كيف يجب أن يُكتَب التاريخ
من أعمال لوقيان السميساطي
لوقيان، في رسالته إلى صديقه فيلو، وبعد تعريته لسذاجة طروحات مؤرخين معاصرين بإستخدام السخرية اللاذعة، ولربما لم تكن لتصلنا تلك الطروحات وطالها النسيان، يضع لوقيان قواعد ممتازة ويعطي توجيهات هامة مفيدة في كتابة التاريخ.
سيجد القاريء بأنّ عرض لوقيان ممتع ومسلي معاً، وربما، يدفع للتفكير ويحمل الفائدة ويتسم بالمعقولية.
هو عمل من أهم أعمال لوقيان.
1
عزيزي فيلو،
هناك قصّة عن ظهور وباء غريب في مدينة أبديرة، حيث ظهر إثر إرتقاء ليسيماخوس العرش مباشرة. بدأ الأمر بظهور عوارض الحُمى القويّة على جموع السُكّان. بمرور سبعة أيام، خفَّت الحُمّى، عن طريق خروج الكثير من الدم من الأنف ببعض الحالات لدى البعض، وحدوث تعرُّق غزير في حالات أخرى لدى البعض الآخر.
مع ذلك، بدت التداعيات الذهنية أقوى؛ وبصورة مسليّة، أنشدوا قصائد ثنائية المقطع من فوق خشبة المسرح، فصدر عنهم ضجيجاً مُسبِّباً للصمم.
إهتموا بتلاوة مقاطع من عمل يوربيديس (480-406 ق.م) المسرحي "أندروميدا"؛ بدؤوا واحداً تلو الآخر بإستعراض خطاب بيرسيوس العظيم؛ هكذا، غصَّت المدينة بذوي المآسي والوجوه الصفر والأجسام النحيلة، فأنشدوا الآلهة والبشر ومن يستنجد بهم.
تواصل هذا لبعض الوقت، إلى أن حلّ فصل الشتاء ووضع حدّاً لخبلهم ببرده القارس وصقيعه.
أجدُ تفسيراً للشكل الذي أخذه ذاك الوضع:
بدأ أرخيلاوس الممثل التراجيدي الأعظم، وخلال منتصف الصيف، حيث ساد جوّ حارّ جداً، لعب دور الأندروميدا هناك؛ فأصابت عدوى الحُمّى أغلبهم في المسرح، فأعقب فترة النقاهة حدوث نكسة – في قلب المأساة، تلاحقُ الأندروميدا ذكرياتهم، وظلَّ بيرسيوس عالقاً في مخيلتهم.
2
حسناً، الشبيه بالشبيه يُذكَرُ، تُعاني غالبية طبقتنا المثقفة، الآن، من الإصابة بوباء أبديرة. فيبدو تأثُّرهم بما حدث قليلاً، في الواقع؛ ربما نجد لهم بعض العذر – لدى تزودهم بقصائد ثنائية المقطع قد نظمها غيرهم، فيستحقون بعض التقدير؛ لكن، منذ أن تعقَّد الوضع – فأُعلِنَت الحرب الهمجية على البرابرة، ومن لحظة إنكسارنا في أرمينيا وتعاقب إنتصاراتنا – لا يمكنك العثور على شخص إلّا وتراه كاتباً للتاريخ؛ كلا، فأيّ شخص تلتقي به هو المؤرِّخ ثوقيديدس أو المؤرّخ هيرودوت أو المؤرّخ كسينوفون. القول المأثور القديم صحيح دون شكّ:
"فالحرب هي أم كل شيء، طالما أنها قد أنتجت هذا الكمِّ الهائل من المؤرخين دفعة واحدة!".
3
عزيزي فيلو، حين أراهم وأصغي إليهم، تخطر نكتة قديمة سينوبية (نسبة للفيلسوف سينوب) على بالي.
تقول الاخبار بأنّ إقتراب فيليب من مدينة كورنث، قد تسبب بإضطراب سكانها
وتوجُّه كل واحد منهم إلى عمله؛ بحيث يُعدُّ شخصٌ السلاحَ، يجلبُ آخرٌ الحجارةَ، فيما
يُرمِّمُ ثالثٌ جداراً، ويُرمِّمُ رابعٌ السورَ، يقوم كل واحد بفعل ما هو مفيد بشكل
أو آخر. إزاء هذه الجهوزية للقتال، لم يكن لدى ديوجانس الكلبيّ أيّ شيء يقوم به –
بالطبع، لم يفكر أحد بتكليفه بأيّ عمل – فبدأ بتحريك الجرّة (البرميل) التي نام
بها يمنة ويسرة وصعوداً وهبوطاً بحرارة؛ فسأله أحد معارفه عن سبب قيامه بهذا،
فأجابه قائلاً:
"لا
أرغب بأن يفكروا بأنني الشخص الوحيد المتكاسل عن الإشتراك بهذا الحراك العام؛
فأحرِّك جرّتي (برميلي) كي أبدو مثل الآخرين في حركة ونشاط!".
لقد قارنت ترجمتي لـ"كيف يجب أن يُكتَب التاريخ" مع ترجمة السيدين سعد صائب ومفيد عرنوق لذات الموضوع، فإستفدتُ بتصويب القليل من الأخطاء،
فشكراً لهما.
يتبع
المصدر
مواضيع ذات صلة
No comments:
Post a Comment