، يتذكر تعاليم الكنيسة والقليل من الأشياء الأخرى. هكذا، يصعب إطلاق حوار جدي.

- هل تصفني بالجاهل، على سبيل المُصادفة؟

- نعم، لكن، ليس على سبيل المُصادفة. تحرص الأديان، التي نعرفها، على إبقاء تابعيها قليلي الثقافة

يُدافع الكاتوليك عن الأمية بشكل مستمر، وما تسميهم أنت فرق بروتستانتية قد هجروا قراءة الكتاب المقدس على الأقل، لكن، لا يتساءل الكاتوليك، كما البروتستانت، عن أصل نصوصهم.

- نحن المؤمنون نؤمن ...

- هذا هو الشيء الوحيد الذي تعرفون أن تقوموا به، بالإضافة إلى تكرار عبارات عاطفية تقريباً، فإن يكن الإله رحيماً وعادلا وخيراً، لماذا يحضر انعدام العدل أو الشرّ في مجتمعاتنا؟ حيث يشغل المؤمنون كل الفضاء الثقافي، فيما لا نمتلك كملحدين الحق بشيء. لدرجة أنه لا يوجد إعتراف دستوري بنا، حيث تعترف كل الدول الحرة بحرية العبادة، لكن، لا تعترف بذات الحرية لغير العابدين. لا نمتلك كملحدين أية عقائد بديلة، لا هياكل ولا مجموعات، لا نملك حقوق ولا إعتراف قانوني أو إدراي ولا نتلقى أية مساعدة بالطبع.

- لكن، ...

- لا تنزعج، لن أدعك تتكلم اليوم، لأنك عاجز عن تقديم قائمة كتب واضحة. يجب أن يُعامَل المؤمنون بما يؤمنون به. يمنع الإيمان التفكير، بالتالي، أنتم لا تفكرون. يمنع الإيمان العقلنة، بالتالي، أنتم غير عقلانيين وتطبقون اللاعقلانية. لا يطلب الإيمان إمتلاك ثقافة، بالتالي، أنتم غير مثقفين.

- لكن، يا سيد!

- قلت لك، عندما تقرأ المزيد، سيسعدني الحوار معك. لكن، الآن، أكتفي بهذا؛ ما يمكنني تقديمه أكثر هو إعطاءك قائمة كتب، وبهذا، أثبت لك بأن تعليم أو تثقيف الجاهل ليست وصية إلهية بل وصية إلحادية، لكن، هي ليست وصية إكراهية حتى.

8.12. الخاتمة

العلم ضروريًّ رغم أنه غير كاف، ولهذا، لا يمكن إستبدال العلم بالدين

ربما ساهم الصراع الشائك الطويل الذي خاضته الأديان ضد المعرفة العلمية بجعل البعض يعتقد بأن العلم، قد شكل البديل المثالي للدين، أو يبدو كصيغة جديدة للدين. لهذا الإعتقاد أساس ما؛ فقد ساهم نمو المعرفة العلمية المضطرد بتجريد العقائد الدينية من عناصرها، فتولد إنطباع يُترجَم كظهور بديل تدريجي ومنهجي ومستمر للعقائد الدينية بالمعارف العلمية.

أسست الأديان صلاحيتها ومصداقيتها، ليس على الظهور الإلهي، فقط، بل على إمتلاكها معرفة معقولة نسبياً حول العالم أيضاً، وهي التي ترد من المعارف السائدة وقتها، لكن، إعتبروها ثمرة للوحي الإلهي، حيث شكل تفسير أصل الكون والعالم بشيء من التماسك برهاناً على مصداقية الدين. بهذه الصيغة، تحول علم الكون، أي أصل العالم، إلى أحد أساسيات العقائد الدينية وجزء مركزي من الإيمان الموحى به في كل إعتقاد ديني. البديهيّ هو أن إستبعاد الحضور الإلهي عن كل تفسير لعمل العالم سيساهم بانحلال النظام العقائدي وسيكسر تماسكه الداخلي. بمواجهة هذا الخطر، وجب عليهم إتخاذ موقف دفاعي محدد. كما حدث مع جيوردانو برونو وفانيني وغاليليو.

في الواقع، لم يسعَ العلم ليصير بديلاً للدين، ما حدث هو أن الدين أصبح مستبدلاً، من ذات الأصل، من المعرفة العلمية. شكل أصل الكون الديني علم الكون، لأنه لم يكن هناك أي شيء آخر. بتقدم المعرفة الخاصة بعمل الأشياء في الكون، فقدت النظرة الدينية، بشكل تدريجي، عمليتها وقدرتها التفسيرية. فقد طرحت إشكالات أكثر بكثير مما أمكنها حلّه منها. على سبيل المثال، ولكونه تفسير متهافت للعالم، يُحاكم، بسبب وظيفته المتهالكة، وجود مؤلف ذاك الوحي الذي يتسم بقلة المصداقية. يساهم المشتغلون بالعلوم، دون أن يرغبوا أو يريدوا، بتوليد المزيد من الشكوك حول الوجود الإلهي في عقول المؤمنين.

لا يوجد شك بحلول العلم محل الأديان لناحية تفسير كيفية عمل العالم. حيث تعترف الأديان الواقعية بهذا، حينما تقول بأنها تنشغل بالروح البشرية ومشاكلها فقط. لكن، يسعى الأصوليون للحفاظ على النسخة التقليدية الكاملة من الوحي، فيرفضون قبول تحقيق تعديلات تُمليها مستجدات الكشف العلمي

يشكل موقفهم هذا مقاومة قوية بوجه أي تكيف لتلك العقائد، ويُشير لنا هذا إلى الفارق العميق بين العلم والدين، فما يفسره العلم لا يمكنه إستبدال الدين في وظيفته الإجتماعية. يشكل الدين حدثاً طبيعياً في التفكير البشري. هو تعبير عن الحاجة إلى العزاء في هذا العالم البائس، "هو زفرة المخلوق المضطهد، قلب عالم بلا قلب، كروح وضع لا روح فيه. هو أفيون الشعب". تختلف وظيفة العزاء كثيراً عن محاولة معرفة كيفية عمل وكيفية إستبدال وماهية أصل الأشياء.

أحد عناصر العزاء الأمن والأمان، فالعيش غير الآمن مصدر للقلق والخوف. كما أن المستقبل غير المُدرَك يُولد المخاوف. فالشعور بالحماية، بالرعاية من قبل كائن قادر على كل شيء يُساهم بالتهدئة

لدى غياب أب بيولوجي قادر، يمكن أن يجد الفقراء إلهاً قوياً ورحيماً (عادلاً وغيوراً ومنتقماً "من يعاقب حتى الجيل الرابع والخامس" وفق الكتاب المقدس). المهم هو إمتلاك شيء يمكن التمسك به في هذا العالم المتغير، هو "الصخرة" في المزامير و"القلعة القوية" في النشيد اللوثري.

يجب أن تتصف العقيدة الدينية بالثبات والديمومة وعدم الخضوع للتغيرات. لا يمكن أن يتغير سبب الإيمان من العشية للصباح. فالإيمان المتحرك، يمكن أن يولد الغم فقط. لا يمكن تخيل مؤمن تُحركه التساؤلات، ينشغل بمضامين الإيمان على مدار اليوم. يجب أن يبدو الدين صلباً، غير قابل للتغير، ولهذا، هو آمن. هكذا، يصبح هجران الإيمان دافعاً للوقوع بدوامة الفوضى وإنعدام المعنى.

"لا يوجد يقين خارج الكنيسة" (ولا خلاص طبعاً). لهذا، لا حاجة لإجراء أية تعديلات في العقائد، أو تغيير أسس الإيمان. يصبح الدين أكثر كمالاً (وفق وظيفته الاجتماعية) عندما يبدو صارماً أكثر. يُعتبر الإسلام مثالاً، حيث يقول القرآن بأنه النسخة الكاملة من كتاب موجود في السماء، ولهذا، لا يمكن تغيير شيء فيه، إن لم يحدث التغيير في النسخة السماوية. ما يفسر العنف القاتل لدى المتطرفين المسلمين، هو أنهم يعرفون أنهم بجانب الحقيقة المطلقة الموحى بها. ويعتبر هذا صحيحاً إنطلاقاً من وجهة نظر دينية أصولية. يختلف الأمر، بصورة طفيفة، في أديان التوحيد الأخرى؛ ففي اليهودية نصوص قد أصابتها تعديلات، يتم تبريرها بوحي متعاقب، من الفترة الإبراهيمية إلى الموسوية. لا يجب نسيان أن المسيحية تشكل فرقة ضمن اليهودية، بحسب قول جورج كريستوف ليشتنبرغ. بدت التغيرات فيها بطيئة للغاية، فلنتذكر قضية العالم غاليلو، 22 حزيران / يونيو العام 1633، وصولاً إلى يومنا هذا، يمكننا حساب سرعة التغير في الكنيسة الكاتوليكية. يعجز العلم عن توفير تلك السكينة، بسبب صيغة عمله بالتحديد، نظراً لكينونته كما يقول قدماء الفلاسفة. لأن المعرفة العلمية تشكل صيغة صارمة للتفكير النقدي. يعمل العلماء عبر التشكيك بما يرونه، حتى بأكثر الأشياء بديهية، على سبيل المثال، ظهور الشمس من الشرق، تتحرك في السماء وتختفي في الغرب، أو أن الحيتان عبارة عن أسماك أو الخفافيش طيور. يمتلك أولئك الأشخاص "قليلي الإيمان" إعتقاداتهم الخاصة أيضاً. يعتقدون، عادة، بقدرتهم على فهم محيطهم إنطلاقاً من سلسلة من الإفتراضات:

يوجد عالم خارجي مختلف عن تصورنا له. يبدو العالم قابلاً للفهم بشكل منطقي. هناك إنتظامات ما في الطبيعة. يمكن دراسة العالم على شكل أجزاء أو أقسام، أو بصورة محلية أو موضعية، دون الإنشغال بما يحدث في أماكن أخرى. يمكن وصف العالم بالإستعانة بالرياضيات.

حيث تُعتبر تلك الإفتراضات كونية. لا تتأسس تلك الإفتراضات على مقدمات فلسفية، بل هي نتيجة لخبرة مديدة قاسية، قد قادت إلى فهم الأشياء في العالم وقد حظيت بالقبول، حيث سمحت بفهم وضع البشر في الطبيعة، كجزء منها بدقة. يُعتبر كل نقاش أو تفسير يطال العلوم، ويتأسس على مباديء فلسفية أو دينية، فرضية مسلية بأحسن حالاته، فرضية من فرضيات قد وصفها نيوتن، بقوله:

نون فينغو non fingo أي لا تؤلف فرضية.

يتبع

تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل

للإطلاع على باقي الأجزاء

الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة

الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة

الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر

الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة

الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل

الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر

الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت

الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية

الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم

الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت

الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟

الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق

الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق

الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ

الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع

الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة

الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس

الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين 

الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟ 

الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (25) متابعة الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد

الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد

الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين

الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ

الموسوعة الإلحادية (30)

No comments: