18. الإحترام
1.18. ما معنى إحترام؟
أرى بأنّ إحترام الآخرين يعني إحترام حقوقهم.
وكيف نحترم حقوقهم؟
بألاَّ نقوم بشيء مناهض لهم.
سأحاول شرح هذا الأمر.
أحد الحقوق، التي نمتلكها جميعاً (في بلدان ديموقراطية)، هو الإجتماع لأجل الحديث عمّا نريده.
يجتمع البعض، على سبيل المثال، كي يتحدث مع آلهته ويصلي.
وفي حال عدم إيمان شخص بالآلهة ورغبته بحرمانهم من هذا الحق، باستخدامه الشتائم أو العنف، يجب أن يخضع للمحاكمة وأن يذهب إلى السجن.
لكن، يوجد مَنْ يعتبر بأن ما أكتبه في هذا الكتاب، عن عدم اقتناعي بوجود الآلهة، هو إهانة وقلّة إحترام للمتدينين.
ولا أتفق مع هذا شخصياً.
لأنني لا أهاجم حقهم بالإيمان بالآلهة، ولا حقهم في الإجتماع للحديث مع تلك الآلهة، ولا حقهم بالحديث عما يعتقدون به مع الآخرين.
يسمح الإحترام، الذي يُبديه كل شخص، تجاه حقوق الآخرين:
بعيش الجميع بسلام.
ويحدث العكس، عندما:
يقلّ الاحترام، فتظهر المواجهات ويتولد العنف.
لكن، في بعض المناسبات، يحدث ما يعتبره بعض الأشخاص قلّة إحترام لهم، وهو ليس سوى تعبير عن رأي مختلف عن رأيهم.
ويحدث هذا بشكل شبه دائم، فعندما لا نؤمن بآلهة، نعبر بصوت عالٍ عن رؤيتنا، التي تعتبر أن العقائد الدينية:
لا تتأسس على الوقائع، بل تتأسس على الرغبات أو الأمنيات.
برأيي المتواضع، فقد حاولنا أن نبدو مُحترمِين للآخرين بأيّ ثمن وعدم التطرُّق لما يجعلهم يشعرون بالإنزعاج أو بالإهانة.
حسناً، في الوقت ذاته، تمتعنا بشجاعة كافية كي نعبّر عن أفكارنا، رغم معرفتنا أنّ كثيرين لا يفكرون مثلنا.
سنتحدث عن قناعة إجتماعية واسعة الإنتشار وهي خاطئة برأيي المتواضع، وهي:
إعتبار إتخاذ موقف فكري نقديّ من عقائد معينة، قلّة احترام، للمؤمنين بها.
رغم عيشنا جميعاً تحت سماء واحدة، لا يوجد شخصان يفكران بذات الأفق، حتى لو اشتركا بذات وجهة النظر.
تجعلنا عيوناً أخرى نرى ذات المشهد بطريقة أخرى.
("ألا تشكّل حواسنا أعضاء إنتقاء؟"، تساءل وليام جيمس، أحد آباء علم النفس الحديث).
وبكلمات الكاتبة أناييس نين:
"الأشياء، لا نراها كما تكون؛ بل نراها كما نكون".
يملك كل واحد منّا صيغةَ تفسيرٍ للواقع؛ ويتوجب فهم وتفحُّص هذا الشيء.
يستحق المؤمنون دينياً الإحترام من غير المؤمنين، بالطبع.
لكن، في جميع العقائد الدينية، ولأنها تشكل بُنى بشرية، تصل للخلط:
بين الوقائع والظنون، الحقائق مع الرغبات، والمباديء الكونية الحسنة مع التي ليست كذلك.
ولو بشكل مهذب، كما هو مفترض، لأن الحديث بلطافة لا يؤذي اللسان، فإننا نستطيع كملحدين نقاش وجهات نظرهم حول الأشياء؛ أرى بأننا نمتلك حقّ القيام بهذا الأمر.
بالنهاية، وكما يقول أستاذ الفلسفة إسماعيل غراسا في كتابه "سهمٌ في الهواء":
"الإحترام المطلوب تجاه الحقوق المدنية الأساسيّة للأشخاص هو المطلوب دوماً"، كمثال على هذا:
حرية التعبير، الحرية الجنسية، حرية المشاركة السياسية، إنشاء الجمعيات، الحق في الحياة، حق التعليم، ...الخ.
حسناً، بناءاً على ما ورد، هل يحق لشخص الطلب من شخص آخر تفادي إستخدام التعبير، على سبيل المثال، الذي يقول:
"عقائد دون أيّة قاعدة منطقية"، أو إستخدام كلمة "أسطورة"، أو مُصطلح "تخريف"، كإشارة لعقائده الدينية؟
يرى كثيرون، مثل الأستاذ إسماعيل، بأن الجواب على هذا السؤال، هو:
كلا.
لماذا؟
حسناً، لأنّ "حدود حريتنا هي ذات حدود حرية الآخرين، لا عقائدهم. كذلك، لا تعني الحرية الدينية الإقرار بصلاحية الطروحات الدينية".
أرى بأن الأديان لا تملك حق الترخيص بالسماح للآخرين كي يتمكنوا من تحليل طروحاتها منطقياً.
فيما لو أكن مؤمناً، على سبيل المثال، بوجود السنافر وبابا نويل ولا يشكلوا إبتكاراً من المخيلة البشرية:
يمكنني طلب إحترام عقائدي، لكن، لا يمكنني منع الكثيرين من إعتبار إيماني كنوع من التخريف والإنفصال عن الواقع.
وسيكون مشروعاً أن يتمكن أولئك من التعبير عن رأيهم.
أرى بأنّ المُلحِدْ يملك ذات الحق أيضاً.
ربما يظهر للبعض فعل مقارنة الإعتقاد بالآلهة مع الإعتقاد ببابا نويل كقلّة إحترام، مع هذا، تتفوق القدرات المعزوة للآلهة على قدرة بابا نويل بكثير، ومع هذا، لا تلفت الإنتباه!
لكن، بذات الوقت، ما تزودنا به الآلهة - الحياة الأبدية - يفوق بضعة هدايا يقدمها بابا نويل!
لا يمكنني إلاّ تذكُّر قول الكاتب الاسباني فرانثيسكو دي كيبيدو:
"مَنْ يعد بتوفير كل هذا، كمن يفكّر بعدم الوفاء بأيّ وعد!!".
لماذا تبدو هذه القناعة شائعة جداً، هذا التوافق الضمني، على إعتبار نقد أيّ إعتقاد ديني قلّة إحترام للمؤمنين به؟
أرى بأنه في كثير من الجوانب المرتبطة بالإيمان بالآلهة، لا ننتبه للفارق القائم بين الإساءة والأذى.
يتحدث الفيلسوف لو مارينوف عن هذا الأمر، قائلاً:
"ففيما لو يجرحني أحدهم، جسدياً أو معنوياً، كإفتراء مثلاً، سأعاني من الأذى الذي لا ذنب لي فيه، ولأنه حصل دون إرادتي. لكن، إن يتسبب أحدهم بالإهانة أو الإساءة لي، فمن جانب ليس هناك أذى، ومن جانب آخر، بهذه الحالة، سأشارك بحدوثها.
لماذا؟
لأنني اعتبرتها إساءة أو إهانة".
غالباً ما يشعر أشخاص بالإهانة، ثم يوجهوا أصابع الإتهام لآخرين بإلحاق الأذى بهم، ونرى أن لديهم الحق في إتهامهم، الذي لم يميز بين مفهومين، هما:
الإهانة والأذى.
سيسوق المؤمنون أسباب شعورهم بالإهانة، مهما قدَّمَ الملحدون لهم من براهين.
سيتهموننا بقلة الإحترام وبالتجديف.
يُعرّف القاموس التجديف بإعتباره تعبير مهين للآلهة، للأشخاص، العقائد أو الأشياء المقدسة.
حيث يبدو عدد الأشخاص والأشياء والعقائد، التي يعتبرها كل دين مقدسة هائلاً، فتُعتبر عملية التشكيك بوجود الآلهة، محاولة تحليل صحة تلك العقائد، عمل تجديفي مهين.
ومع هذا، يشكل التجديف جريمة لا يحصل فيها أذى، ولا ينتج عنها ضحايا، ولا يوجد فيها مجرمين.
هي جريمة بلا جُرْمْ، بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
يشكل التجديف إهانة تنتج في ذهن المُهانْ فقط.
اسمحوا لي أن أقدّم مثالاً واحداً فقط من مئات الأمثلة المتوفرة.
خلال شهر أيّار 2011، عرضت شركة ملابس أوسترالية في سيدني نوعاً جديداً من ملابس السباحة النسائية.
طبعوا على أحدها صورة الإلاهة الهندوسية لاكشمي، التي تمثل الجمال والصحّة.
تمثلت تبعات هذه الجرأة المُهينة بالآتي:
حرق الهندوس علم أوستراليا في كل مناطق تواجدهم في الهند؛ وبخت المحكمة العليا في مدينة الله آباد علناً صحيفة هندوستان تايمز بسب نشرها للصور، التي تعرض لباس السباحة النسائي سالف الذكر؛ جرى إستدعاء السفير الأوسترالي في الهند بالاضافة إلى خروج مظاهرات حاشدة هتفت ضد أوستراليا.
وبالطبع أصدرت الشركة العارضة الأوسترالية بياناً اعتذرت فيه عن طبع الصورة وقالت أنها طبعتها رغبة منها بنشر الثقافات المختلفة دون أيّ إساءة لأحد.
لم يجرحوا أحد.
ربما رغبوا بتحقيق دعاية مجانية، لكن، لم يتسببوا بإلحاق أيّ أذى.
شعر كثيرون بالإهانة ببساطة.
الأذى ليس كالإهانة بأيّ حال.
قلنا هذا سابقاً.
حضرت الإهانة التي لا تُغتفَرْ في دماغ المتضررين المزعومين فقط.
كيف بدا ردّ فعل الراديكاليين الغاضبين على إعتذار الشركة الأوسترالية؟
"لقد جرحتم مشاعر ملايين الهندوس ولا يمكن حل هذه القضية بمجرد إعتذار بسيط".
للأسف، هذا هو الردّ التقليدي المألوف، الذي يتبناه المتعصبون دينياً من أيّ دين وعلى مدار التاريخ في هذا النوع من الأوضاع، ويُشكِّلْ زرعاً متواصلاً للحقد.
الإنقياد الأعمى - شيء يتجاوز مسألة الإحترام - لهذه القناعة الإجتماعية، التي تعتبر أنّ تحليل ونقاش أيّ عقيدة عبارة عن قلّة إحترام للمؤمنين بها، هو:
المسؤول عن وجود أطفال إناث لا يتمكن من الذهاب إلى المدارس، لأن الدين السائد، حيث تعشن، يعتبر أن المرأة لا يمكنها القيام بهذا الأمر.
برأيي المتواضع، يتسبب هذا بإنتاج الأذى؛ يشكل هذا بالنسبة لي عذاباً.
كما قال ألبير كامو:
"ربما لا نتمكن من منع تعذيب الأطفال في هذا العالم، لكن، يمكننا تقليل عدد الأطفال المعذبين".
ربما يشكل التصدي لهذه القناعة الإجتماعية طريقة للبدء بالخلاص منها.
وأيّ سفرة، مهما طالت، تبدأ بخطوة أولى دوماً، مثلها مثل الطوفان، الذي يبدأ بهطول قطرة ماء.
يقود الخضوع المُجامِلْ لهذه القناعة الإجتماعية إلى إنشغال المتعصبين دينياً بقضايا، يجب أن تشغل أصحابها فقط، مثل العلاقات المثلية الجنسية، أكثر من إهتمامهم بمجازر إبادة جماعية أو الموت بأمراض قابلة للعلاج أو بأشياء كثيرة أخرى مؤثرة على كثير من البشر، وتنتج الكثير من الأذى الحقيقي.
يتحول إحترام العقائد، لدى البعض، إلى:
شيء أهم من تقديم الطعام للجائع!.
يقود قبول هذه القناعة الإجتماعية، بوداعة، إلى:
عدم تعليم الصغار شيئاً ممتازاً مثل التصدي لعقائدهم الخاصة كالتصدي لعقائد الآخرين على قدم المساواة.
كما نوهتُ سابقاً، أرى بأن الأطفال يمكن أن يتعلموا التفكير بحرية دون أن يشعر المتدينون بأنهم عرضة للهجوم.
لكن، وللأسف الشديد، فيما لو يصر أحدهم على الشعور بالإهانة لأن آخرين لا يشاركونه أجوبته الخاصة على التساؤلات الميتافيزيقية، لا يوجد شيء يمكننا القيام به.
بدا كريستوفر هيتشنز صريحاً أكثر مني في كتابه "الله ليس عظيماً" لدرجة الإنتفاض على تلك الوداعة، فقال:
"الأشخاص الذين يرغبون بعدم الإستهزاء من عقائدهم، لا يجب عليهم تبني عقائد مضحكة!!".
مشهد آخر، يبدو لي مهم، هو:
لا يجب الخلط بين التسامح والجُبْنْ.
هل يجب أن تتسامح مع غير المتسامحين؟
أرى أنه سؤال عصيٌّ على الإجابة.
فكما لاحظ بالتاسار غراثيان:
"رغم سهولة قول النعم واللا، فهما يدعوان للتفكير كثيراً".
لكن، أتجرأ على قول:
بأن الجواب على ذاك السؤال، هو: كلا.
لا يجب أن نتسامح مع غير المتسامحين.
الأسوأ لدى المتطرفين دينياً ليس مضامين عقائدهم فقط - ولو أنها كذلك - بل يقينهم المتطرف فيها وعدم تسامحهم مع الآخرين المخالفين.
عادة ما يمارس القادة الدينيون المتطرفون سلطة مطلقة على تابعيهم المؤمنين وهو ما يسبب السرور البالغ لهم.
فيما لو يتجرأ أحد على نقاش العقائد الرسمية، سيُعتبر مهرطقاً وكافراً وعدواًّ.
ينقص الكثير من الشجاعة حتى يتم توجيه سهام النقد والتشكيك بعقيدة دينية،
سيما حين نعلم بأن غير المتسامحين سوف يتهمون بالتمرد والتجديف.
الأسهل هو عدم نقاش العقائد وتبني إحترامها، سيما إذا عرفنا بأنه في كثير من الأماكن في العالم، يتم:
تقديم "المجدفين" إلى المحاكم، وربما يتم إعدامهم في بعض الأحوال.
أرى بأنه لا يجب أن يمنعنا الخوف من ردة فعل غير المتسامحين، الذين يشعرون بالإهانة، عن النضال كي تترك الاديان عرقلة الوصول للوقائع والمعارف والتقدم العلمي لمرة واحدة وإلى الأبد.
كذلك، تنقص الشجاعة في هذا الميدان الفكري، كي يتم تفحُّص المباديء الخاصة، سيما إن يكن أحد هذه المباديء، بدقّة، هو:
أنه لا يجب نقاش المباديء الموروثة أبداً.
ضروريّ هذا النوع من الشجاعة، كي يتم التصدي للعقائد المتلقاة والتي تناهض آراء تقليدية، هي بالنسبة للبعض مرادفة لآراء صحيحة!
هناك رأي شائع - ويبدو لي خاطيء - يعتبر أنه في البلدان الغربية لا حاجة للدفاع عن الإلحاد لأن الأديان في الدول الغير دينية (غير دينية بالاسم فقط)، تتعايش بتناغم بفضل علمانيتها؛ وأن هناك عدم تسامح في مناطق أخرى من العالم فقط؛ حيث انه يتم إحترام غير المؤمنين بالله في الدول ذات التراث المسيحي.
هذا صحيح جزئياً في قسم كبير من أوروبا وأميركا اللاتينية (وغير صحيح في الولايات المتحدة الأميركية)، لكن، أرى أن هذا لا يعود إلى تسامح المسيحية، التي مارس المؤمنون بها أبشع أنواع التعصب والإساءة للمخالفين في قرون خلت.
فيما لو أنّ المسيحية في أوروبا لم تعد تولّد الكثير من المتعصبين، وفي حال عدم ظهور إرهابيين من أديان أخرى، فأرى أنه ليس بسبب إعتدال المسيحيين أكثر من غيرهم بأديان أخرى، بل:
بفضل المعرفة العلمية المكتسبة التي تسببت، قرن إثر قرن، بحصول النهضة والتنوير وثورات فكرية، قد شغلت فضاءاً قد ملأته التخرصات والخرافات، التي جرى فرضها على الناس بشكل دوغمائي.
في أماكن أخرى من هذا العالم، لم يحدث هذا الأمر حتى لحظة قراءة هذه الكلمات.
هو عبارة عن صراع مستمر، في قسم كبير من كوكبنا، لم يصل إلى خواتيمه السعيدة المرجوة للآن.
أرى بأنه يتوجب على غير المؤمنين رفع الصوت بوجه المتطرفين، كي نساهم في رفع الأذى في أمكنة أخرى من العالم.
لا يجب التواطؤ، من خلال الصمت، على نقاش وتفنيد العقائد الإلهية.
كذلك، لا يجب أن يدفع احترام العقائد الدينية، الأشخاص غير المؤمنين، لأن يُكيِّفوا حيواتهم، في منحى محدد ما، بشكل كبير.
أشير هنا، على وجه الخصوص، إلى الموت الحاصل جرّاء الأمراض العضالية.
أرى بأنّ كل كائن بشري يملك الحق بالحياة، وبذات القدر، يمكنه إختيار الصيغة التي يموت من خلالها.
تبني هذا الموقف من قبل المتدينين صعب للغاية، ومهما تردت الأوضاع الجسدية، لأنهم ينتظرون "لحظة نداء إلههم للبقاء بجانبه بعد الموت".
مع ذلك، نحن غير المؤمنين بالآلهة، يمكننا التمتع بحق إختيار ظروف موتنا ومكانه تبعاً للوضع الإقتصادي.
يمكن أن أتخيل نفسي مصاباً بالشلل الكامل مستقبلاً، ولكن، مع إحتفاظي بدماغ شغّال، وبهذا، سأفضّل الموت، لكن، لستُ متأكداً منه. ما أقتنع به هو حضور العجز الفظيع الذي سأشعره من خلال معرفتي بعدم القدرة على الإختيار، بأنه لا يمكنني تقرير ظروف موتي، لن تُحترَمْ رغباتي الأخيرة، ويحدث كل هذا لأنّ قناعات دينية لبعض الأشخاص، تحشر أنفها وتجعلني أعاني وتفرض رؤاها عليَّ، ويتصل هذا بأمر يخصني ويخص عائلتي فقط، أي حياتي وموتي.
لا يتجرأ السياسيُّون، في القسم الأكبر من البلدان الأوروبية (لا حاجة بنا للحديث عن أماكن أخرى من هذا العالم)، على طرح هذه القضية علناً، لأنهم يعرفون حجم ردة الفعل التي ستتولد، فستتحرك كل القوى الدينية لمواجهة هذا الطرح أو الإقتراح.
ومع هذا، فهم، بهذا، يعارضون حق أيّ شخص بإستخدام ملكاته الذهنية وإتخاذ القرارات، التي يريدها بشأن نهاية حياته.
إذاً، يتحدث المتدين عن حقوقه ويتجاهل حقوق الآخرين.
يحتاج قرار إنهاء الحياة لقدر من الشجاعة، في حين يصف المتدينون من يتخذ هذا القرار بالجبان.
إن من يتخذ هذا القرار، فلن يفعله عن طيب خاطر.
يقدم مثال إستحالة إختيار الموت، بشكل لائق، الصورة التي تعمل العقائد الدينية وفقها ويعكس التدخل بكل شيء، حتى في مناطق من العالم يُظنّ بأنها لا تحوي هذا النوع من التدخلات الدينية.
بالعودة إلى الموضوع الأساسي، على ماذا يتأسس احترام الاشخاص المؤمنين؟
أرى بأنّ التسامح تجاه الأديان لا يعني، بأيّ حال، عدم نقاش عقائدها الأساسية كوجود الآلهة وسواها بصوت مرتفع.
فكما أن لكل دين مفهومه الخاص لما يُعتبر تجديف - ولو أنّ أي تشكيك مهما قلّ حجمه، سيعتبر تجديف - فدون إقصاء الخوف عن الاتهام بالتجديف، فلن نتمكن من الكلام حول الأديان.
عملياً، يحدث التالي:
يُغلِقُ الخوفُ كل الأفواه تقريباً!.
أحني رأسي بإحترام لكل العقائد الدينية.
أتفهم خوفهم من الموت، حيث يشترك كل البشر في هذه الميزة.
هو أمرٌ غريزيٌّ.
يخيفنا المجهول ويشكّل الموت قمة المجاهيل.
لكن، وفق تفسيري المتواضع للواقع، تُعتبر الصيغة الأفضل للتحرر من هذا الخوف الغريزي، هي:
عدم مسايرة تفسيرات خاصة خرافية، بل تعزيز الجهود لأجل فهم العالم وفهم أنفسنا، وهو ما توفره لنا العلوم.
تأسرني قضيّة كيفية عيش حياتي بأفضل صورة ممكنة، لا أهتم بوجود حياة أخرى بعد الموت.
بأيّ حال، أعتبر الإيمان بدين، يحوي إعتقاد بالجنّة:
حقاً مشروعاً.
كذلك، أعتبر عدم الإيمان بأيّ شيء:
حقاً مشروعاً.
ويجب حماية الحَقْيّن على قدم المساواة.
سيكون فظيعاً الوقوع بدوغمائية متبادلة، في نوع من الإلحاد كدين للدولة، كما حدث في الإتحاد السوفييتي السابق، ويواصل حدوثه في كوريا الشمالية وبعض الأماكن الأخرى من العالم.
كما قال فولتير:
"سأصارع لأجل إحقاق حقك في التعبير".
يُعتبر كل تطرُّف أمراً شائناً، بما فيه التطرُّف الإلحاديّ.
امتلك كثيرون الحقّ بدعم عقائد دينية، فيما عاش آخرون بعيداً عن هذه العقائد. رغم أن بعضنا يفكّر بأنّ الواحد منّا حرٌّ فعلاً، فيما لو يستخدم عقله ويبتعد عن المخاوف التي تتحكم بحياته.
فكما قال شيشرون:
"يطرد الخوف من قلبي أيّة حكمة".
الحقّ الآخر، الذي يتوجب علينا حمايته، هو:
عدم التطرُّق لإمتلاك أو عدم إمتلاك إعتقاد ديني.
أتذكر قصّة، لكن، لا أتذكر إسم بطلها.
أعرف أنه كان شخصية عامة، سألوه في مقابلة أو خلال مؤتمر صحفي إن كان مؤمناً بالله أو لا. وأجابَ حرفياً:
"وما الذي يهمك بهذا الأمر؟!".
ربما كان بإمكانه التمتُّع بتهذيب أكبر بجوابه، لكن، أرى أنه قد جانبه الصواب في العمق.
فكما أفهم الحرية الدينية، فإنها تتضمن عدم توجيه الأسئلة حول إعتقاداتنا الدينية.
أو على الأقل، إمتلاك الحق بعدم الرد.
بالنهاية، أرى بأنه يتوجب علينا جميعاً التدقيق بسلوكنا مع الآخرين، لا التدقيق بأفكارنا الخاصة.
بإختصار، أرى أنه في القضايا الدينية، من الضروريّ الحفاظ على الحق بالإختلاف، على إعتباره كنز حقيقي.
يسرني أن أختم كلامي الخاص بالتسامح مع ما أراه الأفضل كتحديد للاحترام.
وهنا أورد كلمات جون ستيورات ميل، عندما تحدث عن الحرية.
فبحسب فهمي لكلامه، يتحقق الإحترام عندما:
"تعتبر الحرية بحثاً عن مصلحتنا الخاصة بطريقتنا، دوماً عندما لا نحاول أن نحرم الآخرين من حقهم بالبحث عن مصلحتهم وفق طريقتهم أو لا نعرقل ما يقومون به لتحصيلها، الحرية عبارة عن صياغة مخطط حياتنا، الذي يتكيف بشكل أفضل معنا، نمتلك الحرية لنقوم بما يعجبنا القيام به، دون أن يحقق الأذى للآخرين، حتى لو اعتبروا بأنّ سلوكنا غبيّاً أو ضاراً أو خاطئاً".
2.18. هل يتوجب عليَّ الإعتذار لأني مُلحدة؟
باعتباري مُلحدة، شعرتُ دوماً بالقلق مما قد يُوقظه هذا الأمر عند محاوري.
كحال المثلي جنسياً في الجيش، ألوذُ بالصمت، لكي أتجاوز التعصُّب المتحول لعدائيّة، حيث لن تنجح النصال ببلوغ هدفها.
لديّ العذر بعدم الإيمان، وبأفكار كثيرة مُختزَنَة في ذهني، بينما أسمح، وبإحترام شديد، للآخرين بالحديث عن آلهتهم وعقائدهم بحريّة.
فإقصاء الدين في عالم مؤمن بشكل أساسيّ، هو أمر غير قليل، يتوجب عليك التهيُّؤ جيداً لتبرير "الهرطقة" بمواجهة الجميع، وحتى أقرب المقربين منك أحياناً.
هنا، يبدأ اللاتسامح؛ وباعتباري أنثى، قد تربّت في العالم الثالث، فقد طورتُ هوائيّاً جيداً لإلتقاط كل أشكال التمييز.
كل من يعرفني، يُدرك أنني أستمتع بالعلوم، فالصحافة العلمية ليست عملي، فقط، بل هي شغفي وقلقي من أخبار، تتصل بإهمال أعمال هامة، قد حققها باحثون جديُّون.
كما أكّد ريتشارد داوكينز خلال الوثائقيّ "أعداء العقل"، بقوله:
"العلمُ، هو شِعْر الواقع"، هو بالضبط ما أقتبسه كثيراً من كل مصدر نافع.
كبشر، ما هي الأدوات التي طورناها لدراسة وفهم نوعنا الحيّ، إضافة لفهم ومعرفة العالم الذي نسكنه؟
هذا هو السبب، الذي يدفعني لكتابة مواضيع كهذه.
مع ذلك، البحث العلميّ، هو شأن جاذب للمهللين للآلهة. حتماً، فيما لو تكن حضرتك مؤمن بالكتابات القداسيّة، فربما لا تتفق مع القسم الأكبر من التطور العلميّ الحاصل.
أرى بأنّ أولئك الأشخاص المؤمنين بكلام إلهي أصوليّ، سيتوجب عليهم تكييف حيواتهم مع أنماط حياة جذرية أكثر، ليس فقط بما يتصل بالخطيئة (وهذا أمر مستحيل للأغلبية منهم) بل أيضاً بما يتصل ببعض نتائج البحث العلمي المناقضة لتفسيرات كتبهم المقدسة، من إستخدام الفوتونات المنبثقة من كل لمبة في منزلهم إلى اللقاحات المنقذة لحياة الملايين والضامنة لإستمرار الحياة من خلال مُتحدرينا.
من المثير للدهشة أن يطابق أولئك الأشخاص ذاتهم بين أفكارهم وما يناقضها بشكل واضح. فنراهم يقبلون كل التقدُّم الحاصل في العلوم الحديثة المندمجة بالحياة الحديثة، يستوعبوها ويستخدموها دون أيّ إصلاح في معارفهم قدر الإمكان.
فهم يقبلون العلاج الجينيّ دون ربطهم هذا القبول بجزيئات الحمض النووي الريبي منقوص الأوكسجين الدي إن إي والتي ترتبط بالتطور، لأننا نتقاسمها بنسب مئوية مختلفة مع باقي الحيوانات. يواجهون هذا الطرح بإعتراضات، لا تُقنِع سواهم، رغم أنهم يوافقون على العلاج الجيني لإنقاذ حيواتهم!!!!!!!!!!
وعندما يرتكب أيّ عالم هفوة ما. فلا يتحوّل إلى شخص فاسد يسعى للتخريب فقط، بل يتم تكذيب كل العلماء وإنهاء العلوم من خلال هذه الهفوة!
ولهذا، بدقّة، يضع العلم قيود ذاتيّة صارمة لا حصر لها، ولولا هذا الأمر، لما كنا تمكنا من تمييز الصالح من الطالح علمياً على الإطلاق.
كمثال، عندما أقوم بالإعلان عن رأي مؤسّس على تجارب واختبارات، ستتساءل الناس، كيف عرفوا هذا؟
كيف اكتشفوه؟
وأيّة أدلة أو إثباتات عليه؟
بالضرورة، العلماء مُجبرون على تحقيق إختبارات وتجارب ووضع نتائجها، لتُرسَل إلى فريق بحث آخر، ليُصار إلى مُراجعتها وفحصها. يهدف كل هذا إلى تصفية الأخطاء الوارد حصولها وإنتاج أدلة موثوقة، كذلك، وضع إحصائيات تبين واقع الإختبار الموضوعي.
ورغم كل هذا، يمكن حدوث أخطاء.
حسناً، لا يمكن للعقائد الدينية أن تخضع لذات الرقابة التفصيلية المستخدمة في العلوم، بالنهاية، سنجد أجوبة مؤسسة على الإيمان فقط، عبر خبرة شخصية مستمدة مما يؤمنوا به، ويقع كل شيء آخر تحت المجهر العلمي.
تتناقض الكتابات المقدسة مع ما نمتلك من تفسير حول الكون وتطور الحياة على الأرض. قد تجد عند كل مؤمن طريقة للخروج من هذا التناقض.
وبهذا المعنى، يبني كثيرون طرقاً متوازيةً بين عقائدهم والعلم.
حسناً، أرى هذا ممتاز. لكن، الدين بطبيعته مُلزِمْ وتبشيريّ. كذلك، يرغب كثير من المتدينين بقطع طرق التحول، ليس للإلحاد واللاأدرية وغيرها فقط، بل الى مؤمنين بأديان أخرى (فهنا، في بلادي، هناك شهود يهوه، الإنجيليين والمورمون والذين لهم نشاط منظم) تسعى لجذبهم للطريق الصحيح عبر تقديم تفسيرات حديثة لذات الكتاب القديم، فقد ضلّوا الطريق وخالفوا وصايا الله.
من فترة وإثر موت مايكل جاكسون، عبّر أحد المتواجدين في المكتب حيث أعمل، قائلاً:
تختبر الروح الإحتفالية عملا معقداً، الآن.
ربما هي أفكار جديدة لدى مؤمنين متحررين حول السماء. فسألته وبصوت عالٍ:
وكيف تعرف ذلك أنت؟
فلقد تغيّر الجواب المتوافق مع الكتاب المقدس ومع الثقافة التقليدية دينياً ومع تربية الآباء والمسارات المختلفة المُهيمنة.
فأجابني، قائلاً:
"الحقيقة أنني لا أعرف، ولو أنني أشكّ بوجود شيء ما".
لقد منحني نوع من الرضى، الذي يمكنني الإستمتاع به وحدي فقط. هناك الكثير الكثير الذي لا أعرفه، وليس لهذا، سأعتبر تفسيره أو إجابته مُرضية لي، فلقد مرّ عليّ ما هو أصعب على التفسير، لكن، أفضل إنتظار الإجابة بإستخدام أدوات لدينا الآن.
أين هي المشكلة بهذا؟
خلال الأسابيع الأخيرة، قرأتُ بعض الإنتقادات الصادرة عن بعض رجال الدين للإلحاد الجديد (وللملحدين الجدد)، وذلك، دون خوف من النقاش بدلاً من تقديم إعتذارات لعدم الإيمان.
المُلحدُ، الذي يعيش في عالم، يحضر الدين فيه بأماكن مناسبة أكثر:
مساكن المؤمنين، الكنائس والهياكل، بعيداً عن الحكومة، وبعيداً عن القوانين والتعليم الحكومي.
هي قفزة خطيرة بمواجهة صيغتي التبريرية لعدم الإيمان وتسجيل إعجابي بهذا الأمر.
كلنا يعجبنا إكتشاف جماعات، تتحدث مثلنا ولا تطلب منها تقديم إعتذارات ولا تبريرات.
إن أحترم الآخر المؤمن؛ فلماذا لا أُحترَم كمُلحِدة؟
لكن، في عالم البشر، لا تبدو الأشياء بسيطة كثيراً.
فللدين المنظّم سلطة، سلطة قادرة على التدخُّل عبر قوانين، تفرض أفكارها أو بنودها على حياتي وقراراتي.
يقوم الدين بالتبشير والمطالبة بأخلاقيّات، لا يلتزم تابعوه بها في الغالب الأعمّ من الحالات؛ يُعرقِلُ كل ما إكتشفناه حتى اللحظة بإستخدام قصصه الغريبة حول العالم. فلقد علّم جاري إبنه بخلق العالم في 6 أيام واليوم السابع للراحة، وهي ليست مشكلتي، لكن، تبدأ المُشكلة بالنسبة لي، عندما أسمع ذات الرأي من قبل مدرّستي في المعهد!!
لنقم بإختبار بسيط.
تخيّل، كما حصل ذلك لمرات عديدة، ويتابع حصوله، التالي:
تغزو قبيلة متفوقة مدينتك وتسيطر على كل شيء وتقوم بفرض طقوسها المختلفة وآلهتها وذات التسميات المختلفة وصيغ أخلاقية جديدة. سيفرضون على الجميع صلوات جديدة، تعليم كتابات قداسية جديدة في المدارس.
نعيش نحن ملايين الأشخاص تحت وضع مشابه، سواء كنا ملحدين أو لاأدريين، وكذلك، يهود ومسلمين ومسيحيين تحت تسميات مذهبية مختلفة بأجزاء مختلفة من العالم كوننا لا ننتمي للدين المُسيطر.
فلدى حضور صلات قوية بين الدين والدولة، فكل من لا ينتمي لها، لن يشعر بأنّه يعيش في ظلّ حُكم صحيح.
إذا قبلنا بمبدأ حريّة التعبير، لن نتمكن، بالتالي، من السماح بظهور قوانين مؤسّسة على تفسيرات محددة من شخص محدد ومن كتاب بعينه فقط.
كما تحدثت مع أحد الأصدقاء، خلال ظهيرة صيفيّة حارّة، حول حاجتنا لمزيد من الحريات والعدالة، حينها تنفَّس الصعداء، وقال:
"يمكن للمتديّن، فقط، أن يفتخر بأنّه رجل كتاب واحد"!!
3.18. يرى المُلحدون بأنّ العذراوات يحملْنَ والنباتيين يأكلون الدجاج
"المُلحد، بالمعنى الدقيق للكلمة، هو ذاك الشخص الغير مؤمن بالإله (بجموع وجحافل الآلهة!) أو بالكائن فوق الطبيعي".
ريتشارد واتسون
"ما هو العصر الجديد؟ ببساطة، هو العصر القديم الموضوع في الفرن الموجي لمدة 15 ثانية!".
جيمس راندي
كاتبة المقال: المُلحِدة غلينيس آلباريث
مُنغلقة وباردة. آثمة ومُهرطقة. عدوانية وهمجيّة. إبنة الشياطين.
(كلام، يُطلقه المتعصبون دينياً على كاتبة المقال).
لم أستقبل تلك الشتائم والتوصيفات بالتخاطر أو من خلال نبيّ، كلا، فلقد قرأتها في رسائل نتيّة، لقد قالوها لي وجهاً لوجه، يتهموني بالدفاع الزائد عن حدّه عن أقليّات (الهبيين، المثليين جنسياً، الملحدين) أو لعدم إيماني بأيّ شيء (لا فوق طبيعي ولا خارق).
من المعتاد تلقي هذه الشتائم من أشخاص، فقدوا قسم جزئيّ أو كامل من القدرة على التسامح وغير الداعمين لمن يساند أفكاراً مختلفة.
يستحيل تأكيد أننا نوع حيّ لديه ذات الرأي.
في الواقع، تتحوّل قراءة كتاب المشهد الأخلاقي إلى نوع من التذكير الذي يُصعّب تجاهل هذا الواقع.
يحاول كاتبه سام هاريس إقناع قرّائه بمفهوم الرفاه، رفاه الجميع، ورغم اتفاقي مع تعريفاته للأمر، لكن، لا يتفق آلاف ملايين الأشخاص معه وليس من المؤمنين فقط.
في الواقع، هناك الكثير من المُلحدين الغير متفقين مع تعريفات هاريس، فهم مقتنعين بالنسبيّة الثقافيّة، ويرون أنّ الناس قد تتأقلم مع كل شيء، حتى عندما تقتل طفلات أزواجهن الكبار في السن لعدم تحملهم.
أنا واحدة بين الموتى
الأسهل هو التأقلم مع الأريح. لا تُعتبر الأفكار الجديدة "غير الطبيعية قليلاً" مُمتعة فقط، بل هي جرعة ذكاء عالية في تطور النوع وتحضر عند أقليّة، بالإضافة لمرافقتها للإلحاد، الحريّة وحتى حصريتها عند البشر. بكل تاكيد، من الصعوبة بمكان تبني تفكير أو نمط حياة مختلف عن ذاك الحاضر لدى الأغلبية، خصوصاً عندما تعرف بأنّك تساهم بجلب تناغم أكبر للجماعة، مع ذلك، التفكير المختلف ضروري لاجل التغيير والتحول، لهذا يتجذّر أكثر وأكثر.
"من المألوف تبني الناس الأذكى لخيارات (تفضيلات) وقيم متطورة جديدة.
مع هذا، لا يرتبط الذكاء بخيارات وقيم قديمة، قد تشكلت خلال ملايين الأعوام من التطور.
زوَّدَ الذكاء العام، ما يعني القدرة على التفكير وإجراء المُحاكمة المنطقية، أسلافنا بفوائد لحل المشاكل المستجدة، والتي لم يجدوا حلولاً فطريةً أو غريزيةً لها"، وفق شرح عالم النفس التطوريّ ساتوشي كانازاوا في مدرسة لندن للإقتصاد والعلوم السياسيّة.
"كنتيجة، تعرف وتتفهم ناس أذكى الهويات والأوضاع الجديدة، ففي كثير منها على خيارات وقيم وأنماط حياة".
بيّنت دراسات أخرى للعالم كانازاوا ومختصين بذات الموضوع وجود مؤشرات كبرى على ذكاء أولئك، عادةً، لديهم حياة ليليّة، بمعنى يستيقظوا ويناموا بوقت متأخّر، أيضاً، هم أسخياء، يهمهم رفاه الآخرين؛ حتى من لا تربطهم بهم علاقة.
في الواقع، كشفت دراسة محققة في الولايات المتحدة الاميركية، بأنّ المُراهقين ذوي المواصفات الإجتماعية، عادةً، لديهم معدلات ذكاء عالية (106) أكثر ممن يُعتبرون محافظين (95). حتى أنهم يرفضون أنواع محددة من الموسيقى. يحصل ذات الامر مع العقائد الايمانية.
يفسّر كانازاوا الامر، قائلاً:
"الدين مُنتِج ثانوي للإتجاه البشريّ لتصور وجود عامل مسبّب للحوادث. يرى المؤمنون (يد الله) متدخلة في الظواهر الطبيعية. يستحيل نسيان أننا ككائنات بشرية قد تطورنا لكي نهذي ونؤمن بالله، نحن مسكونون بالهذيان. لقد خدم هذا الإنحياز العفوي نحو الهذيان البشر بشكل جيّد، عندما تطلبت، المحافظة على الذات وحماية العائلات، التمتُّع بيقظة والقيام بحراسة. بيومنا هذا، الامر ليس هكذا، فواقعياً، يذهب الأطفال الأذكى بإتجاه معاكس للإتجاه الإيماني بالله ولهذا يصبحوا غير متدينين أو ملحدين".
يحصل الأمر ذاته مع الحصرية الجنسية للذكور. فهذه الظاهرة ليست هي ذاتها عند الاناث، حيث انه سواء بحالة تعدد الأزواج أو الزواج الاحاديّ، بالعموم، يجب حصر الأنثى للذكر، ولا يسير الأمر على هذا النحو مع الذكر.
بالتالي، حصرية امرأة واحدة فقط، هي خطوة إيجابيّة في تطور الإنسان، هو درب هام على مستوى الوظائف الرئيسية بالحياة، والتي تمثّلت بالتكاثر والبقاء على قيد الحياة.
بوقتنا الراهن، هناك أمور ضرورية وأهم أكثر.
فعليّاً، رأينا بأنّ الدماغ قد تطور بأجزاء، وأنّ نموّ القشرة الدماغية قبل الجبهية، قد حمل مزيد من الفوائد، لقد سمحت لنا بالتفكير بطريقة نقدية ومنطقية.
حصلت حوادث حيوية قد منحتنا فائدة حضور شبكة عصبية كالتي نمتلك، والذكاء أحد تلك الحوادث.
العام المُنصرم، درس فريق بحثي متعاون أميركي إسباني البُنى الدماغيّة للذكاء. فكّر العلماء بتلك الأسئلة (القضايا) المتصلة بالإدراك والمعرفة، من قبيل:
ما هو الذكاء؟
وكيف نقيسه؟
للإجابة عن هذه الاسئلة، قرّروا دراسة مرضى تشوهات دماغيّة، والذين قد خضعوا لإختبارات مُعامِل الذكاء.
وجدوا بأنّ الذكاء يتوزع، حيث لا توجد مناطق دماغية تحتكره بالمطلق، وبدقّة، يتوقف حضور الذكاء، بالعموم، على عوامل عصبيّة.
يفسّر أستاذ علوم الأعصاب رالف أدولفز في معهد كال التقني في كاليفورنيا الأمر، بقوله:
"لا يتوقف الذكاء العام على مكان محدد في الدماغ، بل يجب النظر بكيفية عمل الدماغ بالكامل. فعلياً، تنخرط مناطق دماغية وإتصالات متنوعة، يوجد "تكامل جبهي – جداريّ"، بالتالي، يتوقف الذكاء على أهليّة الدماغ، بالكامل، عبر تكامل عمليات متعددة مختلفة".
هو سوء حظّ، ألَّا تُنتج التربية والتعليم إنساناً عقلانياً.
فعلى الرغم من النمو الهام بالمعرفة العامة، تعتقد نسبة 51% من حملة الشهادات الأكاديمية بالتخاطر مقارنة مع نسبة 29.6% من ناس دون تعليم.
فعلى ما يظهر، فإنّ الذكاء العام والفضول نحو ما هو جديد، أحياناً، أكثر أهميّة من التربية والتعليم.
خصوصا أنّ الفكرة الجديدة، ربما، تصير غير مرغوبة، حيث تشعر الناس بعدم الإرتياح تجاهها.
يفضل البعض التفكير بأن الحبّ شأن ساحر؛ بأنّ هناك حياة أخرى لا وجود للموت ولا للإنقراض فيها؛ بوجود النفس والروح. فمن المقبول الإعتقاد بهذه الأمور أو ببعضها، بالنسبة للكثيرين، بشرط، عدم الإهتمام بأيّ جديد يحثّ على التفكير. هناك من يُصرّ على إعتبار الملحدين "مجموعة من المؤمنين" أو "ذوي إعتقاد" من باب أننا كلنا سواء على هذا الصعيد! ألا يكفي أننا كلنا سواء كبشر؟ وليؤمن أو لا يؤمن كل فرد منّا.
بالنسبة لي، إعتبار الملحد مؤمن:
عبارة عن أمر خياليّ أو وهميّ، هو نظير اعتبارنا الشخص النباتيّ كآكل للحم الدجاج أو بانّ العذراوات يحملن!!
ليس فوق طبيعي ولا خارق
دون نوافذ مفتوحة
يتأسَّس التقدُّم على العلم. تعرف الناس وتتحرّك في العالم مستخدمة أشياء متغيرة على نحو مضطرد.
طوَّرنا الكهرباء، واليوم، لدينا عدد غير محدد من الأجهزة المؤسسة عليها، نستخدم الهواتف بأنواعها والتي تشكل بيومنا هذا جزء من عالمنا الروبوتيّ، نبتكر السينما ونتصفحها بصيغ مختلفة، حالياً، من الإنتاج وطرق رؤية المادة الجاهزة، يمكننا إعطاء الكثير من الأمثلة لعدد لا نهائي من الفروع، مثل الطبّ الذي يمدنا بعلاجات جديدة لأمراضنا. يحرك التقدم العلمي حضارات ويغيرها، ليس آلية مثالية كاملة، بالنهاية، فهو خاضع للبشر وتحكمهم، لكن، هو الأفضل لنعرف أنفسنا ونحاول العيش بشكل أفضل ونحن نستخدمه كل الأوقات.
مع هذا، يُغادر كثيرون منّا الأديان دون امتلاك معرفة علمية.
فلقد وصلت الخبرة بالآلهة "إلى حسّ عام" ناتج عن دراسة وتحليل الأديان، التي ملأت العالم وعكست قدرة البشر على الإبتكار والخداع (خداع النفس).
لكن، يُخطِّيُ كثيرون آلهة محددة لفرض صحّة آلهة أخرى، لهذا، أمسى إكتساب المعلومة المُجتزأة أو الخاطئة بالغ الأهمية، لناحية التصدي والتعرية.
ملحوظة: جرت ترجمة بعض أفكار المقال الطويل، لا كلّه. لا يؤمن المُلحِد بالعلم ولا بالتطوُّر ولا بأيّة شخصية ولا أيّ كتاب:
هو غير مؤمن بأيّ وبكل شيء!
يقبل ما هو مُقنِع حتى لو صدر عن المؤمن!
وعملية الإقتناع نامية متغيرة وليست ثابتة.
العلم ليس مثاليّ لأنّ الإنسان، صانعه، هو كائن غير مثاليّ!
هل يتجرأ المؤمن بأيّ إله أو دين التعامل مع منظومته العقائدية على هذا النحو؟
مع التشديد، من جديد، أن العلوم ليست منظومة عقائدية لدى المُلحِد!
4.18. تهافت تعبير "أخطاء علمية" في الكتاب المقدس والقرآن
قبل أن ندخل في الموضوع، من الضروري تحديد ما هو "الخطأ العلميّ"؟
وقبل ذلك علينا معرفة ما هو "الخطأ"؟
يُطلَقْ فعل أخطأ (الماضي من يُخطيءُ، والاسم المُفرد خطأ وجمعه أخطاء) على تسبُّب شخص بحدوث خلل ما بشيء محدد.
إعتباراً من هذا التحديد للخطأ، نجد معنى "الخطأ العلميّ" هو التسبُّب بإحداث خلل ما في بحث علميّ أو في نطاق علمي محدد واضح.
علماً أننا نقول يوجد خطأ لغويّ، خطأ إملائي، خطأ مطبعي، خطأ كتابي، وغالباً، ما تحدث هذه الأخطاء في نطاق التحرير والكتابة بشتى أنواعها.
في الطبّ، يوجد أخطاء طبيّة. في الكيمياء، يوجد أخطاء كيميائية، ....الخ.
لماذا يُعتبر تعبير "أخطاء علمية في القرآن وفي الكتاب المقدس" متهافت؟!
ببساطة، لأنّ الكتاب المقدس والقرآن: ليسا كتابين علميين ولا يحتويان على نتائج أبحاث علمية!
نعثر على خطأ علمي في بحث علمي أو في سياق إجراء تجربة علمية.
الخطأ العلمي، إنسجاماً مع تعريف الخطأ أعلاه، يقوّي البحث ويُستفاد منه بالتصويب، ففائدة الأخطاء بالحقل العلمي هائلة!
في حين يرمي مستخدمو تعبير "أخطاء علمية في القرآن وفي الكتاب المقدس" إلى تسخيف هذين الكتابين فقط!
وهذا عدا أنه لا ينسجم مع النقد الموضوعي، فهو يقفز على واقع موضوعي، هو زمكانيّة كتابة الكتاب المقدس والقرآن وتناسب معلوماته مع المعلومات السائدة بتلك الحقبة، والتي اعتُبِرَت صحيحة 100%!
بالتالي، من الأفضل تبيان خلل الأفكار العلمية، التي أوردها كتبة الكتاب المقدس والقرآن، بناءاً على مستجدات البحث العلمي.
بناءاً على ما تقدّم:
هناك فارق بين تصيُّد الأخطاء خارج سياقها بغرض التشهير أو التحقير وبين إكتشاف أخطاء والعمل على تصويبها أو الإشارة لها على سبيل المعلومة الواجب تصويبها على الأقلّ!
مثال عملي
سورة الرعد، الآية 3
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
سورة الحجر، الآية 19
وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ
حين أنتقِدُ آيات القرآن التي تتحدث عن "الأرض المسطحة" بوصفها خطأ علمي قرآني، وأنا مُلحِدْ ومُقتنِعْ بأنّ القرآن كتابة بشرية وليس وحياً إلهياً؛ ولا يشكّل نص علمي؛ بل عبارة عن مجموعة من القصص التي تذكر بعض الأخبار أو الأفكار العلمية السائدة فترة كتابتها أو فيما قبل! فالمصيبة ستكون أكبر!
ما هو مصدر كَتَبَةِ القرآن العلمي حول سطحية الأرض؟
ببساطة، المصدر هو بطليموس!
فكل من درس التاريخ القديم، قد لاحظ هذا، وهذا عيّنة من المعرفة الربّانية، المستوحاة من بطليموس، الذي اقترح بعض تلك الخلاصات في نموذج مركزية الأرض (القرن الثاني ميلادي، قبل أربع قرون من ظهور الإسلام – وبقيت تلك الفكرة صامدة إلى أن اقترح كوبرنيكوس نظريته حول مركزية الشمس).
أسس كَتَبَةُ القرآن تلك الطروحات المتعلقة بالشمس والقمر والأرض على نظريات معروفة بوقتهم، كالتي كتب عنها بطليموس كما أشرنا أعلاه، وأضافوها إلى كتابهم المقدس، وترد على لسان الله دوماً. بحيث مزجوا بدقّة بين المعارف المعاصرة (القرن السادس ميلادي، عندما تأسس الإسلام) والقصص الأسطورية المتوفرة في الكتاب المقدس وفي القرآن.
19. حول الأخيار والسعداء
هل يمكن إعتبارك خيِّراً، دون أن تؤمن بالآلهة؟
نعم، بالطبع يمكن للواحد منّا أن يُعتبر خيّراً، رغم عدم إيمانه بالآلهة.
وشرّيراً؟
طبعاً وشريراً.
كذلك، خيّر وشرير بذات الوقت، فهذا ما يحدث مع غالبية الناس.
نرتكبُ كلنا، آمنا بالآلهة أو لا، شروراً أحياناً، نفعل أشياء مؤذية للآخرين.
لكن، كذلك، نقوم كلنا، آمنا أو لا بالآلهة، بأشياء خيّرة مع الآخرين.
هذا هو الواقع المُعاش، برأيي المتواضع.
مع ذلك، يرى أشخاص متدينون بأنه يجب تعليم الصغار العقائد الدينية، التي تدعو للإيمان بإله واحد (انتباه! إله، قد علمتهم عائلاتهم على الإيمان به، لا آلهة أخرى) كي يتمكنوا من تمييز الخير من الشرّ.
هم على قناعة، عن حسن نيّة، بأن الصغار يحتاجوا لتعليمهم الحبّ والخوف من إلههم، كي يسلكوا بصورة حسنة.
أرى أن هذا ليس صحيحاً.
رغم وجود أشخاص أخيار أو أشرار بشكل كامل، فلا يشكّل هذا قاعدة بأيّ حال، ففي كثير من الأحوال، يوجد نماذج خيّرة وشريرة بين المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء.
وهو ما تعكسه كلمات ترنتيوس بشكل دقيق:
"أنا إنسان، لا يخفى عني شيئاً مما هو إنساني".
أو كلمات ميشيل دي مونتين:
"يحمل كل كائن بشريّ في داخله كامل صيغة الشرط الإنساني".
لكن، في التصوُّر الشعبوي، يُرافق، للآن، مصطلح الإلحاد غياب المباديء والقيم.
هي قناعة اجتماعية راسخة منتشرة على نطاق واسع، وتعتبر أن الاخلاقيات حقل يتم تعليمه بشكل أفضل عبر الدين.
يرى كثيرون بأنه يجب تثقيف الصغار دينياً:
كي يصبحوا أخياراً في كبرهم.
بحسب وجهة نظري، هذا هو السبب الأساسي الذي يجعل كثيرين، سيما من الآباء، وخصوصاً في أورويا، يتمسكون بالتديُّن ولو إسمياً أو شكلياً، رغم عدم إيمانهم بالألوهيات ولا في عوالم أخرى تنتظرهم بعد الموت.
حتى في تلك العائلات ذات الإيمان الخفيف وغير الممارسة للطقوس الدينية (إلا في مناسبات خاصة جداً)، يرون الدين كجزء حيوي من تعليم الأبناء.
لا أرى الأمر على هذا الشكل.
لا أتفق مع أولئك الأشخاص.
أرى بأنه ليس ضرورياً الإيمان بالآلهة:
كي نعرف الخير من الشرّ.
فكما أشرتُ سابقاً، يمكن للبالغين تعليم الصغار الأخلاقيات الأساسية مثل عدم القتل، عدم سرقة الآخرين، قيم إيجابية كالصدق، اللطف، الحنان، الرحمة، التشاعر مع باقي البشر دون التطرُّق إلى الإيمان بالآلهة.
هي نقطة مركزية، ومن خلال خبرتي، أعرف بوجود آباء غير متدينين ولا يؤمنون بالآلهة، لكن، يرون بأنه يجب تعليم التصورات الأخلاقية الدينية للصغار، كي يصبحوا بالغين صادقين ويعيشوا حياة فاضلة وصالحة.
برأيي المتواضع، يوجد كثير من الأشخاص، في البلدان الغربية، المتفقين مع رؤية الروائية أوكتافيا بوتلر، حين تقول:
"يمتلك الدين مخاطره، لأنه قد يُستعمَلْ بشكل سيء، أو يمكن التملُّص منه بسهولة، لكنه يفيد لإبقاء الناس على الطريق الصحيح".
كما أشرتُ سابقاً، فأنا لا أتفق مع هذا الطرح.
أقتنع - نتيجة إختباري للأمر شخصياً في كل وقت عندي وعند غيري - بأنه من غير الضروري الإيمان، لا بآلهة ولا بحيوات أخرى، كي تعيش كشخص أخلاقيّ.
يمكن أن تعكس ما يُفهَمْ منه كطفل صالح - وبالغ صالح - دون إمتلاك أيّ إيمان ألوهي.
كما عبّر، بشكل ممتاز، المذيع والموسيقي والملحن ستيف آلين، بقوله:
"ليست قسوة قلب ولا أحاسيس خبيثة، تلك التي تقود أفراد إلى الإلحاد، بل الصدق الفكري الصارم هو ما يوصلهم إليه".
من جانب آخر، لا يحتاج واقع قدرة البشر على العمل بشجاعة، إظهار الرحمة، إمتلاك سلوك إيثاريّ وأخلاقيّ، بالضرورة للقول بأنه كله يأتي من تعاليم إلهية وصلتنا عبر أنبياء أو طبعتنا كأفكار غريزية.
يكفي الانتقاء الطبيعي لإيضاح الإيثارية، الرحمة، السلوك الأخلاقي والشجاعة، كفوائد منتقاة تساعد على نقل جيناتنا، الحفاظ على بقائنا على قيد الحياة كأفراد وجماعات بشكل مجدي أكثر.
كذلك، هل من المريح القيام بأشياء صحيحة، خوفاً من إله قادر على كل شيء، وخوفاً من عقابه بالتحديد فقط؟
أليس من الأفضل أن نتمتع بالحكمة؟
اعتبر باسكال بأنه لمن الغباء أن لا تؤمن بوجود الله. برهن على هذا، على الرغم من أن براهين وجوده غير قاطعة، بوجوب الإيمان، لأنّ ما نربحه هو أكثر مما نخسره. سيؤدي الإيمان بالله واتباع قواعده، حال وجوده، للفوز بالجنّة؛ في حال عدم وجوده، لن تخسر شيء. سيقود عدم الإيمان بالله، إن يكن موجوداً بالنهاية، إلى الجحيم؛ وإن يكن غير موجود، فلن تربح شيء (ولا حتى الشكر، حيث لن ينتظرك أحد، ليقول لك: كان معك حقّ!). كان باسكال، بالإضافة لكونه عبقرياً في الرياضيات، شخصاً حذراً. لكن، موقفه، برأيي المتواضع، خير مُعبِّر عن موقف أخلاقي.
أرى بأنّ إنتظار تلقي شيء مقابل فعل أو تقديم شيء ما، هو أمر غير جيد أخلاقياً.
لا يجب التصرُّف بشكل صحيح:
لأنّ الله موجود، بل يجب أن تدفع مباديء كل شخص، لأن يسلك جيداً.
حتى لو كانت الآلهة غير موجودة، حتى في حال عدم انتظارنا لحدوث شيء بعد الموت، كما قد يحدث فعلاً، فهذا، لا يسمح لنا بألاّ نقوم بواجباتنا، أي أن نسلك بصورة أخلاقية.
كذلك، لا يتسم موقف الله، الذي آمن باسكال به، بالمعقولية.
إله، يمنع كل شخص لا يعبده من دخول الجنة، كما أنه ينشغل بالتفاح أكثر من انشغاله بأبنائه، كما قال دوني ديدرو.
إمتلاك الآلهة المخلوقة من قبل البشر لمزايا بشرية هو أمر مفهوم، كما نوهنا سابقاً.
نحلل رأي كثيرين من ذوي النوايا الحسنة، الذين يعتبرون بأنّ الصغار، دون دين، لن يتمتعوا بحياة أخلاقية مستقبلاً.
هل نحن على ثقة من إعتبار الكتب المقدسة كدليل مسلكي ممكن لأبنائنا؟
أرى بأنها تحتوي على تعاليم خرقاء، وتعاليم أخرى مليئة بالحكمة - ويعود هذا إلى إسهام عدد هائل من المؤلفين والمصادر القديمة في كتابتها، وأيضاً قد تغيرت وجهات نظرنا حول الكثير من الأشياء -.
يقصُّ سفر التكوين حكاية امرأة لوط. لا أستطيع تقديم اسمها لأنه غير متوفر في العهد القديم. بكل ثقة، في زمن ظهور تلك القصة، لم يسمح أحد بالمعاملة بالمثل بين الجنسين. فلهذا، عُرِفَتْ المرأة بأنها امرأة لوط فقط. حوَّل يهوه هذه المرأة المسكينة إلى تمثال من الملح بسبب عدم خضوعها لتعاليم الملائكة والعودة إلى سدوم خلال عملية الفرار منها. من الواضح أن القصة تفتقد لأيّ هضامة، ولا يوجد تناسب بين الخطأ والعقاب.
مع هذا، يستخدم لوقا هذه القصة كمثال، يقدمه يسوع:
"لتذكروا امرأة لوط!".
كذلك، يبين لنا لوقا بأنّ الغاية من هروب سكان سدوم، لم يكن أمراً تطهيريّاً في جوهره، بل شكّل عملية إظهار للخضوع لله بإعتباره فضيلة "أرسل الله مطراً محملا بالنار والكبريت ورآه الجميع".
حسناً، في أيامنا هذه، لا أرى أن أفضل الوسائل تقوم على تعليم الأطفال الخضوع للبالغين وإحترام القواعد. سيما إن يتم تناولها كحقائق صحيحة، إن يتم تداول شيء ليس أكثر من قصص بسيطة، وصلتنا من حضارات قديمة.
تقول إحدى القصص، التي ترويها أديان التوحيد الثلاثة (موجودة في سفر التكوين في الكتاب المقدس)، بأن ابراهيم كان على وشك ذبح ابنه بالسكين وحرق جثته بناءاً على أوامر إلهه.
لم ينفذ الأمر، ففي اللحظة الأخيرة، ظهر ملاك له وعرض عليه خروف ليضحي به بدلا من ذبح ابنه.
فيما لو يحكيها اليوم أحد، على محل الجدّ، (وقد قدموها لي حينما كنت صغيراً كمثال إيجابي على الخضوع لله)، سنتصل بالشرطة مباشرة! والتي بدورها ستتكلم مع قاضي مسؤول عن صغار السنّ وأخصائي نفسي سيهتم بالأب ومساعد اجتماعي ونفسي لتقديم العون للطفل.
يبدو أنّ ما شعر الطفل به (الذي يسمى إسحق في الكتاب المقدس وإسماعيل في القرآن) لدى وضع السكين على رقبته، لم يكن مهماً في ذاك الزمن؛ يوجد من يرى بأنّ هذه القصة تحتوي على أشكال من السلوك النموذجي، حتى الآن.
عبّر أستاذ الكيمياء الحيوية إسحق عظيموف، المشهور بكتبه الخاصة بالخيال العلمي، عن هذا بقوله:
"لا يوجد ما يدعم الإلحاد أكثر من القراءة المتأنية للكتاب المقدس".
لكن، لا يقتصر الأمر على التنويه لدور الكتب الدينية المستخدمة لتعليم الأخلاقيات لأبنائنا، بل كذلك، يمكننا التشكيك بدور المعلمين.
تساءل الكاتب البيرواني مانويل غونثاليث برادا، مطلع القرن العشرين، عن الأشياء التي أمكن تعليمها للشبيبة بمختلف العقائد الدينية:
"لأجل تعليم الهندسة، نبحث عن مهندسين. لأجل تعليم الطب، نبحث عن أطباء. مقابل ذلك، لأجل تثقيف أشخاص يسعون لبناء عوائل والعيش في مجتمع، فهل نختار أفراد لا يعرفون كيف يحبون امرأة، ولا طفل. كيف يمكن بناء أشخاص مفيدين لأقرانهم وهم يعتزون بالإنتماء للسماء لا إلى الأرض؟ ما الذي يعرفه مُشوّه الحب (الحبّ الزوجيّ، برأيي المتواضع) عن المشاعر البشرية؟".
كذلك، يصعب عليّ قبول قادة دينيين بوصفهم مرشدين أخلاقيين في أيامنا كما في الماضي.
يُعتبر قانونياً في 21 ولاية أميركية قيام الأساتذة بضرب الطلاب بالعصا والتسبب بظهور الكدمات بأجسادهم حتى، على سبيل المثال.
ليست محض عقوبات مقوننة فقط، بل يجري تطبيقها.
يهيمن اليمين المسيحي المحافظ على هذه الولايات.
هل من المفيد للطفل إخضاعه للآلام الجسدية، كي يطور قدراته ومشاعره ويحسن سلوكه، كما يدعي قادة دينيون أميركان؟
هي قناعة اجتماعية سائدة، تلك التي تعتبر أنه يجب ربط الشؤون الأخلاقية، أمور الشرّ والخير، بنظرة دينية حصراً.
مع ذلك، أرى أنه يمكن شرح جوانب أخلاقية للصغار، هي كونية الطابع في يومنا هذا:
دون الحاجة للتطرُّق إلى عقائد ألوهية.
مثل اللطف وتقديم العون للآخرين، وهذا يُجمِّل حياة الآخرين وحياتنا.
وتقديم العون أجمل، لدى توجيهه للغرباء (وأتفق هنا مع كانط، الذي أكَّدَ على أنه لكي يُعتبر فعل ما أخلاقي: يجب أن لا يمتلك أيّ بُعْدْ مصلحي).
وحين لا نتمكن من القيام بأعمال لا تحقق السعادة دوماً لنا، فلا يجب أن تسبب الأذى للآخرين ولنا.
أو يجب إحترام الحقوق الأساسية للآخرين من البشر، والصغار منهم، إحترام حقهم بالاعتقاد، إحترام رغباتهم وآرائهم.
يجب أن يتمكن كل فرد من القيام بما يحلو له، طالما أن فعله لا يؤذي أحداً.
كما عبّر جورج برنارد شو، حين قال:
"لا تفعل مع الآخرين، ما ترغب بألا يفعله الآخرون معك، فربما لديهم أذواق مختلفة عمّا لديك".
يمكن قول هذا بكلمات أخرى:
من الأفضل طرح الأسئلة مسبقاً دوماً.
برأيي المتواضع، يتمثل الفعل الأخلاقي بعمل الأشياء بشكل جيد، وبشكل مستقل عما تقوله الأديان في هذا المنحى.
بصورة معاكسة، تعلم الأديان في كثير من الأحيان القيام بما تقوله دون طرح أي تساؤل حول طبيعته كخير أو كشرّ.
كما قال الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل ستيفين وينبيرغ:
"مع أو دون أديان، في العالم هناك ناس خيّرة وناس شريرة، لكن، كي يقوم الأخيار بعمل أشياء شريرة: فينقصهم الأديان فقط".
بإيجاز، يشكّل عدم القيام بأفعال، لا نرغب بأن يقوم الآخرون بها معنا، بالإضافة للقيام بما يرغب الآخرون به:
قاعدتين متواضعتين يمكن فهمهما من قبل جميع الصغار.
لا يتمكنوا من فهمها فقط؛ بل كذلك، يتمكنوا من تطبيقها في حيواتهم وفي تعايشهم مع الآخرين، دون الحاجة لغرس أية إعتقادات بعوالم أخرى بأذهانهم.
لا نحتاج كبشر:
للآلهة كي نصبح مستقيمين، فنحن لدينا وعي.
أخيراً، الطيب، كما الخبيث:
صعب التحديد.
لكن، من السهل التعرُّف عليه.
نعرف كأشخاص، متدينين أو غير متدينين، كيف نقدّر الطيبة دون الخشية من وقوعنا بالخطأ.
1.19. هل يمكن أن تعيش سعيداً، دون أن تؤمن بالآلهة؟
بالطبع يمكن.
يوجد كثيرون، لا يتبعون أيّ دين، لكن، هم سعداء جداً ويسببوا السعاده للآخرين حتى.
كذلك، يوجد الكثير من المتدينين السعيدين.
وكذلك، يوجد ملحدون عابسون، لا يجيدون الإبتسام كثيراً.
كذلك، يوجد ناس متدينة لا تضحك أبداً.
يبدو لي أن السعاده والإيمان بالآلهة:
كشيئين، لا توجد علاقة لصيقة بينهما.
لكن، رغم أن كثيرين، يعتبرون أنه يمكن لشخص أن يعيش سعيداً دون إيمان ديني، فكذلك، يعتبر كثيرون بأنّ إلههم ضروريّ لإضفاء المعنى على كل شيء، كي يرشد سلوكهم وكي يشعروا بالسعاده.
يعتقدوا أنه بلا إله، يشرف على أفعالهم كأب لكل الأشياء، لن يتمكنوا من عيش حيوات ذات معنى.
ولنا من قصّة روبرت إنغرسول - الشهير بدفاعه الكبير عن اللا أدرية خلال القرن العشرين - عبرة، عندما تحرر من تأثير أبيه الراهب المشيخي المتعصب.
حيث يصف انغرسول ما شعر به، قائلاً:
"عندما انتبهت إلى أن كل الأرواح والآلهة، قد كانت عبارة عن أساطير، أحسستُ بمشاعر وفرح الحرية. كنت حراً، حراً بالتفكير، بالتعبير عن أفكاري، بأن أعيش أفكاري، بأن أفعِّل كل قدراتي، بأنّ أطلق العنان لخيالي، بأن أبحث، أن أشكّك وأحلم، بأن أحاكم وأحدد بنفسي، أن أرفض كل العقائد الهمجية وكل عوائق الماضي، من كل من اعتقدوا أنهم مختارين، من المقدس، من الخوف بالعقاب الأبدي، من الوحوش المجنحة الليلية، من الأشباح، من الشياطين والآلهة!!".
وفق ما أراه، تدفعنا أفعالنا وأفكارنا، جميعاً، إلى البحث عن الرفاه بصورة طبيعية، رغم عدم إيماننا بالآلهة.
ربما مزايانا وظروفنا الشخصية، هي التي ستجعلنا نعثر على السعاده بلحظات معطاة.
من يلاحظ العالم، فلن يتحدد بالتأمل فيه فقط، بل هو هو يُبنى في دماغه أيضاً.
سيعيش الشخص سعيداً تبعاً لكيفية إدراكه لمحيطه، ويتغذى هذا الإدراك من خبراته الشخصية المعرفية، لكن، كذلك، من المشاعر والأحاسيس.
بكلمات أخرى، تؤثر الأشياء بنا بذاتها كما الآراء التي نتبناها حول الأشياء.
ما يقال عنه حالة مزاجية:
يُعتبر دخان دون نار في كثير من الأحيان.
سيحاول الشخص السوداويّ تبني آراء ذاوية حول الأشياء، وبشكل مستقل عن إمتلاكه لرؤية دينية للعالم أو لا.
وننزعج جميعاً، صوفيين وغير صوفيين، حين نشعر بالإستهزاء بنا، يبدو هذا كاللحظات التي تتلبد السماء خلالها، لحظات نبدو خلالها حزانى ونعاني من الإنفعالات.
وبشكل معاكس، نستمتع جميعاً بلحظات فرح، وحتى قد تغزونا النشوة لأيّ سبب.
كما قال سينيكا:
"ستلاحظ إنتقال الرجال، خلال وقت قصير، من تقلصات الإبتسام إلى تشنجات الغضب".
منذ بضع سنوات، سمعت ملكة انكلترا وهي تتحدث في خطاب ميلادي، وقد تفوهت بفكرة أحسستُ أنها تمسني شخصياً. قالت أنه بحكم ظروفها الشخصية، فقد توجب عليها التعاطي مع آلاف الأشخاص بمرور الوقت. حسناً، بين كل أولئك الأشخاص، اكتشفت أن الأكثر سعاده بينهم قد امتلكوا ميزة مشتركة، تمثلت بتخصيصهم لجزء هام من طاقتهم وأفكارهم ووقتهم للآخرين.
بكلمات أخرى، كانوا من طبيعة إيثاريّة.
لم يكن الأمر سيئاً في فترة ميلادية، أي نسيان المشاكل الشخصية والإهتمام بشؤون الآخرين كوسيلة تجعل الواحد منّا سعيداً.
إشارة دائرية مباركة.
يُكرِّسْ كثيرون بعض جهودهم لأجل الآخرين، دون إنتظار مقابل، من خلال أنظمة وحركات دينية.
لكن، كذلك، يقوم أشخاص، لا يؤمنون بالآلهة ومن خلال منظمات علمانية، بهذا الأمر.
وسيكون، كل هؤلاء، سعداء للقيام بهذا العمل الخيري لدعم الآخرين المحتاجين.
أنا على قناعة بأنّ ربح المجد الأبديّ، ليس بين الأسباب، التي تدفع إيثاريين لادينيين للقيام بعمل خيريّ.
سيقدموا العون للآخرين كي يصبحوا بوضع أفضل فقط، وبهذا، سيشعرون بأنهم بحال أفضل هم ذاتهم.
إيثار أناني، بعيداً عن التناقض الظاهري، متبرعين ومستقبلين للتبرع، سيعيش الجميع في حالة من الرفاه.
فيما لو يعمل أحدنا أشياءاً تجعله فرحاً، فيمكن أن يشعر بسعادة بالغة، سواء آمن بالآلهة أو لا.
يبدو أن هذا ذو معنى.
توجد قضيّة أخرى، هل يصبح عالمنا أكثر سعاده دون حضور عقائد دينية؟
لا أعرف.
ربما لا.
لكن، لا شكّ بأن العالم سيصبح أفضل في غياب المتطرفين الدينيين، الذين يهيمنون في مناطق كثيرة من هذا العالم وحتى ضمن مناطق، قد ظننا بأنها قد تخلصت منهم.
لا شك أن مئات ملايين الأشخاص سيعيشوا بسعادة أكثر في غياب ذاك النوع من الهيمنة وحتى من خلال قراءة كتاب مختلف عن الكتاب الوحيد الذي يفرضه دينهم.
لسوء الحظّ، يمنع التعصُّب التعاطي مع شأنين، هما:
الأول، وجود كثير من الكتب التي تحتوي على الحكمة؛ الثاني، لا يتصف كامل محتوى الكتب المقدسة بالحكمة، وليس جديراً بالثناء أخلاقياً.
هم عبارة عن أشخاص لا يرون ما وراء الأسوار الذهنية، التي بناها آخرون لهم.
الناس السعيدة ليس لديها:
ميولاً تخريبيةً عادةً.
يتمتع عدد غير محدود من الأشخاص بعقائدهم الدينية وينقلون هذه المتعة لأقرانهم. هو أمر مثير للتقدير ورائع.
دون نسيان ما يتسبب المتطرفون به، أينما حلوا، من بؤس للآخرين.
فكما أن هناك مؤمنين ينقلون الفرح للآخرين؛ هناك مؤمنين يتسببون بالمتاعب والحزن للآخرين بعقائدهم الدينية.
ولو أنه لا يجب أن نقسو بأحكامنا عليهم، فإذا نشروا الألم في محيطهم، فلأنهم ذاتهم ليسوا بسعيدين.
ويشكل هذا تعاسة، سببها الأهمّ عقائدهم الدينية - القمعية، الخانقة، المستبدة - ويتلقونها، بدورهم، من مسؤوليهم الكبار، الذين بدورهم، ورثوها من غيرهم.
وهكذا تتشكل سلسلة جيلية ذميمة، لا نعرف كيف يمكن كسر حلقاتها، إن لم يحدث عبر تعليم وتربية الصغار.
من خلال التربية والتعليم؛ وليس عبر التعليم التحفيظيّ لعبارات قاسية.
يبدو أن الحل الوحيد، سيتمثل بالكفاح الثقافيّ، وفق ما يستطيعه كل واحد منا، والمقصود هنا هو مكافحة أيّ تطرُّف:
ثقافياً، والدفاع دون قيود عن الحريات الدينية، وعدم السماح بإحلال المزاعم مكان الشروحات العقلانية.
باختصار، عدم التنازل عن مكتسبات جرى تحقيقها.
توجد قضيّة أخرى. فكما أشرتُ سابقاً، يبدو أن الشرط الضروري لتعيش سعيداً أن تصبح متنعماً بما أنت عليه وبما تعتقد.
حسناً، هو شرط يحققه كثيرون، أتقياء وغير أتقياء دون تمييز.
يبدو لي أن الشخص الذي يتمكن من الحفاظ على سكينته في ظلّ أيّ ظرف، سيبدو أكثر سعاده.
هل يُعتبر المتدين أهدأ وأكثر استقرار، بحيث يُعتبر هذا قاعده؟
رغم توقف هذا، في الغالب، على مزاياه، بشكل مستقل عن إيمانه أو لا إيمانه:
أرى بأن المؤمنين أكثر هدوءاً، إن يعمل الخداع الذاتي لديهم فقط، ولا تحدث أزمات إيمانية متكررة لديهم.
في حال معاكس، يتحول إيمانهم، برأيي، إلى نوع من العذاب.
حينما يحدث الإنتقال من اليقين إلى الشكّ والعكس بالعكس.
فكما قال ألفريد دو موسيه:
"خيَّمتْ روح الشكّ على رأسي، وانتهت لتصل إلى عروقي كقطرة من السمّ".
يُزرَعْ كثير من اليقينيات الدينية بقوة الصلوات، صلوات يُفرَضْ تكرارها على المؤمنين أنفسهم لدرجة الإنهاك، كنوع من التكفير عن إمتلاك الجرأة للتشكيك بآلهتهم.
هل يشكل هذا سعاده؟
على الأرجح هو إنهاك ذهنيّ.
فيما لو يصل اليوم الذي تنهار فيه عقائدهم، فسينهار معها إستقرارهم الإنفعالي بشكل كامل، لأن إيمانهم، قد شكّل قطباً رئيسياً في الإخضاع.
السعاده ليست ثابنة أو مستقرة، كما نشتهي أحياناً.
الانتقال من لحظات فرح إلى لحظات حزن:
هو أمر لا يمكن تفاديه.
هذا الأمر كحالات المد والجزر البحرية.
لكن، وبأيّ حال، وبحسب حوادث حياتية، يتغير مزاجنا كثيراً، وأرى بأنه لا يجب إستغراب حضور التقلُّب في الإعتقادات الدينية.
في عمق إدراكهم، يعرف الكثيرون بأن الأمل بحيوات أخرى ليس له أدنى موثوقية - إلا إذا اشتغل الخداع الذاتي، الذي ذكرته سابقاً.
مع ذلك، وتأسيساً على الخبرات المكتسبة من علاقتي بكثير من المتدينين، يمكن أن تحضر الشكوك بصورة أو بأخرى -.
فيما لو يكن الإيمان قويّاً، تبدو ردة فعل المؤمن على التعلقيات الشكوكية، أو على الأسئلة الفضولية:
عادة هادئة ويحاول تقديم التفسيرات الدينية بلطف.
فيما لو يكن الإيمان كفرض ذاتي، فسينهار المؤمن بمواجهة أيّ تساؤل ويعبر بصورة إنفعالية على ما يعتبره قلة إحترام، قد تحدثنا عنها سابقاً.
يتصور المؤمنون المتزعزون أيّ تشكيك بعقائدهم كتهديد.
ربما يغطي الغضب خوفهم من إمتلاك الملحدين لوجهة النظر الصحيحة.
"دون اعتقادات دينية بحيوات أخرى، كيف كنا سنواجه الخوف من الموت، موتنا وموت الأقربين؟
كيف يمكن ملء هذا الفراغ؟
كيف يمكننا امتلاك السعادة في حال عدم وجود شيء هناك؟"، هذا ما سمعته مراراً وتكراراً من أشخاص يجادلون في هذا الموضوع.
لقد أجاب جورج برنارد شو4 على تلك التساؤلات، وإن يكن بشكل جاف، لكن، لديه كل الحقّ برأيي:
"القول بأن المؤمن، هو أكثر سعاده من المتشكك، يكافيء القول: بأن السكران أكثر سعادة من الصاحي".
بالنسبة لي، أرى الموت كما رآه أبيقور، فلا يشكل الموت شيئاً للشخص ذاته، فحينما نعيش كأحياء، لا حضور له. وعندما يحضر الموت، فلن نتواجد أو نعيش نحن ببساطة.
بكلمات أخرى، عندما نموت لن نعرف بأننا موتى.
تساءل لاوتسي:
"أعاني من آلام كثيرة لأن لديّ جسد. عندما أفقد الجسد، ما هي الكوارث التي يمكن أن تحدث لي؟".
ما أحاول القيام به شخصياً هو تقييم كل لحظة كما هي، بإعتبارها لحظة فريدة.
وأحاول، بالطبع، تفادي المخاطر القاتلة.
لا أخشى الموت، لكن أخشى الأشياء، التي قد تميتني.
بالنسبة لموت الآخرين، ليس سهلاً التعاطي معه ذهنياً.
يحتاج الأمر إلى زمن، قبول تدريجي وربما لعلاج نفسيّ أحياناً.
تجهز كثيرون أكاديمياً وكرسوا جهودهم على مدار سنوات للبحث في كيفية مواجهة هذا الحدث الأليم وعدم اللجوء إلى جِنانْ وهمية.
ليس من الخطأ القيام بزيارة شخص، يمكنه تقديم العون في ترتيب أفكارنا.
رغم أنّه أمر محزن، فلقد تعلمنا على قبول شيء، نعرف بأننا جميعنا ككائنات حية:
سنموت.
بخصوص ما انتهيتُ من كتابته للتوّ، وردت إلى ذهني قصّة. في إحدى المناسبات، في برشلونة، بينما كنت أتمشى مع عائلتي في إحدى الساحات ونتفرج على المحلات التي تبيع حيوانات، رأينا شخصاً يسحب طائراً ميّتاً من القفص. وهنا سألني أحد أطفالي: "بابا، لماذا مات الطائر؟"، أجبته: "لأنه كان حيّ"، كان أفضل جواب عرفته بتلك اللحظة. والغريب أنه لم يتابع طرح تساؤلاته، كما يفعل الأطفال غالباً. ربما، وبنوع من البداهة، رغم أنّه طفل، قد فهم بأنه لم يكن هناك جواب أفضل يمكن تقديمه. تابعنا مشوارنا مستمتعين بلحن الباقين على قيد الحياة.
لكن، لنعد إلى القضية المركزية، هل توجد علاقة واضحة وعامة بين إمتلاك إعتقاد ديني والشعور بالسعاده؟
في أيامنا هذه، كي نقيِّم سعادة شخص، أكثر ما يمكننا فعله هو توجيه أسئلة حول صحته، عمره، عائلته، علاقاته الشخصية، عمله، ممتلكاته، ...الخ.
وبحال معاكس، أرى الأشياء كما فعل التقليديون، رغم كون الشخص سليم، شاب، يحبه كثيرون، يستمتع بعمله ولديه أكثر من حساب مصرفي، فإن نرغب بمعرفة وضع سعادته، فسنحتاج لطرح أسئلة جوهرية عليه، من قبيل:
هل تعيش سعيداً؟ هل أنت شخص فرح؟
لأنه ولا وضع مما سبق ذكره، يؤكد لنا بأنه سعيد فعلاً.
يمكن إعتباره، لسوء الحظّ، شخصاً لا يعرف تقدير ما لديه ويغرق دوماً في شبر مياه، كما يحدث مع كثيرين منا أحياناً.
وفي حال معاكس، إن عرفنا أنه سعيد، فلن تهمنا القضايا الأخرى:
لا عمره ولا مهنته ولا ممتلكاته؛ هو سعيد وكفى!
وفق فهمي لها، يمكن تطبيق ذات الصيغة بالنظر للأشياء على العلاقة بين الرفاه والعقائد الدينية؛ فيما لو يؤمن شخص بالله، فلا نعرف الأهم، أي إن يكن سعيداً. حيث لا تضمن اليقينيات الدينية حضور السعاده، لا الأبدية ولا الأرضية.
كلنا قد تعرفنا إلى أشخاص مؤمنين جداً، لكن، قد عاشوا تحت ظلال من الكآبة.
لكن، كذلك، العكس ليس صحيحاً، فالمُلحِدْ ليس سعيداً لأنه مُلحِدْ بالطبع.
باختصار، يسرني إنهاء كلامي، هنا، بإستخدام قول نيكولاس كامفورت المناسب، والذي يعبّر عن فكرة أتبناها:
"السعادة ليست شيئاً بسيطاً، بحيث يصعب على الواحد أن يعثر عليها في ذاته، لكن، يستحيل العثور عليها في مكان آخر".
آمنا أو لا، بالآلهة، أرى بأنّ المكان الوحيد الذي يمكننا إيجاد السعاده فيه، هو في داخلنا (عقلنا، بالتحديد).
20. ما يتعلق بالإرادة الحُرّة
1.20. ما هي الإرادة الحرّة؟
يعكس مفهوم الإرادة الحرة:
حرية الأشخاص بالقيام بما يحلو لهم.
إذاً، هل تملك الإرادة الحرة والحرية، ذات المعنى؟
نعم، هناك نوع من الترادف بينهما.
لكن، تستخدم الأديان الإرادة الحرة أكثر؛ لا أعرف سبب هذا.
يصعب عليّ شرح ماهيَّة الإرادة الحرة، لكن، سأحاول.
يعتقد المتدينون بأنّ إلههم، يهبنا الحرية لكي نقوم بعمل ما نشاء:
سواء كانت أشياء خيرة أو شريرة.
لكن، بذات الوقت، ما تعلمه أديان كثيرة، هو:
وجود إله يُدير العالم ويتحكم بكل ما جرى وما سيجري في الكون.
وبحسب هذا الطرح، الإله هو المسؤول عن كل ما يحصل في هذا العالم.
فحينما يقولون لنا بأننا أحرار، يقولون لنا بذات الوقت:
بأن الله يرسم لنا كل ما سنقوم به أو ما نقوله وما نفعله.
إنّه تناقض هائل!
وقد أصدرت الأديان كتباً كثيرة في محاولة لتفسيره وحلّ هذا الإشكال، وبرأيي المتواضع:
لم يتمكنوا من تحقيق هذا الأمر.
تشكل الإرادة الحرة المَلَكة التي تسم الأشخاص وتجعلهم يختارون بحرية بين الخير والشرّ.
هي حرية إفتراضية للإختيار بين عدة بدائل.
أرى أنه إلى جانب القطبين الرئيسيين المعروفين دينياً (وجود الإله وخلود الروح)، يوجد قطب ثالث:
هو الإرادة الحرة المزعومة.
سأحاول عرض سبب هذا الرأي.
صاغ فلاسفة كُثُر براهينهم مع وضدّ الإرادة الحرة، أي مع وضدّ الحرية البشرية.
فيما لو يكن الإنسان حرّاً بالتفكير، كما يفكّر ويعمل كما يريد، أو لو يحدث العكس، بحيث تصبح كل أفكاره وأعماله محددة مسبقاً من قبل جهة ما:
فنحن نواجه واحدة من القضايا الكبرى بتاريخ الفكر البشريّ.
رأى نيتشه، على سبيل المثال، بأنّ اللاهوتيين قد ابتكروا مصطلح الإرادة الحرة، كي لا تتحمل الآلهة:
مسؤولية وجود الشرور؛ ولجعل الإنسان هو المسؤول عن حضور الشرور في العالم.
فيما رأى ديكارت العكس، حين قال:
"رغم أنه دوماً قد وُجدَ سبب يدفعنا نحو جانب أو آخر، مع ذلك، يمكننا إختيار الجانب المعاكس".
نحن أحرار، بالتالي، بالنسبة لديكارت.
عبّر اللاهوتي المعمداني هارفي ج. كوكس عن ذات الفكرة، بالطريقة التالية:
"في مكان ما داخلنا، نعرف أنه بالتحليل النهائي، نحن من يقرر الأشياء، وحتى القرارات التي نترك آخرين يأخذونها عنّا: في الواقع، هي قراراتنا، حتى لو كانت قرارات جبانة".
يتحدث فرناندو ساباتير في كتابه "الأخلاق لأجل أمادور"، الذي وجهه إلى إبنه أمادور، عن الحرية:
"على إعتبار أن البشر مبرمجين حتى بأدق التفاصيل، بيولوجياً وثقافياً، يمكنهم الإختيار لحلّ غير موجود في البرنامج. يمكننا أن نقول نعم أو لا، أريد أو لا أريد. لكن، تبعاً للظروف، لن نملك إتجاهاً واحداً في المسير أبداً، بل سنمتلك عدّة إتجاهات. عندما أحدثك عن الحرية، أقصد هذا. صحيح بأنه لا يمكننا عمل كل شيء نفكر به، لكن، لا شيء يجبرنا على القيام بشيء ما محدد فقط".
كذلك، يقول ساباتير: "نحن أحرار من ردة الفعل إزاء ما يحدث لنا بصورة أو بأخرى".
أي بالنسبة له، يمكننا دوماً إختيار كيفية الإجابة على ما يحدث لنا.
لستُ متأكداً كثيراً.
برأيي، كلما نملك ردة فعل، بصيغة ما، فيحدث هذا على شكل سلسلة من الأسباب.
ربما تلك الأسباب كثيرة ومخفية ومعقدة للغاية، أو دقيقة للغاية، بحيث لن نتمكن من إكتشافها، لكن، ستبدو ردودنا على كل ما يحدث لنا محدودة بشيء ما دوماً.
يضيء غوتفريد لايبنتز على ما أرغب بالتعبير عنه بتشبيه شعريّ رائع:
"يمكننا إدراك حدوث الموجة عن طريق حاسة السمع لدينا، وهو ما يشير لأنّ ضجيج كل قطرة يترك إنطباعاً ما، عندنا، مهما بلغ صغر تلك القطرة، وبشكل معاكس، فلا يؤدي جمع مئة ألف قطرة لإنتاج أيّ كمّ من الضجيج. تحدد لنا تلك الإدراكات البسيطة، دون أن نلاحظ هذا الأمر، الطريق وتنتج أفعالنا، كما لو أنّ الأمر سيّان بالنسبة لنا إن ذهبنا يميناً أو يساراً، بحيث ننتهي لإختيار جانب. التصورات غير المحسوسة هامة جداً لأذهاننا، بحيث من العبث الإستخفاف بها".
ما حاولت شرحه من خلال الإستشهاد بكلام لايبنتز، هو أنني لا أرى بوضوح كامل ما يراه كوكس وديكارت وساباتير حين اعتبرونا أحراراً.
إن أتمكن من الإختيار، دون أيّ إكراه خارجي، بين تفاحة وبرتقالة، أبدو حرّاً بتفضيل إحدى الفاكهتين.
مع ذلك، ولإمتلاك كل شيء لسبب أو لأسباب، فإن أختار التفاحة فلأنني واعٍ لأسباب إختياري لها (تملك التفاحة شكلاً جذّاباً، رأيت شخصاً قد رفض إختيار البرتقالة بسبب شكلها السيء، ..الخ) أو لأسباب قد أجهلها، قد أكون غير واعٍ لها (امتلكت البرتقالات التي تناولتها خلال الفترة الأخيرة، طعماً مراً، رغم أنني لا أتذكر هذا على وجه الدقة؛ قرأتُ من فترة مقالاً حول فوائد التفاح الصحية، ..الخ)، لكن، في الحالين - الإختيار الواعي أو غير الواعي - سأقول بأنني غير حرّ في الواقع، بل ما يحصل هو عبارة عن شكل ظاهري للحرية.
وربما قد عبّر غوته بشكل أفضل، حين قال:
"يظن المرء أنه يوجّه حياته ويتحكم بأعماله، بينما في الواقع، هو يتواجد تحت سيطرة القدر بصورة لا هوادة فيها".
ما أكون متأكداً منه أكثر هو ضعف منطق القصة - أو إنعدامه - التي يحكيها التوحيديون لنا:
إله كليّ القدرة، يقرر في لحظة ملل خلق بضع كائنات مليئة بالعيوب، والذين سيصبحون مسؤولين عن الأخطاء والنواقص من كل نوع، والتي تسببها تلك العيوب.
تجهل العقائد الدينية، المدافعه بحرارة عن مفهوم الذَنْبْ (والفضْلْ)، ما يقوله العلم لنا حول:
المحددات المتعددة (الحتميات) من كل نوع - الثقافية، الإجتماعية، العائلية، التعليمية، النفسية، البيولوجية، الوراثية - التي نخضع لها وتدفعنا للتشكيك في كوننا أحراراً.
لا تصل حتى لإعطاء الحقّ ربما لبورهوس فريدريك سكينر، المدافع الكبير عن البحث السلوكي البشريّ، عندما دافع عن رؤيته البيئية للأشياء، فقد اعتبر بأنَّ:
"البيئة، هي التي تنتقي سلوك الأفراد".
لكن، بالطبع، سيعني هذا بأنّ فضائل الإنسان هي نتيجة ضرورية لتاريخه الشخصي فقط.
وبهذا، لن نتعرض لأيّة عقوبات ولا لأيّة مكافآت من البعيد الأبعد القابع في الأعلى، بحسب الرواية التوحيدية.
هو أمر غير ممكن:
حيث تنهار جميع العقائد الدينية بدفعة واحدة.
أرى بأنه من غير اللائق - رغم حضور حسن النوايا - أن يعتبر مسيحيون ومتدينون آخرون بأن:
إنتحار شخص بسبب الإكتئاب هو عمل حرّ، ويحدث بسبب نقص الإيمان فقط.
وبهذا، يزعمون شيئين:
أولا، أن هذا الشخص، لو آمن لما أنهى حياته، وذلك لأن الإنتحار - خطيئة قاتلة - ستمنعه من الوصول إلى الجنّة.
وثانياً، يستسهلون إطلاق الأحكام وأنه قد إختار الإنتحار بحرية، رغم إمتلاكه لخيار عدم الإنتحار، يتجاهل هذا الطرح كل المحددات (الحتميات) المذكورة سابقاً، والتي تتحكم بنا وبسلوكياتنا.
يقول التحليل النفسي لنا بأنّ فكرة الإنتحار، تظهر جرّاء وجود صعوبات تواجه الفرد، في أوضاع حيوية خاصة، تدفعه إلى الرغبة بالموت. تتحدد التوجهات الإنتحارية بحوادث خارجية، لا يعرف الشخص كيف يواجهها.
كذلك، يشرح التحليل النفسي لنا بأنه في حالات أخرى، ينتج ما يسمى اكتئاب أكبر، يتحدد بعوامل كيميائية حيوية ووراثية غالباً. بأيّ حال، سواء نتج الإكتئاب عن أسباب خارجية أو داخلية، سيصعب عليّ تحميل هذا الشخص المسؤولية:
من خلال البرهنة على أنه كان بإمكانه إختيار عدم الإنتحار، بحيث أمكنه الإختيار بين البقاء حياً والموت.
يشكل الإيمان بالحرية البشرية، ذات الصلة بالإرادة الحرّة بالطبع، أحد الدعامات الكبرى لأديان التوحيد.
"وجب على كل امرءٍ بناء مصيره بنفسه"، كما أعلن رئيس الدير ريغنير.
وأعبّر عمّا قاله، بالآتي:
وَجَبَ أن يكون.
وتعطي عبارته إنطباعاً، يقول بأنه قد أقنع نفسه به.
لكي يكون الله إله محبة، غير مسؤول عن القسوة والشرور في العالم، وجب أن يعيش الإنسان حراً.
يجب أن يعيش هكذا، كما تقول العقائد الدينية لنا.
لهذا، عقيدة الإرادة الحرّة أمراً لا يُستغنى عنه، كي تتمكن أديان التوحيد من تحويل كل كائن بشريّ لمسؤول حصريّ عن أفعاله، وبالتالي، يمكن إلصاق الذنب به وسيتحمل العقاب اللازم، بما فيه البقاء في الجحيم الأبديّ، يوم الحساب الأخير.
إن لم نكن أحراراً، فلن نصبح مذنبين.
كذلك، لا يمكن إعطاءنا أيّ فضل لقاء أيّ شيء نقوم به.
هي كلمات كبرى!
يعزو التحليل العلمي للأشياء، كل الذنوب وكل الفضائل:
إلى الظروف البيئية والبيولوجية.
فيما لو نتبع طريق البيولوجيا (علم الأحياء) وعلم الوراثة وعلم النفس:
ستبقى مصطلحات، يبدو أنها لم تكن موضع إهتمام، حتى وقت قريب، مثل الحرية البشرية والفضائل والرذائل، على حالها نظراً لعدم التطرق لها، بل تبدو مغمورة حتى.
كما قلتُ: هي كلمات كبرى.
يُعتبر الإحتفال باليوم الأخير بنهاية الزمان، وما يوافقه من توزيع للجوائز والعقاب، جزءاً من العقائد الدينية، التي لم نتحدث كثيراً عنها، حيث يوجد الكثير الكثير حولها.
تحتاج أضغاث أحلام العقائد الدينية لأوراق تدعم خرافاتها بشكل متبادل.
كما نوهتُ، تسمح الإرادة الحرّة:
بإبطال مسؤولية الآلهة عن وجود الشرور وإلصاقها بالبشر.
وما يثيرني شخصياً هو أن غير المؤمنين يستعملون، في بعض الأحيان، تعبيراً يقول:
"بفضل الله".
مع ذلك، لا توجد عبارة معاكسة، تقول:
"بذنب الله!".
سيكون تحميل الله لمسؤولية وجود الشرّ:
عبارة عن تجديف كبير؛ بالنسبة للأديان، البشر مسؤولون حصرياً عن وجود الشرور، فيما تنحصر مسؤولية الآلهة عن وجود الخير.
أفضِّل شخصياً إستخدام ظروف حُسنْ الحال وسُوءْ الحال، دون أن يعيق هذا شعوري بالإمتنان للحياة.
لا أعاني من مشكلة، كان قد عرضها الرسام الإنكليزي من أصل إيطالي دانتي غابرييل روزيتي، الذي اعتقد بأن الملحدين يعانون منها، حين قال:
"أسوأ لحظة بالنسبة للمُلحِدْ، هي عندما يشعر بأنه ممتنّ، ويرى بأنه لا يوجد أحد، يقدّم هذا الإمتنان له".
كذلك، نحن غير المؤمنين بالآلهة لدينا فرصاً في كل وقت لتقديم الإمتنان بكثير من الأحيان ولكثير من الاشخاص.
ربما يبدو الكثير من الإمتنان، الذي يبديه المؤمنون لآلهتهم، في العمق، ما هو إلاّ:
رغبة سرية بمتابعة تلقيهم لبركاتها المزعومة.
حينما تفرض جميع الكنائس عقيدة الإرادة الحرة على المؤمنين بها، هي ترفض كل المحددات (الحتميات)، وبهذا، ترفض المادية المرافقة، بشكل لا يمكن تفاديه، لتلك المحددات.
يبدو هذا مفهوماً، بحيث ستكافيء المادية نفي الإله غير القابل للمسّ، غير المادي، الخالد، الروح النقيّة، الذي ليس وراءه أيّ سبب، كما يقول كثيرون.
كذلك، يقضي الإعتراف بالمادية رفض وجود الروح، بوصفها القطب الثاني الأهم في كل إعتقاد ديني.
قد تشكل المادة المُكوِّنْ الوحيد لصخرة، شجرة زيتون، حصان، لكن، ليست المُكوِّنْ الحصريّ للكائن البشريّ، أي لا وجود لروح خالدة، فهذا بعيد جداً عن مركزية الإنسان، التي تسم العقائد الدينية.
مع ذلك، وكما بيَّنَ سبينوزا، بشكل متميز من شخص عاش منذ 400 عام تقريباً، بحيث لم يكن يعرف شيئاً عن علم الأعصاب الحديث، بين غيره من العلوم، ويبدو راهنيّاً الآن:
"طالما أننا لا نعرف كل ما يتمكن الجسم من القيام به بدقة، كيف يمكننا عزو الكثير من القدرات للروح، التي لسنا واثقين من وجودها حتّى؟!".
ما قاله سبينوزا، هو ذات ما يقوله الاستاذ هيرفي بويلوت، في يومنا هذا، من خلال هذه الكلمات:
"لا تتحدث المادية المنهجية بيقين قاطع، بصورة رئيسية، عن وجود حصريّ للمادة؛ لكن، ترفض فرضية الروح قبل إنتهاء البحث عما هو موجود، أي بحث الجسد".
يُعتبر هذا بحثاً مثيراً للغاية، ولا يحتاج إلى إعتقادات بالأرواح.
فللآن، لم نتمكن من حلّ ألغاز كيفية تحول الإشارات الكهربائية والكيميائية الدماغية إلى:
أفكار، ذكريات، حالات المزاج، الآراء، الرغبات، المشاعر، القرارات، وهو ما يحول كل واحد منّا إلى كائن بشري فريد ومليء بالأسرار، وهذا أبعد من قضية كوننا أحراراً أو لا.
بما تكشفه العلوم لنا، يبدو أنّ غالبية الأشياء التي تحدث لنا كبشر، يمكن تفسيرها على ضوء التفاعل بين الجينات والمحيط بشكل أفضل من أيّة صيغة تفسير أخرى.
بقول هذا من خلال كلمات سكينر الدقيقة:
"وفق التفاعلات المتعددة بين الكائن والبيئة، والآثار التي كانت تُعزى حتى اللحظة إلى حالات ذهنية ومشاعرية وخصوصية الطابع، أصبحت ذات صلة بظواهر يمكن بحثها علمياً بشكل كامل".
كلما وجدتني أحاكم شخصاً ما، بسبب سلوكه أو أفكاره، لم أتمكن من تفادي التفكير بأنني إن أعش بذات البنية الوراثية الجينية، ذات التركيب الكيميائي الحيوي ونفس المحيط الذي عاش به ذاك الشخص من لحظة ولادته:
فلا بُدَّ أنني سأتصرف مثله تماماً.
أتفق مع فكرة الحتمية وأعتبرها صحيحة:
لسنا أحراراً في التفكير والعمل، بل نحن محددون وخاضعون لحتميات.
بأيّ حال، تبقى قضية كون الكائن البشريّ حرّاً أو لا:
موضع تعقيد بالغ، ويصبح الموقف الصادق حيالها هو بإستمرار التشكيك بهذه الحرية.
لكن، وبحسب فهمي للأمر، ولأنني أرغب بترك ذهني مفتوح على آراء أخرى، تقوم المادية والحتمية، مع رفض الإرادة الحرة التي ترافقهما بالضرورة، بشكل أساسي، على ألاَّ يُكلِّمْ الشخص نفسه، كما فعل الرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون، حين قال:
"الله، الذي وهبنا الحياة، أعطانا، بذات الوقت، الحرية!".
21. بيانات إلحادية ومُقابلات مع ملحدين
1.21. بيان إتحاد الملحدين والمفكرين الأحرار
نحن مواطنون مُلحدون، أحرار في هذا العالم، نصدر هذا البيان، بشكل طوعي، للتعبير عن أننا لا نؤمن بأيّ إله، وأننا لا نعتقد بوجود واقع يتسامى وراء هذا العالم الذي نعيش فيه، ونعتبر أن الإنسان كائن له بداية ونهاية وبهذا ينتهي كل شيء.
نفهم بأنّ الاعتراف والقبول بهذه الطبيعة المادية والمحدودة، سيشكّل أمر مركزيّ يساهم بتجاوز الإنسان لتحديات العالم الراهن ومواجهة صعوبات المستقبل بإمكانات نجاح، وبالتالي نعتبر بأنه قد حانت ساعة تبني دور رياديّ من قبلنا في هذا المجتمع.
نؤيد الفكرة القائلة بأنه لا يوجد أيّ سبب موضوعيّ متماسك يدفع للأخذ بعين الاعتبار لما هو أبعد من الواقع الماديّ، وبما يرتبط بمحدوديتنا الخاصة، سيما ما يتعلق بكائنات ذات طبيعة مُختلفة وتتفوق علينا ويجري اعتبارها أصل ومعنى وجودنا. ولذات السبب نرفض إمكانية حضور أيّ نوع من الأنفُسْ التي تمارس ذات النشاط الروحي المشابه بعد موت الكائن الحيّ.
قد يفكّر البعض بأنّ هذا الطرح الإلحادي ما هو إلاّ طرح ذو أفق مسدود لا مخرج منه للإنسان، أو يُشكّل نوع من الإحباط، لكن هذا أبعد ما يكون عن الواقع؛ لا يشكّل الإلحاد صيغة تفكير سلبية ولا متشائمة مؤسسة على المعارضة لأجل المعارضة وانعدام الأمل، بل يكون كل ما هو معاكس لهذا.
الإلحاد مُحرِّرْ، لأنه يُعيد للإنسان القرار والمسؤولية عن أفعاله وعن مصيره. يُعلّم الإلحاد وجوب تقييم الحياة على هذه الأرض، الحياة الوحيدة التي نمتلك، ويعتز بتعريف الإنسان بأنه سيّد قراراته الخاصة، قدراته، إمكاناته. لكن، كذلك، يذكّره بأنّ حياة أبنائه، أشباهه والموروث المنتقل للأجيال القادمة، هي بين يديه.
العالم الناتج، هو مسؤوليته، وبالتالي، يجب أن يطوّر جهوده لتحقيق التحسين التدريجي، يومياً، لتحقيق الفائدة للجميع، أو أن يقود الورثاء للعيش في جحيم حقيقيّ، لكن، ليس في زمن خيالي ولا في مكان عجيب، بل في هذه الدار الكبيرة المسماة الأرض. لا يوجد أيّ شيء مكتوب. نحن عبارة عن ورقة بيضاء، ونحن سنخطّ عليها أحلامنا ونحاول تحقيق التقدُّم والرفاه لكلّ البشر، أو نساهم بزوالهم.
لهذا، من المهم أن نستطيع إظهار هويتنا الحقيقية والاضطلاع بشجاعة ومسؤولية لمواجهة مصاعب الحياة دون انتظار أيّ عون من الخارج ولا توسُّل الحصول على المكافآت على أعمالنا بزمن آخر، لأنّ هذا هو كلّ ما لدينا وستنتهي حيواتنا بالموت قولاً واحداً.
لا يشكّل هذا حزناً ولا فرحاً، ليس خيراً ولا شرّاً، سواء أعجبنا أو لم يعجبنا فهذا هو الواقع القاسي الفاقع.
وبالنسبة لنا، تشكّل محاولة رؤية الأشياء كما هي إشارة على النُضج، بالتالي، اعتباراً من الاعتراف بطبيعتنا الخاصة، سنتمكن من تجاوز ما يعيقنا لبناء مستقبل أفضل نرغبه للجميع دونما تمييز.
تقدّمت البشرية، بمرور القرون، بفضل المعارف، لكن، لم تتقدم بفضل الأديان. عندما نتجت إسهامات معرفية على يد أشخاص ذوي قناعات دينية، فقد حصل هذا رغم وجود عوائق فرضتها عقائدهم تلك، وغالباً، قد دفع أولئك الأشخاص أثمان باهظة مقابل هذا. لا يهم الدين معرفة وفهم الواقع، بل يهمه ما يسمح بتبرير دوغمائية عقائده كي يتمكن من الاستمرار فقط. ففيما لو ناسبته الاكتشافات العلمية قَبِلَ بها ودعمها، لكن، فيما لو حدث العكس، مارس أشد أنواع الاضطهاد ضد أولئك العلماء وصولاً إلى حرقهم وقتلهم. توجد شهادات كثيرة أدلى بها رجال ونساء تؤكد حدوث هذا الأمر على مدار التاريخ. تاريخ من المصالح والتشدُّد التي لا يبدو أنها تتوافق كثيراً مع أفكار الحرية والتسامح التي نرغب أن تسود في مطلع هذا القرن.
تحتاج الأزمنة الجديدة صيغ تحليل وحلول جديدة. الأخلاق، التي تدافع عنها وتحاول فرضها الأديان على المجتمع، منتهية الصلاحية ومنافقة وتشكّل توافقات مع ظروف حياتية، نماذج اجتماعية ومصالح الماضي فقط، وبالتالي، يتوجب علينا تجاوزها وتبني مقترحات تتوافق بفعالية مع الواقع الحاضر وتنفع كإشارة إلى احتياجات المستقبل. ينفع الإصرار على اعتبار العقائد الايمانيّة مثال فضيلة يُحتذى بكبح التقدُّم فقط ويؤخّر الإنخراط في مجتمع المعرفة المتمتع بإمكانات تقنية حديثة، الأمر الذي يضع قطّاعات من الشعب تحت معاناة لا معنى لها وفي تناقض دائم بين صيغ حيواتها والنموذج الديني المُلزمة باتباعه حفاظاً على مصالح رجال الدين الخاصة.
يحتاج الإنسان إلى طرح تساؤلات متعلقة بقضايا أساسيّة. كان تاريخ الحضارة، بالنهاية، تاريخ نضال الإنسان ضدّ الجهل، سعياً لتقليص مساحة ما هو مجهول، ولأجل فهم جزء من الطبيعة للآن لم نتوصل إلى فهمه. لا يشكّل الإلحاد، في الواقع، أكثر من خلاصة منطقية، استجابة واعية بمواجهة أسئلة محددة طرحها الإنسان بشكل متكرر على مدار قرون. لا يوجد أيّ مبرّر، أيّ دليل، أيّ حاجة لوضع مصير الإنسان بأيدي قوى سحرية ولا بألوهة فوق طبيعية مُفترضة، وبشكل أقلّ بكثير وضع هذا المصير بأيدي وسطاء يقدمون أنفسهم على أنهم الوكلاء الحصريين لتلك الآلهة المزعومة.
يُشجّع الإلحاد على حريّة التفكير والتأمُّل الفرديّ، يثق بقوّة المعرفة، بجهود التحكُّم بالطبيعة لنفع البشر بعقلانية ودون تهوُّر وإساءة للبيئة، بالذكاء القادر على خلق نظام أخلاقي وتنظيم المجتمع على قاعدة العقل والعدل. يضع الإلحاد الثقة في الإنسان ويحفّز قدراته لأجل تحقيق التقدُّم بفضل جهوده الخاصة ذاتها وتعاون الجميع. يُعيد الإلحاد للإنسان كرامته المهدورة بصورة قطعية. يُعلّم الدين، بالمقابل، على تحقير الحياة للظفر بثواب لا يمكن تحصيله إلاّ عبر الخضوع والطاعة العمياء. طاعة، لمن؟ خضوع، لماذا؟
آن أوان تجديد بُنى الفكر القديمة. آن أوان العمل على تأمين الدفاع عن حقّ جميع الأشخاص بالحريّة، بالتصريح ونشر أفكارهم دون إكراه ودون اصطدام بقواعد حظر اجتماعية بالية ولا من قبل وسائل إعلام دينية ولا من قبل صيغ عدم تسامح أخرى. آن أوان توفير المساواة بالفرص لجميع البشر دونما تمييز ديني أو عرقي أو قومي، آن أوان استقلال أجهزة الدولة عن المؤسسات الدينية (كنيس، كنيسة وجامع وسواها) بشكل حقيقيّ وتعرية الضغوطات، الامتيازات والتدخلات. التأكيد على تلقي غير المؤمنين ذات الاحترام وذات الحقوق التي يتلقاها الآخرون. آن أوان توعية المواطنين بخطورة النفوذ الديني في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والتبعات المهلكة لهذا النفوذ. آن أوان جعل الإلحاد نقطة علاّم لا يُستغنى عنها لحظة تنظيم الحياة الاجتماعية.
نفهم الإلحاد، نحن، بوصفه نظام منفتح، معطاء، يغتني بتلقي إسهامات جديدة، ويهدف إلى المعرفة والتقدُّم، لكن كذلك يعارض أيّ دوغمائيّة. لا يشكّل الإلحاد مشروع مضاد للآلهة، لهذا لا يشكّل النفي الساذج محرّك يدفع إلى بناء مجتمع جديد. يكون إلحادنا، بجوهره، تعبير عن عدم الاحتياج إلى تلك الآلهة لتحقيق التقدُّم. يتطلع الإلحاد إلى قيام مجتمع مدني، منفتح مؤسس على التسامح، التعاون والتضامن دون تدخلات دينية في الجيش والسلطة السياسية اللذين يخدمان جميع المواطنين دون أيّ تمييز ودون امتلاك أيّة امتيازات خاصة باسم جهة لم يعرفها أحد على الإطلاق، ولا يمكن لأحد التحقق منها أبداً.
نهدف إلى تجميع كل أولئك الأشخاص الذين يتبنون قيم التسامح، الاستقلال الفكريّ والتحرُّر من الأحكام المسبقة التاريخية، الذين يدافعون عن شكوكيتهم مقابل النفوذ الديني القويّ حتى الآن في مجتمعاتنا.
نأمل بتوحيد جهود كل الملحدين وغير المؤمنين والعلمانيين بجبهة واحدة، بحيث يمكنهم التعاون وإغناء هذا التيار بإسهاماتهم المتنوعة، دون خوف، ولأجل تحديد ملامح المستقبل الذي نرغب بالوصول إليه، نموذج التعايش في مجتمعات هذا العالم.
آن أوان بناء جمعية قويّة، نأمل بتضافر الجهود لتحقيق هذا الأمر.
2.21. بيان إلحادي لسام هاريس
قد ترجمه من الإنكليزية إلى الإسبانية: فرناندو ج. توليدو وج. ك. آلباريث، وقد نُشِر بشهر كانون أوّل / ديسمبر من العام 2005.
في مكان ما من هذا العالم، احتجز رجل طفلة. سرعان ما اعتدى عليها جنسياً، عذبها وقتلها. إن لم تحدث تلك الفظاعة بتلك اللحظة المحددة، فستحدث إثر مرور ساعات قليلة، أو بمرور عدّة أيام كحدّ أقصى. كم هي كبيرة تلك الثقة، التي تهبنا القوانين الإحصائية الحاكمة لحيوات ستة مليار إنسان إيّاها. تخبرنا ذات القوانين بأنّ أبوي الصغيرة ذوي إعتقاد عميق بأنّ الله كلي القدرة المحبّ يعتني بالصغيرة بتلك اللحظة ويحميها مع عائلتها أيضاً.
ألديهم الحقّ للإعتقاد بهكذا أمر؟
هل من الأفضل أن يعتقدوا به؟
كلا.
تكمن صحّة الإلحاد في هذا الردّ المُقتضب. الإلحاد ليس فلسفة؛ ولا رؤية للعالم؛ هو رفض وتكذيب للكثير من البديهيات.
للأسف البالغ، نعيش في عالم تُمرَّرُ البديهيات فيه بسهولة بالغة ودون إخضاعها لأيّ تدقيق وتحليل.
يجب إخضاع البديهيات للفحص والمراجعة والتدقيق والنقاش والتحليل.
القيام بهذا الأمر لا يستحق الشكر، وقد يُنظَر للقيام به كنوع من العجرفة وإنعدام للإحساس، حيث لا يرغب المُلحد بأداء هذه المهمة، ولكن، هو مُجبَر.
رغم عدم ملاحظة هذا الأمر، فليس هناك شخص بحاجة للتعريف بنفسه كغير فلكيّ أو غير خيميائيّ. بالنتيجة، لا نمتلك كلمات لتوصيف الأشخاص الرافضين لصلاحية تلك المعارف الزائفة. وفق هذا الطرح، لا يجب حضور مُصطلح مثل "الإلحاد".
لا يشكل الإلحاد أكثر من ضجيج، يُثيرهُ عقلاء لدى إصطدامهم بالتطرُّف العقديّ الدينيّ.
المُلحِد هو شخص يرى بأنّه يتوجب على 260 مليون أميركي (87% من السكّان) يقولون بأنّه لا شكَّ لديهم بوجود الله تقديم أدلة متماسكة على هذا الوجود، وحتى أدلة على أنّه إله خيِّر، نظراً للدمار الهائل المتحقق للكثير من الأبرياء ونحن شهود على هذا يومياً وفي جميع أنحاء العالم.
يُحذِّرُ المُلحد من فظاعة المدى الذي وصلنا إليه:
يؤمنُ معظمنا بإله، مهما إختلفت تسمياته، حتى لو بدا رائعاً كآلهة الأولمب؛ لا يتمكن أحد، ومهما بلغت قدراته، من شغل منصب عام في الولايات المتحدة الأميركية دون إفتراضه لوجود هذا الإله؛ ويعود الكثير من الأشياء الحاصلة في السياسة الأميركية العامة إلى محرمات (تابوات) دينية وخرافات تليق بسلطة القرون الوسطى الدينية (ثيوقراطية).
واقعنا مزر أو مرّ، لا يمكن الدفاع عنه، بل هو مُروِّع. إن لم تكن العواقب خطيرة جداً، فسيبدو الأمر كنكتة.
نعيش في عالم، حيث تتدمر الأشياء، الحسنة والسيِّئة، من خلال التغيير. يخسر الآباء أبنائهم ويخسر الأبناء آبائهم. ينفصل الأزواج بلمح البصر، وينقطعون عن بعضهم للأبد. يودعُ الأصدقاء بعضهم على عجل دون دراية بأنه ربما الوداع الأخير. تبدو هذه الحياة، لدى النظر إليها بكليتها، أكثر بقليل من دراما هائلة للفَقْدِ.
مع ذلك، تتخيل غالبية الأشخاص وجود علاج لهذه المعضلة. فإن نعيش على نحو صحيح – ليس أخلاقياً بالضرورة، بل ضمن معايير عقائد معينة قديمة وسلوكيات نمطبة – فسنحصل على كل ما نشتهي بعد موتنا، حيث نتحرر من أجسادنا ونسافر إلى مكان سنجتمع فيه مع أحبابنا.
سيُقصى كل شخص مفرط بعقلانيته وغيره من الجمهور عن هذا المكان الهانيء، أما أولئك الذين ثبتوا على عدم الإيمان خلال حيواتهم فسيستمتعون بأنفسهم إلى الأبد.
نعيش في عالم من المفاجآت التي لا يمكن تخيلها – من الطاقة الإندماجية إلى علم الوراثة والتبعات التطورية لتلك الأضواء المتراقصة على مدار دهور من الشرق – وللآن، تتوافق الجنّة مع إهتماماتنا الأكثر سطحية بتنفيذ رحلة على متن مركب في البحر الكاريبي.
هذا عجيب غريب على نحو مثير للدهشة.
من لا يعرف هذا، سيرى بأنّ الإنسان، وخشية من فقدانه لكل ما يحبه، قد خلق السماء إلى جانب إلهه الحارس على صورته ومثاله.
رغم الدمار الذي تركه إعصار كاترينا في ولاية نيوأورليانز، حيث مات اكثر من ألف شخص، فقد الآلاف ممتلكاتهم وبات أكثر من مليون شخص خارج منازلهم التي خسروها، هناك غالبية عاشت تلك اللحظات وآمنت بإله كليّ القدرة وكليّ المعرفة ورحيم.
لكن، ما الذي فعله الله خلال تقدُّم الإعصار المدمر للمدينة؟!
أنا على ثقة أنه قد سمع تضرعات المسنين والنسوة الهاربين من الفيضانات إلى أسطح المباني لينتهي بهم الأمر بالموت غرقاً على نحو أبطأ.
غالبيتهم من المؤمنين.
أشخاص خيِّرون، قد صلّوا ومارسوا طقوسهم الدينية طوال حيواتهم.
وحده المُلحِدُ قد إمتلك الشجاعة ليقبل ما هو بديهيّ:
مات أولئك وهم يتحدثون إلى صديق مُتخيَّل لا وجود واقعيّ له!
بالطبع، حضرت تحذيرات عن حدوث إعصار مدمر في نيوأورليانز، وإتسمت الإستجابة البشرية اللاحقة لحدوث الإعصار بالضعف وإنعدام الفعالية على نحو مأساويِّ.
إنعدام فعاليته هذا على ضوء العلم فقط.
حيث تمكنوا، بمساعدة تقنيات الرصد المناخي، من معرفة المؤشرات الدالة على حدوث وتقدُّم الإعصار كاترينا من طبيعة صامتة عبر إجراء حسابات مناخية وإلتقاط صور فضائية عن طريق الأقمار الصناعية.
لا يتحدث الله حول خططه مع أحد.
بإعتبار أنّ سكان الولاية مؤمنين برعاية الله لهم، لم يتأهبوا لمواجهة إعصار قاتل حتى بلغ من التقدُّم ما بلغه.
رغم كل هذا، وبحسب دراسة إستطلاعية مجراة من قبل الواشنطن بوست، فقد صرّحت نسبة 80% من المشاركين في الدراسة بأنّ إيمانها بالله قد تعزَّزَ بعد حدوث الإعصار!!
فيما تقدَّمَ إعصار كاترينا مدمراً نيوأورليانز، مات ألف حاج شيعي جرّاء إنهيار جسر في العراق. ليس هناك شكّ بأنّ أولئك الحجاج قد آمنوا بإله القرآن بقوّة:
فقد إنتظمت حيواتهم حول وجوده غير القابل للتشكيك؛ سارت نساؤهم محجبات أمامه؛ قتل رجالهم بعضهم البعض الآخر بسبب تفسيراتهم المختلفة لكلامه.
سيلفت الإنتباه إن بقي أحد منهم على قيد الحياة وتخلى عن إيمانه.
في الغالب الأعم من الحالات، سيتخيل الباقون على قيد الحياة بأنّ نجاتهم هي حماية إلهية.
وحده الملحد مدرك للنرجسية اللامتناهية والخداع الذاتي لدى أولئك الناجين.
وحده الملحد عارف بالإنحطاط الأخلاقي لدى باقين على قيد الحياة، قد إعتقدوا بأنّ الله قد نجّاهم فيما أمات أطفالهم غرقاً على أسرَّتهم.
ولأنه رافض لتغطية واقع العالم المؤلم بقناع خيال الحياة الأبدية، يشعر الملحد بأهمية الحياة بقرارة نفسه، وبذات الوقت، كم هو مؤسف أن يعاني الملايين من التعدي على سعادتهم دون أيّ سبب مقنع.
يتساءل الشخص حول حجم الكارثة اللازم لزعزعة إيمان العالم؟
لم تنجح الهولوكوست بتحقيق هذا الأمر. كما أنّ الإبادة الجماعية في رواندا لم تنجح، علماً أنّ مرتكبيها قساوسة مسلحين بالسواطير.
مات حوالي 500 مليون شخص بالجدري خلال القرن العشرين، غالبيتهم العظمى من الأطفال.
لا شكّ أن دروب الله بالغة الوعورة.
يبدو أنّ أيّ حدث، مهما بلغت درجة تعاسته، يمكن أن يتوافق مع الإيمان الديني.
على مستوى الإيمان، قرِّرنا بألَّا تطأ أقدامنا الأرض.
كما هو مألوف، يؤكد المؤمنون بأنّ الله غير مسؤول عن معاناة البشرية.
لكن، كيف يمكننا فهم التأكيد على أنّ الله كليّ المعرفة وكليّ القدرة؟
ليس هناك درب آخر، وحان وقت مواجهة عقلاء البشر لهذا الواقع.
إنها مشكلة التيوديسيا القديمة، بالطبع، وينبغي علينا إعتبارها محلولة.
إن يتواجد الله، فإما أنه لا يتمكن من إيقاف المآسي والشرور أو أنّ هذا الأمر لا يهمه أبداً. بالتالي، إما أنّه عاجز أو شرير.
سيطرح الأتقياء من القرّاء المنطق الدائري التالي:
لا يمكن إخضاع الله لقواعد أخلاقية بشرية بسيطة.
لكن، الواضح أنّ المؤمنين يستخدمون ذات القواعد الاخلاقية البشرية البسيطة لتأكيد المنحى الخيِّر لله.
أيُّ إله سينشغل بشيء سخيف مثل زواج المثليين أو بالإسم المعتمد للذكر في الصلوات، سيُستغرَبُ عدم إنشغاله أو إهتمامه بقضايا أخطر وأكبر بكثير.
حال وجود الله أو إله إبراهيم، فلن يشكل إهانة لغالبية خلقه فقط، بل هو إهانة لأيّ إنسان.
هناك إمكانية أخرى، بالطبع، وهي المنطقية أكثر وتواجه عداءاً أكبر:
إله الكتاب المقدس عبارة عن خيال محض.
كما لاحظ ريتشارد داوكينز، نحن ملحدون جميعاً بزيوس وبثور. وحده الملحد قد إستخلص بأنّ إله الكتاب المقدس (وإله القرآن أو جميع آلهة ما يسمى "كتب مقدسة"، بحسب أبو القاسم المصييتيّ) لا يختلف عن تلك الآلهة الأقدم.
بالنتيجة، يتفهم الملحد عمق المعاناة العالمية بجديّة. يبدو فظيعاً أننا سنموت جميعاً ونخسر كل ما نحب؛ الأبشع هو أن يعاني كثيرون وهم أحياء دون أيّ داعٍ. ربما يعود قسم كبير من تلك المعاناة إلى الدين – الأحقاد الدينية، الحروب الدينية، الأوهام الدينية وما شابه -، وهو ما يحول الإلحاد إلى حاجة أخلاقية وفكرية.
في كل الأحوال، هو حاجة تضع الملحد على هامش المجتمع. يُحاطُ المُلحِدُ بالعار، فقط، لأنه متصل بالواقع ومنفصل عن حياة أقرانه الخيالية الوهمية.
طبيعة الإعتقاد
بحسب عدد من الإحصائيات الحديثة، تعتقد نسبة 22% من الأميركيين كلياً بعودة يسوع إلى الأرض بيوم ما خلال الخمسين عام القادمة. فينا تعتقد نسبة 22% من الأميركيين بتحقق تلك العودة على نحو مرجح. الأكيد هو أنّ المنتمين إلى نسبة 44% هذه يذهبون إلى الكنيسة لمرة واحدة أسبوعياً أو أكثر، ويعتقدون حرفياً بالوعد الإلهي لليهود بأرض إسرائيل، ويرغبون بحظر تدريس التطور في دروس علم الأحياء لأبنائنا.
كما يعرف الرئيس جورج دبليو بوش جيداً، بأنّ المؤمنين المنضوين في هذه الفئة يشكلون قاعدة هامة متماسكة من الناخبين الأميركيين. بالتالي، تؤثر آراؤهم وتحيزاتهم في جميع القرارات الهامة على الصعيد الوطني تقريباً.
يبدو أنّ السياسيين الليبراليين قد إستخلصوا درساً خاطئاً من تلك الحوادث، فوجهوا أنظارهم إلى الكتاب المقدس، حيث يتساءلون كيف يمكنهم إستغلال جحافل أولئك المؤمنين رجالاً ونساءاً في عملية التصويت.
لدى أكثر من 50% من الأميركيين رأي "سلبي" أو "سلبيّ كليّاً" بغير المؤمنين بالله؛ ترى نسبة 70% من الأميركيين بأنّه مهم جداً أن يتصف المرشحون للرئاسة "بالتديُّن الشديد".
ينمو التوجُّه اللاعقلاني في الولايات المتحدة الأميركية بإضطراد:
في مدارسنا، في محاكمنا وفي كل فرع من فروع الحكم الفيدرالي.
تؤيد نسبة 28% من الأميركيين التطوُّر؛ تعتقد نسبة 68% من الأميركيين بالشيطان.
يمثل جهلٌ بهذا المستوى، يتوزع على رأس وجسم أكبر قوة عالمية لا منافس لها، مشكلة للعالم بأسره في الوقت الراهن.
رغم سهولة توجيه البعض للنقد إلى الأصولية الدينية، يتمتع ما يسمى "تدين معتدل" بحظوة مميزة في مجتمعنا، حتى ضمن نخبة الأبراج العاجية.
يُثير ما سبق ذكره السخرية، حيث يميل الأصوليون لإستخدام عقولهم على نحو مؤسس على المباديء أكثر من "المعتدلين". على الرغم من تبرير الأصوليين لعقائدهم من خلال إستعمال أدلة وبراهين مثيرة للشفقة، فعلى الأقلّ يحاولون تقديم تبرير عقلاني بحسبهم.
في المقابل، لا يقوم المعتدلون بأكثر من الإشارة إلى التبعات المفيدة للإعتقاد الديني. فعوضاً عن قولهم بأنهم يعتقدون بالله لأنّ نبوءات قداسية قد تحققت، سيقول المعتدلون بأنهم يؤمنون بالله لأنّ هذا الإيمان "يعطي معنى لحيواتهم".
عندما قتل التسونامي مئة ألف شخص خلال اليوم التالي لعيد الميلاد، فسَّرَ الأصوليون الدينيون الحادثة المؤسفة على أنها دليل على غضب من الله.
على ما يظهر، فقد أرسل الله رسالة أخرى مبطنة إلى الإنسانية حول مساويء الإجهاض وعبادة الأصنام والمثلية الجنسية. رغم فحشه أخلاقياً، فهذا التفسير للحوادث منطقي إلى حدٍّ ما، مع قبول بعض الإفتراضات (السخيفة).
في المقابل، يرفض المعتدلون إستخلاص أيّ إستنتاج حول الله إعتباراً من كتاباته.
ما يزال الله لغزاً مكتملاً وهو مصدر محض للعزاء رغم توافقه مع حضور أبشع الشرور.
إزاء كوارث مثل التسونامي الآسيوي، لا يصدر عن المتقين سوى الهراء، الذي لا يقدم شيئاً.
رغم هذا، يفضل كثيرون من ذوي النوايا الحسنة ذاك الهراء على أيّ شيء واقعيّ ذو صلة بالمأساة.
إزاء الكوارث، تتمثل فضيلة اللاهوت الليبرالي بالتشديد على ممارسة التقوى لا على إبداء الغضب!
مع هذا، تجدر الإشارة إلى ظهور تقوى بشرية – وليست تقوى إلهية – عندما يلفظ البحر الجثث المنتفخة. عندما يُنتزع آلاف الأطفال من أحضان أمهاتهم ليغرقوا بشكل متزامن طوال أيام، يجب أن ينكشف اللاهوتيون الليبراليون على حقيقتهم – ذوي الأعذار الأقبح من الذنوب.
يُعتبر لاهوت الغضب أفضل حتّى.
إن يكن الله موجوداً، فإنّ إرادته ليست مبهمة. المبهم الوحيد، هنا، هو تصديق نساء ورجال أصحّاء عقلياً أشياءاً لا يمكن تصديقها وإعتبارها قمّة الحكمة الأخلاقية.
إنها قمّة السذاجة أن تعتبر، كما يفعل المتدينون المعتدلون، أنّه بإمكان الإنسان العاقل الإيمان بالله لمجرد أنّه يجعله سعيداً أو يخفف مخاوفه من الموت أو يهب معنى لحياته.
تتجلى العبثية لحظة إستبدال فكرة الله بإقتراح آخر واهب للعزاء:
على سبيل المثال، لنتخيل بأنّ رجلاً راغباً بالإعتقاد بوجود ماسة مدفونة بمكان ما من فناء منزله الخلفي، وأنّ هذه الماسة بحجم برّاد. دون شكّ، سيشعر برضى غير عاديّ بسبب هذا الإعتقاد. لنتخيل ما سيحدث إذا سار هذا الرجل على خطى المتدين المعتدل فحافظ على إعتقاده هذا بمصطلحات براغماتية:
لدى سؤاله عن سبب تفكيره بوجود ماسة في فناء منزله الخلفي سيما أن حجمها أكبر بآلاف المرات من أيّة ماسة أخرى قد جرى إكتشافها حتى الآن، سيقول الرجل أشياءاً، من قبيل:
"يهب هذا الإعتقاد المعنى لحياتي"، أو "أستمتع مع عائلتي بالحفر للعثور عليها أيام الأحد"، أو "لا أرغب بالعيش في عالم ليس فيه ألماسة مطمورة في فناء بيتي الخلفي وبحجم برّاد".
بوضوح، هي أجوبة غير مناسبة.
لكن، هي أسوأ من هذا، هي أجوبة شخص معتوه أو أحمق على أقلّ تقدير.
هنا، يمكننا ملاحظة سبب عدم إمتلاك رهان باسكال أو "قفزة الإيمان" لكيركيغارد، إلى جانب مخططات معرفية عقائدية أخرى، الحدّ الأدنى من المعنى.
الإعتقاد بوجود الله هو الإعتقاد بوجود علاقة ما مع وجود المُعتقِد، حيث يشكل هذا الوجود، بذاته، سبباً للإيمان. يجب حضور إرتباط سببي ما، أو على الأقلّ حضور جانب من جوانبها، بين الواقع المُشار إليه وقبول الشخص لهذا الواقع.
بناءاً عليه، لكي تصبح الإعتقادات الدينية معتقدات ذات صلة بكينونة العالم، يجب أن تمتلك قدرة برهانية في النطاق الروحي، كما في أيّ نطاق آخر.
رغم كل خطاياهم المناهضة للعقل، يفهم الأصوليون ما سلف ذكره؛ لكن، لا يفهم المعتدلون – بالتعريف تقريباً – هذا أبداً.
بدا عدم التوافق بين العقل والإيمان جانباً جلياً في المعرفة البشرية والخطاب العام على مدار قرون.
يجب على الشخص إمتلاك أسباب مقنعة للتمسك بما يؤمن به أو ما لا يعتقد به.
عموماً، يعترف الأشخاص المنتمون لمختلف العقائد بأهمية الأسباب ويلجؤون إلى الإستدلال والأدلة متى أمكنهم ذلك. عندما يدعم الإستدلال العقلاني الإيمان، يُتنطَع للدفاع عنه دوماً؛ أما عندما تمثل تهديداً، فيُستهزَأُ بها، وفي ذات العبارة أحياناً.
يستحضر الأتباع "إيمانهم" عندما يقلُّ عدد الأدلة الداعمة أو ينعدم وجودها لهذا الإيمان أو في ظل حضور أدلة مناهضة ماحقة فقط.
ببساطة، يستشهد المؤمنون بأسباب دفاعهم عن عقائدهم (على سبيل المثال، "يؤكد العهد الجديد نبوءات العهد القديم"، "رأيتُ وجه يسوع في نافذة غرفتي"، "بعدما صلينا، قد تراجع السرطان لدى إبنتنا").
رغم أنَّ هذه الأسباب غير مناسبة، بالعموم، فهي أحسن من عدم تقديم أيّ سبب.
الإيمان ليس أكثر من الشهادة التي يمنحها المتدين لنفسه لكي يستمر بالإيمان، عندما تخفق الأسباب أو الأدلة.
عالم منقسم بعقائد دينية غير متوافقة بينياً، في مجتمع خاضع لقوالب جاهزة ومفاهيم أكل عليها الدهر وشرب حول الله ونهاية العالم وخلود الروح، يصبح هذا الإنقسام في خطابنا الخاص بقضايا العقل والإيمان غير مقبول ببساطة.
الإيمان والمجتمع الصالح
من حين لآخر، يؤكد أهل الإيمان على مسؤولية الإلحاد عن إرتكاب جرائم مريعة خلال القرن العشرين. رغم صحّة القول بأنّ أنظمة هتلر وستالين وماو وبول بوت غير دينية بدرجات مختلفة، لكن، لم تكن أنظمة عقلانية على نحو خاص. في الواقع، لم تكن تصريحاتهم العلنية العامة أكثر من أوهام:
أوهام حول العرق والهوية القومية وسير التاريخ أو المخاطر الأخلاقية للفكر.
في الكثير من النواحي، بدا الدين متورطاً بشكل مباشر حتى في هذه الحالات.
لنأخذ الهولوكوست بعين الإعتبار، فما فعله النازيون هو وراثة مباشرة من مسيحية القرون الوسطى. على مدار قرون، نظر المسيحيون الألمان إلى اليهود كنوع حيّ شرير متكون من الكفرة، وقد عزوا كل المساويء الإجتماعية إليهم. بينما عبروا عن بغض اليهود بطريقة علمانية غالباً، إستمرت شيطنة اليهود دينياً في أوروبة.
(إستمر الفاتيكان ذاته بالحديث عن الصفاء الدموي في منشوراته حتى العام 1914).
الأوشفيتز والغولاغ ومعسكرات الموت ليست أمثلة على ما يحدث لدى إنتقاد الناس الزائد لعقائد لا يمكن تبريرها؛ على العكس، هذه الفظاعات هي شهادة على الخطر، الذي يحمله عدم التفكير نقدياً ضمن الأفكار العلمانية المعينة.
كما هو مفترض، الدليل العقلاني المناهض للدين ليس دليلاً يتبناه الإلحاد على عماها. فما يعرضه الملحد كمشكلة، ليس سوى مشكلة الدوغمائية العقدية (أمر مشترك لدى غالبية الأديان).
لم يُسجَّل في أيّ مجتمع على مدار التاريخ أنه قد عانى بسبب توجُّه ناسه العقلانيّ الزائد عن حدِّه.
رغم إعتقاد السواد الأعظم من الأميركيين بأنّ التخلص من الدين هو أمر مستحيل التحقيق، فقد حققه القسم الأكبر من العالم المتقدم. الحديث عن "مورثة ألوهية" مسؤولة عن إيمان غالبية الأميركيين بخيالات دينية قديمة:
يجب تفسيره على ضوء خلوّ عدد كبير من سكان العالم المتقدم من هذه المورثة.
يدحض حضور الإلحاد القويّ في باقي أرجاء العالم المتقدم حُجّة أنّ الإيمان الديني عبارة عن حاجة اخلاقية. فبلدان مثل النروج وإيسلنده وأوستراليا وكندا والسويد وسويسرة وبلجيكا واليابان وهولنده والدانمارك والمملكة المتحدة هي الأقلّ تديناً عالمياً.
بحسب تقرير التنمية البشرية للعام 2005 الصادر عن الأمم المتحدة، تلك البلدان هي الأكثر تقدماً صحياً، بناءاً على معطيات متوسط العمر والإلمام بالقراءة لدى البالغين والدخل والتطور التعليمي والمساواة بين الجنسين ومعدلات جرائم القتل ووفيات الأطفال.
في المقلب الآخر، هناك 50 بلد في أدنى المراتب على مستوى النموّ البشريّ هي الأكثر تديناً. تعكس تحليلات أخرى الوضع ذاته:
تُعتبر الولايات المتحدة الأميركية الإستثناء الوحيد بين الديموقراطيات الغنية على مستوى الأصولية الدينية ومعارضتها للنظرية التطورية؛ كذلك، هي الأعلى بنسبة إرتكاب جرائم القتل والإجهاض وحمل المراهقات وحالات الإيدز وموت الرضّع.
تصح المقارنة ضمن الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، حيث تتميز الولايات الجنوبية والوسطى الغربية بحضور أكبر للتخريف الديني والعداء لنظرية التطور، هي ولايات متأثرة بمؤشرات العطالة الإجتماعية المُشار لها سابقاً، بينما تتمتع الولايات الشمالية الشرقية بحضور نوع من العلمانية المتوافقة مع المعايير الأوروبية.
بطبيعة الحال، لا تحلّ المعطيات العلائقية أو الإرتباطية من هذا النوع قضايا السببية – يمكن للإيمان بالله أن يقود ظهور عطالة إجتماعية؛ العطالة الإجتماعية قد تؤدي للإيمان بالله؛ قد يشجع كل عامل العامل الآخر؛ أو قد يظهر العاملان من مصدر ما أعمق من العطالة.
بترك مسألة السبب والأثر جانباً، تثبت هذه الوقائع بأنّ الإلحاد هو متوافق تماماً مع تطلعات أساسيّة للمجتمع المدني؛ كذلك، تثبت، وبشكل قاطع، بأنّ الإيمان الديني لا يقوم بشيء لضمان الصحة والرفاه للمجتمع.
تقدم الدول ذات نسب الملحدين المرتفعة المساعدات أكثر لبلدان نامية أجنبية. لا فاصل بين الأصولية المسيحية والقيم المسيحية على مستوى مؤشرات العطاء الخيريّ.
بالمقارنة بين رواتب كبار المدراء ورواتب الموظفين والعمال المتوسطين: 24 إلى 1 في بريطانية؛ 15 إلى 1 في فرنسا؛ 13 إلى 1 في السويد؛ بينما في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تعتقد نسبة 83% بأنّ يسوع قد قام من بين الأموات حرفياً، 475 إلى 1.
يبدو أن كثيرين لن يمروا من ثقب إبرة، كما يمكن أن يحدث مع الجِمال بسهولة!
الدين كمصدر للعنف
أحد أكبر التحديات التي تواجهها الحضارة خلال القرن الواحد والعشرين هو تعلُّم البشر الحديث حول إهتماماتهم الشخصية الأعمق – حول الاخلاق والخبرة الروحية وحتمية المعاناة البشرية – بصيغة بعيدة عن اللاعقلانية. لا شيء يعرقل هذا الأمر أكثر من الإحترام الزائد الذي نمنحه للإيمان الديني. ساهمت العقائد الدينية غير المتوافقة ببلقنة عالمنا إلى مجتمعات منفصلة أخلاقياً – مسيحيون، مسلمون، يهود، هندوس، ...الخ – وتحولت تلك الخلافات إلى مصدر متواصل للنزاع البشريّ.
على نحو ملموس، بيومنا هذا، الدين مصدر نشط للعنف، كما بدا بأيّة لحظة من الماضي. الصراعات الحديثة في فلسطين (يهود ضدّ مسلمين)، البلقان (صرب أرثوذكس بمواجهة كروات كاتوليك؛ صرب أرثوذكس بمواجهة مسلمين بوسنيين وألبان)، إيرلنده الشمالية (بروتستانت بوجه كاتوليك)، كشمير (مسلمين ضدّ هندوس)، السودان (مسلمين ضدّ مسيحيين وأرواحيين)، نيجيرية (مسلمين بوجه مسيحيين)، إثيوبية وأرتيرية (مسلمين ضدّ مسيحيين)، سيريلانكا (بوذيين سنهاليين ضدّ هندوس تاميل)، إندونيسية (مسلمين ضدّ مسيحيين تيموريين)، إيران والعراق (مسلمين شيعة ضدّ مسلمين سنة)، والقوقاز (أرثوذكس روس ضدّ مسلمين شيشان، مسلمين أذربيجانيين ضدّ أرمن كاتوليك وأرثوذكس) هي بعض الأمثلة التي لا تختزل كامل المشهد. بتلك الاماكن، الدين هو السبب الواضح والصريح لموت الملايين خلال العشرة أعوام الاخيرة.
في عالم منقسم بسبب الجهالة، وحده المُلحد يرفض إنكار البديهيات: يشجع الإيمان الديني على العنف البشري بصورة مدهشة. يحثُّ الدين على االعنف بطريقتين على الأقلّ، هما:
1. غالباً، يقتل أفراد الآخرين لإعتقادهم بأنهم ينفذون مشيئة خالق الكون (حيث سيضمن هذا الفعل البهيمي الهمجي الحياة الأبدية الهانئة بعد الموت) والأمثلة الشهيرة على هذا السلوك كثيرة ويبرز بينها مثال الإنتحاريين الجهاديين.
2. يزداد عدد المنخرطين بأعمال العنف الديني بإضطراد، ببساطة لأنّ دينهم يشكل قلب هوياتهم الأخلاقية أو المعنوية.
أحد الأمراض المتأصلة في الثقافة البشرية هو ذاك المتمثل بتربية الصغار على الخوف وشيطنة الآخرين على قاعدة دينية. يبدو الكثير من الصراعات الدينية، التي تبدو وكأنها محفزة بمصالح دنيوية، بالتالي، ذو أصل ديني. (يعرف الإيرلنديون هذا الأمر جيداً).
رغم كل هذه الأعمال غير القابلة للإنكار، يميل المتدينون المعتدلون لإعتبار النزاع البشري نتيجة لقلة التربية والفقر أو المظالم السياسية. هو واحد من الأوهام الكثيرة المرتبطة بالتقوى الليبرالية. لأجل كشفها وتعريتها، غلينا التفكير بواقع أنّ منفذي عمل الحادي عشر من أيلول هم جامعيين منتمين للطبقة الوسطى العليا وليس لديهم أيّ قصة معروفة مرتبطة بالقمع السياسي. مع ذلك، أمضوا وقتاً طويلاً في مساجد مناطقهم، حيث إستمعوا إلى أحاديث حول الكفار والمتع التي تنتظر الشهداء في الجنّة.
كم مهندس معماري ومهندس طيران يلزم للإصطدام بجدار بسرعة 400 ميل بالساعة، قبل أن نقبل بأنّ العنف الجهادي ليس قضية تعليم وسياسة أو فقر؟ الواقع مدهش وهو التالي: يمكن أن يتمتع الشخص بثقافة عالية وتعليم ممتاز لدرجة تمكنه من تصنيع قنبلة نووية، مع هذا يعتقد بأنّه سيحصل على 72 عذراء في الجنة الأبدية. بسهولة بالغة يمكن للعقل البشريّ أن ينفر من الإيمان، وهذه هي درجة تكيُّف خطابنا الثقافي مع الوهم الديني. وحده المُلحِد قد لاحظ ما يتوجب إعتباره بديهياً الآن لكل كائن بشريّ مفكر: إن نرغب بإستئصال أسباب العنف الديني سيتوجب علينا إقتلاع اليقنيات الزائفة للدين.
لماذا يُعتبر الدين مصدراً قوياً جداً للعنف البشريّ؟
أدياننا غير متوافقة فيما بينها على نحو لافت. قام يسوع من بين الأموات وسيعود إلى الأرض كبطل عظيم، أو لا؛ القرآن هو كلام الله الذي لا تبديل ولا بديل له، أو ليس هكذا. يطلق كل دين تأكيدات صريحة حول ماهية العالم وتحضر بشكل كثيف غير متوافق ولا متناسب – كما أنها عقائد إيمانية ملزمة لجموع المؤمنين – فتنشأ قاعدة دائمة للصراع. ليس هناك نطاق آخر خاص بالخطاب الذي يتبناه البشر وتظهر خلافاتهم وإختلافاتهم المتبادلة بكل هذا الوضوح عبره، أو يعبرون عن تلك الإختلافات من خلال مصطلحات الثواب والعقاب الأبديين. الدين هو الواقع البشريّ الوحيد الذي يكتسب تفكير نحن – هم (تفكيرنا – تفكيرهم) أهمية هائلة فيه.
إن يعتقد شخص بأنّ مناداة الله بإسمه الصحيح كفيلة بتسجيل الفارق بين السعادة الأبدية والألم الأبديّ، بالتالي، يصبح معقولاً التعامل الفظّ مع الكفار والزنادقة. بل يصبح قتلهم منطقياً. إن يفكر شخص بوجود شيء يمكن أن يقوله شخص آخر لأبنائه وقد يضع أرواحهم تحت الخطر إلى الأبد، بالتالي، الجار الزنديق هو أخطر بكثير من مغتصب الصغار على نحو ساديّ. تبدو الخلافات الدينية أكثر وضوحاً من الفروقات القبلية والعنصرية والسياسية. الإيمان الديني هو عائق قويّ جداً أمام الحوار. الدين ليس أكثر من مساحة بخطابنا حيث يلجأ الأشخاص ليحموا أنفسهم من المطالبة بتقديم الأدلة ودفاعاً عن عقائدهم المترسخة. رغم هذا، غالباً ما تحدد هذه العقائد للمؤمنين بها لماذا يعيشون ولماذا سيموتون – وفي الغالب الأعمّ من الحالات – لماذا سيقتلون.
هي مشكلة بالغة الخطورة، لأنّه عندما تتضح الفروقات والخلافات لهذه الدرجة، فسيجد البشر خياراً بين الحوار والعنف فقط. يمكن للإرادة العاقلة – بحيث تمكن مراجعة عقائدنا حول العالم عبر تقديم أدلة جديدة وبراهين – ضمان متابعتنا للكلام والحوار بين بعضنا البعض. اليقين دون ادلة هو مثير للإنقسام ومُجرِّد من الإنسانية حتماً. رغم عدم ضمان توافق العقلانيين دوماً، فدون شكّ سيبقى الإنقسام حاضراً لدى غير العقلانيين بسبب عقائدهم. يبدو مستبعداً جداً أن نتمكن من علاج الخلافات القائمة في عالمنا من خلال زيادة عدد مؤتمرات حوار الأديان.
لا يمكن أن يتمثل هدف الحضارة بالتسامح المتبادل ولا باللاعقلانية الظاهرة. رغم توافق جميع مناصري الخطاب الديني الليبرالي في الإلتفاف على نقاط تصادم وجهات نظرهم حول العالم، ستبقى هذه النقاط مصدراً للصراع المستمر بين إخوة الإيمان. بالتالي، لا يوفر التصحيح السياسي قاعدة دائمة للتعاون الإنساني. إن رغبنا بإستبعاد شبح الحروب الدينية، كرغبتنا بإقصاء العبودية وأكل لحوم البشر، فمن الضروريّ الإستغناء عن جميع العقائد الدينية. عندما نمتلك أسباباً للإيمان بما نؤمن به، فهذا يعني أننا لسنا بحاجة للإيمان؛ عندما لا نمتلك أيّ سبب، أو لدينا أسباب سيِّئة فقط، نبدو قد فقدنا إتصالنا مع العالم ومع الكائنات البشرية.
الإلحاد ليس سوى الإلتزام بأبسط مستويات النزاهة الفكرية: يجب أن تتناسب قناعات الشخص مع أدلته.
الإدعاء بإمتلاك اليقين دون تقديم أيّ دليل هو عيب فكريّ وأخلاقيّ.
وحده المُلحِد قد فهم هذا الأمر جيداً.
ببساطة، المُلحِد هو شخص قد كشف كذب الدين، وقد رفض تبني هذا الكذب.
3.21. بيانُ مُلحِد(ة) عربيّ(ة)
المُلحد(ة) العربيّ(ة) غير مؤمن(ة) بالآلهة ولا بالرُسُل ولا بالملائكة ولا بالشياطين ولا بالكائنات الأسطورية الخرافية المتنوعة ولا بالقدر ولا بالدهر ولا بالطبيعة ولا بالكُتُب ولا بالعلم ولا بالفلسفة ولا بأيّة شخصية أو مرجعية؛ أي مع الإقتناع (القابل للتعديل) بأيّ شيء وفق مبررات عقلانية ومنطقية.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع تطبيق أخلاقيّات القاعدة الذهبيّة ذات المنطق الكونيّ الشامل غير الإقصائيّ لأيّ فرد أو جماعة. لم تنجح أخلاقيات الأديان على مدار آلاف السنين في زرع قيم الإنفتاح والمحبة ودرء التطرُّف والإقتتال بين البشر (حتى البوذيّة والهندوسيّة وما شابهها، قد فشلت في هذا الأمر أيضاً)، لهذا، يجب إلغاء ما يسمى "تربية دينية" من مناهج التدريس والإستعاضة عنها بمادة "تربية أخلاقية قيمية إنسانية عامة شاملة".
المُلحِدُ(ة) العربيّ(ة) بحالة إندهاش وذهول حيال إنكار المؤمنين التوحيديين للأدلة على أصول أسطورية واضحة لآلهتهم، حيث يدعي كل فريق أنّ إلهه هو الحقيقيّ فقط.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع حثّ المرجعيات الدينية والفلسفية كافة، على مستوى العالم، على ضرورة إجراء قراءة نقدية لما يُسمى "نصوص مقدسة" أو ما شابهها من نصوص أخرى لأجل العمل على حذف كل الآيات والإصحاحات وسواها مما يحضّ على القتل والعنف وإلغاء الآخرين المُخالفين تحت أيّة ذريعة.
المُلحِدُ(ة) العربيّ(ة) مع القول المأثور العربيّ "العلم نور والجهل ظلام"، بحيث يتكرّس إعتماد العلوم ومناهجها في شتّى القطاعات الإنتاجية المجتمعية لأنها خشبة الخلاص الوحيدة.
المُلحِد(ة) العربيّ(ة) مع الإتجاه النسويّ لأجل إقرار المساواة الكاملة بين الذكور والإناث.
المُلحِد(ة) العربيّ(ة) مع قوننة التوجُّه المثلي الجنسي باعتباره توجه طبيعي قائم لدى عدد من الانواع الحيّة بينها الإنسان، أي مع قوننة وشرعنة الزواج المثلي الجنسي وإعتباره زواجاً كالزواج الغيري الجنسيّ بالتمام والكمال.
المُلحِد(ة) العربيّ(ة) مع الإهتمام بشؤون البيئة، وينسجم هذا مع واقع أنّ البيئة هي ذاتها الطبيعة، فنحن جزء منها وهي جزء منّا، بالتالي، الإهتمام بها هو إهتمام بذواتنا.
المُلحِد(ة) العربيّ(ة) مع السلوك وفق منهج إنساني متعارض مع كل أشكال التطرُّف الديني واللاديني والإتني والقومي والقبلي والعشائري والحزبي وسواه.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع عقلنة التعامل مع الموت؛ فالموت هو إستمرارية للحياة نفسها وفق قانون طبيعي منطقي لا وجود لأيّة مفاجأة أو غرابة فيه، فلسان حال أيّ إنسان يقول: "كلنا بدنا نموت".
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع تعزيز العمل التطوُّعي في المجتمع لغايات إنقاذية إنسانية لا حزبية سياسية وسواها.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) ضدّ كل إستبداد مهما تزيَّنَ بشعارات ومقولات.
لهذا، تُعتبر ثورات الربيع العربيّ السلميّة حراك إجتماعي شرعيّ يضمن، على المدى الطويل، الوصول إلى مجتمع عربيّ حرّ متعدّد، حتى وإن بدا التعثُّر هو ما واجه هذه الثورات حتى اللحظة، وهذا أمر غير مفاجيء بظلّ حكم عربي تابع لقوى إستعمارية معروفة وقادر على خلق جماعات إرهابية تساعده على محاولات خنق هذه الثورات، فستبقى عوامل إندلاعها قائمة على الأرض وتؤسس لموجة ثورات جديدة مستقبلاً حتى تحقيق التغيير المنشود الحتميّ.
لا يوجد حكم ديني ولا حكم سياسي أبديّ!
تستخدم المافيات العربية الحاكمة، ومن يغطي جرائمها، القوى الدينية المتطرفة كذريعة لبقائها في الحكم ولأجل ديمومة إستبدادها وفسادها وإفسادها، بالتالي، من الطبيعي رؤية المُلحِدْ(ة) العربيّ(ة) في طليعة الثوّار العرب لا في صفّ المافيات الحاكمة؛ لا يمكن لمن يثور على إستبداد الآلهة أن يقبل بإستبداد البشر! ولا يمكن لمن لا يركع للآلهة أن يركع لحاكم مستبد مجرم.
الحاكم المُستبد العادل = خُرافة!
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع إقرار حُكم مدني ديموقراطي:
لا ديني ولا عسكريّ تحت أيّ ظرف.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع تحقيق العدالة الإجتماعية، التي تعني فيما تعنيه، تحقيق عدالة قضائية إقتصادية سياسية شاملة.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع حلّ النزاعات بين البلدان المختلفة عن طريق التفاوض لا الحروب والقتل والتدمير.
المُلحد(ة) العربيّ(ة) مع تعزيز العمل على محاسبة مُرتكبي جرائم الحروب الموثقة وإتخاذ إجراءات صارمة تمنع إرتكاب المزيد بأيّ مكان من هذا العالم.
4.21. مقابلة مع الأستاذ برنات تورت في كلية الفلسفة - جامعة بويرتو ريكو
سينسى برنات تورت تلك الكلمات التي خرجت من فم إبنه باروك (باروخ) ذو الأربع سنوات، خلال زيارة عائلية العام الماضي للمتحف الأسقفي للفن بمدينة نيويورك.
حدث هذا في قاعة فنون العصر الوسيط، حيث توجد صورة للمسيح مصلوباً ومثبتة في السقف.
رَمَقَ الصغير باروك، الذي يعني إسمه "بركة" بالعبري والعربي، الصورة وقال:
"لماذا يتدلى هذا الإنسان على الصليب؟".
"أدهشني سؤاله الذكي"، يذكر الأب البويرتوريكي، بعمر 31 عام:
"يشكل سؤاله رؤية منفصلة عن كل التقاليد الدينية وغير مألوفة في عالم الصغار كثيراً"!
يمكن فهم تأثُّر هذا الفنان والفيلسوف.
فزوجته ريغيل لوغو أستاذة في علم الإجتماع، والإثنان مُلحدان.
لهذا، يمدان ابنهما باروك وابنتهما آمات، المولودة حديثاً ومنذ 11 يوم بالضبط، بتربية مناسبة لطفل، تربية لا تتضمّن الإعتقاد بالله.
برنات، أبٌ ملحد، هو أحد الأسباب التي دعتنا للحديث معه. لكن، السبب الأهم هو أن هذا الأستاذ بجامعة بويرتو ريكو مرشح لنيل الدكتوراه من جامعة كومبوليتنسي في مدريد، ومختص في فلسفة العلم:
وقد إجتمع مع عدد من المفكرين على مستوى عالمي، وإتفقوا على المواجهة الصريحة الواضحة مع الدين.
السؤال: لقد أضفت تعبير "حرب صليبية علمية ضد الدين"، فهل بالإمكان إيضاح هذا؟
الجواب: أنا أعتبر نفسي مُلحداً تبشيرياً. أشعر بضرورة التبشير بالإلحاد كواجب تجاه مواطنيّ. لماذا؟
لأن الحياة تسير بنا فيه. لأنه فيما لو تبدأ الآراء الدينية بأخذ مكان الآراء العلمية، فسيضيع المجتمع التقني - العلمي كما نعلم، وبهذا، سيتدمّر الدليل بوصفه مفهوم مهم لدعم أو تبرير إعتقاد، فعل أو موقف.
لهذا تبعات سلبية على مستوى سياسي، كما رأينا خلال الأعوام الأخيرة:
حول الدليل على وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق والكذب حوله والعواقب المُدمّرة.
السؤال: لكن، لماذا تحضر نبرة عنيفة لديكم؟ أين هو التسامح؟
الجواب: يتكلم كثيرون عن التسامح، والكلام ليس عليه جُمرُك!
ما قوله: "أنت لديك رأيك، وأنا لديّ رأيي، إهدأ فأنا لا أصدر حكماً".
هذا ليس تسامحاً بل يعني أننا لا نريد التفكير ولا إبداء الرأي.
لا يعني إمتلاك رأي بأن هذا الرأي صحيح بالضرورة.
يدعو الرأي الصحيح لإقناع الآخر والوصول لإتفاق ضمني، أي البحث إلى أين نريد الإتجاه كمجتمع. بنهاية المطاف، فيما لو أنني لا أسعى لإقناع الناس والمتدينين، ولأنهم يمتلكون مهمة تبشيرية أصلاً؛ ما يعني أنهم سيتابعون إستنساخ الأفكار:
التي تُنتج عدم التسامح، العنف والحروب، إضافة لإستنساخ أفكار تمييزية ضد المثليين جنسياً وكره الأجانب وفق تبريرات دينيّة. أنا أريد أن يصبح مفهوم "السبب الديني" دون معنى.
فالأسباب علمانية، وإلا تصبح عقائد.
السؤال: إذاً، أين توجد المشكلة بالضبط؟
الجواب: جذر المشكلة بالتبشير بالايمان بإعتباره قيمة وبإعتباره صيغة ممكنة لتأصيل المعرفة. قد يمنحك الإيمان الأمان، ربما يعطيك أشياء كثيرة:
لكن، لا يمكنه تزويدك بالمعرفة.
السؤال: لكن، في حال الاديان، نتكلم عن أفكار وتصورات موجودة منذ قرون ومستمرة، ما رأيك؟
الجواب: هل الفكرة القديمة جيدة بالضرورة؟ كم قرن استمرّ البشر بالتفكير على أن الشمس تدور حول الأرض؟ خلال كم من الأعوام، ساد الإعتقاد خلالها بأن الصرع هو مسّ من الشيطان؟ وأيضاً، خلال كم من الأعوام، قد فكّر كثيرون بأن النساء أقل قدراً من الرجال؟ كم مرّ من الزمن، الذي قد تمّ تبرير العبودية خلاله؟ يُعلّمنا التاريخ بأنّه كلما كانت الفكرة قديمة وتُعامَل كمُسلَّمة:
كلما توجب علينا الشكّ بها والتدقيق بكل ما يتفرع عنها أكثر وأكثر.
السؤال: هل ترى بأنه آن الأوان لترك الإعتقاد بالله؟
الجواب: أرى بأنه حان وقت ترك الإعتقاد بأشياء لا نمتلك عليها دليل. بالنسبة لي، فكرة وجود الله غبيّة وتعسُّفية كفكرة وجود جوبيتر وإمتلاكه تأثير على حياتي عند تواجده في القبة الزرقاء (السماء) لحظة ولادتي!!.
السؤال: وما هو مصير اللاهوتيين أو رجال الدين؟
الجواب: إن تكن لاهوتي (رجل دين) فهو أمر لا معنى له، لأن الله ليس معرفة يمكن لشخص أن يُصبح خبيراً فيها. قد يمتلك خبرة في دراسات الكتاب المقدس أو في الأدب المقارن؛ لكن، ليس في الله. مع ذلك، نُبدي إحتراماً مخيفاً لرجال الدين. ندعوهم إلى لجان أخلاقية حيوية لتحديد ما تكونه الحياة أو الموت، للكلام عن صحة او عدم صحة الإنتحار أو القتل الرحيم. أن تتم دعوة فيلسوف، إختصاصي أعصاب أو مختص بعلم الأحياء الأخلاقي فهو أفضل. لكن، أن تتم دعوة أحد ما كخبير في الله يعني مثل دعوة أحد ما لأنه خبير في الصحون الطائرة أو في الهادا مادرينا (شخصية صوفية ساحرة يمكنها تحقيق الرغبات بإستعمال السحر وهي موجودة بنصوص درامية وكرتونية – بحسب ترجمتها من أكثر من مصدر –).
السؤال: لديك إبن بعمر 4 سنوات. فإن كان لا يعرف شيء حالياً، فهو سيعلم بأن كثير من الناس تعتقد بالله. كيف يمكنكم كآباء ملحدين مكافحة هذا؟
الجواب: تماماً، كما نكافح فكرة التنين أو العنقاء. إنها كائنات خيالية، جزء من علم الأساطير، جزء من تراثنا الثقافي، أفكار قد أنجزت وظائف ملموسة بزمن ما، لكنها غير صحيحة (واقعية).
السؤال: يمكن أن تتحدّث بهذه المصطلحات مع طفل بأربع سنين؟
الجواب: حسناً، بالنسبة لإبننا باروك، قمنا بتعليمه ما نراه مناسبا له خلال الأربع أعوام، من خلال شرح وتوضيح المفاهيم التي يستعملها هو بكل لحظة.
كمثال، لا نكلمه بالفيزياء الكوانتيّة، لكن، يعرف ما هي الذرّة.
السؤال: هل يقلقك أن يصير إبنك مسيحياً متحمساً عندما يكبر؟
الجواب: أرغب، كأب، برؤية إبني كأفضل كائن بشري ممكن، هكذا، كرغبتي بعدم رؤيته كاذباً، أزعراً أو مدمن مخدرات، كرغبتي بأن لا يصير متديناً أو عسكرياً.
السؤال: فيما لو لا يتم التطرق للذهاب للنعيم أو للجحيم السماويين، كيف ستعلم إبنك القيم الأخلاقية؟
الجواب: الأخلاق لا علاقة لها بالدين. من يعمل الخير لوعده بالجنة السماوية هو منافق، بل أنانيّ حتى. كيف يمكنني تبرير عدم القتل؟ بالتعادل، لأنني أعتبرك مساو لي ولا أريد أن أفعل فيك ما أرغب بأن لا يفعله أحد فيَّ. هذا أقصى ما يظهر حتى في المسيحية ولا يجد أصله أو أساسه لا في الألوهية ولا في علم اللاهوت.
السؤال: تقوم بتدريس الفلسفة بمستوى جامعي. كيف يتم التطرق لموضوع الله في دروسك؟
الجواب: يختلف الله عند الفلاسفة عنه عند المتدينين. هو إله ذو إحتياج منطقي.
واحدة من الأفكار، التي غادرتنا بتقدُّم الزمن. لا تتحدث الفلسفة المعاصرة عن الله تقريباً.
يتحدث علم اللاهوت عنه فقط.
بكل الاحوال، الله عند الفلاسفة غير الله المعروف عند المؤمنين.
ليس إلهاً يصنع المعجزات ولا يجيب لتضرعات، بل إلهاً منسجما مع "حماسات" السبب، إله مجرّد ليس له شخصية ولا إهتمام بالبشر.
ليس شخصاً بل مفهوماً.
في الفلسفة، فكرة الله ثانوية دوماً.
تأتي، بالمقام الأوّل، الخبرة الذاتية، ثمّ يصل الله لأجل وضع رُقعٍ هنا ورُقعٍ هناك.
السؤال: أفترض أن هذا الموضوع ما يزال مثيراً للجدل، أليس كذلك؟
الجواب: تنصّ قواعد العمل في دروسي على أنّه يمكن نقاش أيّ موضوع، دوماً ومع إستعمال الحجج، ليصير النقاش منطقيّ.
السؤال: هل تقصد أنّ الأمر الذي يحمل الطلاب على المساءلة، سيدفع بالضرورة للتخلي عن الإيمان بالله؟
الجواب: نعم، ربما هذا من النتائج التي يصلون اليها. أشجع بدروسي أن يناقش طلابي كل شيء، حتى ما أقوله أنا بالذات، وبالتالي، إستبعاد أيّة فكرة لا تنسجم مع باقي الأفكار، التي يعتبرونها صحيحة. فكرة الله، على الأرجح، من تلك الأفكار التي يتوجب إستبعادها، أو على الأقل، الله الذي تبشر به أديان الكتب: اليهودية، المسيحية والإسلام.
السؤال: وهذا ما تقوم بتشجيعه؟
الجواب: الشيء الوحيد الذي أطلبه من طلابي، كإلتزام، أنه بعد خروجهم من القاعة الدراسية ليس ضرورياً تغيير الأفكار التي لديهم، بل المهم أن يعرفوا لماذا لديهم تلك الأفكار و يفهموها كما هي، وليس لأنها وَصَلَتهم بالوراثة، أو لأنه قد تمّ تعليمهم إياها، وهي التي قد جرى التفكير بها من ألفي عام.
السؤال: كيف ترى الإيمان بالله، في حالة نمو أو إضمحلال؟
الجواب: بالنسبة لي، يقلقني العدد المخيف من الطلاب ذوي المشاريع الدينية المعادية للثقافة التي أراها في الجامعة. لهذا، أقول بأن الإلحاد عندي يتبع مهمة تبشيرية، أي تربية وتعليم. أنا بصدد أخذ كتاب "أصل الأنواع" لداروين أيام السبت وعرضه على الناس سائلاً إياهم: هل تعرفون داروين؟
كما يفعل المسيحيون مع الكتاب المقدس.
السؤال: هكذا، ترغب بتحويل المسيحيين إلى ملحدين إذاً؟
الجواب: لا شيء يفرحني أكثر من مجيء مسيحيين أو جماعة المورمون لباب بيتي وإعطائي الفرصة لأُثبت لهم كم هو قليل ما يعرفونه حول عقائدهم الخاصة وكم يكونوا مخطئين بمعرفتهم عن العالم وكيفية عمله. ما يعني إلى أيّ حدّ تبدو معلوماتهم ضئيلة عن العلم الذي ينتقدونه.
لا أرغب بتحويل أحد.
ما يهمني أكثر من تحويل المسيحيين هو إخراج الملحدين من الخزانة، ما يعني شرعنة وجود الملحدين وتسجيل حضورهم الفاعل في المجتمع.
السؤال: كيف صرتَ مُلحِداً؟ هل كنت مؤمناً بالله بلحظة ما؟
الجواب: لقد آمنت بالله، بالملائكة، بكائنات ساحرة خارج الأرض وبعيداً عنها ... لقد نشأت في بيت علماني، لم نذهب إلى الكنيسة، لكن، إعتقدنا بالبلور الصخري والمزارع أيضاً. عندما بلغت عمر 14 عاماً، بدأت بالبحث الروحي الذي حملني لمجموعات "الأعمار الشابة" ووصلت اللحظة، التي بدأت خلالها بالذهاب إلى مجموعة مختلفة كل ليلة. سعيت وراء الصحون الطائرة، دخلت الى أهرامات مدينة غواينابو لأتلقى مسائل الإيمان وأتعلم خصائص الشفاء بالحجارة ومهازل أخرى أكثر غموضاً. تابعت بحثي ولا شيء ذو معنى، بل عبارة عن مزيج من التعسُّف واللامعنى بشكل فاقع.
عندما بلغت عمر 17 عام، إهتميتُ بقراءة "دليل الملحد الكامل" لإدواردو ديلريُّو الشهير بلقب ريوس.
السؤال: هكذا أنهيت بحثك الروحي؟
الجواب: بالنسبة لي، الروحية والدين شيئان مختلفان وليسا ذات الامر. بالنسبة لي، العالم الروحي للكائن البشري هو مجموع خبرته المُتراكمة. هو ذاك الجزء منا الذي يتأثّر أمام قصيدة، الذي يشعر بالتضامن، الذي يصمد أمام مخاوف الحياة والوجود.
توجد خبرات روحية طبيعية.
السؤال: بالنهاية ما هي إستراتيجية الملحدين؟
الجواب: مفتاح إستراتيجية الملحدين التعليم.
تكمن المشكلة في أننا لم نتمكن من إشعال شرارة الفضول، العطش للمعرفة في الطلاب بكل المستويات وفي المجتمع بالعموم.
الأمر الوحيد الذي يتوجب علينا عمله هو خلق شغف بالمعرفة. لكن، في بويرتو ريكو، وبأجزاء أخرى من العالم، عملوا قطيعه مع المعرفة ومع شغف المعرفة.
يجب العمل على إعطاء القيمة للذكاء والمعرفة وليس للإيمان.
يجب أن نصنع من تلك الأشياء طموحاً للطلاب ومطلباً مُلزماً لسياسيينا ومعلمينا.
لأجل تحقيق هذا الهدف:
سيتعين علينا النضال ضد الدين الذي يُعتبر المشجّع الأكبر للوسطية الوضيعة والتقاليدية (الخضوع للتقاليد البالية) المستمرة حتى وقتنا هذا.
5.21. جزء من مقابلة مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفراي
ساهمت مسارات كثيرة مختلفة بإيصال مئات الرجال والنساء لتبني الخيار اللاديني.
لنتذكر الشخصيّات الهامّة اللاأدرية، مثل:
توماس هنري هاكسل، تشارلز داروين وستيفن غي غولد.
فيما ألْحَدَتْ شخصيّات هامة أخرى، مثل:
ريتشارد داوكينز، كارل ساغان وستيفين بينكر.
بيّنت دراسة إحصائية محققة من قبل لارسون وويتام في العام 1998 بأن ما نسبته 93% من العلماء الأبرز في الولايات المتحدة الاميركية:
لا يعتقدون بالإله الشخصي، وهذه النتيجة مشابهة كثيراً لنسبة علماء بريطانيا بحسب دراسة أخرى.
على الرغم مما سبق، لا تزال كلمة ملحد تعطي انطباع سلبيّ لكثيرين.
إثر نشر مقال في اليومية الكولومبية "الزمن" في العام 2007 حول المجتمع الغير مؤمن في كولومبيا (يسود هذا الطرح، بشكل رئيسي، في منتدى المتشككين – كولومبيا)، تمّ توجيه سؤال للمتدينين حول رأيهم بهذا القسم من المجتمع (غير المؤمنين) فأجابوا:
"هم ذوو أفكار، قد تجاوزها الزمن أو أكل عليها الزمان وشرب!!".
لكن، على الرغم من أن الملحدين أقلية، وأنهم يتلقون القليل من الثقة والكثير من الهجوم من القادة الدينيين الممولين جيداً:
الملحدون هم مجموعة غير راضخة إجتماعياً.
يبقى أن نشير لأن أغلب الحائزين على جائزة نوبل العلمية من الملحدين كما الكثير من المثقفين على امتداد العالم.
أحد هؤلاء المثقفين، بلا شكّ، هو الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفراي.
نلتقي مع مؤلف كتاب "نفي اللاهوت"
واجهت الفيلسوف ميشيل اونفري جُملة من المصاعب ببداية حياته. فقد وُلد بمسكن يعاني من الفقر المُدقع، وتوفيت أمّه وهو بعمر عشر أعوام، فعاش في ملجأ للأيتام. كذلك أصابته نوبة قلبيّة وهو في عمر 28 سنة وبعدها نوبتي سكتة دماغية.
يرى أنه يجب توجيه الحياة نحو ما نكون لا نحو ما نملك.
بالنسبة لميشيل اونفري، الاديان عبارة عن أدوات للسيطرة فقط. يؤكد بأن الاديان التوحيدية الثلاث تعلن وتمارس ذات البغض تجاه النساء وتجاه العملية الجنسية؛ وتكره كلها الحريّة.
ألَّفَ حوالي 35 كتاب، منها "نفي اللاهوت" وهو من كتبه الاكثر شهرة في عالم الثقافة الإسبانية. هنا، ننقل جزء من مقابلة اجرتها معه لويزا كوراديني في اليومية الأرجنتينية "الأمة" في العام 2007، وفق الآتي:
السؤال: حضرتك، تؤكد بأن دار الأيتام لم تكن السبب في إقتناعك بعدم وجود الله، لأنك بعمر العشر سنوات كنت قد توصلت إلى هذا، ومن المألوف اعتبار البالغ بالسن المؤمن على خطأ. لكن، ألا ترى بأنّ عمر 10 أعوام، ليس بداية البلوغ حتى؟ أليس في هذا الطرح شيء من الغرور؟
الجواب: لا أرى ما الذي يجعله غروراً، أو ربما ما هو أكثر من غرور! انا لا أتكلم بتلك المصطلحات، هي مصطلحاتكم المتوافقة مع أحكامكم القيمية.
لنتحدث بوضوح: لقد آمنت بالله عندما كنت أومن في بابا نويل.
اعتباراً من عمر محدد، ظهر لي كل هذا غير منطقي ودون معنى. هذا لا يعني بأن من يفكر بهذه الطريقة هو إنسان خارق أو عبقري سابق زمانه، بل يُعبّر، على الأرجح، عن مزاج غير متكيف مع الخرافات ببساطة.
السؤال: حضرتك، تكتب ما معناه: "تكره الاديان التوحيدية الذكاء". لكن، ما معنى وجود عباقرة في الغرب قد عاشوا الإيمان ومارسوا طقوس تلك الأديان التوحيدية؟
الجواب: إنني أتكلم عن "أديان توحيدية" وليس عن "مؤمنين موحدين". التوحيد هو عقيدة، تحمل في أساسياتها كره المفكرين والنقّاد؛ وتميل إلى من يخضع للقوانين ولكلمة الله ورسله. يوجد موحدون أذكياء ولن أنتظر سؤال حضرتك لأعرف ذلك. وأبداً لم أقم بالتشكيك بذكاء أشخاص موحدين حين يتصفون بالذكاء.
السؤال: لنترك جانباً الكنيسة كمؤسسة وحتى الكتاب المقدس. كيف يمكن لحضرتك أن تعرف بأن الله غير موجود؟ هل هناك احتمال لوجوده. كيف يمكن معرفته؟ ألا تعتقد بأن قبول الشكّ هو موقف فلسفي غالباً؟
الجواب: الشكّ ليس فلسفيّ بل منهجيّ ويُحضّر الأرضية اللازمة للحل الفلسفيّ.
بكلمات أخرى، نتيجة التشكيك بلحظة ما بحركة ما هي الوصول إلى فهم أفضل ما.
وقد استعمل ديكارت الشكّ بهذه الصيغة فقط.
فالإكتفاء بالشكّ = التوقف بمنتصف الطريق.
الشكّ لأجل الشكّ = عدم نزاهة فكريّة.
هؤلاء الذين يزعمون الشكّ، لا مشاكل لديهم بالإدعاء بيقينية الشكّ ذاته.
سيدفع تماسك الشكّاك إلى التوقف عن الكلام حتى.
يجب على الفيلسوف إيصال أفكاره باتجاه محدّد ما. بكل الأحوال، هؤلاء الذين يؤكدون شيء ما (كمثال وجود الله) هم من يتوجب عليهم إثباته.
بخلاف ذلك، يكفي تأكيد أيّ شيء (أن وحيد القرن موجود كمثال) عبر إفتراض هذا الوجود فقط، وأمام عدم القدرة على الإثبات، يتم القفز إلى الإستخلاص بأن ما يفترضه حقيقياً. بهذه الصيغة، يمكن التأكيد على أن الطاولات تدور لوحدها والصحون الطائرة موجودة وتنطق الأبراج بالحقيقة!!!
السؤال: حضرتك، تنتقد "البشر السكارى بالأوهام". هل هذا سيء؟ وفيما لو يسمح هذا لهم بالعيش بسعادة أقلّ؟ حضرتك تكتب: "طريق الحقيقة الفلسفية طويل وصعب". لكن، هناك ناس لا يمكنها المضي في هذا الطريق. فلماذا ترفض صيغتهم الخاصة التي تعزيهم، عندما يعتقدون بقدرة أو قوة فوقيّة؟
الجواب: أفضّل حقيقة تؤلمني على كذبة تهدئني.
لكن، يمكن لأيّ شخص تفضيل أفيون الوهم الذي يناسبه في الواقع.
أنا ألوم الوهم الذي يجعلنا نختلف مع اليقين الوحيد الذي لدينا:
الحياة هي هنا، هنا والآن.
تدعونا الأديان للعيش في الكفّارة، بذريعة الحياة الموعودة بعد الموت، كما لو أنّ أبواب الحياة الخالدة ستُفتحْ بعد موتنا مباشرة.
أنا أخصص وقتاً طويلاً – خصوصاً عندما أومن بجامعات شعبية مفتوحة على كل شيء - لتوفير خيار فلسفيّ بديل عن الإقتراح الديني.
أعتقد بأنه من الضروريّ شَعْبَنَةُ الفلسفة (جعل الفلسفة شعبية، تفهمها الأغلبية) لأجل التوفيق بينها وبين الإنسان ذاته، التوافق مع جسمه، مع حياته، التوافق مع الآخرين ومع العالم دون الإضطرار للمرور عبر تلك القصص الخيالية الدينية!!
السؤال: عندما يفكر مؤمن في الكون، يتخيل السعاده هناك في البعيد، حيث يضع كل احبائه، ألوهياته وأوهامه. يستحيل إلغاء هذا البعد دفعة واحدة. بالمقابل، ماذا يوجد في خيال المُلحد بالإجمال؟
الجواب: يوجد في خيال المُلحد عالم فسيح. أيّة فكرة غريبة لدى حضرتكي عن الملحد!! هل تعتقدين بأنه غير قادر على التخيُّل؟ بحياة روحية؟ من المثير التفكير بأن الملحد عبارة عن أحمق ذو دماغ محدود ويفتقر لإمتلاك أبعاد جمالية وعاطفية ومؤثرة وروحية!!
السؤال: بكل الأحوال لدي إنطباع بأن إختفاء المقدّس ليس وارداً على المدى المنظور. هل تعتقد حضرتك بإنسانية دون دين؟
الجواب: دوماً، ستحضر الأديان، لأنها تسكُنْ في حزن ومخاوف البشر؛ ونحن بعيدون عن تحقيق الخلاص من المخاوف الوجودية.
يُدين الملحد التجنُّد لقضية لا وجود لها. فحبّذا لو نتجند جميعاً لنصرة العدالة.
لا تستطيع الأفكار الغير منطقية، اللاعقلانية، الوهم والخيالات:
تحقيق مستقبل متميّز لنا، وتُبغِضُ تلك الأمور الثقافة وهي السبب بالتقهقر واللجوء إلى الأساطير وفي طليعتها الدين.
السؤال: حضرتك تكتب: "السلطة، بالنسبة لي، غير قابلة للاحتمال. الإستقلالية، غير مرئية. تشلُّني الأنظمة، الدعوات، الطلبات، الإقتراحات والنصائح". كيف تعمل لتنظيم علاقتك مع الآخرين وخصوصاً القريبين منهم؟
الجواب: منذ بلوغي 17 عاماً (عندما غادرت منزل عائلتي للعيش دون مساعدة أحد)، قمت ببناء حياتي بعيداً عن الخضوع – والأوامر! – بأدنى حد ممكن. لا تطلبي مني تفاصيل لأنه سيتوجب علينا تكريس كامل هذه المقابلة لتلك القضية.
نقول بأنه ضرورياً تفادي الزواج والأبناء، المقامات، الغنى ومواقع السلطة.
أنا عازب دون أولاد، يهمني الحصول على الأوسمة والمناصب الفخرية في المعاهد الجامعية.
أعيش بشكل جيد بنقود أو دونها، لأن النقود لم تكن هاجس مسيطر عليّ في حياتي، لستُ ممثلاً لهذا ولا لذاك. أحاول البقاء بعيداً عن إحتياج أيّ شيء من الآخرين دوماً.
أعيش من جهدي، وممن يشترون كتبي، وكل هذا، يصنع لي وضع إجتماعي ساحر، حياة ملك تقريباً!
السؤال: حضرتك تعتبر بأن اللذة تعني بأن نكون لا أن نمتلك. هل بالإمكان أن تشرح لي هذا؟
الجواب: يصعبُ شرح هذا بعدة كلمات، لكن، سأحاول. نقول بأن الأشياء المرتبطة مع الإمتلاك (المال، المركز الإجتماعي، الغنى، الأملاك، العادات الحسنة للمجتمع الإستهلاكي) ليست غاية بذاتها. على العكس من هذا، ما يتوقف على ما نكون (حرية، صداقة، حب، العاطفة، الحنان، الطمأنينة، السلام الداخلي، الآخرين والعالم) يؤسس المثال للحكمة نحو ما يجب تعميمه.
لا يُقدّم التمتُّع بشيء ما نفعاً زائداً، بينما يشكّل التمتُّع بلحظة حكمة واحدة من أعظم اللحظات في الحياة.
السؤال: ما هو الفرق بين مذهب اللذة هذا والفلسفة الرواقية؟
الجواب: التضاد بين المدرستين، هي قضيّة بحث جامعي.
يجب قراءة رسائل لوقيان السميساطي الرواقي، لنجد كمّ كبير من الحجج الأبيقورية.
أشرح في كتابي "ضد – تاريخ الفلسفة" كيفية التعارض بين حساسيتين فلسفيتين، استخدمهما شيشرون لغايات سياسية:
بدا ضرورياً الحطّ من قدر الأعضاء الأبيقوريين في مجلس الشيوخ، وقد وسمهم شيشرون الرواقي بالشهوانيين والغير قادرين على شغل المناصب العامة!!.
تولّت المسيحية بعد شيشرون القضيّة، سارت على ذات الخطّ القائم حتى يومنا هذا.
السؤال: حضرتك فيلسوف حداثيّ. أيّ مكان تحجز لتفكيرك بالنسبة للتحليل النفسي ولعلوم الأعصاب؟ ألا تعتقد بأن هذا الأخير قد انتهى مع فرويد؟
الجواب: لديّ مشروع لكتابة كتاب حول التحليل النفسي، لن يمنح هذا الكتاب السلطة المطلقة لفرويد ولا لعلوم الأعصاب.
سأحاول عبره إعادة تأهيل التحليل النفسي بوصفه شامانية ما بعد حديثة، وإيضاح أنّ الجسد ليس قضية غير واعية، نفسياً، بل غير واعية عصبياً إنباتياً.
السؤال: هل حضرتك راضٍ عن حياتك؟ ربما يُثيرُ توجيه سؤال لفيلسوف حول سعادته السخرية؟ لكن ...
الجواب: لا مشكلة أبداً، فأنا سعيد تماماً! في حال معاكس، حين أفقد سعادتي، سأترك كتابة ما أكتبه، تعليم ما أقوم بتعليمه. من غير المنطقي إعطاء محاضرات حول السعادة وأنا غير سعيد؛ سأبدو مُحتالاً وقتها.
وأنا أعرف بأنه في الفلسفة، قد نعثر على محتالين أيضاً!!
6.21. مُقابلة مُتخيّلة مع عبد الله القصيميّ
نفتتح هذا الموضوع، بقول أنسي الحاج عن القصيميّ:
ينزل عبد الّله القُصيمي تمزيقاً في المُحرّم. كتاباه "هذا الكون، ما ضميره؟ و ""كبرياء التاريخ في مأزق"، لم أعرف مثلهما في الأدب العربي تحريضاً وإشاعة عصيان .وهو ليس مفكّراً يشرح نظريات، إنه القاموس العربي وقد استحال صراخاً ضد التزوير، بمعناه التاريخي، ضد القمع والتخلف والسدود كلها.
هذا الرجل القادم من الصحراء، السعودي المقاتل لكلّ شيء، الرافض لكل شيء، الحرّ في وجه كل شيء، يتكلم كالشهيد الحي. ماذا يريد؟ يريد أن يفرغ الدنيا العربية من نفسها ويؤلفها على الحرية، والعقل والكرامة.
كُتبه فضيحة تاريخية. فضيحة أن يكون العربي قد ظلّ حتى الآن خالياً من عبد الّله القصيمي. فضيحة، عبد الّله القصيمي، تفضح ألوف ماسخي الكلمة العربية كل يوم من المحيط إلى الخليج.
انتهى كلام انسي الحاج
وهنا نحاول تخيُّل: قيامنا بإجراء لقاء مع القصيميّ، بناءاً على قراءاتنا لبعض أفكاره في بعض من كتبه، حيث ستكون الإجابات من كتابات القصيميّ دون اي تعليق منّا، كالآتي:
أبو القاسم المصييتيّ: مرحبا أستاذ عبد الله ..
القصيميّ: أهلا وسهلا وأتمنى أن تنادوني باسمي: عبد الله أو القصيميّ دون تكليف
أبو القاسم المصييتيّ: حسناً .. كيف يقدّم عبد الله القصيمي نفسه للآخرين؟
القصيميّ: أنا سعوديّ ونشأت في بيئة دينية سلفيّة، وانخرطت في أعمال الدين والدعوى لسنوات طوال، إلى أن أوصلتني كثرة القراءة ودراستي بأكثر من بلد وفي العقيدة الدينية على وجه الخصوص، إلى مرحلة الشك والتشكيك، الأمر الذي أفضى بي إلى اللاإيمان أي الإلحاد .. حيث غادرت أرض الحجاز إلى الخارج سيما لبنان ومصر، نشرت عدد من الكتب وتعرضت لمحاولات اغتيال عدّة وسُجنت ... أكتفي بهذا القدر.
أبو القاسم المصييتيّ: شكراً .. ما هو رأيك في الحركة النقديّة في العالم العربي على وجه العموم؟
القصيميّ: الشعوب العربية لا تعترف بقيمة النقد، بل لا تعرفه، إن النقد في تقديرها كائن غريب كريه، إنه غزو خارجي، إنه فجور أخلاقي، إنه بذاءة، إنه وحش فظيع يريد أن يغتال آلهتها، إن النقد مؤامرة خارجية، إنه خيانة، إنه ضد الأصالة ، إنها لذلك تظل تتغذى بكل الجيف العقلية التي تقدم إليها، لا تسأم التصديق ولا تمل الانتظار، إن أسوأ الأعداء في تقديرها هم الذين يحاولون أن يصححوا أفكارها وعقائدها أو يحموها من لصوص العقول ومزيفي العقائد، وبائعي الأرباب، إن تكرار الأكاذيب والأخطاء والتضحيات لا يوقظ فيها شهامة الإباء أوالشك أو الاحتجاج، لقد جاءت مثلاً أليما في الوفاء والصبر والانتظار لكل مهدي لا ينتظر خروجه.
أبو القاسم المصييتيّ: وما هو رأيك بالسلطة الرابعة، اذاً، في عالمنا العربي؟
القصيمي: الصحافة في البلدان العربية، غزو للإنسان، غزو لذكائه، لأخلاقه، إنها لا تفهم الحقيقة، لا تحترمها ولا تبحث عنها، إنها لا تحاول أن تدافع عنها، أن تقف معها، أن تدافع عن شرفها، إنها في كل حالاتها بلا شرف، إنها ليست فساداً فقط، إنها غباءة، جهالة، افتضاح، إنها قوم من المنحلين والمرتشين، والضعفاء والمنافقين يعرضون في السوق عرضاً دائماً أسوأ ما فيهم، يعرضونه على انه أسمى رسالة إنسانية ووطنية واخلاقية، يعرضونه على أنه تضحية في سبيل الإنسان تفوق جميع التضحيات، عن هؤلاء الذين يشرفون على هذه الصفحات هم أردأ شخصيات المجتمع، منذ البداية، وإما بالتعويد والممارسة !!كم تعذبني هذه الصحافة، كم أخاف منها، ماأضيق وأخطر الطريق الذي يسير فيه الصحفي العربي الذي يرفض أن يكون ملوثاً أو جباناً أو ضالاً أو بليداً، ما أضيق وأخطر الطريق الذي يسير فيه الصحفي النظيف!!
أبو القاسم المصييتيّ: لننتقل الآن للشأن الديني، وبداية سؤالنا يتعلق بوجود من يعتبر العبادة من اهم اسباب النجاح، فما هو رأي القصيميّ بذلك؟
القصيميّ: العبادة ليست سبباً للنجاح، بل العمل والدراسة هما سبب أي نجاح.
أبو القاسم المصييتيّ: ما هو رأيك بظاهرة الدعاء في الاوساط الدينية عموماً والاسلامية على وجه الخصوص؟
القصيميّ: إن الدعاء والصلاة لله اتهام له.إنك، إذا دعوت الله، فقد طلبت منه أن يكون أو لا يكون.إنك تطلب منه حينئذ أن يغير سلوكه ومنطقه وانفعالاته. إنك، إذا صليت لله، فقد رشوَته لتؤثر في أخلاقه ليفعل لك طبق هواك. فالمؤمنون العابدون قوم يريدون أن يؤثروا في ذات الله، أن يصوغوا سلوكه.
إن المؤمنين بالله وبالأديان يصنعون ما قاله نهرو عن الهنود:"إنهم يعبدون الأبقار ولا يفعلون لها ما يجب.ولو أنهم أعطوا الأبقار ما تريد ولم يعبدوها لكان احترامهم لها أفضل".
إنهم يتصورون الله قيصرا أو زعيما ضالاً، ينشرح صدره للنفاق وقصائد الامتداح، ويفقد بذلك وقاره.
أبو القاسم المصييتيّ: ما هو مبرّر عملية الخلق وفق تحليلك الشخصيّ، ولماذا يميل البشر للإيمان برأيك؟
القصيميّ: إن الإنسان هو وحده الذي تحدث عن الآلهة ودعا إلى الإيمان بها.
لقد خلق الإله الإنسان لكي يعبده ويطيعه.ولكنه كان يعلم قبل أن يفعل ذلك أنه لن يعبده ولن يطيعه. فهل كانت رغبته في عبادة الإنسان له غير ناضجة، أم كانت خطته لتحقيق رغبته غير كافية؟
إن من أسوأ ما في المتدينين أنهم يتسامحون مع الفاسدين ولا يتسامحون مع المفكرين.
إن المطلوب عند المتدينين هو المحافظة على رجعية التفكير، لا على نظافة السلوك.
إن افتراض أن العقائد القوية هي التي تصنع الأعمال الكبيرة غير صحيح. إن حوافز الإنسان، لا عقائده، هي التي تصوغ كلَّ نشاطاته.
الإنسان، قبل تدينه، وجد أن من الصعب عليه أن يكون ملتزما بضوابط الحياة المثلى، فتدين لأنه وجد أن من السهل أن يكون معتقدا.
أكثر الناس خروجا على التعاليم هم أقوى من وضعوا التعاليم.إن أفسق الحكام والمعلِّمين هم أقوى الناس دعوةً إلى الأديان والأخلاق.
لو كانت الفكرة تعني التقيد بها لما ابتكر الناس الأديان والمواعظ والأخلاق المكتوبة.
لو كان الإيمان ملزِما لكان مستحيلاً أن يوجد في التاريخ كلِّه مؤمن واحد.
الناس، في كلِّ العصور، هتَّافون على مستوى واحد من الحماس. هتفوا لجميع الحكام والزعماء والعقائد والنظم المتناقضة: هتفوا للإيمان بالله والإيمان بالأمجاد، للملكية والجمهورية، للديمقراطية والدكتاتورية، للرأسمالية والشيوعية؛ هتفوا للعدل والظلم، للقاتل والمقتول.
إن الناس لا يؤمنون بالأفضل والأخلاق، بل بالأكثر صخبا وتجاوبا مع الأعصاب المتعبة.
أنت تتكلم، إذن أنت تحاول أن تقول غير ما تقول، أن تقول غير نفسك، غير الأشياء التي تتحدث عنها.
الناس لا يتحدثون عن الأشياء كما هي، بل كما يريدونها.
إنك حينما تَصدق أحيانًا إنما تريد أن تهرب من الصدق.
إن اللغة تعني دائما الفرار من معنى اللغة.
الناس لا يرحبون بالداعية ويتبعونه، ولا يؤمنون بالنبي ويرون معجزاته، احتراما أو اقتناعا أو رحمة، بل احتجاجا وبحثًا عن صارخ متألِّم ليصرخوا وراءه، ليصرخ لهم وعنهم، ليصرخوا به.
إن آلهة الإنسان وعقائده ومثُله وأخلاقه هي مجموعة أخطائه اللغوية.
إن الفرق بين الشيء ونقيضه يساوي الفرق بين رغبتنا فيه ورغبتنا عنه.
أبو القاسم المصييتيّ: يعتبر كثيرون أن الأخلاق لصيقة بالإيمان، ومن هم غير مؤمنين: فاقدين للمرجعية وحتما غير أخلاقيين .. فما هي نظرتك للشأن الأخلاقيّ ومن هو الكائن الأخلاقي، اذا جاز التعبير؟
القصيمي: ما أعظم الفرق وما أطول المسافة بين أخلاق البشر النظرية وأخلاقهم السلوكية والنفسية!
إن أشد الناس إيمانًا بالنظريات يتعايشون ويتلاءمون مع النظم المخالفة لنظرياتهم.
إن النظرية هي تحويل الواقع إلى صورة فكرية .ولا يمكن تحويل النظرية إلى صورة مادية.
إن البشر لا يصنعون انفعالاتهم؛إذن هم لا يصنعون أخلاقهم، لأن الأخلاق ليست سوى انفعالات قد حولناها إلى تعبيرات أخلاقية.
إن كلَّ تربية البشر الأخلاقية والاجتماعية الصالحة تعني تعليمهم نوعا من السلوك، لا نوعا من الشعور و الحب، لأن الشعور والحب لا يعلَّمان.
إن الأخلاق، في كلِّ العصور، هي إتقان فن التكلف والكذب والتزوير .
حتى الإحسان للآخرين والإشفاق عليهم هو عطف على الذات، لا عليهم .
إن من أعطاك فرصة أن تعرض إشفاقك عليه هو من أحسن إليك.
إن الفرق بين الفاضل والرديء هو اختلافهما في تلاؤمهما مع الأشياء لاختلاف المستويات والظروف التي تواجههما والتي يعيشان فيها.
إن الفضيلة هي أن يتوافق الإنسان مع الطبيعة – لا أن يتجنبها أو يخافها أو يعجز عنها أو يحرمها أو يعبدها.
الرذيلة، في جميع أساليبها، هي أن يصطدم الإنسان بالطبيعة.
إن الحياة حركة، لا تشريع. إنها لا تُتَعلَّم، بل تخرق التعاليم. أما الإنسان فهو آلة وحافز.
إن الذين ينزعون إلى تقييد حياتهم بالمحرمات، تدينًا أو تغنِّيا بالفضيلة، إنما يكشفون بذلك عما في أنفسهم من استعداد للهرب من الحياة.
الذين يحرمون على البشر سلوكًا أو شيئًا ما، إنما يعنون أن يحرموا عليهم الذكاء والحرية والمقاومة.
إن التحريم يعني أنه يوجد شيء فوق البشر؛ إنه دائما دلالة أليمة على أن الإنسان محكوم من بعيد.
إنه لولا رجال أصحاء جاءوا يبشِّرون بالحياة ويصنعونها ويمارسوها، جاءوا يدعون إلى مجد الأرض ويشيدوا بمجد الشهوة والغريزة بسلوكهم ومنطقهم، لما استطاعت الإنسانية أن تعبر الصحراء الرهيبة الفاصلة بين البداوة والحضارة.
الفضيلة قدرة، لا فكرة.
كيف يستوعب العقل البشري أن الآلهة تغضب على الذين يضحكون ويفرحون وترضى عمن يحزنون ويبكون؟ !
أهل الأديان يريدون تحويل التاريخ كلِّه إلى مبكى بعد أن حولوه إلى معبد .لقد ابتكروا خصاء الرجال ليفقدوهم كلَّ طموح إلى الحرية والتمرد والاستقلال والمقاومة، ليفقدوا حوافز المجد والغضب للكرامة عند فقدانهم الرغبة الجنسية.
إن الشهوات هي التي تغير الأفكار وهي التي تخلقها عواطفنا هي التي تحكم عواطفنا، وشهواتنا هي التي تحمينا من شهواتنا.
عندما نشعر بفقدان الحماس لشهواتنا تفقد عقوُلنا كذلك نشاطَها.
إن الفضيلة ليست شيئًا غير الشهوة.إن محاولة الحصول على الفضائل بإضعاف الشهوات كمحاولة الحصول على الشيء بإعدامه، كمحاولة تقوية الرؤيا بفقء العين.
إن الله لم يخلق هذه الدنيا وهذا الكون إلا بحثًا عن السعادة لنفسه.
الاستقامة والأخلاق نوع من الفن، شهوة وقدرة وإرادة وموهبة وذكاء وظروف تتلقى ذلك وتتعامل معه، تلونه بلا قداسة أو نبوة.
الأخلاق معركة ينتصر فيها أقوى الأسلحة الضاربة. والمعارك إنما تصنعها وتفصل فيها الشهوات. فالأخلاق شهوات تلاءمت مع ظروفها.
إن الأخلاق عند الإنسان وحكمه على الأخلاق يتبدلان بتبدل وضعه الاجتماعي أو حالته النفسية أو صحته. إن أي اختلال في إحدى غدده أو كبده يغير شعوره وتصوره وتفكيره واستجاباته الأخلاقية. إن الضعفاء يتصورون الأخلاق على غير ما يتصورها الأقوياء.
إن الذين لا يجيدون الابتسام قد ينتهون إلى تشريع البكاء والدعوة إليه كعبادة.
إن صفات آلهة الإنسان موجودة في ذات الإنسان، لا في ذات الآلهة.
إننا لا نستطيع أن نخرج من عبودية شهوة أو أن نرد طغيان شهوة إلا بشهوة أقوى.
ما أكثر المؤمنين الذين يرتكبون جميع ما يستطيعون من معاصٍ، معتمدين على التوبة في آخر المطاف، أو معتمدين على سعة المغفرة.
إن أية عقيدة لها تأثير على سلوكنا بقدر ما تستجيب لشهواتنا.
أقوى الناس اشتهاء للدنيا هم من أبدعوا أقوى الأوصاف وأكثرها تعريةً وفضحا لشهوات الآخرة. لقد جاءوا بأبذأ الأساليب في التشويق إلى اللذات المنتظرة هناك. والذين كانوا شعراء في وصفهم لنساء الآخرة كانوا حتما شهوانيين جدا في أشواقهم نحو نساء الدنيا. لقد اشتهوا ما هنا فوصفوا كشعراء ما هنالك.
إن الشهوات هي الجياد الأصيلة التي رفعتْ جميع العظماء على صهواتها ليحتلوا أكبر أماكن التاريخ.
إن تسليح الأفراد بالشهوات القوية كتسليح الجيوش بالأسلحة القوية: ليس لأي منهما فضيلة أو معنى إلا بذلك.
إن كلَّ إنسان أو شعب يفقد الحماس تصاب مواهبه كلُّها بالعجز .
إن أعظم شيء يتفوق به الإنسان على كلِّ ما في الوجود هو موهبة التحدي.
يا شعوبا أنهكها البحث عن الفضيلة! جربي البحث عن الرذيلة – فقد تجدين بها ما تفتقدين من فضائل
إن الله لا يريد أن نكون وحدنا مؤمنين، ويكون غيرنا كافرين – يفعلون هم الشهوات والعبقرية المحرمة والإبداع والحياة، ونفعل نحن الفضائل للموت والطاعة والخوف؛ يفعلون هم الحضارة، ونفعل نحن المواعظ والأنبياء.
الضعفاء أقرب إلى الأخلاق لأنهم أعجز عن عصيانها؛ وهم أيضا أبعد عن الأخلاق لأنهم أعجز عن تحقيقها وتحصيلها.
إن العلم والحياة لا يصنعان الأخلاق، وإنما يصنعان القوة. إن القوة دائما ضد الأخلاق؛ لهذا لا ينتظر ازدهار الأخلاق مستقبلاً، بل نمو القوة الإنسانية.
إذا اتبعتُ الحقَّ واحترمتُه فليس لأني فاضل، وإذا اتبعت الباطل فليس لأني شرير، ولكن لأني في الحالتين إنسان. إني أفعل ذاتي دائما.
أنا أفكر وأتكلَّم كشريعة، ولكني أحيا وأنفعل وأخطئ كطبيعة .
لا يولد موقفُ الإنسان معه. كلُّ إنسان يولد بلا موقف، حيث يصنع موقَفه تحت عدد لا حصر له من الاحتمالات الحمقاء.
نحن نسمي بطلاً كلَّ من لم يجد الفرصة لكي يكون نذلاً.
الأخلاقي هو من يصدق مرة واحدة ليكذب عشرات المرات.
ما أسخف الحياة لو كنا لا نفكر ولا نعتقد إلا ما نفعله.
الذين يفعلون الصواب لا يفعلونه لأنهم يحترمون المنطق. كذلك الذين يفعلون الخطأ، لا يفعلونه لأنهم يحترمون المنطق. ليست الحضارة أو الأخلاق أو فقدها منطقًا أو فقدا لمنطق. إنها قدرة أو فقد للقدرة. ليس أعظم الناس إبداعا وحضارة وأخلاقًا هم أعظمهم منطقًا.
أبو القاسم المصييتيّ: بعد جوابك هذا .. نقول لك بكل صراحة وبلهجات بلاد الشام: ما بينشبع منّك يا خيي .. وسيكون لنا مع حضرتك جولة أخرى، بل ربما جولات!!
نشكر سعة صدرك والى لقاء آخر.
القصيمي: أشكر اهتمامكم بآرائي وآمل أن أكون قد أفدت بما أجبت!! .. وأختم ببعض ما قلته عن لبنان، الذي عشت فيه وتمتعت بجو الحريّة فيه:
كنت يا لبنان زهراً
في عباءات العروبة
كنت يا لبنان فجراً
في دياجير العروبة
كنت يا لبنان عطراً
فوق أوحال العروبة
كنت يا لبنان طهراً
من وقاحات العروبة
كنت يا لبنان جسراً
فوق صحراء العروبة
كنت يا لبنان كبراً
فوق أوثان العروبة
كنت يا لبنان شعراً
لم تؤلفه العروبة
كنت يا لبنان حراً
لم تسامحك العروبة
كنت يا لبنان شيئاً
لم تجربه العروبة
المراجع
ويكبيديا
انسي الحاج .. كلمات كلمات كلمات .. الجزء الأول .. ص283 . 284, دار النهار للنشر بيروت
صحراء بلا ابعاد .. عبد الله القصيمي
أيها العقل من رآك .. عبد الله القصيمي
عبدالله القصیمي –الأستاذ محمد السیف – مكتبة دار الندوة الالكترونیة
22. بين الإلحاد الشامل والإلحاد الجزئيّ
طوَّرَ عالم النفس جون برودوس واطسون نظرية سلوكية، بحسبها، السلوك البشريّ ليس غريزياً أو فطرياً، بل هو أمر يجري تعليمه. لطالما وردت هذه الفكرة إلى ذهني، وأجّلتُ الحديث عنها، سابقاً، ولأكثر من سبب .. إنها الفكرة، التي تقول:
كل البشر ملحدين، لكن، يتراوح إلحادهم بين إلحاد شامل وإلحاد جزئي .. فكيف يتجلّى هذا في الواقع؟
قبل كل شيء، يتوجب توضيح معنى الإلحاد المقصود، هنا، فما هو الإلحاد؟
اذا انطلقنا من الكلمة اليونانيّة "آتيوس" التي تعني "دون آلهة" أي كصفة تُطلق على "غير المؤمنين باله أو أكثر" أو "غير المعظمين لها" المُلحدين. إذاً، يُعتبر الإلحاد عدم الإيمان بالآلهة لعدم الإقتناع بها، بناءاً عليه، كيف يمكننا اعتبار كلّ البشر ملحدين؟!
لا يوجد مؤمن بكل الآلهة التي ظهرت بتاريخ البشر الطويل، بل يوجد مؤمنون بآلهة عديدة، حيث يعتبر الكثيرون منهم آلهة الآخرين وثنيّة ولا يعترفون بها، أي هم غير مؤمنين بها.
إذاً، وفق تعريف الإلحاد أعلاه:
هم يتبنون إلحاد من نوع خاص، أسمح لنفسي بتسميته: إلحاد جزئي!!
فمثلاً، وببساطة، يؤمن اليهودي بالإله اليهودي .. فهو يكتسب صفته الإيمانية من عبادته للإله اليهودي، لكن، هو غير مؤمن بالإلهين المسيحي والاسلامي أو بالآلهة الوثنية .. أي أنه مُلحد بآلهة المسيحية والاسلام والأديان الوثنية. لدى المسيحي ذات القصة، وبدوره، المسلم لديه ذات الرواية ..... هم مؤمنون بإلههم و ملحدون بآلهة الآخرين.
يتبنّى هؤلاء الإلحاد الجُزئيّ بأبهى تجلياته!
أما الملحد فهو غير مؤمن بأيّ إله، بالتالي، هو يتبنى:
إلحاد شامل.
قارنوا، لو سمحتم، بين ما ورد أعلاه وبين هذا القول:
"الإثنان مُلحدان. فببساطة، أنا أعتقد بإله أقل منك. وعندما تفهم لماذا تستبعد كل الآلهة الأخرى؛ ستفهم لماذا أنا أستبعد إلهك" –
ستيفن روبرتسون
23. فوبيا الإلحاد
إثر مضي زمن، غير قليل، بنقاش بعض المؤمنين، لاحظتُ وجود نوع من فوبيا الإلحاد لديهم، حيث يتجلى هذا من خلال إنعدام التسامح، التعامل بصورة سيئة، الإستهزاء، الشتائم، التعنيف ...الخ بحق الملحدين.
مع هذا، لا ينحصر حضور تلك الفوبيا لدى المؤمنين فقط، بل كذلك، تحضر لدى بعض الملحدين، الذين لا يتحملون ملحدين آخرين لا يُشاطرونهم الكثير من المواقف، ولا يتحملون المؤمنين أحياناً!
رغم إمكان عدم تصديق هذا الأمر!
عزيزي المؤمن، هل تعاني حضرتك من أعراض فوبيا الإلحاد؟
بحيث لا تتسامح أو تتساهل ولا يمكنك تحمُّل الملحدين؟!
نعم، تحضر فوبيا الإلحاد لدى بعض المؤمنين، كما تحضر فوبيا الإسلام لدى بعض الملحدين أو من يعتبرون أنفسهم غير دينيين أو "علمانيين"! أو فوبيا اليهود لدى بعض القوميين! فمعالم تلك الفوبيا واضحة بالخطاب المُستعمل!
تزدهر فوبيا الإسلام إثر حدوث كل عمل إرهابي لأية جماعة إسلاموية مثل داعش "نجم الموسم الراهن"! وتساهم طريقة التعاطي مع الإسلام والمسلمين، بالوقت الراهن، سيما في أوروبا وأميركا، بازدياد التطرُّف ولا تُعالجه!
الحوار وحده، ووحده فقط، هو الكفيل بتخفيف حدّة هذه الفوبيا لدى كل الأطراف!
24. رهان باسكال والردّ عليه
من أهم البراهين التي يسوقها "المؤمنون" لتبرير إيمانهم بمعتقدهم القديم:
برهان، قد وضعته ذهنيّة لامعة أوروبيّة.
فمن الواضح أنّ عقول متميزة، قد ترنحت أمام الذعر الذي يسببه الموت؛ الأمر الذي يجعلهم يلجؤون للأساطير المُهدِّئة، لأنهم غير قادرين على القيام بمواجهة ناضجة لحالة الغياب الناتج عن الموت لأحبّة أو للشخص ذاته.
"رهان باسكال"، أحد البراهين الساذجة بامتياز، والذي يمكن اختصاره بوجود أربع خيارات تواجه "الإيمان بالله"، هي:
1- فيما لو أومن بالله وهو غير موجود، فبعد موتي لن أخسر ولن أربح شيء.
2- فيما لو أومن بالله وهو موجود، فسأربح الحياة الابديّة.
3- فيما لو أشكّك بالله وهو غير موجود، فلن أربح ولن أخسر شيء.
4- فيما لو أشكّك بالله وهو موجود، فسأربح عذاب أبديّ في الجحيم.
الإحتمالات لدى من يؤمن: إما حياة أبديّة أو لا شيء.
الإحتمالات لدى من يشكك: إما لا شيء أو عذاب أبديّ.
يستخلص الشخص الغير منطقيّ، بالتالي، بأن الإيمان أفضل من اللاإيمان، لأنّ الآفاق أفضل لمن يؤمن.
هذا البرهان طفوليّ ومليء بالأخطاء المنطقيّة، الأمر المُقلق أن شخص كبليز باسكال، الذي وضعه، وهو ما يُوجِبُ الانتباه إلى أنّ الاشخاص الأبرز، في بعض الأحيان، قد يرتكبوا أخطاءاً مثيرةً.
لأجل تفسير رهان باسكال، سأعمل موازاة مع رهان ليبريكان، وفق طروحات أسطورية إيرلندية، تدفع الموت بوعائها الذهبيّ.
1:24. رهان ليبريكان
بمواجهة الإيمان بوعاء مليء بالعملات الذهبية، موجود بنهاية قوس قزح، يوجد 4 خيارات:
1- فيما لو أومن بالوعاء وهو غير موجود، إثر الوصول لنهاية قوس قزح لا أربح ولا اخسر شيء.
2- فيما لو أومن بالوعاء وهو موجود، فبعد الوصول لنهاية قوس قزح سأحصل على وعاء مملوء بالذهب.
3- فيما لو أشكك بالوعاء وهوغير موجود، لا أربح ولا أخسر شيء.
4- فيما لو أشكك به وهو موجود، لا أبحث عن المال وأخسره وأبقى بحالة بائسة.
الإحتمالات للمؤمن: إما وعاء من العملة الذهبية أو لا شيء.
الإحتمالات للمشكك: إما لا شيء، أو خسارة وعاء العملة الذهبية.
يستخلص الشخص الغير منطقي، بالتالي، بأنه من الأفضل الإيمان بالوعاء الموجود بنهاية قوس قزح، لان الآفاق أفضل للمؤمن.
يتضح العوز الفكري في بنية رهان باسكال عبر هذه الموازاة، لكن، لا تقتصر المغالطات على هذه الناحية!
2.24. الرهان الإلحادي
وما الذي يحمله "الرهان الإلحادي"، المنشور من قبل الفيلسوف الأميركي مايكل مارتن في كتابه "الإلحاد: تبرير فلسفيّ" (العام 1989)؟
يتوجب عليك عيش حياتك وأن تحاول جعل العالم مكان أفضل عند المرور به، سواء آمنت بالله أو لا.
إن لم يكن هناك إله، فلن تخسر شيئاً، وسيتذكرك كل من تركتهم خلفك بعد موتك. إن يكن هناك إله خيِّر، فسيحاكمك على أفعالك أو يحكم عليك حسب مؤهلاتك، وليس لأنك آمنت به أم لا.
بحسب رهان مارتن "الإلحادي"، هناك ثمانية إحتمالات لا إثنين ولا أربعة، هي:
1. يمكن العيش بذهنية خيِّرة بظلّ الإيمان بالإله وبوجود إله خيّر. في هذه الحالة، سيذهب إلى السماء والفائدة أبدية.
2. يمكن العيش بذهنية خيِّرة في ظلّ عدم الإيمان بإله رغم وجود إله خيّر. في هذه الحالة، سيذهب إلى السماء والفائدة أبدية.
3. يمكن العيش بذهنية خيِّرة في ظلّ الإيمان بإله رغم عدم وجود إله خيّر. في هذه الحالة، قد ترك إرثاً طيّباً للعالم، الفائدة محدودة.
4. يمكن العيش بذهنية خيِّرة دون إيمان بإله رغم عدم وجود إله خيّر. في هذه الحالة، قد ترك إرثاً طيّباً للعالم، الفائدة محدودة.
5. يمكن العيش بذهنية شرِّيرة والإيمان بإله رغم وجود إله خيّر. في هذه الحالة، سيذهب إلى الجحيم، النكبة أبدية.
6. يمكن العيش بذهنية شرِّيرة دون إيمان بالإله رغم وجود إله خيّر. في هذه الحالة، سيذهب إلى الجحيم، المصيبة أبدية.
7. يمكن العيش بذهنية شرِّيرة والإيمان بالإله رغم عدم وجود إله خيِّر. في هذه الحالة، يترك إرثاً سيئاً للعالم، المصيبة محدودة.
8. يمكن العيش بذهنية شرِّيرة دون إيمان بالإله رغم عدم وجود إله خيّر. في هذه الحالة، يترك إرثاً سيِّئاً للعالم، المصيبة محدودة.
بناءاً على ما سبق، يتفوق خيار العيش بذهنية خيِّرة على العيش بذهنية شرِّيرة بوضوح، وبصورة مستقلة، عن الإيمان بالإله.
يستعيد رهان باسكال، كما رهان مارتن، المغالطة الشهيرة باسم "البرهان المزيّف ذو الحدّين"، لدى قبول وجود إحتمالين فقط، كما لو أنها ستشمل كل شيء.
في الحالة الأولى، الزعم بأن الإله سيكافيء الإيمان به؛ ويعاقب عدم الإيمان به، بصورة أبدية.
أما في الحالة الثانية، اعتبار أن البشر متوزعين بين أخيار أو أشرار، وأن وجود الإله ممكن ويتصف بأنه خيّر، أو ليس موجوداً، ولأنه خيّر، سيكافيء الأفعال البشرية لا الإيمان بأيّ حال.
كما قلتُ سابقاً، تتصف جميع الرهانات، إلى جانب أنها تمتليء بالأحكام المُسبقة (سيما رهان باسكال)، بالزيف لدى اعتبارها الإيمان "رهان".
لهذا، يجب أن يبدو الخيار طوعياً. لكن، لا يبدو هكذا.
يؤمن الشخص بشيء معقول بالنسبة له، ومهما لاءم الإيمان بشيء آخر، فلن يتمكن من تغيير إيمانه (أو لا إيمانه) طوعياً.
المشاعر أو العقائد، هي قضايا مستقلة عن حسابات المصلحة.
يتبع
تنويه: مصادر الموسوعة كاملة في الجزء الأوّل
للإطلاع على باقي الأجزاء
الموسوعة الإلحادية (1) إعداد: أحمد فاسم الحاج إبراهيم - مُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (2) متابعة المُقدِّمة
الموسوعة الإلحادية (3) تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (4) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (5) متابعة تعريف الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (6) ما يقوم الإلحاد به + شبح الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (7) ذهنية المُلحِد + الوصايا الإلحادية العشر
الموسوعة الإلحادية (8) لماذا يتحدث المُلحِد كثيراً حول الأديان والآلهة
الموسوعة الإلحادية (9) الإلحاد وتاريخ من الكفاح الطويل
الموسوعة الإلحادية (10) قصّة جديرة بالتذكُّر
الموسوعة الإلحادية (11) المُلحدون والموت
الموسوعة الإلحادية (12) البحث عن بدائل غير مادية
الموسوعة الإلحادية (13) الموت بحسب العلم
الموسوعة الإلحادية (14) إبيقور وتولستوي والموت
الموسوعة الإلحادية (15) كيف يواجه الملحدون الموت؟
الموسوعة الإلحادية (16) بخصوص الأخلاق
الموسوعة الإلحاديّة (17): الرئيسيّات والأنسنة والأخلاق
الموسوعة الإلحادية (18) النسبوية الأخلاقية وأخلاق الإتجاه الإنسانيّ العلمانيّ
الموسوعة الإلحادية (19) الأخلاق والإنتقاء الطبيعي والبحث عن الأخلاق لدى الرُضَّع
الموسوعة الإلحادية (20) الأخلاق فلسفياً والقيم بشرياً والقاعدة الذهبيّة
الموسوعة الإلحادية (21) الوظيفة الأخلاقية للدين والمشهد الأخلاقي لسام هاريس
الموسوعة الإلحادية (22) أصلُ النظرة السلبية للإلحاد وللملحدين
الموسوعة الإلحادية (23) هل الإلحاد عبارة عن دين آخر أو دين جديد؟
الموسوعة الإلحادية (24) الأدلة التي قادت الفيلسوف الفرنسيّ أندريه كونت سبونفيل إلى تبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (26) يُنهي أندريه كونت - سبونفيل كلامه حول الأدلة التي دفعته لتبني الإلحاد
الموسوعة الإلحادية (27) العلاقة بين الزندقة والإلحاد
الموسوعة الإلحادية (28) حول اللا أدريين والمُلحدين
الموسوعة الإلحادية (29) العلاقة بين الإلحاد والتفكير النقديّ
الموسوعة الإلحادية (30) عبارات إلحادية وتنويرية خالدة
الموسوعة الإلحادية (31) مُقرّر دراسيّ داعم للإلحاد
الموسوعة الإلحادية (32) ما يتعلق بالآلهة
الموسوعة الإلحادية (33) ما يخصّ العالم وكائناته وما يتعلق بالأرواح وترحالها
الموسوعة الإلحادية (34) ما يتعلق بالصلوات والمعجزات والأديان
الموسوعة الإلحادية (36) كتب وشخصيات هامة، الإلحاد القاتل ونقد إلحاديّ للإسلام

No comments:
Post a Comment