2025/10/13

Cognitive therapy (9) العلاجُ المعرفيُّ

 

12. الإحباط

تشكل القدرة على تجاوز الإحباط واحدة من أهم القدرات الأساسية للأشخاص.

يسمح لنا تجاوز الإحباط بالإستمتاع بالحياة أكثر، حيث لا نُضيِّع الوقت بإزعاج أنفسنا بالأشياء التي لا تعمل.

لنرى، بالتالي، كيف يمكننا تجاوز الإحباط. 

رغم أنَّها قدرة تُكتسَبُ خلال الطفولة بشكل رئيسي، كذلك، يمكن تعلمها.

كالعادة، في العلاج المعرفيّ، تكمن كلمة السرّ:

 بتغيير طريقتنا بالتفكير.

طوال حيواتنا، سنعاني جميعاً من المرور بنوع من المصائب.

 كم عددها؟

يمكن أن نحسبه.

بحسب دراسة حديثة، نواجه كأشخاص يومياً حوالي 23 إحباط:

 أزمة مرور، احتراق الطعام، مشكلة مع رب العمل، يجلب الولد شكوى مدرسية بسبب سوء سلوكه، ..... إلخ، بحيث يصل الرقم إلى 20000 إحباط أو مصيبة خلال الحياة بالإجمال.

 لكن، يتمثل الخبر الممتاز بإعتبار أنَّه ولا إحباط منها مهمّ في الواقع.

ففي الواقع، لا تملك آلاف المصائب تلك القدرة على إكساب حيواتنا طعم المرارة:

 إلا إذا سمحنا لها نحن بتحقيق هذا الأمر.

ببساطة، ما يمكننا عمله هو الفهم المسبق لتلك المصائب على أنها تشكل جزءاً من المشهد الحياتي المعتاد.

القبول لا يعني الإذعان

ينصحنا علم النفس المعرفي بامتلاك ثقة في الطبيعة المتآلفة لكل ما يحدث في الحياة، والأهم هو إمتلاك قدرة كبيرة على قبوله.

لكن، يمكن لأيّ شخص أن يتساءل:

ألا يشكل هذا الأمر نوعاً من الإذعان ببساطة؟

 ألا يجب التزام الكفاح لتحقيق الأهداف والأغراض؟

 نجد الجواب في مثل بوذي قديم، يقول:

"في الصيف، يسود الحرّ، فيما يحضر البرد في الشتاء!".

 يقول لنا هذا القول المأثور بأنه يوجد أشياء يتوجب علينا قبولها لأنها أكبر منّا ببساطة.

يوجد أفعال يمكن التحكّم بها، لكن، كذلك، هناك الكثير من الإحتمالات التي تحدث ببساطة.

نحن، في هذه الأثناء، يمكن لنا وضع قواعد لبعض الأشياء الحاصلة، لكن، كذلك، يتوجب علينا التحضُّر لتلقي جرعة جيدة من الأشياء غير المتوقعة والإحباطات.

في حال تركيزنا الزائد على مشهد عدم راحة، فلن نتمكن من الإستمتاع بمشاهد ممتعة كثيرة حاضرة حولنا.

تشكل المصائب جزءاً من الحياة، ولا يمكن تفادي القسم الأكبر منها.

 إن نقبلها، فلن تُزعجنا كثيراً.

يمكن أن نضع قواعد لكي تصبح الأمور بوضع أفضل، لكن، لا نحقق هذا الأمر دوماً.

يا لسوء الحظ!

لكن، لا مشكلة، فتستمر الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش.

13. المعاناة من الواجبات

الحديث عن الواجبات القائمة في عقولنا فقط.

تقوم هذه الواجبات بتلغيم قدرتنا على الإستمتاع، ويمكن أن تصل لتسرق كامل الطاقة.

تظهر المعاناة جرّاء وضعنا لواجبات على أنفسنا، بالعموم، لأننا نرى بأنه "يتوجب علينا" القيام بها أو بسبب الخشية من محاكمات الآخرين أيضاً.

يظهر القسم الأكبر من المشاكل الإنفعالية الحسية، التي يعاني الأشخاص منها بسبب الواجبات.

نقتنع عادة بامتلاكنا لكثير من الواجبات مع أبوينا، مع الأبناء، مع الأصدقاء ومع المحيط الاجتماعي. 

ونعتقد بأنه "يتوجب" علينا القيام بها، أو تذهب الأشياء نحو الأسوأ.

غالبية الواجبات مسببة للتوتُّرات، وتصدر عن إحتياجات مخترعة ومزعومة.

لا يجب علينا القيام بأشياء لا نحب أن نقوم بها.

الحياة قصيرة، بالتالي، لا يجب أن نضيعها في تحقيق واجبات غبية.

ما هو منطقي أكثر، هو القيام بما نرغب القيام به بصورة صادقة بسيطة.

ففي كثير من الأحيان، سيتفق هذا مع توقعات الآخرين، لكن، في مناسبات أخرى، لا يحدث هذا الأمر، ولا يحدث شيء.

الدليل الأساسيّ الداعم لإلغاء جميع الواجبات، هو:

 إحتياج الكائنات البشرية للقليل من الأشياء لتصبح، أو لتبدو، على ما يُرام.

في هذا الوضع، لا تحتاج عائلاتنا ولا يحتاج أصدقاؤنا للإحساس بالرضى لأجل إمتلاك حيوات سعيدة.

 لهذا، لا يوجد سبب يدعوهم للغضب. 

وفي حال إحساسهم بالغضب، فهي مشكلتهم.

 ربما يصلون لرؤية الأشياء بشكل مختلف مستقبلاً، وهو ما سيجعلهم أقرب إلى تحقيق سلامهم الداخلي.

يجب عمل الأشياء لأجل المتعة لا لأنها واجب.

14. أهميّة الصحّة

يجب فهم أنّ الصحة لا تملك كل تلك الأهمية التي نعتقدها لعدّة أسباب، بينها:

أ. كي لا يتم تهويل وتضخيم المرض ولا يجري تحويل الصحة إلى هوس.

ب. لكي تتم مواجهة المرض بتفاؤل، عندما يظهر عندنا.

ت. لكي نعيد ضبط نظام قيمنا العام.

لنبدأ بتوجيه ضربة مباشرة إلى نظام اعتقاداتنا غيرالعقلانية

قيل منذ زمن طويل:

"الصَحّة هي أهم شيء"، لكن، سنعمل على التحقق من صِحّة هذا الأمر، هنا، والآن.

 إعتباراً من علم النفس المعرفي الإدراكي، نتجرأ على تأكيد أن الصحة ليست أمراً أساسيّاً لأجل السعادة:

 فالسعادة بذاتها هي الأهم.

بكلمات أخرى، لا ننشغل بالصحة أكثر من انشغالنا بالإستمتاع بالحياة.

 مَنْ منّا يرغب بالعيش سنوات كثيرة وهو يشعر بتعاسة هائلة؟

بماذا تنفعنا الصحة، إن لا نتمتع بالحياة؟

 الصحة، التي تمكننا من عمل أشياء هامة ومسلية أكثر، هي هامة، لكن، لا تشكل الصحة بذاتها شيئاً عملياً.

في الواقع، يوجد كثيرون بصحة جيدة ويسيطر عليهم الإكتئاب، لكن، يرغبون بإنهاء حيواتهم.

 بصيغة ملموسة ما، أليس من الغباء إعطاء الأهمية لشيء، نعرف بأننا سنفقده حتماً بلحظة ما؟

فمن لحظة الوصول إلى البلوغ الجسدي وانقضاء فترة المراهقة، نبدأ بفقدان الصحة:

يتعب البصر، يؤلم الظهر، نفقد قدرة جنسية، ...الخ.

عاجلاً أو آجلاً، سنمرض جميعنا بأمراض خطيرة وسنموت.

لماذا نثير الكثير من الضجيج حول هذا الأمر إذاً؟

تشكل الأمراض والآلام والموت جزءاً من الحياة؛ ولا يوجد ما يدعو لفهمها على أنها نكبات تُنهي سعادة الأشخاص.

بل تشكل عمليات طبيعية، مزعجة فعلاً، لكن، كذلك، تفسح مجال كبير لظهور الفرح والمودة والأخوّة بين الناس.

أرقص(ي) خلال المرض

بكل تأكيد، يمكن أن نشعر بالسعادة خلال إصابتنا بالأمراض.

 حتى لو يكن المرض قاتلاً، ونعرف بأننا سنعيش لبضعة أشهر.

 يُتاح هذا الأمر تماماً، طالما أننا على هذه الأرض، حتى لو بقي بضعة أيام فقط، يمكننا القيام بعمل أشياء قيّمة لأجلنا ولأجل الآخرين، والاستمتاع به.

 في كل حال، بماذا ينفع التفكير بما يعاكس ما ورد؟

هل سيساعد جلد الذات والاشتكاء المتواصل على شفائنا؟

ترد غالبية الإنفعالات الحسية السلبية، التي نشعر بها خلال مرضنا (أو بمواجهة مرض شديد) من الإعتقاد الغبي السحري، الذي يقول:

"يتوجب عليَّ العيش لكثير من الأعوام، هذا مكتوب في السماء! وإن أمت دون سابق إنذار، لا يمكنني تحمل هذا الوضع، سأعتبره فشلاً ذريعاً!".

تشيع هذه الفكرة بشكل أكبر مما هو متوقع. رغم سخافتها، نعتمدها في أعماق عقولنا وهي المسؤولة عن الخوف من الأمراض أو من الموت.

تشكل الصحة، بالتالي، شيئاً يمكن أن نهتم به، لكن، لا يجب أن نقلق منه. 

من المهم الإعتناء بالجسد لأن البقاء بوضع سليم، سيسهل إمكانية الإستمتاع بالحياة، لكن، لا يوجد ما يدعو للهوس به لأنه لا يشكل إكسير السعادة.

تجدر الإشارة إلى وجود مشكلة إنفعالية حسية إسمها التوهم المرضي. حيث تنشأ عن القلق المفرط بالصحة والخوف من أي إحتمال بالإصابة بالمرض أو الإصابة بعدوى مرض ما.

ستساهم كثرة الخوف في ظلّ وضع صحي سيء بتفاقم المشاكل الصحية أكثر!

من المناسب الإهتمام بالصحة، لكن، لا يجب الإنشغال الزائد بها.

دون صحة يمكن الإحساس بسعادة غامرة، ومع صحة يمكن عيش لحظات تعاسة.

أن يبتعد الشخص عن نفسه هو أمر صحّي، أن لا يعطي الأهمية لنفسه، لأنه لا توجد صيغة أخرى أفعل لتحقيق راحة البال.

ملحوظة لغوية: في كل ما أترجمه إلى اللغة العربيّة، أضع فاصلة بعد "لكن" دوماً، علماً أنّ الإتجاه العام هو عدم وضع فاصلة .. أحبُّ هذه الفاصلة بعد "لكن" كثيراً؛ وعذراً إذا إنزعج أحدٌ منها!

يتبع

مواضيع ذات صلة

العلاج المعرفيّ (1) مقدمة ومصادر هذه السلسلة

العلاج المعرفيّ (2) في أصل الإنفعالات الحسيّة

العلاج المعرفيّ (3) الإستفظاع هو أمّ جميع الإضطرابات الإنفعالية

العلاج المعرفيّ (4) الرغبات والإحتياجات

العلاج المعرفيّ (5) الإنشغال الزائد وروتين النقاش المعرفيّ

العلاجُ المعرفيُّ (6) الملل والخجل وإتخاذ القرارات

العلاجُ المعرفيُّ (7) الصداقة وإطلاق الأحكام والشجار والتهدئة

العلاجُ المعرفيُّ (8) العدالة وضرورة العمل

العلاجُ المعرفيُّ (10) مصدر السعادة والمنهج العلاجي الإدراكي المعرفي واتقدير الذاتيّ والإكتفاء

العلاجُ المعرفيُّ (11) تجاوز العُقد ولا للصراع مع الأشياء والأشخاص

العلاجُ المعرفيُّ (12) مواجهة المصائب ولا خشية من المسؤولية وضرورة تخفيف القلق

العلاجُ المعرفيُّ (13) ضرورة تجاوز الآلام والمخاوف والموت

العلاجُ المعرفيُّ (14) تحقيق التغيير والرعونة والغيرة والعيش وحيداً

العلاجُ المعرفيُّ (15) قواعد نافعة وبرمجة العقل والمنهج العلاجي المعرفيّ

العلاجُ المعرفيُّ (16) النقاش المعرفيّ ونماذج القوّة الإنفعالية ومُعايرة لأجل التناغم

العلاجُ المعرفيُّ (17) تخيلات عقلانيّة والتحكُّم بالإنزعاجات

العلاجُ المعرفيُّ (18) لا للقلق من المردودية والإهتمام باللحظات الحاضرة

العلاجُ المعرفيُّ (19) الإستهزاء بالخوف وتجربة الفيلسوف ديوجين والتحرُّر من العادات السيِّئة وعدم القيام بشيء أمر حسن والمزاج المستقرّ

العلاجُ المعرفيُّ (20 والأخير) علم صراع جديد وتعلُّم التحاور وقول لا

أصلُ مُصطلح علم النفس

الفارق بين علم النفس المعرفي وعلم النفس السلوكي

No comments: